إسماعيل بن أبي حكيم

١٥٠ فقرة، ج ١ ص ٣٢٠

الصفحة ٢ من ٤

  1. والحُجَّةُ لمالكٍ وأصحابِه في تحريم أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، عُمومُ النَّهْي عن ذلك، ولم يَخُصَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سَبُعًا من سَبُع، فكلُّ ما وقَع عليه اسمُ سَبُع فهو داخِلٌ تحتَ النَّهْي على ما يُوجِبُه الخِطابُ وتَعْرِفُه العربُ من لسانِها في مُخاطَباتِها، وليس حديثُ الضَّبُع ممّا يُعارَضُ به حديثُ النَّهْي عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؛ لأنّه حديثٌ انفرَد به عبدُ الرَّحمن بنُ أبي عمّار، وليس

    ج ١ ص ٣٤٢بمَشْهورٍ بنقلِ العِلْم، ولا ممّن يُحتَجُّ به إذا خالَفَه مَن هو أثبَتُ منه (١) . وقد رُوِي النَّهْيُ عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع من طُرُقٍ مُتواتِرةٍ عن أبي هريرة، وأبي ثعلبة، وغيرِهما، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، روَى ذلك جماعةٌ من الأئمّةِ الثِّقاتِ الذين تَسْكُنُ النَّفْسُ إلى ما نقَلُوه، ومُحالٌ أن يُعارَضُوا بحديثِ ابنِ أبي عمّار.

    ج ١ ص ٣٤١
  2. ذكَر عبدُ الرّزّاق (١) ، عن معمر، عن الزُّهريَّ، قال: الثعلبُ سبُعٌ لا يُؤكَلُ. قال معمرٌ: وقال قتادةُ: ليس بسَبُع.

    ج ١ ص ٣٤٣
  3. ورخَّص في أكلِه طاووسٌ وعطاءٌ من أجلِ أنّه يُؤذي (٢) .

  4. وأمّا العراقيُّون، أبو حنيفةَ وأصحابُه، فقالوا: ذو النابِ من السِّباع المنهيُّ عن أكْلِه: الأسَدُ، والذِّئبُ، والنَّمِرُ، والفهدُ، والثعلبُ، والضَّبُعُ، والكلبُ، والسِّنَّورُ البَرِّيُّ والأهليُّ، والوَبْرُ (٣) . قالوا: وابنُ عِرْس (٤) سَبُعٌ من سِباع الهَوامِّ، وكذلك الفِيلُ والدُّبُّ، والضَّبُّ، واليَرْبُوعُ (٥) .

    قال أبو يوسف: فأمّا الوَبْرُ فلا أحفَظُ فيه شيئًا عن أبي حنيفة، وهو عندي مثلُ الأرنب، لا بأسَ بأكلِه؛ لأنّه يَعتَلِفُ البُقولَ والنَّباتَ. وقال أبو يوسفَ في السِّنْجاب (٦) ، والفَنَك (٧) ، والسَّمُّور (٨) . كلُّ ذلك سَبُعٌ مثلُ الثعلب وابن عِرْس.

    ج ١ ص ٣٤٤قال أبو عُمر: أمّا الضَّبُّ فقد ثَبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إجازةُ أكلِه. وفي ذلك ما يَدُلُّ على أنّه ليس بسَبُع يَفتَرِسُ، واللَّهُ أعلم.

  5. ذكَر عبدُ الرَّزّاق، قال (١) : أخبَرني رجلٌ من ولدِ سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: كنتُ عندَ سعيدِ بن المُسيِّب، فجاءَه رجلٌ من غَطَفان، فسأله عن الوَرَل (٢) ، فقال: لا بأسَ به، وإن كان معكم منه شيءٌ فاطْعِمُونا منه. قال عبدُ الرَّزّاق: والوَرَلُ شِبْهُ الضَّبِّ.

  6. وأجاز الشعبيُّ أكلَ الأسدِ والفيل، وتلا: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا} الآيةَ (٣) . وقد كرِهَ أكْلَ الكلبِ والتَّداويَ به (٤) ، وهذا خلافٌ منه واضطراب.

  7. وكرِه الحسنُ وغيرُه أكلَ الفيل (٥) ؛ لأنه ذو ناب، وهم للأسدِ أشدُّ كراهيةً. وكرِه عطاءٌ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، أكلَ الكلب (٦) .

  8. ورُوِيَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الكلب، قال: "طُعْمَةٌ جاهليّةٌ، وقد أغنَى اللَّهُ عنها" (١) .

    ج ١ ص ٣٤٥
  9. وذكَر ابنُ عيينة، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن عبدِ اللَّه بن يزيدَ (٢) السَّعدِيِّ، قال: سألتُ ابنَ المسيِّب عن أكلِ الضَّبُع، فقال: إنَّ أكلَها لا يَصلُحُ (٣) .

