أيوب السختياني، بصري
١٥٠ فقرة، ج ١ ص ٥٩٧
الصفحة ١ من ٤
- ج ١ ص ٥٩٧
هو أيوّبُ بن أبي تميمةَ (١) ، واسم أبي تميمةَ كَيْسانُ، وهو من سَبْي كابُل، مولًى لِعَنَزَةَ، وقيل: بل (٢) هو مولى لعمّار بنِ شدّاد، مولى المُغيرةِ، ثم انتمُوا إلى بني طُهيّة.
-
وأيوبُ يُكْنى أبا بكر، وكان يبيع الجُلودَ بالبصرة؛ ولذلك قيلَ له: السَّخْتيانيّ (٣) .
-
وهو أحدُ أئمّة الجماعةِ في الحديث والأمانةِ والاستقامةِ. وكان من عُبّاد العلماءِ، وحُفّاظِهم وخِيارِهم.
-
ذكر البخاريُّ، عن أبي داودَ (٤) ، عن شُعبةَ، قال: ما رأيتُ مثلَ هؤلاءِ قطُّ: أيوبَ، ويونسَ، وابنِ عونٍ.
-
أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّر (٥) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
ج ١ ص ٥٩٨عليِّ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أبو السائبِ سلْمُ بنُ جُنادةَ (١) ، قال: حدَّثنا حفصُ بن غياثٍ، قال: سمِعتُ هشامَ بنَ عُروةَ يقولُ: ما قدِمَ علينا أحدٌ من أهل العراقِ أفضلَ من أيوبَ السَّخْتيانيِّ، ومن ذلك الرُّؤاسي - يعني: مِسْعرًا- لأنه كان كبيرَ الرأسِ.
-
وأخبرَنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بحْرٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا العبّاسُ بنُ الوليدِ النَّرْسيُّ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، عن الجعدِ أبي عثمانَ، عن الحسَنِ، قال: أيوبُ سيِّدُ شبابِ أهلِ البصْرةِ (٣) .
قال موسى بنُ هارونَ: وسمعْتُ العبّاس بنَ الوليدِ يقولُ: ما كان في زمنِ هؤلاءِ الأربعةِ مثلُهم؛ أيوبُ، وابنُ عونٍ، ويونسُ، والتَّيْمي، وما كان في الزَّمن الذي قبلَهم مثلُ هؤلاءِ الأربعةِ؛ الحسَنُ، وابنُ سيرينَ، وبكرٌ، ومُطرِّفٌ. وكان ابن سِيرينَ إذا حدَّثه أيوبُ بالحديثِ، قال: حدَّثني الصَّدُوقُ (٤) .
-
وذكر أبو أسامةَ عن مالكٍ وشعبةَ، أنّهما قالا: ما حدَّثناكُم عن أحدٍ إلَّا وأيوبُ أفضلُ منه (٥) .
ج ١ ص ٥٩٩وقال ابنُ عونٍ: لم يكنْ بعدَ الحسنِ ومحمّدٍ بالبصرةِ مثلَ أيوبَ؛ كان أعلمَنا بالحديثِ (١) . وقال شعبةُ، في حديثٍ ذكَره: حدَّثنا به سيّدُ الفُقهاءِ أيوبُ (٢) .
وقال نافعٌ: خيرُ مَشْرقيٍّ رأيتُه أيوبُ (٣) .
وقال ابنُ أبي مُليْكةَ: أيوبُ خيرُ أهلِ المشْرقِ.
وقال ابنُ أبي أُويسٍ: سُئل مالكٌ: متى سمعْتَ من أيوبَ السَّخْتيانِيِّ؟ فقال: حجَّ حجَّتينِ، فكنتُ أرْمُقُه ولا أسمعُ منه، غيرَ أنه كان إذا ذُكِرَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بكَى حتّى أرحَمَه، فلمّا رأيْتُ منه ما رأيْتُ وإجلالَه للنبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كتبْتُ عنه. قال: وسمعْتُ مالكًا يقول: ما رأيْتُ في العامَّةِ خيرًا من أيوبَ السَّختيانيِّ (٤) .
