محمد بن شهاب الزهري

١٩٠ فقرة، ج ٤ ص ٩١

الصفحة ٢ من ٥

  1. أخبرنا أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكِنانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاق بنُ إبراهيمَ بنِ جابرٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، قال: حدَّثنا مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابَروا، ولا تَنافَسُوا، وكونوا عبادَ الله إخْوانًا، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ" (٣) . قال حمزةُ: لا أعلمُ أحدًا قال في هذا الحديثِ عن مالكٍ: "ولا تَنافسوا" غيرَ سعيدِ بنِ أبي مريمَ، وقد روَى هذه اللفظةَ: "ولا تَنافَسُوا" عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ (٤) .

    ج ٤ ص ١٠٣
  2. وفي هذا الحديثِ من الفقه: أنّه لا يحلُّ التَّباغُضُ؛ لأنَّ التَّباغُضَ مَفسدةٌ للدِّينِ، حالقِةٌ له، ولهذا ما أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بالتَّوادِّ والتَّحابِّ، حتى قال: "تَهادَوا تَحابُّوا" (١) .

    ج ٤ ص ١٠٤
  3. وروى مالكٌ (٢) ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ يقولُ: ألا أُخْبِرُكم بخيرٍ من كثيرٍ من الصلاةِ والصدقةِ؟ قالوا: بلى، قال: صلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وإياكم والبِغْضةَ، فإنَّها هي (٣) الحالِقَةُ.

  4. وكذلك لا يحلُّ التَّدابرُ، والتَّدابرُ: الإعْراضُ وتركُ الكلام والسلام ونحوِ هذا (٤) . وإنَّما قيل للإعراضِ: تدابرٌ؛ لأنَّ مَن أبغَضته أعرَضتَ عنه، ومن أعرَضتَ عنه ولَّيتَه دُبرَك، وكذلك يَصنعُ هو بك، ومن أحبَبتَه أقبَلتَ عليه وواجَهتَه، لتَسُرَّه

    ج ٤ ص ١٠٥ويسُرَّك. فمعنى "تَدابَروا" ، و "تَقاطَعوا" ، و "تَباغَضوا" ، معنًى متداخلٌ متقاربٌ، كالمعنى الواحدِ في النَّدبِ إلى التَّواخي والتَّحابِّ، فبذلك أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في معنَى هذا الحديثِ وغيرِه، وأمرُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على الوجوبِ حتى يأتيَ دليلٌ يُخرِجُه إلى معنَى النَّدبِ.

  5. وهذا الحديثُ وإن كان ظاهِرُه العمومَ، فهو عندي مخصوصٌ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، حيثُ أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابَه أنْ يَهجُروه ولا يُكلِّموه، هو، وهِلالَ بنَ أُميَّةَ، ومُرارةَ بنَ رَبيعةَ؛ لتَخلُّفِهم عن غزوَةِ تَبوكَ، حتى أنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ توبتَهم وعُذْرَهم، فأمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابَه (١) أن يُراجِعوهم الكلامَ (٢) . وفي حديثِ كعبٍ هذا ما دليلٌ (٣) على أنّه جائزٌ أن يهجُرَ المرءُ أخاه إذا بدَتْ "له" منه بِدْعةٌ أو فاحشةٌ، يرجو أن يكونَ هِجرانُه تأديبًا له، وزجرًا عنها، واللهُ أعلم.

  6. وكذلك قولُه أيضًا في هذا الحديثِ: "لا تحاسَدوا" يقتضي النهيَ عن التحاسُدِ، وعن الحسَدِ في كلِّ شيءٍ، على ظاهِرِه وعُمومِه، إلّا أنّه أيضًا عندي مخصوصٌ بقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "لا حسَدَ إلّا في اثنتين، رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفِقُه آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ" ، هكذا رواه عبدُ الله بنُ عمرَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.

  7. وروى ابنُ مسعودٍ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: "لا حسدَ إلّا في اثنتين، رجلٌ آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به ليلَه، ورجلٌ آتاه اللهُ الحكمةَ، فهو يقضِي بها ويُعلِّمُها" (١) .

