إسماعيل بن أبي حكيم
١٥٠ فقرة، ج ١ ص ٣٢٠
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٣٢٠
وهو مولًى لبني عديّ بنِ نَوْفلِ بنِ أسدِ بنِ عبد العُزّى بنِ قُصَيّ (٢) ، وقيل: ولاءُ إسماعيلَ لآلِ الزُّبيرِ بنِ العوّام، فاللَّهُ أعلم.
-
سكَنَ المدينة، وكان فاضلًا ثقةً، وتوفي بها سنة ثلاثين ومئة، وقيل: سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين ومئة.
-
وهو حُجّةٌ فيما روى عندَ جماعةِ أهلِ العلمِ.
-
لمالكِ عنه في "الموطأ" من حديثِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أربعةُ أحاديثَ؛ أحدُها متَّصلٌ مسندٌ، والثلاثةُ منقطعةٌ مرسلةٌ (٣) .
- ج ١ ص ٣٢١
حديثٌ أوّلُ لإسماعيلَ بن أبي حَكيم، مسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سُفيانَ الحَضرميِّ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ" .
-
عَبيدةُ بنُ سُفيانُ هذا من تابعي أهلِ المدينة، ثِقَةٌ حُجَّةٌ فيما نقَل، سمِع من أبي هريرةَ وأبي الجَعْدِ الضَّمْرِيِّ، روَى عنه محمدُ بنُ عمرٍو، وبُكيرُ بنُ الأشجِّ، وإسماعيلُ بنُ أبي حكيم (٢) .
-
وهذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ مجتمعٌ على صِحَّته (٣) .
-
وفيه من الفقه: أنَّ النهيَ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع نهيُ تحريم، لا نهيُ أدبٍ وإرشاد، ولو لم يأتِ هذا اللفظُ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لكان الواجبُ في النظرِ أن يكونَ نَهْيُه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع نَهْيَ تحريم، فكيف وقد جاء مُفسَّرًا في هذا الخبر؛ لأنَّ النَّهْيَ حقيقتُه الإبعادُ والزجرُ والانتهاءُ، وهذا غايةُ التحريم؛ لأنَّ التحريمَ في كلام العرب الحرمانُ والمنع، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} [القصص: ١٢] ؛ أي: حرَمناه رَضاعَهُنَّ ومنَعناه منهنَّ، ولم يكنْ ممّن تَجري عليه عبادةٌ في ذلك الوقت؛ لطفولتِه، والنَّهيُ يقتضي معنَى المنع كلِّه. وتقولُ العرب: حرَّمْتُ عليك دُخولَ داري؛ أي: منعتُكَ من ذلك. وهذا القولُ عندَهم في معنى: لا تَدخُلِ الدار. كلُّ ذلك منعٌ وتحريم، ونهيٌ وحرمانٌ.
- ج ١ ص ٣٢٢
وكلُّ خبرٍ جاء عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيه نهيٌ، فالواجبُ استعمالُه على التحريم، إلّا أن يأتيَ معه أو في غيرِه دليلٌ يبيِّنُ المرادَ منه أنّه ندبٌ وأدبٌ، فيُقضَى للدليل فيه، ألا ترَى إلى نهي رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نكاح الشِّغار، وعن نكاح المحرِم، وعن نكاح المرأةِ على عمَّتِها أو خالتِها، وعن قليلِ ما أسكَر كثيرُه من الأشربة، وعن سائرِ ما نهى عنه من أبوابِ الرِّبا في البيوع، وهذا كلُّه نهيُ تحريم، فكذلك النَّهيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، واللَّهُ أعلم.
-
وقد اختلف أصحابُنا في ذلك على ما سنُبيِّنُه في آخرِ هذا الباب إن شاء اللَّه.
-
ومما يدُلُّ على أنَّ ما رواه إسماعيلُ بنُ أبي حكيم، عن عَبيدةَ بنِ سفيان، عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ كما رواه، ما حدَّثني به أبو عثمانَ سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن زائدة، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حرَّمَ يومَ خيبرَ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع، والمُجثَّمة، والحمارَ الأهليَّ.
قال أبو عُمر: وأمّا ما جاء من النهي على جهةِ الأدب، وحُسنِ المعاملة، والإرشادِ إلى البرِّ، فنهيُه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أنْ يَمشيَ المرءُ في نعْلٍ واحدة (٢) ، وأن يَقرنَ
ج ١ ص ٣٢٣بينَ تَمرتينِ في الأكل (١) ، وأن يأكلَ من رأسِ الصَّحفة (٢) ، وأن يشربَ من في السِّقاء (٣) ، وغيرُ ذلك مثلُه كثيرٌ، قد عُلمَ بمخرجِه المرادُ منه.