-
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بنُ محمد بن عبد المؤمن، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن محمّدٍ (٥) ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إسحاقَ، قال: سمِعتُ علي بن المدينيِّ يقول: أربعةٌ من أهل الأمصارِ يسْكُنُ القلبُ إليهم في الحديث؛ يحيى بنُ سعيدٍ بالمدينة، وعَمْرُو بنُ دينارٍ بمكّةَ، وأيوبُ بالبصرةِ، ومنصورٌ بالكُوفةِ.
ج ١ ص ٦٠٠قال أبو عُمر: توفي أيوبُ رحمَه اللَّهُ سنةَ إحدى (١) وثلاثينَ ومئةٍ، بطريق مكةَ راجعًا إلى البصرةِ في طاعونَ الجارفِ، لا أعلمُ في ذلك خلافًا ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستِّينَ.
-
لمالكٍ عنه في "الموطَأ" من حديث النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حديثانِ مُسنَدانِ، هذا ما لهُ عنه في رواية يحيى، وأمّا سائرُ رُواةِ "الموطّأ" غيرَ يحيى، فعندَهُم في الموطأ عن مالكٍ عن أيوبَ، حديثانِ آخَرانِ في الحجِّ، نذكُرُهما أيضًا إنْ شاء اللَّه.
- ج ١ ص ٦٠١
حديثٌ أولُ لأيُّوبَ السَّخْتيانيّ
مالكٌ (١) ، عن أيوبَ بنِ أبي تميمةَ السَّختيانيِّ، عن محمدِ بنِ سيرين، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- انصرَف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللَّه أم نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أصَدقَ ذُو اليَدَيْنِ؟ " فقال الناسُ: نعم. فقامَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فصلَّى رَكْعتَينِ أُخْرَيينِ ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع، ثم كبَّر فسجدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع.
-
محمدُ بنُ سيرينَ، يُكْنَى أبا بكرٍ، وهو مولًى لأنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ، وهو أحدُ أئمةِ التابعينَ من أهلِ البصرةِ، وُلدَ قبلَ قتلِ عُثمانَ بسنتينِ، وتُوُفِّيَ سنةَ عشرٍ ومئةٍ (٢) . وقد ذكَرْنا الاختلافَ في اسم أبي هريرةَ في كتابِنا في "الصحابةِ" (٣) .
-
وفي هذا الحديثِ وجوهٌ من الفقهِ والعلم؛ منها أنَّ النسيانَ لا يُعصَمُ منه أحدٌ نبيًّا كان أو غيرَ نبيٍّ؟ قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نسِيَ آدمُ فنسيَتْ ذُرِّيتُه" (٤) .
- ج ١ ص ٦٠٢
وفيه أنَّ اليقينَ لا يَجِبُ تركُه للشكِّ حتى يأتيَ يقين يُزيلُه، ألا ترَى أنَّ ذا اليدَينِ كان على يقينٍ من أنَّ فرضَ صلاتِهم تلك أربعُ رَكْعاتٍ، وكانت إحدَى صلاتي العَشِيِّ (١) كما رُويَ، فلمَّا أتَى بها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على غيرِ تمامِها، وأمكنَ في ذلك القَصْرُ من جهةِ الوحي، وأمكنَ الوَهمُ، لَزِمَه الاستفهامُ ليصيرَ إلى يقينٍ يَقطَعُ به الشكَّ.
-
وفيه أنَّ الواحدَ إذا ادَّعَى شيئًا كان في مجلسِ جماعةٍ لا يُمكنُ في مثلِ ما ادَّعَاه أنْ يَنفَرِدَ بعلمِه دونَ أهلِ المجلسِ، لم يُقطعْ بقولِه حتى تُستَخْبَرَ الجماعةُ، فإنْ خالفُوه سقَط قولُه أو نُظرَ فيه بما يَجِبُ، وإنْ تابعُوه ثبَت، وقد جعَل بعضُ أصحابِنا وغيرُهم من الفقهاءِ هذا أصلًا في رُؤيةِ الهلالِ في غيرِ غَيْم، وهو أصلٌ يطولُ فيه الكلامُ، وليس هذا موضعَه.