    ج ٤ ص ١٠٦
  8. فكأنه صلى الله عليه وسلم -على ترتيبِ الأحاديثِ وتهذيبِها- قال: لا حسدَ، لكنَّ الحسدَ ينبغي أن يكونَ في قيام الليلِ والنهارِ بالقرآنِ، وفي نفقةِ المالِ في حقِّه، وتعليم العلم أهلَه، ولا هجرةَ إلّا لمن ترجو تأديبَه بها (٢) ، أو مَن تخافُ من شرِّه في بدعةٍ أو غيرِها، واللهُ أعلم.

  9. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ الطّائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لا حسَدَ إلّا في اثنتين: رجل (٣) آتاه اللهُ القرآنَ، فهو يقومُ به آناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، ورجلٌ آتاه اللهُ مالًا، فهو يُنفِقُ منه (٤) آناءَ الليلِ وآناءَ النهار" (٥) .

  10. وقد رُوي هذا الحديثُ عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سالم، عن أبيه. ولكنَّه غريبٌ لمالكٍ، وهو لا يصلُحُ له (٦) ، وهو صحيح من حديثِ الزهريِّ.

  11. وروى يزيدُ بنُ الأخنسِ -وكانت له صحبةٌ- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَ حديثِ ابنِ عمرَ هذا سواء (١) .

    ج ٤ ص ١٠٧
  12. وأخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكَن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا قيسٌ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "لا حسدَ إلّا في اثنتين؛ رجل آتاه اللهُ مالًا فسلَّطه على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ آتاه اللهُ حكمةً، فهو يقضي بها ويُعلِّمُها" .

  13. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح (٣) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٤) : حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن شيبانَ وهشام الدِّستوائيِّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن يَعيشَ ينِ الوليدِ بنِ هشام - زاد شيبانُ: عن مولى الزُّبيرِ- عن الزُّبيرِ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "دبَّ

    ج ٤ ص ١٠٨إليكم داءُ الأُمم قبلَكم؛ الحسدُ والبغضاءُ، حالقتا (١) الدِّينِ، لا حالقتا الشَّعَرِ ". قال أبو معاويةَ -يَعني شيبانَ- في حديثه: " والذي نفسي بيدِه، لا تدخُلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أفلا أُنبِّئكم (٢) بشيءٍ (٣) إذا فعلْتموه تحابَبتم؟ أفشُوا السلامَ بينكم" (٤) .

  14. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال (١) : حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، عن حرب بن شَدّاد، عن يحيى بنِ أبي كثير، قال: حدَّثني يعيشُ بنُ الوليدِ، أنَّ مولَى الزُّبيرِ بن العَوّام (٢) حدَّثه، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "دَبَّ إليكم داءُ الأُمَم قبلَكم؛ الحسدُ والبغضاءُ" . وذكَر الحديثَ (٣) .

    ج ٤ ص ١٠٩
  15. حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ مروانَ، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ سليمانَ بنِ عمرٍو البغداديُّ بمِصرَ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ محمدِ بنِ عُفَيْرٍ الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا أبو مسعودٍ أحمدُ بنُ الفُراتِ الأصبهانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ (٤) ،

    ج ٤ ص ١١٠قال: أخبرنا معمر، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، قال: كُنّا جُلوسًا عندَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يطلُعُ عليكم الآنَ رجل من أهلِ الجنَّةِ" . قال: فطلَع رجل من الأنصارِ، وقد توضَّأ ولحيتُه تَنْطِفُ (١) من وضوئِه، وقد علَّق نَعْليهِ في يدِه الشِّمالِ، فسلَّم، فلمّا كان الغدُ قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَ ذلك، فطلَع ذلك الرجلُ على مثلِ حالِه الأوَّلِ، فلمّا كان اليومُ الثالثُ قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مثلَ مقالتِه الأُولى، فطلَع ذلك الرجلُ على مثْلِ هيئتِه، فلمّا قام تبِعه عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ العاص، وقال: إنِّي (٢) لاحَيْتُ أبي، وأقسَمتُ ألّا أدخُلَ عليه ثلاثًا، فإن رأيتَ أن آوِيَ عندَك حتى تمضيَ الثلاثُ فعَلتَ. فبات معه ثلاثًا، فلمْ يَرَه يقومُ من الليلِ شيئًا، غيرَ أنّه إذا تعارَّ (٣) من الليلِ أو تقلَّبَ على فراشِه، ذكَر اللهَ وكبَّر حتى يقومَ لصلاةِ الفجرِ (٤) . قال: فلما مضَت الثَّلاثُ ليالٍ، وكِدْتُ أحتَقِرُ عملَه، قلتُ: يا عبدَ الله، إنَّه لم يكن بيني وبينَ أبي هجرةٌ ولا غضبٌ، غيرَ أني سمِعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقولُ ثلاثَ مراتٍ: "يطلُعُ عليكم رجل من أهلِ الجنَّةِ" . فطلَعتَ أنت ثلاثَ مرّاتٍ، فأردتُ أن آويَ إليك ليلًا، لأنظُرَ عملَك، فأقتدِيَ بك، فلم أرَك تعمَلُ كبيرَ عملٍ، فما الذي بلَغ بك ما قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: ما هو إلّا ما رأيتَ. غيرَ

