إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري
٤٦٥ فقرة، ج ١ ص ٤٠٠
الصفحة ٣ من ١٢
- ج ١ ص ٤٣٦
وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ ذكرْنا منها في باب شريكِ بن أبي نَمِرٍ في الاسْتِسقاء ما فيه شفاء، والحمدُ للَّه (٣) .
- ج ١ ص ٤٣٧
حديثٌ ثالثٌ لإسحاقَ عن أنسٍ، مُسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طلحة، عن أنسِ بنِ مالك، قال: كان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا ذهَب إلى قُباءٍ يَدخُلُ على أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ فتُطْعِمُه، وكانت أمُّ حرام تحتَ عُبادةَ بنِ الصامِت، فدخَل عليها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا فأطْعَمَتْه، وجلَستْ تَفْلي رأسَه، فنام رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم استَيقَظَ وهو يَضحَكُ، قالت: فقلت: ما يُضحِكُكَ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "ناسٌ مِن أمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحر، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مثلَ الملوكِ على الأسِرَّة" . يَشُكُّ إسحاقُ. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعلَني منهم. فدعا لها، ثم وضَع رأسَه فنام، ثم اسْتَيقَظَ يَضحَكُ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما يُضحِكُكَ؟ قال: "ناسٌ من أُمَّتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه، مُلوكًا على الأسِرَّة، أو مِثْلَ الملوكِ على الأسِرَّة" . كما قال في الأولى. قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، ادعُ اللَّهَ أن يَجعَلَني منهم. قال: "أنتِ من الأوَّلين" . قال: فرَكِبَتِ البحرَ في زَمَنِ مُعاويةَ بنِ أبي سُفيان، فصُرِعَتْ عن دابَّتِها حينَ خرجَتْ من البحر، فهلَكَتْ.
-
هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ رواةِ "الموطّأ" فيما علِمْتُ، جعلوه من مسندِ أنس بن مالك (٢) .
- ج ١ ص ٤٣٨
ورواه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانيُّ (١) ، عن مالك، عن إسحاق، عن أنس، عن أُمِّ حرام بنتِ مِلحانَ، قالت: استَيقَظَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، الحديثَ، جعَله من مُسندِ أمِّ حرام، هكذا حدَّثَ عنه به بُندارٌ محمدُ بنُ بشّار (٢) .
-
وأمُّ حرام هذه هي خالةُ أنسِ بنِ مالك، أختُ أمِّ سُليم بنتِ مِلحانَ أمِّ أنسِ بنِ مالك (٣) ، وقد ذكَرناهما ونَسَبْناهما وذكَرْنا شيئًا من أخبارِهما في كتابِنا كتاب "الصحابة" (٤) ، فأغنَى عن ذكرِه هاهُنا، وأظنُّها أرْضَعَتْ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أو أمُّ سُليم أرضعَتْ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فحصَلتْ أمُّ حرام خالةً له من الرَّضاعة، فلذلك كانت تَفْلي رأسَه، وينامُ عندَها، وكذلك كان ينامُ عندَ أمِّ سُليم، وتنالُ منه ما يجوزُ لذي المَحْرَم أن يَنالَه من محارمِه، ولا يشكُّ مسلمٌ أنَّ أُمَّ حرام كانت من رسولِ اللَّه بمَحْرم (٥) ، فلذلك كان منها ما ذُكِرَ في هذا الحديث، واللَّهُ أعلم.
-
وقد أخبَرَنا غيرُ واحدٍ من شُيوخِنا، عن أبي محمدٍ الباجيِّ (٦) عبدِ اللَّه بنِ محمدِ بنِ عليّ، أنَّ محمدَ بنَ فُطيس أخبرَه، عن يحيى بن إبراهيمَ بن مُزين، قال:
ج ١ ص ٤٣٩إنَّما استجازَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تَفْليَ أُمُّ حرام رأسَه لأنّها كانت منه ذاتَ مَحْرَم من قبلِ خالاتِه؛ لأنَّ أمَّ عبدِ المطَّلبِ بنِ هاشم كانت من بني النَّجّار.