  10. ومعمرٌ، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، أنّه سُئِل عن أكلِ اليَرْبُوع، فلم يَرَ به بأسًا (١) .

    قال (٢) مَعمَرٌ: وسألتُ عطاءً الخُراسانيَّ عن اليَرْبوع، فلم يَرَ به بأسًا (٣) .

    قال: وأخبَرنا ابنُ طاووس، عن أبيه، أنّه سُئِل عن أكلِ الوَبْر، فلم يَرَ به بأسًا (٤) .

    وقال ابنُ وَهْب: أخبَرني عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ المدنيُّ، قال: بلَغني عن عامرٍ الشعبيِّ، قال: نهى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ لحم القِرْد.

    قال أبو عُمر: وكَرِهه ابنُ عمرَ، وعطاءٌ، ومكحولٌ، والحسنُ، ولم يُجيزُوا بَيْعَه.

    وقال عبدُ الرَّزّاق (٥) ، عن مَعْمَر، عن أيوب: سُئِلَ مجاهدٌ عن أكلِ القِرْد، فقال: ليس من بهيمةِ الأنعام.

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ بينَ علماءِ المسلمين خِلافًا أنَّ القردَ لا يؤكلُ، ولا يجوزُ بَيْعُه؛ لأنّه مما لا منفعةَ فيه، وما علِمْتُ أحدًا أرْخَصَ في أكلِه، والكلبُ والفيلُ وذُو النابِ كلُّه عندي مثلُه، والحُجَّةُ في قولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا في قولِ غيرِه، وما يحتاجُ القِردُ ومثلُه أن يُنْهَى عنه؛ لأنه يَنْهَى عن نفسِه بزَجْرِ الطِّباع والنفوسِ لنا عنه، ولم يَبلُغْنا عن العربِ ولا عن غيرِهم أكلُه، وقد زعَم ناسٌ

    ج ١ ص ٣٤٧أنّه لم يكنْ في العربِ من يَأكُلُ الكلبَ إلّا قومٌ منهم نفرٌ من فَقعَسَ، وفي أحدِهم قال الشاعرُ الأسَدِيُّ (١) :

    يا فَقْعَسِيُّ لِمَ أكَلْتَه لِمَهْ

    لو خافَكَ اللَّهُ عليه حَرَّمَهْ

    فما أكَلْتَ لَحْمَه ولا دَمَهْ

    قال أبو عُمر: يعني قوله: لو خافكَ اللَّهُ عليه حَرَّمَهْ: أنَّ الكلبَ عندَه كان ممّا لا يَأكُلُه أحَد، ولا يُخافُ أحدٌ على أكلِه إلّا المضطَرَّ، واللَّهُ عزَّ وجلَّ لا يخافُ أحدًا على شيء، ولا على غيرِ شيء، ولا يَلحَقُه الخوفُ جَلَّ وتعالى عن ذلك (٢) . وأظنُّ (٣) الشعرَ لأعرابيٍّ لا يَقفُ على مثلِ هذا المعَنَى (٤) ، واللَّهُ أعلم.

    ج ١ ص ٣٤٦
  11. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه (٥) ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ يونس، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مَخْلد، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٦) : حدَّثنا محمدُ بنُ أبي عدِيٍّ، عن داودَ، قال: سُئِل الشَّعبيُّ عن رجلٍ يتَداوَى بلَحْم كلْبٍ، فقال: إن تَداوَى به فلا شَفاه اللَّه.

    ج ١ ص ٣٤٨قال (١) : وحدَّثنا يحيى بنُ آدم، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن مغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، أنّه أصابَهُ حُمَّى رِبْع (٢) ، فنُعِتَ له جَنْبُ ثعلب، فأبى أن يأكُلَه.

    قال (٣) : وحدَّثنا يَزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا هشامٌ (٤) ، عن الحسنِ، قال: الثعلبُ من السِّباع.

    قال أبو عُمر: من رخَّص في الثعلبِ والهرِّ ونحوِهما، فإنّما رخَّص في ذلك لأنها ليست عندَه من السِّباع المحرَّمةِ على لسانِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد ذكَرنا وَجْهَ التأويل في ذلك، وذكَرنا ما جاء عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من الرُّخصةِ في أكلِ الضَّبُع، وقد جاء عن عمرَ بنِ الخطاب، وعليِّ بنِ أبي طالب، وابنِ عباس، وسعد، في الضَّبُع، أنَّها صيدٌ، يَفدِيها المُحرِمُ بكَبْش (٥) . ومعلومٌ أنّها ذاتُ ناب.