-
وفيه دليلٌ على أنَّ المُحدِّثَ إذا خالفتْه جماعة في نقلِه أنَّ القولَ قولُ الجماعةِ، وأنَّ القلبَ إلى روايتِهم أشدُّ سُكُونًا من روايةِ الواحدِ.
-
وفيه أنَّ الشكَّ قد يَعودُ يقِينًا بخبرِ أهلِ الصدقِ، وأنَّ خبرَ الصادقِ يُوجبُ اليقينَ، والواجبُ إذا اختَلف أهلُ مجلسٍ في شهادةٍ وتكافئوا في العدالةِ، أنْ يؤخذَ بشهادةِ مَن أثبَتَ علمًا، دونَ مَن نفَاه.
-
وفيه أنَّ مَن سلَّم ساهيًا في صلاتِه لم يضُرَّه ذلك، وأتمَّها بعدَ سلامِه ذلك، وسجَد لسهوِه، ولم يُؤمَرْ باستئنافِ صلاتِه، بل يبني على ما عمِل فيها ويُتمُّها.
- ج ١ ص ٦٠٣
وفيه السجودُ بعدَ السلام لِمَنْ عرَض له مثلُ هذا في صلاتِه، أو لِمَنْ زادَ فيها ساهيًا، قياسًا عليه، وسنذكرُ اختلافَ الفقهاءِ في سُجودِ السهوِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (١) ، وفي بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعرج إن شاء اللَّه (٢) .
-
وفيه أنَّ سجدَتَي السهوِ يُكبَّرُ فيهما، وأنهما على هيئةِ سُجودِ الصلاةِ، وليس في حديثِ مالكٍ هذا السلامُ من سجدتَي السّهْوِ، وذلك محفوظٌ في غيرِه، وسنذكرُ ذلك في هذا البابِ إن شاء اللَّه.
-
وقد كان ابنُ شهابِ يُنكِرُ أن يكونَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سجدَ يومَ ذي اليدين (٣) ، ولا وَجْهَ لقولِه ذلك؛ لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا الحديثِ وغيرِه أنَّه سجَد يومَئذٍ بعدَ السلام.
-
قرأْتُ على خلفِ بنِ القاسم، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ جعفرِ بنِ الوردِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا يُوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابن أبي ذِئْب (٤) ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن عراكِ بنِ مالكٍ،
ج ١ ص ٦٠٤عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سجَد يومَ ذي اليدَيْنِ سجدَتَيْنِ بعدَ السلام (١) .
-
وقد زعَم بعضُ أهلِ الحديثِ أنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على قَبُولِ خبرِ الواحدِ، وقد ادَّعَى المخالفُ أنَّ فيه حُجةً على مَن قال بخبرِ الواحدِ، والصحيحُ أنَّه ليسَ بحُجَّةٍ في قَبولِ خبرِ الواحدِ ولا في ردِّه.
-
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ الكلامَ في الصلاةِ، إذا كان فيما يُصلِحُها وفيما هو منها، لا يُفسِدُها، عمدًا كان أو سهوًا، إذا كان فيما يُصلِحُها، وقد اختلَف في هذا المعنَى جماعةُ الفقهاءِ من أصحابِنا وغيرِهم، على ما نُبيّنُه إن شاء اللَّه.
-
وفيه أنَّ مَن تكلَّم في الصلاةِ وهو يظنُّ أنَّه قد أتمَّها، وهو عندَ نفسِه في غيرِ صلاةٍ أنَّه يبني ولا تفسُدُ صلاتُه.
-
فأما قولُ مالكٍ وأصحابِه في هذا البابِ؛ فإنَّهم اختلفوا فيه واضطربَتْ أقاويلُهم ورواياتُهم فيه عن مالكٍ.
