ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي

٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥

الصفحة ١٠ من ١٠

  1. أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا وَهْبُ بنُ بَيانَ وابنُ السَّرْح، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلمة، عن أبي هريرةَ، قال: اقتتَلت امرأتان من هُذيلٍ، فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحجَرٍ، فقتَلتها، فاختصَموا إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ ديَةَ جنينِها غُرَّةٌ؛ عبدٌ أو وليدةٌ، وقضَى بدِيَةِ المرأةِ على عاقلتِها، وورَّثها ولدَها ومَن معه، فقال حَمَلُ بنُ النابغةِ الهُذَليُّ: يا رسولَ الله، كيفَ أغرمُ مَن لا شرِب ولا أكَل، ولا نطَق ولا استهلّ، فمثلُ ذلك يُطَلّ (٣) ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ" . من أجلِ سجْعِه الذي سجَع.

    ج ٤ ص ٤٥٦قال أبو داودَ (١) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ؛ في هذه القصةِ قال: ثمَّ إنَّ المرأةَ التي قضى عليها الغُرَّةَ تُوفِّيتْ، فقضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ميراثَها لبَنِيها، والعَقْلَ على عَصَبَتِها.

    قال أبو عمر: وقد ذكرنا ما يجبُ من القولِ في قصَّةِ قتلِ المرأةِ، والاختلافَ في ذلك مِن جهةِ الأثَرِ، واختلافَ العلماءِ في ديتِها وقتلِها، وما لهم في شِبْهِ العَمْدِ من الأقاويلِ والوُجُوهِ، في كتاب "الأجوبةِ عن المسائلِ المستغربةِ" (٢) ، فمن أراده نظَر إليه وتأمَّله هناك. ولم نذكرْ هاهنا شيئًا من ذلك؛ لأنّه ليس في حديثِ مالكٍ ذِكْرُ قتلِ المرأةِ، وإنَّما فيه قصَّةُ الجنينِ. ونحن نذكُرُ ما للعلماءِ في ذلك من الأقوالِ والوجوهِ هاهنا، وبالله عونُنا وتوفيقُنا.

    ج ٤ ص ٤٥٥
  2. فمِن أحكام الجنينِ ما أجمَع العلماءُ عليه، ومنها ما اختلفوا فيه؛ فممَّا أجمَعوا عليه من ذلك أنَّ الجنينَ إذا ضُرِب بطْنُ أمِّه، فألقَتْه حيًّا، ثم مات بقُربِ خروجِه، وعُلِم أنَّ موتَه كان من أجلِ الضَّربةِ وما فُعِل بأُمِّه وبه في بطْنِها، ففيه الدِّيَةُ كاملةً، وأنَّه يُعتبرُ فيه الذكرُ والأنثَى. وعلى هذا جماعةُ فقهاء الأمصار (٣) . وفي إجماعِهم على ما ذكرنا دليلٌ واضحٌ على أنَّ الجنينَ الذي قضى فيه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو أمَةٍ، كانت قد ألقَته أمُّه (٤) ميّتًا. ومع هذا الدَّليلِ نصَّان؛ أحدُهما من جهةِ الإجماع؛ أنَّ الغُرَّةَ واجبةٌ في الجنينِ إذا رمَتهُ ميّتًا وهي حيَّةٌ. والنَّصُّ

    ج ٤ ص ٤٥٧الثاني ما في حديثِ سعيدِ بنِ المسيِّب أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى في الجنينِ يُقتَلُ في بطنِ أُمِّه بغُرَّةٍ. والمقتولُ في بطنِ أُمِّه لا تطرَحُه إلّا ميّتًا لا محالةَ. فإن لم تُلقِه وماتت وهو في جوفِها لم يخرُجْ، فلا شيءَ فيه ولا حكمَ له، وهذا أيضًا إجماعٌ لا خلافَ فيه. فإن ألقَتْه ميّتًا وهي حيَّةٌ، فالحكمُ فيه ما ثبتت به السُّنَّةُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، على ما ذُكِر في هذا الحديثِ، غرَّةٌ؛ عبدٌ أو أمةٌ.