    وقال عبد الرَّزّاق (٦) : أخبرنا الثوريُّ، عن سُهَيلِ بنِ أبي صالح، قال: جاء رجلٌ من أهلِ الشام، فسأل سعيدَ بنَ المُسيِّب عن أكلِ الضَّبُع، فنهاه، فقال له:

    ج ١ ص ٣٤٩إنَّ قومَكَ يأكُلُونها، فقال: إنَّ قومي لا يَعلَمون. قال سفيان: هذا القولُ أحبُّ إليَّ، فقلتُ لسفيانَ: فأين ما جاء عن عمر (١) ، وعليٍّ، وغيرِهما؟ فقال: أليسَ قد نَهى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع؟ فتَرْكُها أحبُّ إليَّ. وبه نأخُذُ.

    قال أبو عُمر: ليس أحدٌ من خلقِ اللَّه إلّا وهو يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ، إلّا النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنّه لا يُترَكُ من قولِه إلّا ما ترَكه هو ونسَخَه، قولًا أو عملًا، والحُجَّةُ فيما قال (٢) -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس في قولِ غيرِه حُجَّةٌ، ومن ترَك قولَ عائشةَ في رَضاع الكبيرِ وفي لَبنِ الفحل، وترَك قولَ ابنِ عبّاسٍ في العَوْلِ والمُتْعةِ وغيرَ ذلك من أقاويلِه، وترَك قولَ عمرَ في تَضعيفِ القيمَةِ على المُزَنيِّ (٣) ، وفي تَبْدِئَةِ المُدَّعَى عليهم باليمينِ في القَسَامة، وفي أنَّ الجُنُبَ لا يَتيَمَّمُ، وغيرُ ذلك من قولِه كثيرٌ، وترَك قولَ ابنِ عمرَ (٤) في أنَّ الزَّوجَ يَهدِمُ التَّطْليقةَ والتَّطليقتَيْن، وكراهيةِ الوُضُوءِ من ماءِ البحر، وسُؤْرِ الجُنُبِ والحائض، وغيرُ ذلك كثيرٌ، وترَك قولَ عليٍّ في أنَّ المُحدِثَ في الصلاةِ يَبْني على ما مضَى منها، وفي أنَّ بني تَغْلِبَ لا تُؤكَلُ ذبائحُهم، وغيرَ ذلك ممّا رُوَيَ عنه، كيف يَستَوْحِشُ من مُفارقةِ واحدٍ منهم، ومعه السُّنَّةُ الثابتةُ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهي المَلْجأُ عندَ الاختلاف؟ وغيرُ نكيرٍ أنْ يَخفَى على الصَّاحبِ والصَّاحبَيْن والثلاثةِ السُّنَّةُ المأثورةُ عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ألا ترَى أنَّ عمرَ في سَعَةِ عِلْمِه، وكثرةِ لُزُومه لرسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قد خفِيَ

    ج ١ ص ٣٥٠عليه من تَوريثِ المرأةِ من ديةِ زَوجِها، وحديثِ دِيةِ الجنين، وحديثِ الاستئذان، ما علِمَه غيرُه؟ وخَفِيَ على أبي بكرٍ حديثُ توريثِ الجَدَّة، فغيرُهما أحْرَى أنْ تَخفَى عليه السُّنَّةُ في خواصِّ الأحكام، وليس شيءٌ ملا من هذا بضائرِهم رَضي اللَّهُ عنهم، وقد كان ابنُ شهابٍ يقول، وهو حَبرٌ عظيمٌ من أحبارِ هذا الدِّين: ما سمِعْتُ بالنَّهْي عن أكْل كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حتى دخَلْتُ الشام. والعلمُ الخاصُّ لا يُنكَرُ أنْ يَخفَى على العالم حِينًا.

  12. حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ اللَّه (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّبّاح، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَة، عن الزُّهريِّ، عن أبي إدريسَ الخَولانيِّ، عن أبي ثعلبةَ الخُشَنيِّ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. قال سفيانُ: قال الزُّهريُّ: ولم أسمَعْ هذا حتى أتيتُ الشام (٢) .