-
وقد قال جماعةٌ من أهلِ العلم: إنَّ كلَّ نهي ثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في شيءٍ من الأشياء، ففعَله الإنسانُ مُنتهِكًا لحرمتِه، وهو عالمٌ بالنَّهي، غيرُ مضطرٍّ إليه، أنّه عاصٍ آثمٌ. واستدلُّوا بقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا نهَيتكم عن شيءٍ فانتَهوا عنه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعْتُم" (٤) . فأطْلَق النهيَ ولم يُقيِّدْه بصِفَة، وكذلك الأمرُ لم يُقيِّدْه إلّا بعدم الاستِطاعَة، فقالوا: إنَّ من شَرِب من في السِّقاء، أو مَشَى في نَعلٍ واحدة، أو قَرَن بينَ تمرتين في الأكْل، أو أكَلَ من رأسِ الصَّحْفة، ونحوَ هذا، وهو عالمٌ بالنهي، كان عاصيًا.
ج ١ ص ٣٢٤وقال آخرون: إنّما نهى عن الأكْلِ من رأسِ الصحفةِ لأنَّ البركةَ تنزِلُ منها، ونهى عن القِرانِ بينَ تمرتينِ لما فيه من سوءِ الأدبِ أن يأكُلَ المرءُ مع جليسِه وأكيلِه تمرتينِ في واحد، ويأخُذَ جليسُه تمرة، فمن فعَل فلا حرج، وكذلك النَّهيُ عن الشُّربِ من فيّ السِّقاءِ خوفَ الهوامِّ؛ لأنَّ أفواهَ الأسقيةِ تَقْصِدُها الهوامُّ، وربما كان في السِّقاءِ ما يُؤذِيه، فإذا جعَل منه في إناءٍ رَآه وسلِم منه.
-
وقالوا في سائرِ ما ذكَرنا نحوَ هذا ممّا يَطولُ ذكرُه. وما أعلمُ أحدًا من العلماءِ جعَل النهيّ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من هذا الباب، وإنّما هو من البابِ الأوّل، إلّا أنَّ بعضَ أصحابنا زعَم أنَّ النَّهيَ عن ذلك نهيُ تنزُّهٍ وتَقَذُّر. ولا أدري ما معنى قوله: نهيُ تَنزُّهٍ وتَقَذُّر. فإن أرادَ به نهيَ أدب، فهذا ما لا يُوافَقُ عليه، وإن أراد أنَّ كلَّ ذي نابٍ من السِّباع يجبُ التَّنزُّهُ عنه كما يجبُ التَّنزُّهُ عن النَّجاساتِ والأقذار، فهذا غايةٌ في التَّحريم؛ لأنَّ المسلمين لا يختلِفون في أنَّ النَّجاساتِ مُحرَّماتُ العين أشدَّ التَّحريم، لا يَحِلُّ اسْتباحةُ أكلِ شيءٍ منها، ولم يُردِ القائلون من أصحابِنا ما حكينا هذا عنهم، ولكنَّهم أرادُوا الوجهَ الذي هو عندَ أهل العلم ندْبٌ وأدبٌ؛ لأنَّ بعضَهم احتجَّ بظاهرِ قول اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} الآيةَ [الأنعام: ١٤٥] . وذكَر أنَّ من الصحابةِ منِ استعملَ هذه الآيةَ ولم يُحرِّمْ ما عداها، فكأنّه لا حرامَ عندَه على طاعم إلّا ما ذُكِر في هذه الآية.
-
ويَلزمُه على أصلِه هذا أن يُحِلَّ أكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وهو لا يقولُ هذا في الحُمُرِ الأهلية؛ لأنّه لا تعملُ الذَّكاةُ عندَه في لُحومِها ولا في جُلودِها، ولو لم يكنْ عندَه مُحرّمًا إلّا ما في هذه الآيةِ لكانت الحُمرُ الأهليّةُ عندَه حلالًا،
ج ١ ص ٣٢٥وهو لا يقولُ هذا، ولا أحدٌ من أصحابه، وهذه مُناقَضةٌ، وكذلك يَلزمُه ألّا يُحرِّمَ ما لم يُذكَرِ اسمُ اللَّه عليه عمدًا، ويَستحِلَّ الخمرَ المحرَّمةَ عندَ جماعةِ المسلمين، وقد أجمَعوا أنَّ مُستَحِلَّ خمرِ العِنَبِ المُسكِرِ كافرٌ مُرتدٌّ (١) ، يُستَتابُ، فإن تابَ ورجَع عن قوله، وإلّا استُبيح دمُه كسائرِ الكفار.