  3. وقد كان للغُرَّةِ أصلٌ معروفٌ في الجاهليَّةِ من لم يبلُغْ بشرفِه أن يُودى ديةً كاملةً، قال مُهَلْهِلُ بنُ رَبيعَةَ، واسْمُه عَديّ - وإنَّما قيل له: مُهَلهِلٌ؛ لأنّه أولُ من أرَقَّ الشِّعرَ وقصَّدَه فيما ذكروا - قال في قتلِ أخيه كُلَيْبِ بنِ ربيعة (١) :

    كُلُّ قتيلٍ في كُلَيْبٍ غُرَّهْ ... حتى ينالَ القتلُ آلَ مُرَّهْ

    يعني مُرَّةَ بنَ ذُهْلِ (٢) بنِ شيبَانَ بنِ ثعلبةَ، وكان جَسَّاسُ بنُ مُرَّةَ قتَل كُليبَ بنَ ربيعةَ التَّغلِبي.

  4. واختلَف العلماءُ في الغُرَّةِ وقيمتِها؛ فقال مالكٌ: الغُرَّةُ تُقوَّمُ بخمسين دينارًا، أو ستِّ مئةِ درهم؛ نصفِ عُشرِ ديةِ الحرِّ المسلم الذَّكر، وعُشرِ ديةِ أمِّه الحرةِ (٣) . وهو قولُ ابنِ شهابٍ، وربيعةَ، وسائرِ أهلِ المدينةِ (٤) .

    ج ٤ ص ٤٥٨وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه، وسائرُ الكوفيِّين: قيمةُ الغرَّةِ خمسُ مئةِ درهم.

  5. وهو قولُ إبراهيمَ، والشعبيِّ. وقال المغيرةُ: خمسون دينارًا.

    وقال الشافعيُّ: سِنُّ الغرَّةِ سبعُ سنين، أو ثماني سنين، وليس عليه أن يقبلَها معيبةً (١) . وقال داودُ: كلُّ ما وقَع عليه اسمُ غرَّةٍ (٢) .

  6. واختلفوا في صفةِ الجنينِ الذي تجبُ فيه الغرَّةُ ما هو؟ فقال مالكٌ: ما طَرَحتْه من مُضغةٍ أو علقةٍ أو ما يُعلمُ أنّه ولا ففيه الغرَّةُ (٣) . وقال الشافعيُّ: لا شيءَ فيه حتَّى يتبيَّنَ من خلقِه شيءٌ (٤) .

    قال مالكٌ: إذا سقَط الجنينُ فلم يستهلَّ صارخًا ففيه الغرَّةُ، وسواءٌ تحرَّك أو عطَس ففيه الغرَّةُ أبدًا حتى يستهلَّ صارخًا، فإن استَهَلَّ صارخًا ففيه الديةُ كاملة (٥) . وقال الشافعيُّ وسائرُ الفقهاءِ: إذا عُلِمتْ حياتُه بحركةٍ أو بعُطاسٍ أو باستهلالٍ أو بغر ذلك مما تُستيقَنُ به حياتُه، ثم مات، ففيه الديةُ كاملةً (٦) .