    قال أبو عُمر: رُوِيَ عن خُزَيْمةَ بنِ جَزِيٍّ (٣) ، رجلٍ من الصحابة، أنّه قال:

    ج ١ ص ٣٥١قَدِمْتُ المدينةَ، فأتيتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقلتُ: جِئْتُ أسألُكَ عن أحْناشِ (١) الأرض، قال: "سَلْ عمّا شِئْتَ" ، فسألتُه عن الضَّبَ، فقال: "لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه" ، فقلتُ: إنِّي آكُلُ ما لم تُحرِّمْ، قال: "إنَّها فُقِدَتْ أُمَّةٌ، وإنِّي رأيتُ خلقًا رابَني" ، قال: وسألتُه عن الأرنب، فقال: "لا آكُلُه، ولا أُحَرِّمُه" ، قال: إنِّي آكُلُ ما لم تُحَرِّمْ، قال: "إنَّها تَدْمَى" ، قال: وسألتُه عن الثَّعلب، فقال: "ومن يَأكُلُ الثعلبَ؟ " ، قال: وسألتُه عن الضَّبُع، فقال: "ومن يَأكُلُ الضَّبُعَ؟ " ، قال: وسألتُه عن الذِّئب، فقال: "أو يَأكُلُ الذِّئبَ أحدٌ؟ " (٢) .

  13. وهذا حديثٌ قد جاء، إلّا أنّه لا يُحتجُّ بمثلِه لضعفِ إسنادِه، ولا يُعَرَّجُ عليه؛ لأنّه يَدُورُ على عبدِ الكريم بنِ أبي المُخارق، وليس يَرويه غيرُه، وهو ضعيفٌ متروكُ الحديث.

  14. وقد رُوِيَ من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن مَعقِلٍ صاحبِ الدَّثَنِيّة (٣) ، وهو رجلٌ يُعَدُّ في الصحابة، نحوُ هذا الحديث، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في الضَّبُع؟ قال: "لا آكُلُه، ولا أنهَى عنه" ، قال: قلت: ما لم تَنْهَ عنه فإنِّي آكُلُه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، فما تقولُ في الضَّبِّ؟ قال: "لا آكُلُه، ولا أنهي عنه" ، قال: قلت: ما لم تَنْهَ عنه فإنِّي آكُلُه، قال: وقلت: ما تقولُ في الأرنب؟ قال: "لا آكُلُها، ولا أُحرِّمُها" ، قال: قلت: ما لم تُحرِّمْه فإنِّي آكُلُه، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه،

    ج ١ ص ٣٥٢ما تقولُ في الذِّئب؟ قال: "أوَ يأكُلُ ذلك أحدٌ؟ " ، قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، ما تقولُ في الثعلب؟ قال: "أو يَأكُلُ ذلك أحدٌ؟ " (١) .

  15. وهذا أيضًا حديثٌ ضعيفٌ، وإسنادُه ليس بالقائم عندَ أهلِ العلم، وهو يدورُ على أبي محمد؛ رجلٌ مجهولٌ، وهو حديثٌ لا يَصِحُّ عندَهم، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَعْقِلٍ لا يُعْرَفُ إلّا بهذا الحديث، ولا تَصِحُّ صُحْبَتُه، وإنّما ذكَرْتُ هذا الحديثَ والذي قبلَه ليُوقَفَ عليهما، ولروايةِ الناسِ لهما، ولتتبيَّنَ العلَّةُ فيهما.

  16. وأما جُلودُ السِّباع المُذكّاةِ لجُلودِها، فقد اختلَف أصحابُنا في ذلك؛ فروَى ابنُ القاسم عن مالكٍ أنَّ السِّباعَ إذا ذُكِّيَتْ لجُلودِها حَلَّ بَيعُها، ولباسُها، والصلاةُ عليها.

    قال أبو عُمر: الذَّكاةُ عندَه في السِّباع لجُلودِها أكْمَلُ طهارَةً في هذه الروايةِ من الدِّباغ في جلودِ المَيْتَة، وهو قولُ ابنِ القاسم.

    وقال ابنُ القاسم في "المُدَوَّنة" (٢) : لا يُصَلَّى على جِلْدِ الحمارِ وإن ذُكِّي.

  17. وقوله: إنَّ الحمارَ الأهليَّ لا تَعمَلُ فيه الذَّكاةُ. وقال ابنُ حَبيبٍ في "كتابه" : إنّما ذلك في السِّباع المُختلَفِ فيها، فأمّا المُتفَقُ عليها فلا يجوزُ بَيعُها، ولا لُبْسُها، ولا الصلاةُ بها، ولا بأسَ بالانتفاع بها إذا ذُكِّيَتْ، كجلدِ المَيتَةِ المُدْبُوغ.