-
وفي إجماع العلماءِ على تحريم خمرِ العِنَبِ المُسْكِرِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد وجَد فيما أُوحيَ إليه محُرَّمًا غيرَ ما في سورة "الأنعام" ، مما قد نزَل بعدَها من القرآن، وكذلك ما ثبَت عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- من تحريم الحُمُرِ الأهليّة.
-
ومَن فرَّق بين الحُمُرِ وبينَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع فقد تَناقضَ، والنهيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع أصحُّ مخرجًا، وأبعدُ من العِلَل، من النَّهي عن أكلِ الحُمُرِ الأهليّة؛ لأنه قد رُوِيَ في الحُمُرِ أنّه إنّما نهاهُم عنها يومَ خيبر؛ لقلَّةِ الظَّهر (٢) . وقيل: إنّه إنّما نهى منها عن الجلّالةِ التي تأكُلُ الجِلّة، وهي العَذِرَةُ وسائرُ القَذَر (٣) . قد قال بهذا وبهذا قومٌ، ولا حُجَّةَ عندَه ولا عندَنا فيه؛ لثبوتِ
ج ١ ص ٣٢٦نهيِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك مُطلقًا وصحَّتِه (١) ، وأنَّ ما رُويَ مما ذكَرنا لا يَثبُتُ. وسيأتي القولُ في الحُمُرِ مُستَوعَبًا في بابِ ابنِ شهابٍ من كتابِنا هذا (٢) .
-
وأظنُّ قائلَ هذا القولِ من أصحابِنا في أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، راعَى اختلافَ العلماء في ذلك، ولا يجوزُ أنْ يُراعَى الاختلافُ عندَ طلبِ الحجَّةِ؛ لأنَّ الاختلافَ ليس منه شيءٌ لازمٌ دونَ دليل، وإنّما الحُجَّةُ اللازمةُ الإجماعُ لا الاختلافُ؛ لأنَّ الإجماعَ يجبُ الانقيادُ إليه؛ لقولِ اللَّه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} الآية [النساء: ١١٥] . والاختلافُ يجبُ طلبُ الدليل عندَه من الكتابِ والسُّنّة، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} الآيةَ [النساء: ٥٩] . يريدُ الكتابَ والسُّنّة. هكذا فسَّرَه العلماء.
-
فأما قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآيةَ [الأنعام: ١٤٥] ، فقد اختلَف العلماءُ في معناها؛ فقال قومٌ من فقهاءِ العراقيِّين ممّن يُجيزُ نسخَ القرآن بالسُّنة: إنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بالسُّنَّة؛ لنهي رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن
ج ١ ص ٣٢٧أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وعن أكلِ الحُمُرِ الأهليّة (١) . وقال آخرون: معنى قولِه هنا، أنِّي لا أجدُ فيما أُوحيَ إليَّ في هذه الحال، يعني في تلك الحالِ حالِ الوحي ووقْتِ نُزولِه؛ لأنّه قد أُوحيَ إليه بعدَ ذلك في سورة "المائدة" من تحريم المُنخَنِقَةِ والموقُوذةِ إلى سائرِ ما ذُكرَ في الآية، فكما أوحَى اللَّهُ إليه في القرآنِ تحريمًا بعدَ تحريم، جازَ أنْ يُوحَى إليه على لسانِه تحريمًا بعدَ تحريم، وليس في هذا شيءٌ من النَّسخ ولكنَّه تحريمُ شيءٌ بعدَ شيء.
قالوا: مع أنه ليس للحمارِ والسِّباع وذي المِخلَبِ والنَّابِ ذكرٌ في قولِه: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} . وذلك أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ إنّما ذكَر ثمانيةَ أزواج؛ من الضَّانِ اثنين، ومن المَعْزِ اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقرِ اثنين، ثم قال: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} . يعني، واللَّهُ أعلم، من هذه الأزواج الثمانية، {مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} . فزادَ ذِكْرَ لحم الخنزيرِ تأكيدًا في تحريمِه حيًّا وميِّتًا؛ لأنَّه ما حَرِّمَ لَحْمَهُ لم تَعملِ الذَّكاةُ فيه، فكان أشدَّ من الميتة، ولم يذكُرِ السِّباعَ والحميرَ والطَّيرَ ذا المِخلبِ بتحليلٍ ولا تحريم.