وقال يونسُ بنُ عبدِ الأعلى: قال لنا ابنُ وَهْب: أُمُّ حرام إحدَى خالاتِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من الرَّضاعة، فلهذا كان يَقيلُ عندَها، وَينامُ في حِجْرِها، وتَفْلي رأسَه (١) .
قال أبو عُمر: أيُّ ذلك كان، فأُمُّ (٢) حرام مَحْرمٌ من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والدليلُ على ذلك ما حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ أسد، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمد (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٤) : حدَّثنا عليُّ بنُ حُجر، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ألا لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عندَ امرأةٍ إلّا أن يكونَ ناكحًا أو ذا محرم" .
-
وروَى عمرُ بنُ الخطاب، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة؛ فإنَّ الشَّيطانَ ثالثُهما" (٥) .
- ج ١ ص ٤٤٠
وروَى ابنُ عباس، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا أن تكونَ منه ذاتَ مَحْرَم" (١) .
-
وروَى عبدُ اللَّه بنُ عمرِو بنِ العاص، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "لا يَدْخل (٢) رجلٌ على مُغِيبةٍ (٣) إلّا ومعه رجلٌ أو رجلان" (٤) .
- ج ١ ص ٤٤١
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوية، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقبةَ بنِ عامر، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "إيّاكم والدُّخولَ على النساء" . فقال رجلٌ من الأنصار: أرأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ الموتُ" . وهذه آثارٌ ثابتةٌ بالنَّهْي عن ذلك، ومحالٌ أن يأتيَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما يَنهَى عنه.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ أكلِ ما قدَّمَتْه المرأةُ إلى ضَيْفِها في بَيتِها من مالِها ومالِ زوجِها؛ لأنّ الأغلبَ أنَّ ما في البيتِ من الطعام هو للرجُل، وأنَّ يدَ زَوجَتِه فيه عارِيَة.
-
وقد اختلَف العلماءُ في هذا المعنى لاختلافِ الآثارِ فيه، وأحسنُ حديثٍ في ذلك وأصحُّه من جهةِ النَّقْلِ ما رواه ابنُ جُريج، عن ابنِ أبي مُليكة، عن عبّادِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ الزُّبير، عن أسماءَ بنتِ أبي بكر، أنَّها جاءَتْ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا نبيَّ اللَّه، ليس لي شيءٌ إلّا ما أدخَل عليَّ الزُّبير، فهل عليَّ جُناحٌ أن أرضَخَ مما يُدخِلُ عليَّ؟ فقال: "ارضَخِي ما اسْتَطَعْتِ، ولا تُوكِي فيُوكِيَ اللَّهُ عليكِ" (٣) .
- ج ١ ص ٤٤٢
وروَى الأعمشُ ومنصورُ بنُ المعتمر، جميعًا عن شقيقٍ أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: قال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا أنْفقَتِ المرأةُ من بَيتِ زوجِها غيرَ مُفسِدَة، كان لها أجْرٌ بما أنْفقَتْ (١) ، ولزوجِها أجرُ ما كسَب، وللخازنِ مثلُ ذلك، لا ينقُصُ بعضُهُم من أجرِ بعضٍ شيئًا" (٢) .
-
وهذان حديثانِ صحيحانِ مشهوران، لا يُختلَفُ في صحَّتِهما وثُبوتِهما، تَركْتُ الإتيانَ بطُرقِهما خشيةَ التَّطويل.
-
أخبرنا عبدُ الرَّحمن بن مروان (٣) ، قال: أخبَرنا أبو محمدٍ الحسنُ بنُ يحيى بن الحسنِ القُلْزُميُّ القاضي في دارِه بمصرَ سنةَ ثمانٍ وستِّين، قال: حدَّثنا أبو غسَّانَ عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ يوسفَ القاضي القُلْزُميُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الفُرات، عن نافع بنِ يزيد، عن ابنِ الهادِ، عن مسلم بنِ الوليدِ بنِ رباح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنّه سمِع رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تَصومُ وزوجُها شاهدٌ إلّا بإذنِه، ولا تأذَنُ لرجلٍ في بَيتِها وهو له كارِهٌ، وما تَصدَّقَتْ مما كَسبَه فلهُ أجرُ نصفِ صَدَقَتِها (٤) ، وإنّما خُلِقَتِ
ج ١ ص ٤٤٣المرأةُ من ضِلَع، فلن تُصاحِبَها إلّا وفيها عِوَجٌ، فإن ذَهَبْتَ تُقيمُها كَسَرْتَها، وكسْرُك إيّاها فِراقُها " (١) .