  7. وجماعةُ فقهاء الأمصارِ يقولون في المرأةِ إذا ماتت من ضرْبِ بطنِها، ثم خرَج الجنينُ ميتًا بعد موتِها: إنّه لا يُحكمُ فيه بشيءٍ، وإنَّه هَدْر إذا ألقَتْه بعد موتِها، إلّا الليثَ بنَ سعدٍ وداودَ فإنَّهما قالا: إذا ضُرِب بطنُ المرأةِ وهي حيَّةٌ، فألقَتْ جنينًا ميِّتًا، ففيه الغُرَّةُ، وسواءٌ رمَتْه بعدَ موتِها أو قبلَ موتِها. اعتبَرا حياةَ أمِّه في

    ج ٤ ص ٤٥٩وقتِ ضربِها لا غيرُ، وهو قولُ أهلِ الظَّاهرِ. وأمَّا سائرُ الفقهاءِ فإنَّهم اعتبروا حالَها في وقتِ إلقائِها للجنينِ لا غيرُ. فإن ألقَته ميِّتًا وهي ميِّتة، فلا شيء فيه عندَهم، وإن ألقْتَه ميِّتًا وهي حيَّة ففيه الغرَّةُ، وأمَّا إذا ألقَته حيًّا وهي حيَّةٌ فقد ذكرنا حكمَه، وأنَّه لا خلافَ أنَّ فيه الدِّيةَ. واحتَجَّ أبو جعفرٍ الطحاويُّ على الليثِ بنِ سعدٍ لسائرِ الفقهاءِ بأن قال: قد أجمعوا والليثُ معهم، على أنّه لو ضُرِب بطنُها وهي حيَّةٌ، فماتت والجنينُ في بطنِها ولم يسقُطْ، أنّه لا شيءَ فيه ما لم يسقُطْ، فكذلك إذا أسقَطتْه بعدَ موتِها (١) . قال أبو جعفرٍ (٢) : ولا يختلِفون أيضًا أنّه لو ضُرِب بطنُ امرأةٍ ميِّتةٍ حاملٍ، فألقَت جنينًا ميِّتًا، أنّه لا شيء فيه، فكذلك إذا كان الضربُ في حياتِها، ثم ماتت، ثم ألقَته ميِّتًا. قال: فبطَل بذلك قولُ الليثِ.

  8. واختلفوا في الذي تجبُ عليه الغُرَّةُ: فقال مالكٌ وأصحابُه: هي في مالِ الجاني. وهو قولُ الحسنِ بنِ حيٍّ (٣) . ومن حجَّتِهم في ذلك روايةُ من روَى هذا الحديثَ: فقال الذي قُضِيَ عليه: كيفَ أغرمُ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ الذي قُضِيَ عليه مُعين، وأنَّه واحدٌ، وهو الجاني، لا يُعطِي ظاهرُ هذا اللَّفظِ غيرَ هذا. ولو أنَّ ديةَ الجنينِ قُضِيَ بها على العاقلةِ لقال في الحديثِ: فقال الذين قضَى عليهم. وفي القياسِ أنَّ كلَّ جانٍ جنايتُه عليه، إلّا ما قام بخلافِه الدليلُ الذي لا مُعارِضَ له، مثلَ إجماع لا يجوزُ خلافُه، أو نَصٍّ، أو سُنَّةٍ مِن جهةِ نقلِ الآحادِ العُدولِ لا مُعارضَ لها، فيجِبُ الحُكْمُ بها. وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ

    ج ٤ ص ٤٦٠نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: ١٦٤] . وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي رِمْثَةَ في ابنِه: "إنَّك لا تجني عليه، ولا يجني عليك" (١) . وقال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما: الغُرَّةُ على العاقلةِ (٢) .

  9. ومن حجَّتِهم ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ سلَّام السوّاق (٣) ، قال: حدَّثنا أبو عمرَ الحوضِيُّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عُبيدِ بنِ نُضَيلةَ، عن المغيرةِ بنِ شعبةَ، أنَّ امرأتين كانتا تحت رجل من هُذَيلٍ، فضرَبت إحداهما الأُخرى بعمودٍ فقتلتها، فاختصَما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال أحدُ الرَّجلين: كيفَ نَدِي مَنْ لا صاح ولا استهلّ، ولا شرِب ولا أكل؟ فقال: "أسَجْع كسجعِ الأعرابِ؟ " . فقضَى فيه غُرَّة، وجعَله على عاقلةِ المرأةِ (٤) .