وقال آخرون: ليس السِّباعُ والحمرُ من بهيمةِ الأنعام التي أُحلَّتْ لنا، فلا يُحتاجُ فيها إلى هذا.
ج ١ ص ٣٢٨وقال آخرون: هذه الآيةُ جوابٌ لما سأل عنه قومٌ من الصحابة، فأُجيبوا عن مسألتِهم، كأنّهم يقولون: إنَّ معنى الآية: قُلْ: لا أجِدُ فيما أُوحيَ إليَّ ممّا ذَكَرْتم. أو: ممّا كنتم تأكلون. ونحوَ هذا قال طاووسٌ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، وتابَعهم قومٌ. واستدلُّوا على صحَّةِ ذلك بأنَّ اللَّهَ قد حرَّم في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشياءَ لم تُذكَرْ في الآية، لا يَختِلفُ المسلمون في ذلك.
-
ذكَر سُنيدٌ، عن حجّاج، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ أبي بكر، أنَّ مجاهدًا أخبرَه في قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} . قال: ما كان أهلُ الجاهليّةِ يأكلون، لا أجِدُ من ذلك محُرَّمًا على طاعم يَطعَمُه، {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} الآيةَ. قال حجّاجٌ: وأخبرنا ابنُ جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه مثلَه (١) .
-
وذكَر عبدُ الرَّزاق، عن معمر، عن قتادةَ نحوَه.
وقالت فرقةٌ: الآيةُ محُكمةٌ، ولا يحرُمُ إلّا ما فيها. وهو قولٌ يُروَى عن ابن عبّاس (٢) . وقد رُوِيَ عنه خِلافُه في أشياءَ حرَّمَها يطولُ ذِكرُها. وكذلك اختُلِفَ فيه عن عائشة (٣) .
- ج ١ ص ٣٢٩
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ من وجهٍ ضعيف (١) وهو قولُ الشعبيِّ وسعيد بن جُبير في الحُمُرِ الأهليّة، وكلِّ ذي نابٍ من السِّباع، أنّه ليس شيءٌ منها مُحرَّمًا (٢) .
-
وأما سائرُ فقهاءِ المسلمين في جميع الأمصار، فمخالفون لهذا القول، متَّبعون للسُّنةِ في ذلك.
وقال أكثرُ أهلِ العلم والنَّظَرِ من أهلِ الأثرِ وغيرهم: إنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخة، وكلُّ ما حرَّمه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مضمومٌ إليها، وهو زيادةُ حكم من اللَّه على لسانِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا فرقَ بينَ ما حرَّم اللَّهُ في كتابِه، أو حرَّمه على لسانِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ بدليلِ قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: ٥٩] ، وقوله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: ٨٠] ، وقوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: ٣٤] . قال أهلُ العلنم القرآنُ والسُّنَّةُ (٣) ، وقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: ٧] . وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: ٥٢ - ٥٣] . وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٦٣] . فقرَن اللَّهُ عزَّ وجلَّ طاعتَه بطاعتِه، وأوعَدَ
ج ١ ص ٣٣٠على مُخالَفتِه، وأخبَر أنّه يهدي إلى صراطِه. وبَسْطُ القولِ في هذا موجودٌ في كُتبِ الأُصول، وليس في هذه الآية دليلٌ على أنْ لا حرامَ على آكلٍ إلّا ما ذُكِرَ فيها، وإنّما فيها أنَّ اللَّهَ أخبَر نبيَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمَره أنْ يُخبِرَ عبادَه أنّه لم يَجِدْ في القرآنِ منصوصًا شيئًا مُحرَّمًا على الآكل والشَّارب إلّا ما في هذه الآية، وليس ذلك بمانع أنْ يُحرِّمَ اللَّهُ في كتابِه بعدَ ذلك، وعلى لسانِ رسولِه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشياءَ سوَى ما في هذه الآية.