    ج ٤ ص ١١١أني لم أجدْ في نفسي لأحدٍ من المسلمين غشًّا، ولا أحسُدُه على خيرٍ أعطاه اللهُ إيّاهُ. فقلتُ: هو الذي بلَغ بك، وهو الذي لا نُطيقُ.

    قال أبو عمر: قد ذمَّ اللهُ عزَّ وجلَّ قومًا على حَسَدِهم آخَرين آتاهم اللهُ من فضلِه، فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: ٥٤] ، وقال تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: ٣٢] .

  16. أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أنَّ أباه أخبره، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا بَقيُّ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: لما رفعَ اللهُ (٢) موسى نجيًّا، رأى رجلًا متعلِّقًا بالعرشِ، فقال: يا ربِّ، من هذا؟ قال: هذا عبدٌ من عبادي صالحٌ، إن شئتَ أخبَرتُك بعملِه. قال: يا ربِّ، أخبِرْني. قال: كان لا يحسُدُ الناسَ على ما آتاهم اللهُ مِن فضلِه.

    قال: وحدَّثنا أبو بكرٍ (٣) ، قال: حدَّثنا غُندَر، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قوله: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: ٩] . قال: الحسدُ.

  17. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أضبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكُلُ النّارُ الحطبَ" .

    ج ٤ ص ١١٢
  18. وحدَّثنا سعيا وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مَسلَمةَ بنِ قَعْنَبٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي أَسِيدٍ، عن جَدِّه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه كان يقول: "إيّاكم والحسدَ، فإنَّ الحسدَ يأكُلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ" (٢) .

  19. وحدَّثنا أحمدُ بنُ فتح، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ بنُ المفسِّرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن عبدِ الصَّمدِ، قال: حدَّثنا موسى بنُ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا مخلَدُ بنُ الحسينِ،

    ج ٤ ص ١١٣قال: حدَّثنا هشامٌ، عن الحسن، قال: ليس أحَدٌ من ولدِ آدَمَ إلّا وقد خُلِق معه الحسدُ، فمَن لم يُجاوِزْ ذلك إلى البغي والظُّلم لم يَتْبَعْه منه شيءٌ (١) .

  20. ورُوي عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بإسنادٍ لا أحفَظُه في وقتي هذا أنّه قال: "إذا حسَدتم فلا تَبغُوا، وإذا ظَنَنتُم فلا تُحقِّقوا، وإذا تطيَّرتم فامضوا، وعلى الله فتوكَّلوا" (٢) .

  21. وذكر عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "ثَلاثٌ لا يَسلَمُ منهنَّ أحد؛ الطِّيَرةُ، والظَّنُّ، والحسدُ" . قيلَ: فما المخرجُ منهنَّ يا رسولَ الله؟ قال: "إذا تطيَّرتَ فلا تَرجِعْ، وإذا ظنَنتَ فلا تَحقَّقْ، وإذا حسَدتَ فلا تَبْغ" (٣) .