-
فروَى سُحْنُونٌ، عنِ ابنِ القاسم، عن مالكٍ، قال: لو أنَّ قومًا صلَّى بهم رجلٌ رَكْعتين وسَلَّم ساهيًا، فسبَّحوا به فلم يَفقَهْ، فقال له رجلٌ من خلفِه ممن هو معه في الصلاةِ: إنكَ لم تُتمَّ، فأتمَّ صلاتَك. فالتفَت إلى القوم، فقال: أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ فقالوا: نعم. قال: يُصلِّي بهم الإمامُ ما بَقِيَ من صلاتِهم، ويُصَلُّون معه بقِيَّةَ صلاتِهم؛ مَن تكلمَ منهم ومَن لم يتكلمْ، ولا شيءَ عليهم، ويفعلون
ج ١ ص ٦٠٥في ذلك ما فعَل النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ ذي اليدين. هذا قولُ ابنِ القاسم في كتاب "المُدَوَّنَةِ" (١) ، وروايتُه عن مالكٍ، وهو المشهورُ من مذهبِ مالكٍ، وإياه يُقلِّدُ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، واحتجَّ له في كتابِ ردِّه على محمدِ بنِ الحسنِ، وكذلك روَى عيسى (٢) ، عنِ ابنِ القاسم، قال عيسى: سألْتُ ابنَ القاسم عن إمام فعلَ اليومَ كفعلِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ ذي اليدين، وتكلَّم أصحابُه على نحوِ ما تكلَّم أصحابُ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ ذي اليدين، فقال ابنُ القاسم: يفعلُ كما فعَل النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ ذِي اليدَين، ولا يُخالفُه في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّها سُنةٌ سنَّها.
-
زادَ العُتْبِيُّ (٣) في هذه عن عيسى، عنِ ابنِ القاسم: ولْيرجعِ الإمامُ فيما شكَّ فيه إليهم ويُتِمَّ معهم، ويُجزِئُهم.
قال عيسى: قال ابنُ القاسم: ولو أنَّ إمامًا قامَ من رابعةٍ، أو جلَس في ثالثةٍ، فسُبِّحَ به فلم يَفْقَهْ، فكلَّمَه رجلٌ ممن خلفَه - كان مُحسِنًا، وأجْزَتْه صلاتُه.
قال عيسَى: وقال ابنُ كِنانةَ: لا يجوزُ لأحدٍ من الناسِ اليومَ ما جازَ لمن كان يومَئذٍ مع النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنَّ ذا اليدَين ظنَّ أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، فاستفْهَمَ عن ذلك، وقد علِمَ الناسُ اليومَ أنَّ قَصْرَها لا يَنزلُ؛ فعلى من تكلَّم الإعادةُ. قال عيسى: فقرأتُه على ابنِ القاسم، فقال: ما أرَى في هذا حُجةً، وقد قال لهم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كلُّ ذلكَ لم يكنْ؟ " . فقالوا له: بلَى. فقد كلَّمُوه عمدًا، بعدَ علمِهم أنَّها لم تُقْصَر وبنَوا معه.
ج ١ ص ٦٠٦وقال يحيَى، عن ابنِ نافع: لا أُحبُّ لأحدٍ أنْ يفعلَ مثلَ ذلك الفعلِ اليومَ، فإن فعَل لم آمرْه أنْ يستأنفَ.
-
وروَى أبو قُرَّةَ موسى بنُ طارقٍ، عن مالكٍ، مثلَ قولِ ابنِ نافع، خلافَ روايةِ ابنِ القاسم عنه.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا المُفَضَّلُ بنُ محمدٍ الجَنَدي، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا أبو قُرَّةَ، قال: سمِعتُ مالكًا يَستحِبُّ إذا تكلَّم الرجلُ في الصلاةِ أن يعودَ لها، ولا يبنيَ. قال: وقال لنا مالكٌ: إنما تكلَّم رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وتكلَّم أصحابُه معه يومَئذٍ؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، ولا يجوزُ ذلك لأحدٍ اليوم.
-
وروَى أشهبُ، عن مالكٍ، في سماعِه، أنَّه قيل له: أبَلَغك أنَّ ربيعةَ صلَّى خلفَ إمام فأطالَ التشهدَ، فخافَ ربيعةُ أنْ يُسلِّمَ، وكانَ على الإمام السجودُ قبلَ السلام، فكلَّمه ربيعةُ، وقال له: إنهما قبلَ السلام؟ فقال: ما بلَغني، ولو بلغني، ما تكلمْتُ به، أيُتكلَّمُ في الصلاةِ؟!