-
وقد (١) أجمَعوا أنَّ سورةَ "الأنعام" مكيةٌ، وقد نزَل بعدَها قرآنٌ كثيرٌ، وسننٌ جمَّةٌ (٢) ، وقد نزَل تحريمُ الخمرِ في "المائدة" بعدَ ذلك، وقد حرَّم اللَّهُ على لسانِ نبيِّه عليه السلام أكْلَ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وأكلَ الحُمُرِ الأهليّة، وغيرَ ذلك، فكان ذلك زيادةَ حُكم من اللَّه على لسانِ نبيِّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، كنكاح المرأةِ على عمَّتِها وعلى خالتِها مع قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤] . وكحُكْمِه بالشاهدِ واليمين مع قول اللَّه: {فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: ٢٨٢] . وما أشبهَ هذا كثيرٌ، تركناه خشيةَ الإطالة، ألَا ترَى أنَّ اللَّهَ قال في كتابه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] . وقد حرَّم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أشياءَ من البيوع وإنْ تراضَى بها المتبايعان؛ كالمُزابنة (٣) ، وبيع ما ليس عندَك، وكالتجارة في الخمر، وغيرِ ذلك مما يطولُ ذكرُه.
-
وقد أجمعَ العلماءُ أن سورة "الأنعام" مكيةٌ إلا قوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآياتِ الثلاثَ [الأنعام: ١٥١ - ١٥٣] . وأجمَعوا أنَّ نهيَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع إنما كان منه بالمدينة,
ج ١ ص ٣٣١ولم يَروِ ذلك عنه غيرُ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ (١) ، وإسلامُهما مُتأخِّرٌ بعدَ الهجرةِ إلى المدينةِ بأعوام، وقد رُوِيَ عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلُ روايةِ أبي هريرةَ وأبي ثعلبةَ، في النَّهيِ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من وجهٍ صالح (٢) .
قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي: وهذا كلُّه يدُلُّ على أنّه أمرٌ كان بالمدينةِ بعدَ نُزول: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآيةَ؛ لأنَّ ذلك مكيٌّ.
قال أبو عُمر: قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآيةَ، قد أوضَحْنا بما أورَدْنا في هذا الباب بأنّه قولٌ ليس على ظاهرِه، وأنّه ليس نصًّا مُحكَمًا (٣) ؛ لأنّ النَّصَّ المحكَمَ ما لا يُختلفُ في تأويلِه، وإذا لم يكنْ نصًّا كان مُفتقرًا إلى بيانِ الرسولِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمرادِ اللَّه منه، كافتقارِ سائرِ مُجملاتِ الكتابِ إلى بيانِه، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] . وقد بيَّن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في أكْلِ كلِّ ذي نابٍ وأكلِ الحُمُرِ الأهليّةِ مُرادَ اللَّه، فوجَب الوقوفُ عندَه، وباللَّه التوفيق.
-
فإن قال قائل: إنَّ الحُمُرَ الأهليّة وذا الناب من السِّباع لو كان أكلُها حرامًا لكُفِّر مُستحِلُّها كما يُكفَّرُ مُسْتَحِلُّ الميتةِ والدمِ (٤) ولحم الخنزير.
- ج ١ ص ٣٣٢
فالجوابُ عن ذلك: أنَّ المُحرَّمَ بآيةٍ مُجتمَع على تأويلِها، أو سُنّةٍ مجتمَع على القولِ بها، يَكفُرُ مُستحلُّه؛ لأنّه جاءَ مَجيئًا يَقطعُ العُذْر، ولا يسوغُ فيه التأويل، وما جاء مَجيئًا يُوجبُ العمل، ولا يَقطعُ العُذْر، وساغَ فيه التأويلُ، لم يَكفُرْ مُستَحِلُّه وإنْ كان مُخطِئًا، ألا تَرى أنَّ المُسكِرَ من غيرِ شرابِ العنبِ لا يُكفَّرُ المتأوِّلُ فيه، وإنْ كان قد صحَّ عندَنا النّهيُ بتحريمِه، ولا يُكفَّرُ مَن يقولُ بأنَّ الصلاةَ يخرُجُ منها المرءُ ويتحلَّلُ بغيرِ سلام، وأنَّ السلامَ ليس من فرائضِها، مع قيام الدليلِ على وُجوبِ السلام عندَنا فيها، وكذلك لا يُكفَّرُ مَن قال: إنَّ قراءةَ أمِّ القرآنِ وغيرِها سواءٌ، وإنَّ تَعيينَ قراءتِها في الصلاةِ ليس بواجب، ومن قرَأ غيرَها أجزَأه، مع ثُبوتِ الآثارِ عن النبيِّ عليه السلام أنَّه لا صلاةَ إلّا بها، وكذلك لا يَكْفُرُ من أوجَبَ الزكاةَ على خمسةِ رجالٍ ملَكوا خمسَ ذَوْدٍ (١) من الإبل، ولا من قال: الصائمُ في السفرِ كالمُفطِرِ في الحَضَر. و: لا حِجَّ إلا على من ملَك زادًا وراحلةً. مع إطلاقِ اللَّه الاستطاعة، ونفيِه على لسانِ رسولِه عليه السلام أنْ يكونَ فيما دُونَ خمسِ ذودٍ صدقةٌ، وأنّه صامَ في السفر -صلى اللَّه عليه وسلم-. وهذا كثيرٌ لا يجهَلُه من له أقلُّ عنايةٍ بالعلم إنْ شاء اللَّه.