  10. وهذا نصٌّ ثابتٌ صحيحٌ في موضع الخلافِ، يُوجبُ الحكمَ. ولما كانت ديةُ المرأةِ المضروبةِ على العاقلةِ، كان الجنينُ أحرَى بذلك في القياسِ والنظرِ.

    ج ٤ ص ٤٦١
  11. وأجمع الفقهاءُ أنَّ الجنينَ إذا خرجَ حيًّا، ثم مات وكانت فيه الدِّيةُ، أنَّ فيه (١) الكفارةَ مع الدِّية. واختلفواها الكفارةِ إذا خرَج ميِّتًا.

    فقال مالكٌ: فيه الغُرَّةُ والكفارةُ إذا خرَج ميِّتًا (٢) .

    وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: إن خرجَ حيًّا ففيه الكفارةُ والدِّيةُ، وإن خرَج ميِّتًا ففيه الغُرَّةُ، ولا كفَّارة. وهو قولُ داودَ بنِ عين (٣) . وهذا على أُصولهم التي قدَّمنا ذكرَها أن تُلْقِيَه أُمُّه وهي حيَّةٌ.

  12. واختلفوا في كيفيَّةِ ميراثِ الغُرَّةِ عن الجنينِ؛ فقال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما: الغُرَّةُ في الجنينِ موروثةٌ عن الجنينِ؛ لأنَّها ديَةٌ على كتابِ الله عزَّ وجلَّ. واحتجَّ الشافعيُّ في ذلك بقولِه في الحديثِ: كيف أغرَمُ مَن لا شرِب ولا أكل ولا استهل؟ قال: فالمضمونُ الجنينُ؛ لأن العُضوَ لا يُعترَضُ فيه بهذا (٤) . وكان ابنُ هُرْمُزَ (٥) يقولُ: ديتُه لأبويه خاصَّة؛ لأبيه ثُلُثاها، ولأمه ثُلُثُها، من كان منهما حيًّا كان ذلك له، فإن كان أحدُهما قد مات كانت للباقي منهما؛ أبًا كان أو أُمًّا، لا يرثُ الإخوةُ منها شيئًا.

    ج ٤ ص ٤٦٢وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: الغُرَّةُ للأُمِّ، ليس لأحدٍ معها فيها شيءٌ، وليست ديةً، وإنَّما هي بمنزلةِ جناية جُني عليها بقطع عضوٍ من أعضائِها. وهو قولُ ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمن. ومن حجَّتِهم في أنّها ليست ديةً؛ لأنّه لم يُعتبر فيها: هل هو ذكرٌ أو أُنثى؟ كما يلزمُ في الدِّياتِ، فدلَّ على أنَّ ذلك كالعضو، ولهذا كانت ذكاةُ الشاةِ ذكاةً لما في بطنِها من الأجنَّةِ، ولولا ذلك كانت ميتَةً. وقولُ داودَ وأهلِ الظَّاهرِ في هذا كقول أبي حنيفةَ (١) . واحتجَّ داودُ بأنَّ الغُرَّةَ لم يملِكْها الجنينُ فتُورَثَ عنه.

    قال أبو عمر: تدخُلُ عليه ديةُ المقتولِ خطأً؛ هو لم يملِكْها، وهي توُرَثُ عنه. وقولُ مالكٍ والشافعيِّ في هذه المسألةِ أولى (٢) . وبالله العصمةُ والهدى.

  13. وقد استدلَّ قومٌ من أهلِ الحديثِ بأنَّ الحياةَ فيه لا تُعلَمُ إلّا بما ذُكِر مِن المعاني؛ وهي الأكلُ والشُّربُ، والاستهلالُ، والنُّطقُ؛ لقوله: كيفَ أغرمُ ما لا شرِب ولا أكَل، ولا نطَق ولا استهلّ؟ وقد يحتمِلُ أن يكونَ نزَع بهذه لأنَّها أسبابُ الحياةِ وعلاماتُها، فكلُّ ما عُلِمت به الحياةُ كان مثلَها.