  22. وذكَر الحَسَنُ بن عليٍّ (٤) الحُلوانيُّ (٥) ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وعارمُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، قال: كذَب على الحسنِ

    ج ٤ ص ١١٤ضَربانِ من الناسِ؛ قومٌ رأيُهم القدرُ، فيزيدون عليه ليُنَفِّقوه في الناسِ، وقومٌ في صدورِهم حسدٌ وشنآنٌ وبُغضٌ (١) للحسنِ، فيقولون: أليس يقولُ كذا؟ أليس يقولُ كذا (٢) ؟

    قال: وحدَّثنا عَفّانُ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن هشام، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يقولُ: ما حسَدتُ أحدًا شيئًا قطُّ؛ بَرًّا ولا فاجرًا (٣) .

    قال أبو عمر: تضمَّن حديثُ الزهريِّ عن أنسٍ في هذا البابِ أنّه لا يجوزُ أن يُبْغِضَ المسلمُ أخاه المسلمَ، ولا يُدبِرَ عنه بوجهِه إذا رآه، فإنَّ ذلك من العداوةِ والبغضاءِ، ولا يَقطَعَه بعدَ صحبتِه له في غيرِ جُرْم، أو في جُرْم يُحمَدُ له العفوُ عنه (٤) ، ولا يحسُدَه على نعمةِ الله عندَه حسَدًا يُؤذيه به، ولا يُنافسَه في دنياه، وحسْبُه أن يسألَ اللهَ من فضلِه، وهذا كلُّه لا يُنالُ شيءٌ منه إلّا بتوفيقِ الله تعالى. قيل للحسنِ البصريِّ: أيحسُدُ المؤمنُ أخاه؟ فقال: لا أبا لك، أنسيتَ إخوةَ يوسُفَ (٥) ؟

  23. وأصلُ التَّحابِّ والتَّوادِّ المذكورِ في السّنَنِ، معناه الحبّ في الله وحدَه تبارَك اسمُه، فهكذا المحبَّةُ بينَ أهلِ الإيمانِ، فإذا كان هكذا، فهو من أوثقِ عُرَى الدينِ، فإن لم يكنْ فلا تكنِ العداوةُ ولا المنافسةُ ولا الحسدُ؛ لأنَّ ذلك كلَّه منهيٌّ عنه.

  24. ولمّا كانت موالاةُ أولياءِ الله من أفضلِ أعمالِ البرِّ، كانت معاداةُ أعدائِه كذلك أيضًا، وسيأتي هذا المعنى في بابِ أبي طُوالةَ من هذا الكتابِ إن شاءَ الله.

    ج ٤ ص ١١٥
  25. وأجمَع العلماءُ (١) على أنّه لا يجوزُ للمسلِم أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، إلّا أن يكونَ يخافُ من مكالمتِه وصِلَتِه ما يُفسِدُ عليه دينَه، أو يولِّدُ به (٢) على نَفسِه مضرَّةً في دينه أو دُنياه، فإن كان ذلك فقد رُخِّص له في مجانبتِه وبُعدِه، ورُبَّ صَرْم جميلٍ خيرٌ من مخالطةٍ مؤذيَةٍ، قال الشاعِرُ (٣) :

    إذا ما تقضَّى الوُدُّ إلّا تكاشرًا ... فهجرٌ جميلٌ للفريقينِ صالحُ (٤)

  26. واختلَفوا في المتهاجِرَينِ يُسلِّمُ أحدُهما على صاحبِه، أيُخرِجُه ذلك من الهجرةِ أم لا؟ فروَى ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ أنّه قال: إذا سلَّم عليه فقد قطَع الهجرةَ (٥) . وكأنَّه، واللهُ أعلمُ، أخَذ هذا مِن قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام" (٦) ، أو من قولِ من قال (٧) : يُجزئُ مِن الصَّرْم السَّلام.