    ج ١ ص ٣٥٣قال ابنُ حَبيب: ولو أنَّ الدَّوابَّ؛ الحَميرَ والبِغالَ، ذُكِّيَتْ لجُلودِها لَما حَلَّ بَيعُها، ولا الانتفاعُ بها، ولا الصلاةُ فيها، إلّا الفَرَسَ؛ فإنّه لو ذُكِّيَ لحلَّ بَيعُ جِلْدِه، والانتفاعُ به للصلاةِ وغيرِها؛ لاختلافِ الناسِ في تَحرِيمِه. وقال أشهبُ: أكرَهُ بيعَ جلودِ السِّباع وإنْ ذُكِّيَتْ ما لم تُدْبَغْ. قال: وأرَى أنْ يُفسَخَ البيعُ فيها، ويُفسخَ ارْتهانُها، وأرَى أنْ يُؤدَّبَ فاعلُ ذلك، إلّا أنْ يُعْذَرَ بالجهالة؛ لأنَّ النبيَّ عليه السلامُ حرَّم أكلَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، فالذَّكاةُ فيها ليست بذَكاة. وروَى أشهبُ، عن مالك، في كتابِ الضحايا من "المُستَخرَجة" (١) أنَّ ما لا يُؤكَلُ لحمُه فلا يَطهُرُ جلدُه بالدِّباغ. وهذه المسألةُ في سَماع أشهبَ وابن نافع.

  18. وسُئِلَ مالكٌ: أترى ما دُبغ من جُلُودِ الدَّوابِّ طاهرًا؟ فقال: إنّما يُقالُ هذا في جلودِ الأنعام، فأمّا جُلودُ ما لا يُؤكلُ لحمُه، فكيف يكونُ جلدُه طاهرًا إذا دُبِغ وهو ممّا لا ذَكاةَ فيه ولا يُؤكَلُ لحمُه (٢) ؟

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا من الفقهاء قال بما رواه أشهبُ عن مالكٍ في جلدِ ما لا يُؤكَلُ لحمُه، أنّه لا يطهُرُ بالدِّباغ، إلّا أبا ثَوْرٍ إبراهيمَ بنَ خالدٍ الكَلْبيَّ، فإنَّه قال في "كتابِه" في جُلودِ المَيْتَةِ: كلُّ ما كان ممّا لو ذُكِّي حَلَّ أكْلُه، فمات، لم يُتَوَضَّأْ في جِلْدِه، ولم يُنْتفعْ بشيءٍ منه، حتى يُدْبَغَ، فإذا دُبغَ فقد طَهُرَ. قال: وما لا يُؤْكَلُ لو ذُكِّيَ، لم يُتوَضَّأْ في جلدِه وإنْ دُبِغ. قال: وذلك أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-

    ج ١ ص ٣٥٤قال في جلدِ شاةٍ ماتَتْ: "ألا دَبَغْتم جلدَها فانْتفعْتم به؟ " (١) . ونهَى عن جُلُودِ السِّباع. قال: فلمّا رُوِيَ الخبَرانِ أخَذْنا بهما جميعًا؛ لأنَّ الكلامَيْنِ جميعًا لو كانا في مجَلسٍ واحدٍ كان كلامًا صحيحًا، ولم يكنْ فيه تَناقُضٌ.

    قال: ولا أعلمُ خلافًا أنّه لا يُتوضَّأُ في جِلْدِ خنزيرٍ وإنْ دُبِغ، فلمّا كان الخنزيرُ حرامًا لا يَحِلُّ أكلُه وإنْ ذُكِّيَ، وكانتِ السِّباعُ لا يَحِلُّ أكلُها وإنْ ذُكِّيَتْ، كان حرامًا أن يُنْتَفَعَ بجلودِها وإنْ دُبِغَتْ، وأنْ يُتوضَّأ فيها، قياسًا على ما أجمَعوا عليه من الخنزير، إذْ كانتِ العِلَّةُ واحدةً.

  19. وذُكِرَ عن هُشَيمٌ، عن منصور، عن الحَسَن، أنَّ عليًّا كَرِه الصلاةَ في جُلودِ البغال (٢) .

    قال أبو عُمر: ما قاله أبو ثَوْرٍ صحيحٌ في الذَّكاةِ أنَّها لا تَعملُ فيما لا يَحِلُّ أكلُه، إلّا أنَّ قولَه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ" (٣) ، قد دخَل فيه كلُّ جلدٍ، إلّا أنَّ جمهورَ السَّلَفِ أجمَعوا على أنَّ جِلْدَ الخنزيرِ لا يَدْخُلُ في ذلك، فخرَج

    ج ١ ص ٣٥٥بإجماعِهم هذا -إن صَحَّ- أنَّ للخنزيرِ جلدًا يُوصَلُ إليه ويُستعمَلُ، وإنْ كان أصحابُنا قد اختلَفوا في ذلك على ما سنَذكُرُه ونُوضِّحُه في بابِ حديثِ زيدِ بنِ أسلَمَ، عن ابنِ وَعْلَة، عن ابنِ عباس، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: "كلُّ إهابٍ دُبِغ فقد طَهُرَ" ، إن شاء اللَّه.

  20. والحديثُ الذي ذكَر أبو ثورٍ في النهي عن جُلودِ السِّباع حدَّثناه جماعةٌ؛ منهم عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى القَطّان، عن ابنِ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي المَليح بنِ أسامة، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن جُلودِ السِّباع (١) .