-
قرأتُ على عبدِ الرَّحمن بن يحيى (٢) ، أنَّ عليَّ بنَ محمدٍ أخبَرهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي سليمان (٣) ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ وَهْب،
ج ١ ص ٣٣٣قال: حدَّثنا يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وابنُ لهيعة، عن عبدِ الرَّحمن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنّه قال: "ذَرُوني ما ترَكتُكم، فإنّما أهلَك الذين من قبلِكم سُؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهم، فإذا نَهَيْتُكم عن شيءٍ فاجْتَنِبوه، وإذا أمَرتُكم بشيءٍ فخُذوا منه ما استَطَعتُم" (١) .
-
أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ التَّمّار (٢) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأشعث، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ عيسى، قال: حدَّثنا أشعثُ بنُ شُعبة، قال: حدَّثنا أرطاةُ بنُ المنذر، قال: سمِعتُ حكيمَ بنَ عُميرٍ أبا الأحوص يُحدِّثُ، عن العِرباضِ بنِ ساريةَ، قال: نزَلنا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خيبر. فذكَر الحديث، وفيه أنّه أمَر مُناديًا فنادَى: "إنَّ الجنةَ لا تَحِلُّ
ج ١ ص ٣٣٤إلّا لمؤمن، وأنِ اجتَمِعوا للصلاة ". فاجتمَعوا، ثم صلَّى بهم النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قامَ فقال: " أيحسَبُ أحدُكم مُتَّكِئًا على أريكتِه قد يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لم يُحرِّمْ شيئًا إلّا ما في هذا القرآن، ألا وإنِّي قد أمَرْتُ ووَعَظْتُ، ونَهَيْتُ عن أشياء، إنّها لَمِثْلُ القرآنِ أو أكثرُ، وإنَّ اللَّهَ لم يُحِلَّ لكم أنْ تَدخُلُوا بُيوتَ أهلِ الكتاب إلّا بإذن، ولا ضربَ نسائِهم، ولا أكلَ ثمارِهم، إذا أعْطَوْكم الذي عليهم ".
-
وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر (١) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الوهّابِ بنُ نجدة، قال: حدَّثنا أبو عمرٍو عثمانُ بنُ كثيرِ بن دينار، عن حَريز بنِ عُثمان، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عوف، عن المِقدام بنِ مَعْدي كرِبَ، عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنّه قال: "إنِّي أُوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شَبْعانُ على أرِيكَتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجَدتُم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجَدتم فيه من حَرام فحرِّمُوه، ألا لا يَحِلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كُلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطةُ مُعاهَدٍ إلّا أنْ يَستغنيَ عنها صاحبُها، ومن نزَل بقوم فعليهم أنْ يَقْرُوه فإنْ لم يقْرُوه فله أنْ يُعْقِبَهم بمثلِ قِراه".
- ج ١ ص ٣٣٥
ورواهُ بقِيّة، عن الزُّبيديِّ، عن مروانَ بنِ رُؤبة، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي عوفٍ الجُرَشيِّ، عن المقدام بنِ مَعْدي كَرِبَ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "ألا إنِّي قد أوتيتُ الكتابَ وما يَعدِلُه، يُوشِكُ شَبعانُ على أرِيكتِه" (١) ، فذكَره إلى آخرِه مثلَه.