-
وأمّا الآثارُ الواردةُ في الكراهةِ لذلك، فروَى ابنُ المبارك، عن عبدِ الرَّحمن بنِ يزيد (٢) بنِ جابر، عن سعيدِ بنِ أبي سعيد، قال: حدَّثني مَن سمِع النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لا تُنْفِقَنَّ امرأةٌ من بيتِها شيئًا إلّا بإذنِ زَوجِها ". فقال رجلٌ: من الطعام يا رسولَ اللَّه؟ قال: " وهل أموالُنا إلّا الطعام؟ " (٣) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٤) : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيّاش،
ج ١ ص ٤٤٤عن شُرَحْبيلِ بنِ مسلم الخَوْلانيّ، قال: سمِعتُ أبا أُمامةَ الباهليَّ يقول: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ في خُطبتِه عامَ حجَّةِ الوداع: "إنَّ اللَّهَ قد أعْطَى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث" . وذكَر الحديث، وفيه: "لا تُنفِقُ امرأةٌ من بيتِ زوجِها إلّا بإذنِ زوجِها" . قيل: يا رسولَ اللَّه، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضلُ أموالِنا" . وساق تمامَ الحديث.
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (١) ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن ليث، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمان، عن عطاء، عن ابنِ عمرَ، قال: أتَتِ امرأةٌ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا نبي اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَمْنعُه نفسَها ولو كانت على ظَهْرِ قَتَبٍ" (٣) . فقالت: يا رسولَ اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تصومُ إلا بإذنِه، إلّا الفريضة، فإن فَعَلَتْ أثِمَتْ ولم يُقْبَلْ منها" . قالت: يا رسولَ اللَّه، ما حَقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَصَّدَّقُ بشيءٍ من بيتِه إلا بإذنِه" . قال: "فإن فعَلتْ كان له الأجرُ وعليها الوِزْرُ" . قالت: يا رسولَ اللَّه، ما حقُّ الزوج على زوجتِه؟ قال: "لا تَخرُجُ من بيتِها إلّا بإذنِه،
ج ١ ص ٤٤٥فإنْ فعَلتْ لعَنتْها ملائكةُ اللَّه، وملائكةُ الرحمة، وملائكةُ الغَضَب، حتى تتوبَ أو تُراجِعَ ". قالت: يا رسولَ اللَّه، وإن كان لها ظالمًا؟ قال: " وإن كان لها ظالمًا ". قالت: والذي بعثَكَ بالحقِّ، لا يملكُ عليَّ أمري أحدٌ بعدَها أبدًا ما بَقِيتُ.
-
فإن كان ما أطْعَمتْه أمُّ حرام رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من مالِ زوجِها عُبادةَ بنِ الصامتِ ولم يكنْ من مالِها، ففي هذا الحديثِ أيضًا إباحةُ أكلِ مالِ الصديقِ بغيرِ إذنِه، وقد اختلَف فيه العلماءُ إذا كان يَسيرًا، ليس مثلُهُ يُدَّخَرُ ولا يُتموَّلُ، ولم يَختلِفُوا في الكثيرِ الذي له بال، ويَحضُرُ النفسَ عليه الشُّحُّ به، أنّه لا يَحِلُّ إلّا عن طِيبِ نفسٍ من صاحبِه.
-
واختلَفوا في تأويل (١) قولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} [النور: ٦١] . وقد ذكَرنا هذا المعنَى فيما تقدَّم من كتابِنا هذا (٢) ، والحمدُ للَّه.
-
ومَنْ أجاز أكلَ مالِ الصديقِ بغيرِ إذنِه فإنّما أباحَه ما لم يتَّخِذ الآكِلُ خُبْنَةً (٣) ، ولم يَقصدْ بذلك وقايةَ مالِه، وكان تافهًا يَسيرًا، ونحوَ هذا.
