محمد بن شهاب الزهري

١٩٠ فقرة، ج ٤ ص ٩١

الصفحة ٣ من ٥

  1. وفي حديث قتادةَ وثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ركِب فرسًا عُرْيًا (٤) لأبي طلحة. قال بعضُ أهلِ السِّيَرِ: كان ذلك منه في حينَ أغارَ عُيينةُ بنُ حِصْنٍ على لِقاحِ المدينةِ، فخرَج رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- (٥) . وفي حديثِ أنسٍ: أنَّ خيلَ المشركين أغارَت على لِقاحٍ بالمدينةِ، فوقَعتِ الصَّيحةُ، فخرَج رسولُ الله (٦) -صلى الله عليه وسلم- على فرسٍ لأبي طلحةَ عُرْىٍ، ثم انصرَف فقال: "إنْ وجَدنَاه لَبحرًا" .

    ج ٤ ص ١٢٢
  2. وذكر ابنُ المباركِ، وغُندَرٌ، وابنُ أبي عَدِي، عن شُعبةَ، عن قَتادةَ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ، يقولُ: كان بالمدينةِ فَزَعٌ، فاستَعار رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فرسًا لأبي طلحةَ يقالُ له: مَندُوبٌ. فركِبه، فلمَّا انصرَف قال: "إنْ وجَدنَاه لَبحرًا" (١) .

    ج ٤ ص ١٢٣
  3. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هشام، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ فراسٍ، قال: حدَّئنا محمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زُنبُورٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنس بنِ مالكٍ، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أجمَلَ الناسِ وجْهًا، وأجْوَدَ الناسِ كفًّا (٢) ، وأشْجَعَ الناس قَلْبًا، خَرَج وقد فَزعَ أهلُ المدينة، فركِبَ فرسًا لأبي طلحةَ عُرْيًا (٣) ، ثم رجَع وهو يقولُ: "لن تُراعُوا، لن تُراعُوا" . ثم قال: "إنْ وجَدْنَاه لَبحْرًا" (٤) .

    قال أبو جعفر الديْبُليُّ (٥) : قال لنا (٦) ابنُ زُنْبُورٍ: لم أسْمَعْ مِن حمَّاد بنِ زيدٍ غيرَ هذا الحديثِ، لَقِيتُه بزمزمَ فحدَّثني به.

  4. وأما قولُه: "فجُحِش شِقُّه" . فإنَّ ذلك كما لو زاحَم إنسانٌ جِدارًا، فانخَدَش خَدشًا بيِّنًا، كما نقولُ نحنُ: انسلَخ وانجرَح (١) . فالجحْشُ: فوقَ الخَدْشِ، وحَسبُك أنّه لم يقدِرْ على الصلاةِ قائمًا فصلَّى قاعدًا.

    ج ٤ ص ١٢٤
  5. وأمَّا قولُه: "إنّما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ بهِ" فقد أجمع العلماءُ على أنَّ الائتِمامَ واجبٌ على كلِّ مأموم بإمامِه في ظاهرِ أفعالِه، وأنَّه لا يجوزُ له خلافُه لغيرِ عُذرٍ. وفيه (٢) حجَّةٌ لمالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهما في إبطالِ صلاةِ مَن خالفت نيّته نيَّةَ إمامِه، فصلَّى ظهرًا خلفَ إمام يُصلِّي عصرًا، أو صلَّى فريضَة خلفَ إمام يُصلِّي نافِلَةً؛ لأنه لم يأتمَّ به في صلاتِه، فوجَب ألّا يُجزئَه (٣) .

  6. وأمَّا اختلافُ نِيَّةِ الإمام والمأموم، فقد أرجأنا القولَ في هذه المسألةِ (٤) ، إلى بلاغاتِ مالكٍ ومرسلاتِه عن نفسِه، حيثُ قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به، فلا تختلفُوا عليه" . فهناك أولى المواضع به (٥) (٦) ، وقد ذكرنا هذه (٧) اللفظةَ مسندةً من غيرِ حديثِ مالكٍ في هذا البابِ بإسنادٍ صحيح، وذكرنا هنالك ما للعلماء في جوازِ اختلافِ نِيَّةِ المأموم والإمام مِن المذاهبِ والأقوالِ والتنازُع والاعتِدَالِ إن شاءَ الله.