-
وقرأتُ على أبي عمرَ أحمدَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ الباجيِّ فأقرَّ به، أنَّ الميمونَ بنَ حمزةَ الحسينيَّ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ. وقرأتُ على إبراهيمَ بنِ شاكر (٢) ، أنَّ محمدَ بنَ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أسلمُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بنُ سُليمان، قالا جميعًا: أخبَرنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ، عن سالم أبي النَّضر، أنّه سمِع عُبيدَ اللَّه بنَ أبي رافع يُخبِرُ، عن أبيه، قال: قال النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتَّكِئًا على أرِيكَتِه، يأتِيه الأمرُ من أمرِي ممّا أمَرْتُ به أو نهَيْتُ عنه، فيقول: لا ندري، ما وجَدنا في كتاب اللَّه اتَّبَعناه" (٣) .
ج ١ ص ٣٣٦قال ابنُ عُيينة: وأخبَرني به محمدُ بنُ المنكدر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُرسلًا (١) .
-
أخبَرنا خلفُ بنُ سعيد (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمد، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ خالد (٣) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، قال (٤) : أخبَرنا معمرٌ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعان، عن أبي نَضرَةَ أو غيرِه، قال: كنّا عندَ عِمرانَ بنِ حُصين، فكنّا نتَذاكرُ العِلمَ. قال: فقال رجلٌ: لا تَتحَدَّثوا إلّا بما في القرآن. فقال له عِمرانُ بنُ الحُصَين: إنَّك لأحمقُ، أوجَدْتَ في القرآنِ صلاةَ الظُّهرِ أربعَ ركَعات، والعصرَ أربعَ ركعات، لا يُجْهَرُ في شيءٍ منها؟ والمغربَ ثلاثًا، يُجْهَرُ بالقراءةِ في ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ في ركعة؟ والعشاءَ أربعَ ركَعات، يُجهرُ بالقراءةِ في ركعتين، ولا يُجهرُ بالقراءةِ في ركعتين؟ والفجرَ ركعتَين يُجهَرُ فيهما بالقراءة؟ قال: وقال عمرانُ: لَما نحن فيه يَعدِلُ القرآن.
- ج ١ ص ٣٣٧
أو نحوَه من الكلام. قال عليٌّ: ولم يكنِ الرجلُ الذي قال هذا صاحبَ بدعة، ولكنّه كانت زَلَّةً منه.
-
أخبَرنا أبو القاسم خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ ناصح المعروفُ بابنِ المفسِّر (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عليٍّ بن سعيدٍ القاضي، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشيد، قال: حدَّثنا بقيّةُ بنُ الوليد، عن محفوظِ بنِ مِسورٍ الفِهْرِيِّ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِر، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يُوشِكُ بأحدِكم يقول: هذا كتابُ اللَّه، ما كان فيه من حلالٍ أحلَلْناه، وما كان فيه من حرام حَرَّمناه. إلا مَنْ بلَغَه عنِّي حديثٌ فكذَّبَ به فقد كذَّب اللَّهَ ورسولَه والذي حدَّثَه" (٢) .
قال أبو عُمر: اختلَف الفقهاءُ في معنَى قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حرامٌ" ؛ فقال منهم قائلون (٣) : إنّما أراد رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقولِه
ج ١ ص ٣٣٨هذا ما كان يَعدُو على الناس؛ مثلَ الأسد، والذِّئب، والنِّمِر، والكلبِ العادي، وما أشبَهَ ذلك ممّا الأغلبُ في طبْعِه أنْ يَعدُوَ، وما كان الأغلبُ من طَبعِه أنَّه لا يَعدُو فليس ممّا عناه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقولِه هذا، وإذا لم يكنْ يَعدُو فلا بأسَ بأكلِه. واحتجُّوا بحديثِ الضَّبُع في إباحةِ أكْلِها وهي سَبُعٌ، وهو حديثٌ انفرَد به عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ اللَّه بنِ أبي عمّار، وقد وثَّقَه جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحديث، وروَوْا عنه حديثَه هذا، واحتجُّوا به، قال عليُّ بنُ المدينيِّ: عبدُ الرَّحمن بنُ أبي عمّار ثقةٌ مكيٌّ.
-
حدثناهُ عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ وسعيدُ بنُ نصر، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أُميّة، وابنُ جُريج، وجريرُ بنُ حازم، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عُبيدِ بنِ عُميرٍ حدَّثهم، قال: أخبَرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي عمّار، أنّه سألَ جابرَ بنَ عبدِ اللَّه عن الضَّبُع، فقال: آكُلُها؟ فقال: نعم. قال: أصَيدٌ هي؟ قال: نعم. قال: أسمِعتَ ذلك من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: نعم (١) .