قال أبو عُمر: تَحتمِلُ روايةُ أشهبَ هذه أن يكونَ مالكٌ رجَع فيها عن قولِه الذي حكَاه عنه ابنُ القاسم إلى ما حكَاه عنه أبو قُرَّةَ، ويَحتمِلُ أن يكونَ أنكَر هذا من فعلِ ربيعةَ من أجلِ أنَّه لم يكنْ يلزمُه عندَه الكلامُ فيما تكلَّم فيه؛ لأنَّ أمرَ سُجودِ السهوِ خفيفٌ في أن يُنقَلَ ما كان منه قبلَ السلام فيُجعَلَ بعدَ السلام، فكأنَّ ربيعةَ عندَ مالكٍ تكلَّم فيما لم يكنْ ينبغِي له أن يَتكلَّمَ فيه، ورأى كلامَه كأنَّه في غيرِ شأنِ الصلاةِ، وذهَب ربيعةُ إلى أنَّه تكلَّم في شأنِ الصلاةِ وصلاحِها، واللَّهُ أعلم.
-
أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليٍّ الباجِيُّ (١) ، قال: أخبرني أبي. وحدَّثنا
ج ١ ص ٦٠٧عبدُ اللَّه بنُ محمّدِ بنِ يوسفَ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ علي، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ مُدركٍ، قال: أخبَرنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكينٍ، قال: أصحابُ مالكٍ كلُّهم (٢) على خلافِ قولِ مالكٍ في مسألةِ ذي اليدين إلَّا ابنَ القاسم وحدَه؟ فإنَّه يقولُ فيها بقولِ مالكٍ، وغيرُهم يأبَونَهُ ويقولون: إنما كان هذا أولَ الإسلام، فأمَّا الآنَ فقد عرَف الناسُ صلاتَهم، فمن تكلَّم فيها أعادَها.
قال ابنُ وَضّاح: وقد قيل: إنَّ ذا اليدين استُشْهِدَ يومَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ (٣) .
قال أبو عُمر: قد قال جماعةٌ من المُتَقَدِّمين ما قالَه ابنُ وَضّاح، في موتِ ذي اليدين، وليسَ عندَنا كذلك، وإنما المقتولُ ببدرٍ ذُو الشِّمالين، وسنُبَيِّنُ القولَ في ذلك بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللَّه.
-
وذكر سُحْنُونٌ (٤) ، عن ابنِ القاسم، في رجلِ صلَّى وحدَه، ففرَغ عندَ نفسِه من الأربع، فقال له رجلٌ إلى جنبِه: إنكَ لم تُصلِّ إلَّا ثلاثًا. فالتفَتَ إلى آخرَ، فقال: أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ قال: نعم! قال: تَفسُدُ صلاتُه، ولم يكنْ ينبغي له أن يُكلمَه، ولا يلتفِتَ إليه.
- ج ١ ص ٦٠٨
وهذه المسألةُ عندَ أكثرِ المالكيين البغداديينَ وغيرِهم محمولةٌ من قولِ ابنِ القاسم، على أنَّ المصلِّيَ إنما يجوزُ له الكلام في إصلاح الصلاةِ، للضرورةِ الدافعةِ إليه إذا كان في صلاةِ جماعةٍ، ولا يجوزُ ذلك للمنفردِ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ بُدٌّ لمن سُبِّحَ به، ولم يفقَهْ بالتَّسبيح، أن يُكلَّمَ ويُفصَحَ له بالمرادِ للضرورةِ الداعيةِ إلى ذلك في إصلاح الصلاةِ؛ تأسِّيًا بفعل النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مع أصحابِه يومَ ذي اليَدَيْنِ.
قال أبو عُمر: فكانوا يُفرِّقُون في هذه المسألةِ بينَ الجماعةِ وبينَ المُنْفَرِد، فيُجِيزون من الكلام في شأنِ الصلاةِ للإمام ومَن معه ما لا يُجيزونه للمنفردِ.