  7. وأما قولُه: "فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا" فهذا كلامٌ خَرَج على صلاةِ الفريضةِ؛ لأنه صلَّى بهم صلاةً مِن الصَّلَواتِ الخمسِ، حينَ ذكر ذلك لهم، وأمرَهم بما في هذا الحديثِ (١) ، وهذا ما لا خِلافَ فيه، وقد أجمَعُوا على جَوازِ صَلاةِ الجالِسِ خلفَ القائِم في النَّافِلَةِ، فدَلَّ ذلك (٢) على ما ذكرنا، إلّا أنَّ المصلِّيَ في النافلةِ جالسًا وهو قادر على القيام، له نصفُ أجرِ صلاةِ القائم، وقد مَضَى القولُ في حُكم صَلاةِ القاعدِ في النافلَةِ، وحُكم صلاةِ المريضِ في بابِ إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص.

    ج ٤ ص ١٢٥
  8. وفي قوله: "فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا" بيانٌ لقوله عزَّ وجلَّ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] . وأجمَع العلماءُ على أنَّ القيامَ في صلاةِ الفريضةِ فرضٌ واجبٌ على كلِّ صحيح قادرٍ عليه، لا يُجزِئُه غيرُ ذلك إنْ كان مُنفَردًا أو إمامًا.

  9. واختلفوا في المأموم الصَّحيح يُصلِّي قاعدًا خلفَ إمام مريضٍ لا يستَطيعُ القيامَ، فأجازَت "ذلك" طائفةٌ من أهلِ العلم؛ اتِّباعًا لهذا الحديثِ وما كان مثلَه من قوله -صلى الله عليه وسلم- في الإمام: "وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلُوسًا أجمعونَ" ، رُوي هذا الحديثُ (٣) عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من طرقٍ كثير (٤) متواترةٍ؛ مِن حديثِ أنسٍ (٥) ، وحديثِ

    ج ٤ ص ١٢٦أبي هريرةَ (١) ، وحديثِ عائشةَ (٢) ، وحديثِ ابنِ عمرَ (٣) ، وحديثِ جابرٍ (٤) ، كلُّها عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بأسانيدَ صِحاح.

  10. وممَّن ذهَب إلى هذا؛ حمادُ بنُ زيدٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَةَ، وإليه ذهَب داودُ في روايةٍ عنه.

    قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: وفعَلَه أربعةٌ مِن الصحابةِ بعدَه: أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، وقيسُ بنُ قَهدٍ، وجابرٌ، وأبو هريرة (٥) .

  11. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٦) ، قال: حدَّثنا أبو الطَّاهر (٧) ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عياض، قال:

    ج ٤ ص ١٢٧حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن بُشَيْرِ بنِ يسار: أنَّ أُسيدَ بنَ حُضَيرٍ كان يَؤُمُّ قومَه بني عبدِ الأشهلِ، فاشتكى، فخرَج عليهم بعدَ شكْوَاه، فأمَرُوه أنْ يتَقَدَّمَ لهم، فقال: لا أستطيعُ، فقالوا: لا يُصَلِّي بنا ما كنتَ فينا غيرُك. فقال: إني لا أستطيعُ أن أُصلِّيَ قائمًا فاقعُدُوا. فصلَّى قاعدًا، وصلَّوْا قُعودًا (١) .

  12. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حدَّثنا يعلَى بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ (٣) ، عن قيسِ بن أبي حازم، عن قيسٍ الأنصاريِّ، قال: اشتكى إمامُنا أيامًا، فكُنَّا نُصلِّي بصلاتِه جلوسًا (٤) .