-
وأمّا قولُه: "ناسٌ من أمَّتي عُرضُوا علَيَّ غُزاةً في سبيلِ اللَّه " فإنّه أراد، واللَّهُ أعلمُ، أنّه رأى الغُزاةَ في البحرِ من أُمَّتِه مُلُوكًا على الأسِرَّةِ في الجَنَّة، ورُؤياه وَحْيٌ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويَشهَدُ لقوله: " مُلُوكًا على الأسِرَّة" ما ذكَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ في أهل الجَنّةِ بقوله: {عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} [يس: ٥٦] . قال أهلُ التفسير: الأرائِكُ: السُّرُرُ
ج ١ ص ٤٤٦في الحِجَال. ومثلُه قولُه عزَّ وجلَّ: {عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: ٤٧، الصافات: ٤٤] . وهذا الخبرُ إنّما ورَد تَنبيهًا على فضلِ الجهادِ في البحرِ وتَرْغيبًا فيه.
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا: إباحةُ ركوبِ البحرِ في الجهاد، وفيه إباحةُ الجهادِ للنساء، وقد رُوِيَ عن أمِّ عطيّةَ، قالت: كنا نَغْزُو مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فنُمَرِّضُ المرضَى، ونُداوي الجَرْحَى، وكان يَرْضَخُ لنا من الغنيمة (١) .
-
واختلَف الفقهاءُ في الإسْهام للنساءِ من الغنيمةِ إذا غَزَوْنَ؛ فقال ابنُ وَهْب: سألتُ مالكًا عن النساء، هل يُحذَيْن من المغانم في الغزو؟ قال: ما عَلِمْتُ ذلك.
-
وقد أجاز قومٌ من أصحابِنا أن يُرضَخَ للنساءِ ما أمْكَن على ما يَراه الإمامُ. وقال الثوريُّ، وأبو حنيفة، والليثُ، والشافعيُّ، وأصحابُهم (٢) : لا يُسْهَمُ لامرأة، ويُرضَخُ لها. وقال الأوزاعي: يُسْهَمُ للنساء. وزعَم أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أسْهَم للنساءِ بخَيبر. قال الأوزاعيُّ: وأخَذ بذلك المسلمون عندَنا (٣) .
ج ١ ص ٤٤٧قال أبو عُمر: أحْسَنُ شيءٍ في هذا الباب ما كتَب به ابنُ عباسٍ إلى نَجْدَةَ الخارجيّ: إنَّ النساءَ كُنَّ يَحْضرْنَ فيُداوينَ المرضَى، ويُحذَين (١) من الغنيمة، ولم يُضْرَبْ لهنَّ بسهم (٢) .
-
وفيه إباحةُ رُكُوبِ البَحْرِ للنساء، وقد كان مالكٌ رحمه اللَّهُ يَكرَهُ للمرأةِ الحجَّ في البحر، فهو في الجهادِ لذلك أكْرَهُ، واللَّهُ أعلم.
وقال بعضُ أصحابِنا من أهلِ البصرة: إنّما كَرِه ذلك مالكٌ لأنَّ السُّفُنَ بالحجازِ صغارٌ، وأنَّ النساءَ لا يَقْدِرْنَ على الاستِتارِ عندَ الخلاءِ فيها لضيقِها وتزاحُم الناس فيها، وكان الطَّريقُ من المدينةِ إلى مكةَ على البرِّ ممكنًا، فلذلك كَرِه ذلك مالكٌ. قال: وأمّا السُّفُنُ الكبارُ نحوُ سُفُنِ أهل البَصْرَة، فليس بذلك بأسٌ. قال: والأصلُ أنَّ الحجَّ فَرْضٌ على كلِّ مَن استَطاعَ إليه سبيلًا من الأحرارِ البالِغين؛ نساءً كانوا أو رِجالًا، إذا كان الأغلبُ من الطّريقِ الأمنَ، ولم يَخُصَّ برًّا من بحر، فإذا كان طريقُهم على البحر، أو تَعذَّر عليهم طريقُ البَرّ، فذلك لازمٌ لهم مع الاستِطاعة.