    ج ٤ ص ١١٦وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: إذا سلَّم عليه، هل يُجزئُه ذلك من كلامِه إيّاه؟ فقال: يُنظَرُ في ذلك إلى ما كان عليه قبل أن يهجُرَه؛ فإن كان قد عُلم منه (١) مكالمتُه والإقبالُ عليه، فلا يُخرِجُه مِن الهجرةِ إلّا سلامٌ ليس معه إعراضٌ ولا إدبارٌ (٢) . وقد رُويَ هذا المعنى عن مالكٍ؛ قيل لمالكٍ: الرجلُ يهجُرُ أخاه، ثم يبدو له فيسلِّمُ عليه من غيرِ أن يكلِّمَه؟ فقال: إن لم يكنْ مُؤْذيًا له لم يخرُجْ من الشَّحناءِ حتى يكلِّمَه، ويُسقِطَ ما كان من هجرانِه إيّاه (٣) . وقد ذكرنا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عطاء بنِ يزيدَ، مِن كتابِنا هذا (٤) ، زيادةً مِن الأثرِ المرفوع في معنى (٥) هذا البابِ، وذكرنا في هذا البابِ قولَه: "ألا أدُلكم على شيءٍ إذا فعلْتموه تحابَبتم؟ أفْشُوا السَّلامَ بينَكم" (٦) . وفي ذلك دليلٌ على فضلِ السَّلام؛ لما فيه من رَفْعِ التَّباغضِ، وتوريثِ الوُدِّ، ولقد أحسَن القائلُ:

    قد يمكُثُ الناسُ دهرًا ليس بينَهمُ ... وُدٌّ فيزرَعُه التَّسليمُ واللُّطفُ (٧)

  27. حديث ثانٍ للزّهْريِّ، عن أنسٍ

    مالكٌ (١) ، عنِ ابنِ شهابٍ (٢) ، عن أنسِ بنِ مالكٍ: أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ركِب فَرسًا فصُرِعَ منه، فجُحِش شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى صلاةً مِن الصلواتِ وهو قاعدٌ، فصلَّينا وراءَه قُعودًا، فلمَّا انصرَف قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ بهِ، فإذا صلَّى قائمًا، فصلُّوا قيامًا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفَع فارفَعُوا، وإذا قال: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا صلَّى جالِسًا فصَلُّوا جُلوسًا أجمعونَ" .

    ج ٤ ص ١١٧
  28. لم يختلِفْ رُوَاةُ "الموطأ" في إسنادِ هذا الحديث عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ. ورواه سويدٌ (٣) ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤْتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. فقولوا: ربَّنا لك الحمدُ، وإذا سجَد فاسجُدوا، وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جُلوسًا أجمعونَ" . فأخطأ سويدٌ في هذا الحديثِ خطأ لم يُتابِعْه أحدٌ عليه فيما علِمتُ، وزاد فيه: "إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا سجَد فاسجُدوا" . ولم يقلْ: "إذا رفَع فارفَعوا" .

  29. حدَّثنا خلفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ زكريا النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ يونسَ، قال: حدَّثنا كثيرُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن الأعرج، عن

    ج ٤ ص ١١٨أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ بهِ" ، فذَكَره (١) .

  30. ورواه ابنُ وَهْبٍ (٢) ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ (٣) ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وقال فيه: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتَّم به، فلا تختلِفُوا عليه" . وتابَعه على ذلك عن مالكٍ، أبو عليٍّ الحنفيُّ (٤) وابنُه يحيى بنُ مالكٍ، وهذه الزِّيادةُ ليست في "الموطأ" إلّا في بلاغاتِ مالكٍ؛ أعني قوله: "فلا تختلِفوا عليهِ" (٥) .

  31. وقد روَاها معنُ بنُ عيسى (٦) ، وأبو قُرَّةَ موسى بنُ طارقٍ، عن مالكٍ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّما جُعِل الإمام ليُؤتمَّ بهِ، فلا تختلِفُوا عليه" . وذكر الحديثَ. وسنذكُرُه بتمامِه في بابِ بلاغاتِ مالكٍ إن شاءَ الله (٧) .

  32. وزادَ عبدُ الله بنُ وَهْبٍ (١) أيضًا في هذا الحديثِ: "وإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا سجَد فاسجُدوا" . وتابَعه على ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ مهدي (٢) وجُويريةُ بنُ أسماء (٣) . وذكر فيه إبراهيمُ بنُ بشيرٍ عن مالكٍ التكبيرَ، ولم يذكرِ السُّجودَ (٤) .

    ج ٤ ص ١١٩
  33. وليس في "الموطأ" قولُه: "إذا كبَّر فكبِّروا" (٥) . ولا قولُه: "إذا سجَد فاسجُدوا" .