  13. وروى أبو معاويةَ (٥) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازم،

    ج ٤ ص ١٢٨عن أبي هريرةَ، قال: إنّما الإمامُ أميرٌ، فإذا صلَّى قائمًا فصلُّوا قيامًا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا (١) .

  14. وروى الليثُ بنُ سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبي الزُّبيرِ: أنَّهم شيَّعوا جابرَ بنَ عبدِ الله وهو مريضٌ، فصلَّى بهم قاعدًا، وصلَّوا معه قُعودًا (٢) .

    وقال جمهورُ أهلِ العلم: لا يجوزُ لأحدٍ أن يُصلِّيَ في شيءٍ من الصَّلَواتِ المكتُوباتِ جالسًا وهو صحيحٌ قادرٌ على القيام؛ لا إمامًا، ولا منفرِدًا، ولا خلفَ إمام (٣) .

  15. ثم اختلفوا؛ فمنهم مَن أجازَ صلاةَ القائم خلفَ القاعدِ المريضِ؛ لأنَّ كلًّا يؤدِّي فرضَه على قدرِ طاقتِه، اقتداءً وتأسِّيًا برسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إذْ صلَّى في مرضِه الذي تُوفي فيه قاعدًا، وأبو بكر إلى جَنبِه قائمًا يُصلِّي بصلاتِه، والناسُ قيامٌ خلفَه يُصلُّون بصلاتِه، فلم يُشِرْ إلى أبي بكرٍ ولا إليهم بالجلُوسِ، وأكمَل صلاتَه بهم جالسًا وهم خلفَه قيامٌ (٤) .

  16. ومعلومٌ أنَّ ذلك كان منه بعدَ سقوطِه عن فرسِه، وصلاتِه حينئذٍ قاعدًا،

    ج ٤ ص ١٢٩وقولِه: "فإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسًا" فعُلِم أنَّ الآخِرَ مِن فِعلِه ناسِخٌ للأوَّلِ (١) ، فإنَّهم ما قامُوا خلفَه وهو جالسٌ إلّا لعلْمِهم بأنَّه قد نُسِخ ذلك بفعلِه -صلى الله عليه وسلم-، والدَّليلُ على أنَّ حديثَ هذا البابِ منسوخٌ بما كان منه في مرَضِه -صلى الله عليه وسلم-: إجماعُ العلماء على أنَّ حكمَ القيامِ في الصلاةِ على الإيجابِ لا على التَّخييرِ، ولما أجمَعوا على أنَّ القيامَ في الصلاةِ لم يكُنْ فرضُه قطُّ على التَّخيير، وجَب طلبُ الدَّليلِ على النَّسخ في ذلك، وقد صَحَّ أنَّ صلاةَ أبي بكرٍ والناسِ خلفَه قيامًا، وهو قاعدٌ في مرضِه الذي تُوفي فيه، مُتأخِّرٌ عن صلاتِه في حين سُقوطِه عن فَرَسِه، فبَانَ بذلك أنّه ناسِخٌ لذلك. وممَّن ذهَب هذا المذهبَ واحتَجَّ بنحوِ هذه الحُجَّةِ: الشافعيُّ (٢) ، وداودُ بنُ عليٍّ، وأصحابُهما. وقد أوضَحنا معانيَ الآثارِ في صلاةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في مرضِه، وأتَينا على حكايةِ قولِ مَن قال: كان أبو بكر المُقدَّمَ في تلك الصَّلاةِ، ومَن قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فيها المُقدَّمَ، في بابِ هشام بنِ عُروةَ بما يُغني عن ذكرِه هاهنا (٣) .