-
وفي هذا الحديث ما يَدُلُّ على رُكوبِ البحرِ للحَجِّ؛ لأنّه إذا رُكِبَ للجهاد، فهو للحَجِّ المفترضِ أوْلَى وأوْجَبُ. وذكَر مالكٌ رحمه اللَّه أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كان يَمنعُ الناسَ من رُكوبِ البحر، فلم يَركَبْه أحدٌ طُولَ حياتِه، فلمّا مات استَأذَن معاويةُ عثمانَ في رُكوبِه فأذِنَ له، فلم يَزَلْ يُركَبُ حتى كان أيّامُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز (٣) ، فمنَع الناسَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز من رُكوبِه، ثم رُكِب بعدَه إلى الآن.
- ج ١ ص ٤٤٨
وهذا إنّما كان من عمرَ وعمرَ (١) رضيَ اللَّه عنهما في التجارةِ وطَلبِ الدنيا، واللَّهُ أعلم، وأمّا في أداءِ فريضةِ الحجِّ فلا، والسُّنَّةُ قد أباحَتْ رُكوبَه للجهادِ في حديثِ إسحاق، عن أنس، وحديثِ غيرِه، وهي الحُجَّةُ وفيها الأُسوَة، فرُكوبُه للحَجِّ أوْلَى قياسًا ونَظَرًا، والحمدُ للَّه.
-
ولا خلافَ بينَ أهلِ العلم أنَّ البحرَ إذا ارْتَجَّ لم يَجُزْ رُكوبُه لأحدٍ بوجهٍ من الوُجوهِ في حينِ ارْتجاجِه.
-
ذكر أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال (٢) : حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليث، عن نافع، عن ابنِ عمر، قال: قال عمرُ: لا يَسألُني اللَّهُ عن جيشٍ رَكِبوا البحرَ أبدًا؛ يعني التغرير.
-
وفيه التَّحَرِّي في الإتيانِ بألفاظِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد ذهَب إلى هذا جماعةٌ، ورخَّص آخَرون في الإتيانِ بالمعاني، وقد أوضحْنا هذا المعنَى في بابٍ أفرَدْناه له في كتاب "جامع بيان العلم وفضلِه وما يَنبغي في روايتِه وحَملِه" (٣) ، وسيأتي من هذا البابِ ذكرٌ في مواضعَ من هذا الكتاب إن شاء اللَّه (٤) .
-
وفيه أنَّ الجهادَ تحتَ رايةِ كلِّ إمام جائزٌ ماضٍ إلى يوم القيامة؛ لأنّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد رأى الآخرينَ مُلُوكًا على الأسِرَّةِ كما رأى الأوَّلينَ، ولا نهايةَ للآخرينَ إلى يوم قيام الساعة، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ
ج ١ ص ٤٤٩إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] . وقال: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: ٣٩ - ٤٠] ، وهذا على الأبد.
-
وفيه فضلٌ لمعاويةَ رحمه اللَّه، إذ جعَل من غَزا تحتَ رايتِه من الأوَّلين، ورُؤْيا الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عليهم وَحْيٌ، الدليلُ على ذلك قولُ إبراهيمَ عليه السلام: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} فأجابَه ابنُه: {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: ١٠٢] . وهذا بَيِّنٌ واضحٌ. وقالت عائشة: أوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من الوَحْي الرُّؤيا الصادقة، فكان لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح (١) .
-
وفي فرح رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- واستِبْشارِه وضَحِكِه بدُخولِ الأجرِ على أُمَّتِه بعدَه، سُرورًا بذلك، بيانُ ما كان عليه رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من المُناصحةِ لأُمَّتِه، والمَحبّةِ فيهم، وفي ذلك دليل على أنَّ من علامةِ المؤمنِ سُرُورَه لأخيه بما يُسَرُّ به لنفسِه.