  34. أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٦) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرِو بنِ السَّرْح ويونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ وَهْبٍ، قال (٧) : أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، ومالكُ بنُ أنسٍ، والليثُ بنُ سعدٍ، وابنُ سَمعانَ، أنَّ ابنَ شهابٍ أخبرَهم، قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ركِب فرسًا فصُرِعَ عنه، فجُحِشَ شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى لنا (٨)

  35. صلاةً مِن الصلواتِ وهو جالسٌ، وصلَّينا معه جُلوسًا، فلمّا انصرَف قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤْتمَّ بِهِ، فلا تختلِفُوا عليه، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفَع فارفَعوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمَن حَمِدَه، فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. وإذا سجَد فاسجُدوا، وإذا صلَّى قاعدًا فصلُّوا قُعودًا أجمعونَ" .

    ج ٤ ص ١٢٠
  36. فقولُه في هذا الحديثِ: "فلا تختلِفُوا عليه" ليس في "الموطأ" ، ولا رواه بهذا الإسنادِ عن مالكٍ غيرُ ابنِ وَهْبٍ، وابنِه يحيى بنِ مالكٍ، وأبي عليٍّ الحنفيِّ (١) . واللّه أعلم.

  37. وقولُه (٢) : "وإذا كبَّر فكبِّروا وإذا سجَد فاسجُدوا" ليس في "الموطأ" ، ولا رواه عن مالكٍ غيرُ ابنِ وَهْبٍ، وابنِ مهديِّ، وجُوَيْريَة (٣) ، واللهُ أعلم.

  38. ورواه أبو حَنيفةَ قَحْزَمُ بنُ عبدِ الله بنِ قَحْزَم الأُسْوانيُّ (٤) ، عن الشافعيِّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ، فزادَ فيه: في بيتِه. وقال فيه أيضًا: فأشارَ

    ج ٤ ص ١٢١إليهم: أنِ أجلِسُوا. ولم يقُلْ ذلك في هذا الحديثِ عن مالكٍ أحدٌ غيرُ الشافعيِّ في روايةِ قَحزَم عنه خاصةً، وإنّما قال مالكٌ: فأشار إليهم: أن اجلِسُوا في حديثه عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشة (١) . قال الدَّارَقطنيُّ: ليسَ يُحفَظُ في هذا الحديثِ أنّه صلَّى في بيته، إلّا من روايةِ أبي حنيفةَ قَحزَم، عن الشافعيِّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ. وهو محفوظٌ مِن روايةِ أيوبَ، عن الزُّهريِّ، عن أنسٍ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صُرِع عن فَرَسه، فجُحِش جَنبُه، فدخَلوا عليه يعُودُونه، فصلَّى بهم قاعدًا، وأومأ إليهم أنِ اقعُدوا، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤْتمَّ به" ، وذكر الحديث (٢) .

    قال أبو عمر: وأما حديثُ قَحزَم، عن الشافعيِّ فأخبرناه عليُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ فقيرُ بنُ موسى بنِ عيسى الأُسْوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو حنيفةَ قحزَمُ بنُ عبدِ الله بنِ قَحزَم الأُسوانيُّ، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنس،

    ج ٤ ص ١٢٢عن ابنِ شهابٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ (١) ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ركب فرسًا فصُرِعَ عنه، فجُحِشَ شِقُّه الأيمنُ، فصلَّى في بيته قاعدًا، وصلَّى خلفَه قومٌ قيامًا، فأشار إليهم: أنِ اجلِسُوا، ثم قال: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا أجمعون" .

  39. فخلَط فيه قَحزَمٌ، وزاد ونقَص ولم يُتِمَّه، والصحيحُ عن مالكِ فيه ما في "الموطأ" ، واللهُ أعلم.

  40. وفي هذا الحديثِ مِن الفقه: ركُوبُ الخيلِ، وحركتُها (٢) ، والتقلُّبُ عليها، وهو يرُدُّ ما رُويَ عن عمرَ مِن كراهيةِ ركوبِ الخيلِ لما فيه مِن الخُيلاء. وأمَّا السُّقوطُ مِن ظُهورِها، فإنَّه لا يكونُ في الأغلبِ لمن يُحسِنُ رُكوبَها، إلّا مع حرَكتِها ودَفعِها (٣) وإجرائِها، وكانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِن أحسَنِ الناسِ تقلُّبًا عليها.