  21. وقال محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ الحكم، وحكاه أيضًا عن أشهب: لا يجوزُ تَذْكِيَةُ السِّباع، وإنْ ذُكِّيَتْ لجلودِها لم يَحِلَّ الانتفاعُ بشيءٍ من جلودِها إلّا أنْ يُدْبَغ.

    ج ١ ص ٣٥٦قال أبو عُمر: قولُ ابنِ عبدِ الحكم وما حَكاه أيضًا عن أشهبَ في تَذْكِيَةِ السِّباع، عليه جمهورُ الفقهاءِ من أهلِ النَّظَر والأثرِ بالحِجازِ والعراقِ والشَّام، وهو الصحيحُ، وهو الذي يُشبِهُ أصلَ مالكٍ في ذلك، ولا يَصِحُّ أنْ يُتَقلَّدَ غيرُه؛ لوُضُوح الدليلِ (١) عليه، ولو لم يُعتبَرْ (٢) ذلك إلّا بما ذَبَحَه المحرِمُ، أو ذُبِحَ في الحرم، أنَّ ذلك لا يكونُ ذَكاةً للمذبوح؛ للنهي الواردِ فيه، وبالخنزيرِ أيضًا، وقد أجمَع المسلمون أنَّ الخلافَ ليس بحُجَّة، وأنَّ عندَه يَلزَمُ طلبُ الدليلِ والحُجَّة؛ ليبينَ الحقُّ منه، وقد بانَ الدليلُ الواضحُ من السُّنَّةِ الثابتةِ في تحريم السِّباع، ومحالٌ أن تَعْملَ فيها الذَّكاةُ، وإذا لم تَعملْ فيها الذَّكاةُ فأكثرُ أحوالِها أن تكونَ مَيْتة، فتطهُرَ بالدِّباغ، هذا أولى (٣) الأقاويلِ في هذا الباب. ولِما رواه أشهبُ عن مالكٍ وجْهٌ أيضًا، وأمّا ما رواه ابنُ القاسم عن مالكٍ فلا وجهَ له يصِحُّ، إلّا ما ذكروا (٤) من تأويلِهم في النَّهْيِ أنّه على التنزُّهِ لا على التحريم، وهذا تأويلٌ ضعيفٌ، لا يَعضُدُه دليلٌ صحيحٌ (٥) ، وباللَّه تعالى التوفيق (٦) .

  22. حديثٌ ثانٍ لإسماعيلَ بنِ أبي حكيم، مُرسَلٌ

    مالكٌ (١) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي حَكيم، أنّه سمِعَ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ يقول: كان من آخرِ ما تكلَّم به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن قال: "قاتَل اللَّهُ اليهودَ والنَّصارى (٢) ، اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ، لا يَبْقينَّ دِينانِ بأرضِ العرب" .

    ج ١ ص ٣٥٧
  23. هكذا جاء هذا الحديثُ عن مالكٍ في "الموطَّآت" (٣) كلِّها مَقطوعًا، وهو يتصلُ من وُجُوهٍ حِسانٍ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، من حديثِ أبي هريرةَ، وعائشة (٤) ، ومِن حديثِ عليِّ بن أبي طالب (٥) ، وأسامة (٦) .

  24. وأمَّا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ مرْوانَ بنِ الحكم بنِ أبي العاص بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصي، فأشهرُ وأجلُّ من أن يُحتاجَ إلى ذِكرِه.

    ج ١ ص ٣٥٨
  25. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ حكم (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ (٢) معاوية، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي حسانَ الأنمَاطي، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمار، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: أخبرني ابنُ شهاب، عن ابنِ المسيِّب، سمِع أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "قاتَل اللَّهُ اليهود، اتخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجدَ" (٣) .

  26. ورَواه مالكٌ، عن الزهريِّ بهذا الإسنادِ مثلَه؛ حدَّثناه أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدٍ الباجي (٤) ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا أبو داودَ سليمانُ بنُ سَيفٍ الحرَّاني، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمر، قال: أخبَرنا مالك، عن الزُّهريُّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرة، قال: لعَن رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذين اتَّخَذوا قبورَ أنبيائِهم مساجد (٥) .

  27. وقد روَى هذا الحديثَ سعيدُ بنُ أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن عائشة؛ ذكَره البَزّارُ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ علي، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارث، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي عَروبة، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن عائشة (١) .