  17. وقد (٤) روَى الوليدُ بنُ مسلم، عن مالكٍ: أنّه أجازَ للإمام المريضِ أن يُصلّيَ بالناسِ جالسًا وهم قيامٌ، قال: وأحَبُّ إليَّ أن يقُومَ إلى جَنبِه مَن يُعلِمُ النالسَ بصلاتِه. وهذه الرِّوايةُ غريبةٌ (٥) عن مالكٍ، ومذهبُه عندَ أصحابِه على

    ج ٤ ص ١٣٠خلافِ ذلك (١) . ذكَر أبو المُصعبِ، عن مالكٍ في "مختَصرِه" ، قال: لا يَؤُمُّ الناسَ أحدٌ قاعدًا، فإنْ أمَّهم قاعدًا فسَدت صلاتُه وصلاتُهم؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا" (٢) . قال: فإن كان الإمامُ عليلًا تمَّتْ صلاةُ

    ج ٤ ص ١٣١الإمام، وفسَدت صلاةُ مَن خلفَه. قال: ومَن صلَّى قاعدًا مِن غيرِ علَّةٍ أعاد الصلاةَ.

    قال أبو عمر: فعلى روايةِ أبي المصعبِ هذه، عن مالكٍ -في قولِه في الإمام المريضِ يصلِّي جالسًا بقوم قيام-: إنَّ صلاةَ مَن خلفَه فاسدةٌ، تجبُ الإعادةُ عليهم في الوقتِ وغيرِه. وقد رُوِيَ عن مالكٍ في هذه أنَّهم يُعيدُون في الوقتِ خاصَّةً. وذلك عندي واللهُ أعلمُ لما ذكره في "موطئِه" (١) عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، أنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّي بصلاةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وهو (٢) جالِسٌ، وأبو بكرٍ إلى جنبِه قائمٌ، والناسُ قيامٌ خلفَ أبي بكرٍ. ولما رواه في غيرِ "الموطأ" عن ربيعةَ: أنَّ أبا بكرٍ كان المقدَّمَ، وأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يُصلِّي بصلاتِه (٣) . فلمَّا رأى الاختِلافَ في ذلك احتاطَ، فرأى الإعادةَ في (٤) الوقتِ؛ لأنَّ كلًّا قد أدَّى فرضَه على حسَب حاله، وكثيرٌ مِن مذهبِه احتياطًا.

    قال أبو عمر: قد احتَجَّ محمدُ بنُ الحسنِ لقولِه ومذهبِه في هذا البابِ بالحديثِ الذي ذكره أبو المُصعبِ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يؤُمَّنَّ أحدٌ بعدي قاعدًا" ، وهو حديث لا يصِحُّ عندَ أهلِ العلم بالحديثِ، إنَّما يرويه جابرٌ الجُعْفيُّ، عن الشعبيِّ مرسلًا (٥) . وجابر الجعفيُّ لا يُحتَجُّ بشيءٍ يرويه مسندًا، فكيفَ بما يرويه مرسلًا؟

  18. وأمَّا قولُ محمدِ بنِ الحسنِ في هذا البابِ، فإنَّه قال: إذا صلَّى الرجلُ لمرَضٍ به قاعدًا؛ يركَعُ ويسجُدُ، ولا يُطِيقُ إلّا ذلك، بقوم قيام يركَعون ويسجُدُون، فإنَّ صلاتَه جائزةٌ، وصلاةُ مَن خلفَه ممَّن لا يستطِيعُ القِيامَ، حُكمُه كحُكمِه، جائِزَةٌ أيضًا، وصلاةُ مَن صلَّى خلفَه ممَّن حُكمُهِ القِيامُ باطِلةٌ.

    وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: صلاتُه وصلاتُهم جائِزَةٌ. وقالوا: لو صلَّى وهو يومئُ بقوم يركَعون ويسجُدُون، لم يُجزِئْهم، في قولهم جميعًا، وأجزَأتِ الإمامَ صلاتُه (١) .

    ج ٤ ص ١٣٢
  19. وكان زُفَرُ يقولُ: تُجزِئُهم صلاتُهم؛ لأنَّهم صلَّوْا على فرضِهم، وصلَّى إمامُهم على فرضِه.