-
وكان غيرُ هؤلاءِ منهم يَحمِلون جوابَ ابنِ القاسم في المنفردِ في هذه المسألةِ، على خلافٍ من قولِه في استعمالِ حديثِ ذي اليَدَيْنِ، كما اختلَف قولُ مالكٍ في ذلك، وَيذهبون إلى جوازِ الكلام في إصلاح الصلاةِ للمنفردِ والجماعةِ، ويقولون: لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ الرجلُ في إصلاح الصلاةِ مَن معه فيها، وبينَ أن يُكلِّمَ مَن ليس معه فيها، إذا كان ذلك في شأنِ إصلاحِها وعَمَلِها، كما أنَّه لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ رجلٌ مَنْ معه فيها ومَنْ ليسَ معه فيها بكلامٍ في غيرِ إصلاحِها، في أنَّ ذلك يُفسِدُها.
قالوا: وإذا كانت العِلَّةُ شأنَ إصلاح الصلاةِ، فالمنفردُ قد شمِلتْه تلكَ العِلَّةُ، فلا يَخرُجُ عنها.
قالوا: وقد تكلَّم النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابُه يومَ ذي اليدَينِ في شأنِ الصلاةِ، وبنَوا على ما صلَّوا، ولو كان بينَ المنفردِ والجماعةِ فرقٌ لبَيَّنَه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولقال: إنما هذا لمن كان مع إمامِه خاصةً دونَ المنفرِدِ. ولمَا سكَتَ عن ذلك لو اختلَف حُكمُه، واللَّهُ أعلم.
ج ١ ص ٦٠٩قال أبو عُمر: من حُجَّةِ مَن ذهَب إلى الوجْهِ الأولِ، ممنْ يقولُ بقولِ ابنِ القاسم في هذا البابِ، أنَّ النهيَ عن الكلام في الصلاةِ على ما ورَد في حديثِ ابنِ مسعودٍ (١) وغيرِه، إنما خَرَجَ على ردِّ السلام في الصلاةِ، وعلى مجُاوبةِ مَن جاءَ فسألَ: بكمْ سُبِقَ من الصلاةِ؟ وعلى مَن عرَضَتْ له حاجةٌ فأمَر بها وهو في صلاةٍ، وقد كان في مندوحةٍ عن ذلك حتى يَفرُغَ من صلاتِه، فعلى هذا خَرَجَ النهيُ عن الكلام في الصلاةِ وجاءَ خبرُ ذي اليدين بجوازِ الكلام في إصلاح الصلاةِ إذا لم يُوجدْ بُد من الكلام، فوجَب استعمالُ الأخبارِ كلِّها، وإلَّا يَسقُطْ بعضها ببعضٍ، ولا سبيلَ إلى ذلك إلّا بهذا التخريج والتوجيهِ، واللَّهُ أعلم.
-
وهذا ليس للمنفردِ؛ لأنَّ المنفردَ قد أُمرَ بالبناءِ على يقينِه، فكان له في ذلك مندوحةٌ عن الكلام؛ لأنَّ الكلامَ إنما جازَ فيما لا يُوجَدُ منه مندوحةٌ، واللَّهُ أعلم.
-
فهذا ما لمالكٍ وأصحابِه في روالة ابنِ القاسم وغيرِه في مسألةِ ذِي اليدين. وأمَّا سائرُ العلماءِ فنحنُ نذكرُ ما صحَّ في ذلك عندَنا عنهم أيضًا بعونِ اللَّه.
-
أمَّا أحمدُ بنُ حنبلٍ فذكَر الأثْرَمُ عنه أنَّه قال: ما تكلَّم به الإنسانُ في صلاتِه لإصلاحِها لم تَفسُدْ عليه صلاتُه، فإنْ تكلَّم بغيرِ ذلك فسَدتْ عليه (٢) .
وقال في موضع آخرَ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ في قصةِ ذِي اليدين: إنما تكلَّم ذُو اليدين وهو يرَى أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، وتكلَّم النبيُّ عليه السلامُ وهو دافع لقولِ ذي اليدين، فكلَّم القومَ فأجابُوه؛ لأنَّه كان عليهم أن يُجيبُوه (٣) .