    ج ١ ص ٣٥٩
  28. وقولُ ابنِ شهابٍ فيه: "عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هُريرة" أولَى بالصَّوابِ في الإسنادِ إن شاءَ اللَّه، وهو محَفوظٌ من حديثِ عروة، عن عائشة؛ أخبَرنا عُبيدُ بنُ محمد (٢) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ مسرور، قال: أخبَرنا عيسى بنُ مِسكين، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ سَنْجَر، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بنُ موسى، قال: حدَّثنا شيبان، عن هلالِ بنِ حُميد، عن عُروةَ، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في مرضِه الذي لم يَقُمْ منه: "لعَن اللَّه اليهودَ والنَّصارى، اتَّخذوا قُبورَ أنبيائِهم مساجدَ" . قالت: ولولا ذلك أُبرِزَ قبرُه، غيرَ أنَّه خُشِيَ عليه أن يُتَّخَذَ مسجدًا (٣) .

    ج ١ ص ٣٦٠قال أبو عُمر: لهذا الحديث، واللَّهُ أعلم، ورِوايةِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ له، أمرَ في خلافتِه أن يُجعلَ بُنيانُ قبرِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- محُدَّدًا برُكْنٍ واحد؛ لئلَّا يُسْتَقْبَلَ القبرُ فيُصَلَّى إليه.

  29. وأخبرنا عُبيدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه، قال: حدَّثني عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثنا ابنُ نُمير، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ نساءَ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تذاكَرْنَ في مرضِه كَنِيسَةً رَأَينَها بأرضِ الحَبَشَةِ، وذَكَرْنَ من حُسنِها وتصاويرِها، وكانت أُمُّ سلمةَ وأمُّ حبيبةَ قد أتَتا أرضَ الحَبَشَة، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أولئكَ قومٌ إذا مات الرَّجلُ الصالِحُ عندَهم بنَوْا على قبرِه مسجدًا ثم صوَّروا فيه تلكَ الصُّوَرَ، فأولئكَ شرارُ الخلقِ عندَ اللَّه" (١) .

    قال أبو عُمر: هذا يُحرِّمُ على المسلمين أن يتَّخِذوا قُبورَ الأنبياءِ والعلماءِ والصالحين مساجدَ. وقد احتجَّ مَنْ لم يرَ الصلاةَ في المقبُرةِ ولم يُجِزْها بهذا الحديث، وبقولِه: "إنَّ شرارَ الناسِ الذين يتخذون القبورَ مساجدَ" (٢) . وبقولِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "صلُّوا في بيُوتِكم، ولا تَجعَلْوها قُبورًا" (٣) .

  30. وهذه الآثارُ قد عارَضها (٤) قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "جُعِلت ليَ الأرضُ مسجدًا

    ج ١ ص ٣٦١وطَهورًا " (١) . وتلك فضيلةٌ خُصَّ بها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يَجوزُ على فضائِلِه النَّسْخُ، ولا الخُصوصُ، ولا الاستِثناءُ، وذلك جائزٌ في غيرِ فضائِلِه إذا كانت أمْرًا أو نهيًا، أو في معنَى الأمرِ والنَّهي، وبهذا يَستَبِينُ عندَ تَعارُضِ الآثارِ في ذلك أنَّ الناسخَ منها قولُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا "، وقولُه لأبي ذرٍّ: " حيثما أدركتْكَ الصلاةُ فصلِّ، فقد جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا " (٢) .

  31. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا أبان، عن قتادة، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن عائشة، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لعَن اللَّه أقوامًا اتَّخذوا قُبورَ أنبيائِهم مساجدَ" (٣) .

  32. وسيأتي من هذا ذِكرٌ في بابِ مُرسَلِ زيدِ بنِ أسلم، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (٤) إن شاء اللَّه.

  33. وأمَّا قولُه في حديثِ مالك: "لا يَبْقَيَنَّ دِينانِ بأرضِ العربِ" . فأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيَى بنِ عمرَ بنِ علي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حرب، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة، عن سُليمانَ الأحولِ خالِ (١) ابنِ أبي نَجيح، عن سعيدِ بنِ جُبير، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقول: يومُ الخميسِ وما يومُ الخميسِ! ثم بكَى حتى بلَّ دمعُه الحصَى، قلت: يا أبا عبّاس، وما يومُ الخميسِ؟ قال: اشتدَّ برسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الوَجَع، فقال: "ائتُوني أكتُبْ لكم كِتابًا لا تَضِلُّوا بعدَه" . فتنازَعُوا عندَه، فقال: "لا ينبغِي عندِي التَّنازُعُ، ذَرُوني" . وأمرَهم بثلاثٍ، فقال: "أخرِجُوا المشركينَ مِن جزيرةِ العرب، وأجِيزُوا الوفدَ بنحوٍ ممَّا كنتُ أُجِيزُهم" ، والثالثةُ إمَّا سكَتَ عنها -يعني ابنَ عباسٍ- وإمَّا قالها فنسِيتُها؛ يقولُه سعيدُ بنُ جُبير (٢) .