  20. وأمَّا ابنُ قاسم فإنَّه قال: لا يأتمُّ القائمُ بالجالسِ في فريضةٍ ولا نافلةٍ، ولا بأسَ أن يأتمَّ الجالسُ بالقائم. قال: ولا ينبغِي أن يؤمَّ أحدٌ في نافلةٍ ولا في فريضةٍ قاعدًا. قال: وإن عرَض للإمام ما يمنَعُه منَ القيام استَخْلَف (٢) .

  21. واختلَف أصحابُ مالكٍ في إمامةِ المريضِ بالمرضَى جُلوسًا، فأجازَها بعضُهم وكرِهها أكثَرُهم، ولم يختلِفُوا فيمَن صلَّى شيئًا مِن فرضِه جالسًا وهو قادِرٌ على القيام، أنَّ عليه الإعادةَ أبدًا.

  22. وذكر سُحنونٌ (٣) ، عن ابنِ قاسم، عن مالكٍ، عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمنِ: أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- خرَج وهو مريضٌ وأبو بكرٍ يُصلِّي بالناسِ، فجلَس إلى جنبِ

    ج ٤ ص ١٣٣أبي بكرٍ، فكان أبو بكرٍ الإمامَ، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي بصلاةِ أبي بكر، وقال: "ما مات نبيٌّ حتى يؤُمَّه رجلٌ من أمَّتِه" (١) . قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: والعملُ عندَنا على حديثِ ربيعةَ هذا، وهو أحبُّ إليَّ: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى بصلاةِ أبي بكر. قال سُحنون: بهذا الحديثِ أخَذ ابنُ القاسم، وليس في "الموطأ" .

    قال أبو عمر: أكثرُ الآثارِ الصِّحاح المسنَدةِ في هذا البابِ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان المُقدَّمَ، وأنَّ أبا بكرٍ كان يُصلِّي بصلاةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا، والناسُ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكرٍ، وهو الذي أقرَّه مالكٌ رحِمه اللهُ في "الموطأ" ، وقُرِئَ عليه إلى أن ماتَ. وسنُبيِّنُه في بابِ هشام بنِ عروةَ إن شاء الله (٢) .

  23. وأجمَع العلماءُ مع اختلافِ مذاهبِهم في هذا البابِ على استحبابِ الاستِخلافِ للمريضِ مِن الأئمَّةِ مَن يصلِّي بالناسِ، كما فعَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ مرِض، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فلْيصلِّ بالناسِ" (١) ، فإن صلَّى بهم وهو مريضٌ، فللعلماء في ذلك ما ذكرنا، وباللّه توفيقُنا.

    ج ٤ ص ١٣٤
  24. وأمَّا قولُه في الحديثِ: "وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا رفَع فارفَعوا" فإنَّه يدُلُّ على أنَّ عملَ المأموم يكونُ بعَقِبِ عملِ الإمام وبعدَه بلا فَصل؛ لأنَّ الفاءَ تُوجبُ التَّعقيبَ والاستِعجالَ، وليست مثلَ "ثُمَّ" التي توجبُ التَّعقيبَ والتَّراخِيَ. واختَلَف قولُ مالكٍ في ذلك؛ فرُويَ عنه: أنَّ عمَلَ المأموم كلَّه مع عملِ الإمام، رُكوعَه وسُجودَه، وخفضَه ورفعَه، ما خلا الإحرامَ والتسليمَ، فإنَّه لا يكونُ إلّا بعدَ عملِ الإمام وبعَقِبِه. ورُويَ عنه مثلُ ذلك أيضًا، ما خلا الإحرامَ، والقِيامَ مِنَ اثنَتين، والسَّلام. وكان شيخُنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ هاشم (٢) رحِمه اللهُ يذهَبُ إلى الرِّوايةِ الأُولى، ورأيتُه مِرارًا لا أُحصِيها كثرةً يقُومُ مع الإمام في حينِ قيامِه مِن اثنَتَين، ولا يُراعِي اعتِدالَه ولا تكبيرَه، وكان يقولُ: هي أصحّ عن مالكٍ.