- ج ١ ص ٦١٠
وذكَر الخِرَقِيُّ (١) أنَّ مذهبَ أحمدَ بنِ حنبلٍ فيمن تكلَّم عامدًا أو ساهيًا بطَلَتْ صلاتُه، إلَّا الإمامَ خاصةً، فإنَّه إذا تكلَّمَ لمصلحةِ صلاتِه لم تَبطُلْ صلاتُه.
-
وأمَّا الأوزاعيُّ فمذهبُه جوازُ الكلام في الصلاةِ في كُلِّ ما يَحتاجُ إليه المصلِّي مما يُعذرُ فيه، قال الأوزاعِيُّ (٢) : لو أنَّ رجلًا قال لإمام جهَر بالقراءةِ في العصرِ: إنَّها العصرُ. لم يكنْ عليه شيءٌ. قال: ولو نظَر إلى غُلام يريدُ أن يَسقُطَ في بئرٍ فصاحَ به، أو انصرَف إليه، أو جبَذه، لم يَكُنْ بذلك بأس.
-
وأمَّا الشافعيُّ فقال (٣) : لا يَشُكُّ مُسلم أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَنصرِفْ إلَّا وهو يرَى أنْ قد أكمَل الصلاةَ، وظنَّ ذُو اليدين أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ بحادثٍ من اللَّه، ولم يَقبَلْ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من ذي اليَدَينِ إذْ سألَ غيرَه، ولمَّا سألَ غيرَه، احتمَلَ أن يكونَ سألَ مَن لم يسمعْ كلامَه، فيكونون مثلَه -يعني مثلَ ذي اليدين- واحتمَل أن يكونَ سألَ مَن سمِع كلامَه ولم يَسمع النبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ ردَّ عليه، فلمَّا لم يَسمع النبيَّ عليه السلام ردَّ عليه (٤) ، كان في معنَى ذي اليَدَينِ؛ من أنَّه لم يدْرِ أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسِيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فأجابَه ومعنَاه معنَى ذي اليدين، مع أنَّ الفرضَ عليهم جوابُه، ألا ترَى أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لمَّا أخبَرُوه فقبِل قولَهم لم يَتكلَّمْ ولم يَتكلَّموا حتى بنَوْا على صلاتِهم؟
ج ١ ص ٦١١قال (١) : فلمَّا قُبضَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تناهَتِ الفرائضُ؛ فلا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها أبدًا. قال: فهذا فرقُ ما بينَنا وبينَه إذا كان أحدُنا إمامًا اليوم.
قال أبو عُمر: فالذي حصل عليه قولُ مالكٍ وأصحابِه، والشافعيِّ وأصحابِه، في هذه المسألةِ، ممَّا لا يَختلفون فيه، أنَّ الكلامَ والسلامَ ساهيًا في الصلاةِ لا يُفسِدُها، ولا يَقدَحُ في شيءٍ منها، وتُجْزِئُ منه سجدتَا السهوِ، وليستا هاهُنا بواجبةٍ فرضًا، عندَ واحدٍ منهم، ومَن نسِيَهما ولم يسجُدْهما لم يضُرَّه، ويسجُدُهما عندَ مالكٍ وأصحابِه متى ما ذكَر، وإنما الخلافُ بينَ مالكٍ والشافعيِّ أنَّ مالكًا يقولُ: لا يُفسِدُ الصلاةَ تَعَمُّدُ الكلام فيها إذا كان في إصلاحِها وشأنِها. وهو قولُ ربيعةَ، وابنِ القاسم، إلَّا ما رُويَ عنه في المنفرد.
وقال الشافعيُّ وأصحابُه ومن تابعَهم من أصحابِ مالكٍ وغيرِهم: إنَّه إن تعمَّدَ الكلامَ، وهو يَعلمُ أنَّه لم يُتمَّ الصلاةَ وأنَّه فيها، أفسَد صلاتَه، وإنْ تكلَّم ساهيًا، أو تكلَّم وهو يَظنُّ أنَّه ليس في صلاةٍ -لأنَّه قد أكمَلها عندَ نفسِه- فهذا يَبني، ولا يُفسِدُ عليه كلامُه هذا صلاتَه.