    ج ١ ص ٣٦٢
  34. وذكر الحميدي (٣) وعبدُ الرَّزَّاق (٤) ، عن سُفيانَ بنِ عُيينة، بإسنادٍ مثلَه.

  35. أخبرنا عُبيدُ بنُ محمد (٥) ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ مَسرور، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ مسكين، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجَر (٦) ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُريج, قال: أخبرني أبو الزُّبير, أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول، أنَّه

    ج ١ ص ٣٦٣سمِع عمرَ بنَ الخطَّابِ يقول، أنَّه سمِع النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لأُخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارَى مِن جزيرةِ العرب" (١) .

  36. وذكَره عبدُ الرَّزَّاق، قال (٢) : أخبَرنا ابنُ جريج، قال: أخبَرني أبو الزبير، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللَّه يقول: أخبَرني عمرُ بنُ الخطَّاب، أنَّه سمِع رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لأُخرِجنَّ اليهودَ والنَّصارَى من جزيرةِ العربِ حتى لا أدَعَ بها إلَّا مُسلمًا" .

    قال عبدُ الرَّزَّاقِ (٣) : وأخبَرنا معمر، عن ابنِ شهاب، عن ابنِ المسيِّب، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يجتمِعُ بأرضِ العربِ - أو قال: بأرضِ الحجازِ- دِينانِ" ، قال: ففحَص عن ذلك عمرُ بنُ الخطَّابِ حتى وجَد عليه الثَّبَتَ. قال الزُّهريُّ: فلذلك أجلَاهم عمر.

    قال (٤) : وأخبرني ابنُ جريج، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ بمعنى حديثِ ابنِ المسيب. وحديثُ موسى بنِ عقبةَ أكملُ، وفيه: حتى أجلَاهُم عمرُ إلى تَيماءَ وأريحا.

  37. أخبَرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبة، قال (٥) : حدَّثنا وكيعُ بنُ الجرَّاح، عن إبراهيمَ بنِ

    ج ١ ص ٣٦٤ميمونٍ مولَى آلِ سَمُرةَ، عن إسحاقَ بنِ سَمُرةَ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاح، قال: آخرُ ما تكلَّمَ به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن قال: "أخْرِجُوا اليهودَ مِن الحِجازِ، وأهلَ نَجْرانَ مِن جزيرةِ العرب" .

  38. هكذا قال وكيعٌ فيمَا صحَّ عندَنا من مُسندِ ابنِ أبي شَيبةَ، وخَالَفه سفيانُ بنُ عُيينةَ، ويحيَى القطَّان، وإسماعيلُ بنُ زكريَّا، وأبو أحمدَ الزُّبيريُّ، كلُّهم قال مكانَ "إسحاقَ بنِ سمرةَ" : "سعدَ بنَ سَمُرةَ" :

    قرَأتُ على سعيدِ بنِ نصر، أنَّ قاسمًا حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التَّرْمِذِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ الزُّبيرِ الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ ميمونٍ مولَى آلِ سمرةَ، عن سعدِ بنِ سمرةَ، عن أبيه سمرةَ، عن أبي عبيدةَ بنِ الجرَّاح، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أخْرِجُوا يهودَ الحجازِ" .

  39. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا

    ج ١ ص ٣٦٥بكرُ بنُ حمَّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال (١) : حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ -يعني القطَّانَ- عن إبراهيمَ بنِ ميمون، قال: حدَّثني سعدُ بنُ سمرةَ بنِ جُندُبٍ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ، قال: إنَّ من آخرِ ما تكلَّمَ به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن قال: "أخْرِجُوا يهودَ الحجازِ ونجرانَ من جزيرةِ العربِ، واعلَموا أنَّ شِرارَ عبادِ اللَّه الذينَ اتَّخذوا قُبُورَهُم مساجد" .

  40. أخبَرنا قاسمُ بنُ محمد (٢) ، قال: أخبَرنا خالدُ بنُ سعدٍ (٣) ، قال: أخبَرنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ منصورٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ سَنجَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ زكريَّا، عن إبراهيمَ بن ميمون، عن سعدِ بنِ سمرةَ بنِ جُندُبٍ، عن أبيه، عن أبي عُبيدةَ بنِ الجرَّاح، قال: آخرُ ما تكلَّمَ به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن قال: "أخْرِجوا يهودَ الحجازِ وأهلَ نجرانَ من جزيرةِ العربِ، وإنَّ شِرارَ الناسِ ناسٌ يتَّخِذُون القُبورَ مساجد" (٤) .