-
وإنّما قلنا: إنَّ في هذا الحديثِ دليلًا على رُكُوبِ البحرِ للجهادِ وغيرِه، للنساءِ والرِّجال، إلى سائرِ ما استَنبَطْنا منه؛ لاستِيقاظِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-وهو يَضحَكُ فرحًا بذلك، فدَلَّ على جوازِ ذلك كلِّه وإباحتِه وفضلِه، وجعَلْنا المباحَ مما يُركَبُ فيه البحرُ قياسًا على الغزوِ فيه.
-
ويَحتملُ بدليلِ هذا الحديثِ أن يكونَ الموتُ في سبيلِ اللَّه والقتلُ سواءً، أو قريبًا من السَّواءِ في الفضل؛ لأنَّ أُمَّ حَرام لم تُقتَلْ، وإنّما ماتَتْ من صَرْعةِ دابَّتِها، وقال لها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنتِ من الأوَّلين" . وإنّما قلتُ: أو قريبًا من السَّواء.
- ج ١ ص ٤٥٠
لاختلافِ الناسِ في ذلك؛ فمن أهلِ العلم من جعَل الميِّتَ في سبيلِ اللَّه والمقتولَ سَواءً، واحْتَجَّ بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا} الآيتين جميعًا [الحج: ٥٨ - ٥٩] . وبقولِه تبارَك اسمُه: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ} [النساء: ١٠٠] . وبقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عَتِيك: "مَن خرَج من بَيتِه مُجاهدًا في سبيلِ اللَّه، فخَرَّ عن دابَّتِه فمات، أو لدَغتْه حيّةٌ فمات، أو مات حَتْفَ أنْفِه، فقد وقَع أجْرُه على اللَّه، ومَن ماتَ قَعْصًا (١) فقد اسْتوجَب المآبَ" (٢) . وبقَوْلِ فَضالةَ بنِ عُبيدٍ: ما أبالي من أيِّ حُفْرَتَيْهِما بُعِثْتُ؛ ذكَر ذلك ابنُ المبارك (٣) ، عن ابنِ لَهِيعَة، عن سَلامانَ بنِ عامر، عن
ج ١ ص ٤٥١عبدِ الرَّحمنِ بنِ جَحدم (١) الخَوْلانيِّ، عن فَضالةَ بنِ عُبَيْد، في حديثٍ ذكَر فيه رَجُلين؛ أحدُهما أُصيبَ في غَزاةٍ بمَنْجَنِيق، والآخَرُ مات هناك، فجلَس فَضالةُ عندَ الميت، فقيل له: ترَكْتَ الشَّهيدَ ولم تَجلِسْ عندَه! فقال: ما أُبالي من أيِّ حُفْرَتَيْهما بُعِثْتُ. ثم تلا قولَه عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا} الآيةَ كلَّها [الحج: ٥٨] .
قال أبو عُمر: قد ثبَت عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنّه سُئِلَ: أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ فقال: "مَنْ أُهْرِيق دَمُه، وعُقِرَ جَوادُه" . ولم يَخُصَّ بَرًّا من بَحْر. رواه أبو ذَرٍّ وغيرُه (٢) .
- ج ١ ص ٤٥٢
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمد، عن سُهيلِ بنِ أبي صالح، عن محمدِ بنِ مسلم بنِ عائِذ، عن عامرِ بنِ سعد، عن سعد، أنَّ رجلًا جاء ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّي، فقال حينَ انتهَى إلى الصَّفِّ: اللَّهُمَّ آتِني أفضلَ ما تُؤْتِي عبادَك الصالحين. فلمّا قضَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاتَه، قال: "مَن المتكَلِّمُ آنِفًا؟ " . قال: أنا يا رسولَ اللَّه. قال: "إذن يُعْقَرَ جوادُك، وتُستشهَدَ في سبيلِ اللَّه" (١) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شَيبَة، قال (٢) : حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا
ج ١ ص ٤٥٣المسعوديُّ، عن عمرِو بنِ مُرّة، عن عبدِ اللَّه بنِ الحارث، عن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّه، أيُّ الجهادِ أفْضلُ؟ قال: "مَن عُقِر جَوادُه، وأُهْريقَ دَمُه" .
-
وبهذا الإسناد، عن وَكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلَه (١) .