  25. وقد رُويَ عن مالكٍ أيضًا: أنَّ الأحَبَّ إليه في هذه المسألةِ أن يكونَ عملُ المأموم بعدَ عَمَلِ الإمام (١) وبعَقِبِه في كلِّ شيءٍ.

    قال أبو عمر: هذا أحسنُ لما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام وعبدُ الله بنُ أبي مَسَرَّةَ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدي (٢) ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن يونسَ بنِ جُبيرٍ، عن حِطَّانَ بنِ عبدِ الله الرَّقَاشيِّ، قال: خطَبنا أبو موسى فعلَّمنا صلاتَنا، وبيَّن لنا سُنَّتنا، فقال: إذا صلَّيتم فأقِيموا صُفوفَكم، وليؤُمَّكم أحدُكم، فإذا كبَّر الإمامُ فكبِّروا، وإذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمينَ. يُجِبْكمُ اللهُ، فإذا كبَّر وركَع فكبِّروا واركعوا، فإنَّ الإمامَ يركَعُ قبلَكم، ويرفَعُ قبلَكم (٣) ، قال نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فتلك بتلك" . وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ. يسمَع اللهُ لكم، فإذا كبَّر وسجَد فكبِّروا واسجُدوا، فإنَّ الإمامَ يسجُدُ قبلَكم، ويرفَعُ قبلَكم، قال نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فتلك بتلك" . وذكَر تمامَ الحديث (٤) .

    قال أبو عمر: ففي هذا الحديث بيانُ أنَّ عملَ المأموم بعَقِبِ عملِ الإمام دونَ فصلٍ ولا تَراخ، وهو الذي يُوجبُه حُكمُ الفاء في قولِه: "فكبِّروا واركَعوا" .

    ج ٤ ص ١٣٥
  26. وقد ثبَت مِن جِهةِ الأثرِ والنَّظَرِ أنَّ حُكمَ قولِه: "فإذا كبَّر فكبِّروا" في تكبيرةِ الإحرام أن يكونَ فراغُ المأموم منها بعدَ فراغ الإمام منها، وابتِداؤُه بها بعدَ ابتداء الإمام بها، وإن كان ذلك معًا، فالقياسُ أن يكونَ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ وسائرُ العملِ كذلك. وسيأتي ذكرُ التَّكبير، والحُكمُ فيه عندَ الخفض والرَّفع والإحرام، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن أبي سلَمةَ، وعن عليِّ بنِ حسينٍ، مِن هذا الكتابِ إن شاء الله.

    قال أبو بكرٍ الأثرمُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ: متى يُكبَّرُ خلفَ الإمام، ومتى يُركَعُ؟ فذكَر الحديثَ: "إذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركَع فاركَعوا" . ثم قال: يَتْبعُه في كلِّ شيءٍ يصنَعُه؛ كُلَّما فعَل شيئًا فعَله بعدَه.

    ج ٤ ص ١٣٦
  27. وأمَّا قولُه: "وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه. فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ" . فإنَّه يقتضي ما قاله مالكٌ ومَن قال بقَوْلِه في ذلك: أنَّ الإمامَ يقتصِرُ على قولِ: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه. وهو حُجَّةٌ على مَن قال: إنَّ الإمامَ يقولُ: سمِع اللهُ لمن حَمِدَه، ربَّنا ولكَ الحمدُ. كما يفعَلُ المنفَرِدُ، وإنَّ المأمُومَ كذلك يقولُ أيضًا. ولا أعلمُ خِلافًا أنَّ المنفَرِدَ يقولُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا لك الحمدُ. أو: ولكَ الحمْدُ.

  28. وإنَّما اختلَفُوا في الإمام والمأموم؛ فقالت طائفَةٌ مِن أهلِ العلم: الإمامُ إنَّما (١) يقولُ: سمِع اللهُ لمن حمِده. فقط، ولا يقولُ: ربَّنا ولك الحمدُ. وممَّن قال بذلك أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، ومَن تابَعهم (٢) . وحُجَّتُهم ظاهرُ حديثِ أنسٍ هذا وما كان مثلَه.