- ج ١ ص ٣٣٩
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة، قال (١) : حدَّثنا وكيعٌ، عن جريرِ بنِ حازم، عن عبدِ اللَّه بنِ عُبيدِ بنِ عُمير، عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عمّار، عن جابرٍ، قال: جعَل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الضَّبُعَ من الصيْد، وجعَل فيه إذا أصابَه المحرِمُ كَبْشًا.
-
واحتجُّوا أيضًا بما ذكَره ابنُ وَهْبٍ وعبدُ الرَّزّاق (٢) جميعًا، قالا: أخبَرنا ابنُ جُريج، أنَّ نافعًا أخبَره، أنَّ رجلًا أخبَر عبدَ اللَّه بنَ عمرَ، أنَّ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ كان يَأكُلُ الضِّباعَ، فلم يُنكِرْه عبدُ اللَّه بنُ عمر.
-
وقال ابنُ وَهْب، عن ابنِ لهيعة (٣) ، عن أبي الأسودِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمن، أنّه سمِع عروةَ بنَ الزبير يقول: ما زالَتِ العربُ تَأكُلُ الضَّبُعَ، ولا ترَى بأكلِها بأسًا.
ج ١ ص ٣٤٠قالوا: والضَّبُعُ سَبُعٌ، لا نَخْتَلِفُ (١) في ذلك، فلمّا أجاز رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابُه أكْلَها، علِمْنا أنَّ نَهْيَه عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع ليس من جنسِ ما أباحَه، وإنَّما هو نوع آخرُ، واللَّهُ أعلمُ، وهو ما الأغلبُ فيه العَداءُ على الناس. هذا قولُ الشافعيِّ ومَن تابَعه.
قال الشافعيُّ (٢) : ذو النَّابِ المُحَرَّم أكلُه هو الذي يعدُو على الناس؛ كالأسَد، والنَّمِر، والذِّئب. قال: وتُؤكلُ الضَّبُعُ والثَّعلبُ. وهو قولُ الليثِ بنِ سعد (٣) .
وقال مالكٌ وأصحابُه (٤) : لا يُؤكَلُ شيءٌ من سباع الوحوشِ كلِّها، ولا الهرُّ الوَحشيُّ ولا الأهليُّ؛ لأنه سَبُعٌ. قال (٥) : ولا يُؤكَلُ الضَّبُعُ، ولا الثَّعلَبُ، ولا شيءٌ من سِباع الوَحش، ولا بأسَ بأكلِ سباع الطير. زاد ابنُ عبدِ الحكم في حكايتِه قولَ مالك، قال: وكلُّ ما يَفتَرِسُ ويأكلُ اللَّحمَ، ولا يرعَى الكَلأ، فهو سَبُعٌ لا يُؤكَلُ، وهذا يُشبِهُ السِّباعَ التي نهى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِها.
-
ورُوي عن أشْهبَ بن عبدِ العزيزِ، أنّه قال: لا بأسَ بأكلِ الفيلِ إذا ذُكِّيَ. وقال ابنُ وَهْب: وقال لي مالكٌ: لم أسمَعْ أحدًا من أهلِ العِلْم قديمًا ولا حديثًا بأرْضِنا يَنْهَى عن أكلِ كلِّ ذي مِخلبٍ من الطير. قال: وسمِعتُ مالِكًا يقول:
ج ١ ص ٣٤١لا يُؤكَلُ كلُّ ذي نابٍ من السِّباع. قال ابنُ وَهْب: وكان الليثُ بنُ سعدٍ يقول: يُؤكَلُ الهرُّ والثعلبُ (١) .
قال أبو عُمر: أمّا اختلافُ العلماءِ في أكْلِ كلِّ ذي المِخْلَبِ من الطيرِ وما يأكُلُ منه (٢) الجِيَف، فسنذكُرُه في بابِ نافع، عن ابنِ عمرَ من كتابِنا هذا، إن شاء اللَّه، عندَ قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خمسٌ فواسِقٌ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَم" (٣) . فذكَر منها الغُرابَ والحِدَأة، وذلك أوْلَى المواضع بذكرِه، وباللَّه العونُ لا شريكَ له.
-
وأمّا الآثارُ المرفوعةُ في النَّهْي عن أكلِ كلِّ ذي مِخْلَبٍ (٤) من الطير، فأكثرُها معلُولةٌ (٥) ، وسنَذْكُرُها في بابِ نافع إن شاء اللَّه.