  29. وقال أبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل (١) : يقولُ الإمامُ: سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمد. وحُجَّتُهم حديثُ أبي هريرةَ (٢) ، وأبي سعيد (٣) ، وعبدِ الله بنِ أبي أوفى (٤) ، كلُّهم حكَى عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنّه كان يقول: "سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا لك الحمد" .

    ج ٤ ص ١٣٧
  30. وذكر الدارَقطنيُّ حديثًا غريبًا مِن طريقِ ابنِ أخي ابنِ وَهْب، عن عمِّه، عن مالكٍ والليث، عنِ ابنِ شهاب، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ: "سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا ولك الحمدُ" ، ولو كان هذا صحيحًا عند مالكٍ والليثِ لم يُخالفاه في الفَتوَى، واللهُ أعلم.

    وقال الشافعيُّ: ويقولُ المأمومُ أيضًا: سمِع اللهُ لمن حمِده، ربَّنا لك الحمد. كما يقولُ الإمامُ المنفرِدُ؛ لأنَّ الإمامَ إنَّما جُعِل ليُؤتمَّ به. وقال مالكٌ، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، والثوريُّ، وأحمدُ بنُ حنبل: لا يقولُ المأمومُ: سمِع اللهُ لمن حمِده.

  31. وإنَّما يقولُ: ربَّنا ولك الحمد (١) . فقط، وحُجَّتُهم حديثُ أنسٍ هذا، وحديثُ أبي موسى المذكُورُ في هذا الباب، وما كان مثلَهما. وسيأتي هذا المعنَى في هذه المسألةِ، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سالم إن شاء الله.

    ج ٤ ص ١٣٨
  32. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ ما اخْتاره مالكٌ رحِمه اللهُ مِن قول: ربَّنا ولك الحمد: بالوَاو، وذكَره ابنُ القاسم (٢) وغيرُه عنه.

  33. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ أحمد، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بَنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بنَ حنبلٍ رحمَه الله يُثبِتُ أمْرَ الواوِ في "ربَّنا ولكَ الحمدُ" (٣) .

    وقال روى الزُّهريُّ فيه ثلاثةَ أحاديثَ: عن أنسِ بنِ مالكٍ (٤) ، وعن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ (٥) ، وعن سالمٍ عن أبيهِ (٦) ، قال: وفي حديث عليٍّ الطَّويلِ: ولكَ الحمدُ (٧) ، والله الموفِّق.

  34. حديثٌ ثالثٌ لابنِ شهابٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ

    مالك (١) ، عن ابنِ شهاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أُتيَ بلَبَنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينه أعرابيٌّ، وعن يَسَارِه أبو بكر، فشَرِبَ، ثم أعْطَى الأعرابيَّ وقال: "الأيمنَ فالأيمنَ" .

    ج ٤ ص ١٣٩
  35. حدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ مَطْرُوح، قال: حدَّثنا محمدُ (٢) بنُ جَعْفَرٍ الوكِيعِيُّ. وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمدٍ الحلبيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ سعيدٍ. وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا عبالسُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ يحيى الضَّبِّيُّ البغداديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ رَزينٍ (٣) ؛ قالوا: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّار، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أُتي بلَبَنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينِه أعرابيٌّ، وعن يَسَارِه أبو بكر، فشَرِب، ثم أعْطَى الأعرابيَّ وقال: "الأيمَنَ فالأيْمَنَ" (٤) .

  36. لم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالِكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولا في ألفاظِه فيما عَلِمْتُ. وقد رواه ابنُ عيينَةَ، عن ابنِ شهابٍ، فأحْسَنَ سياقَته، وذكَرَ فيه ألفاظًا لم يذكُرها مالك.

  37. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ (٥) بنُ نصرٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن

    ج ٤ ص ١٤٠الزهريِّ، سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: قَدِم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ وأنا ابنُ عشرِ سنين، ومات وأنا ابنُ عشرين سنةً، فكُنَّ أُمَّهاتي يحثُثْنَي على خِدْمَتِه، فدخَلَ علينا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- دارَنا، فحَلَبْنا له مِن شاةٍ لنا داجِنٍ، فشِيبَ له مِن مَاءِ بئرٍ في الدَّارِ، وأبو بكرٍ عن شِمالِه، وأعرابيٌّ عن يمينِه، فشَرِب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وعمرُ ناحِيَةً، فقال عمرُ: أعْطِ أبا بكر. فناوَلَ الأعرابيَّ وقال: "الأيمَنَ فالأيمَنَ" (١) .

  38. وقد رَوى هذا الحديثَ محمدُ بنُ الوليدِ البُسْريُّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْدِيٍّ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ مثلَ روايةِ ابنِ عُيينةَ عن الزهريِّ سواءً، وزاد فيه: وقال: "الأيمَنَ فالأيمَنَ" ، فمَضَتْ سُنَّةً.

    قال الدَّارَقُطْنيُّ: ولم يَرْو (٢) هذا الحديثَ عن مالكٍ بهذِه الألفاظِ إلّا البُسْرِيُّ، عن ابنِ مَهْديٍّ، عنه، وإن كان حَفِظ، فقد أغْرَبَ بألفاظٍ عِدَّةٍ ليست في "الموطأ" ؛ منها قولُه: قَدِم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ وأنا ابنُ عشرِ سنين، ومات وأنا ابنُ عشرين سنةً، وكُنَّ أُمَّهاتي يَحثُثنني على خِدْمَتِه، فدَخَل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- دارَنا، فحلبنا له مِن شاةٍ لنا داجِنٍ. فكلُّ هذه الألفاظِ ليست في "الموطأ" . وقولُه: أيضًا: وعمرُ ناحيَةً، فقال عمرُ: أعْطِ أبا بكرٍ. ليست في "الموطأ" . وقولُه: فمَضَتْ سُنةً. ليس في "الموطأ" ، ولا في حديثِ ابنِ عيينةَ أيضًا. وسائِرُ الألفاظِ كلِّها محفوظة عن ابنِ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن أنس.

  39. وقد بَلَغني عن بعضِ مَن تكلَّف الكلامَ في هذا الشَّأن، أنّه قال: الأعرابيُّ في هذا الحديثِ هو خالدُ بنُ الوليدِ. وهذا منه إغْفالٌ شديدٌ، وإقدامٌ على القولِ

    ج ٤ ص ١٤١بالظَّنِّ الذي هو أكْذَبُ الحديث، أو تَقْليدٌ لمن سلَك في ذلك سَبِيلَه، ووَهْمٌ بيِّنٌ، وغَلَطٌ واضِحٌ، مِن وجْهَيْن:

    أحَدُهما: أنَّ الأعرابيَّ كان عن يَمينِه -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ أنسٍ هذا، وخالِدُ بنُ الوليدِ كان في قِصةِ ابنِ عباسٍ عن يَسارِه -صلى الله عليه وسلم-، وابنُ عباسٍ عن يَمِينِه (١) .

  40. والآخرُ أنّه اشْتَبهَ عليه (٢) حديثُ سهل بنِ سعدٍ في الأشْياخ مع الغُلام، مع حديثِ أنسٍ في أبي بكرٍ والأعرابيِّ، وإنَّما دخَلَت عليه الشُّبهةُ في ذلك، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ في حديثِ سهلٍ (٣) : وعن يمينه غلامٌ، وعن يسارِه الأشياخُ، والأشياخُ أحَدُهم (٤) خالدُ بنُ الوليدِ. وقصَّةُ ابنِ عباسٍ وخالدٍ غيرُ قصةِ أبي بكرٍ والأعرابيِّ، وحديثُ أنسٍ غيرُ حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ، فقِفْ على ذلك، ولا تَلْتَفِتْ إلى سِواه. وسنذْكُرُ حديثَ سهلٍ في بابِ أبي حازِم إن شاء الله.