  14. وقد اختلَف الفقهاءُ في المولودِ لا يَستهِلُّ صارخًا، إلّا أنّه تحرَّكَ حينَ سقَط من بطنِ أمِّه وعطَس، ونحو ذلك، ولم ينطِقْ ولا صرَخ مُستهِلًّا؛ فقال بعضُهم: لا يصلَّى عليه، ولا يرثُ ولا يورَثُ، إلّا أن يستهِلَّ صارخًا. وممَّن قال ذلك؛ مالكٌ وأصحابُه (٣) .

    وقال آخرون: كلُّ ما عُرِفتْ به حياتُه فهو كالاستهلالِ والصُّراخ، ويُورَثُ

    ج ٤ ص ٤٦٣ويرِثُ، ويصلَّى عليه إذا استُوقِنتْ حياتُه بأيِّ شيءٍ وصحَّت من ذلك كلِّه. وهو قولُ الشافعيِّ، والكوفيِّ، وأصحابِهم (١) .

  15. وفي هذا الحديثِ أيضًا من المعاني، إنكارُ الكلام إذا لم يكنْ في موضعِه، وكان جهلًا من قائلِه. وقد زعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ ما يدلُّ على كراهيَةِ التَّسجيع في الكلام. وقال آخرون: إنّما كرِه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تسجيعَ الهُذَليِّ في هذا الحديثِ لأنّه كلامٌ اعترَض به قائلُه على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - اعتراضَ منكِرٍ، وهذا لا يحلُّ لمسلم أن يفعَلَه، وإنَّما ترَك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - التَّغليظَ عليه في الإنكارِ لأنّه كان أعرابيًّا لا علمَ له بأحكام الدِّينِ، فقال له قولًا ليِّنًا، وتلك شَيْمتُه - صلى الله عليه وسلم -؛ ألّا ينتقمَ لنفسِه، وأن يُعرِضَ عن الجاهلينَ.

  16. وفي قولِه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ: "إنّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ" دليلٌ على أنَّ الكُهَّانَ كانوا كلُّهم يَسجَعون، أو كان الأغلبَ منهم السَّجْعُ، وهذا معروفٌ عن كُهَّانِ العربِ، يُغني عن الاستشهادِ عليه، وكلُّ ما نُقِل عن شِقٍّ وسَطِيح (٢) وغيرِهما من كُهَّانِ العربِ في الجاهليَّةِ فكلام مُسجَّع كلُّه، وإنّما يُنكرُ على الإنسانِ الخطيبِ أو غيرِه في المتكلِّمين أن يكونَ كلامُه كلُّه تسجيعًا أو أكثرُه، وأمَّا إذا كان السَّجعُ أقلَّ كلامِه فليس بمعيبٍ، بل هو مُستحسَنٌ محمودٌ، وقد رُويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في بعض جِراحاتِه: "هل أنتِ إلّا إصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لَقِيتِ؟ " (٣) . وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أنا النبيُّ لا كذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المطَّلب" (٤) .

    ج ٤ ص ٤٦٤وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهمَّ لا عيشَ إلّا عيشُ الآخِره، فاغفرْ للأنصارِ والمهاجره" (١) . ومثلُ هذا كثير عنه وعن أصحابِه رضي اللهُ عنهم. وهذا دليلٌ على أنَّ السَّجعَ كلامٌ، فحَسَنُه حسَنٌ، وقبيحُه قبيح، وكذلك الشِّعرُ؛ كلامٌ منظومٌ، فالحسَنُ منه حسَنٌ وحكمةٌ، والقبيحُ منه ومن المنثورِ غيرُ جائز النُّطقُ به، عصَمنا اللهُ برحمتِه.

  17. أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جُنْدُب، قال: كنَّا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غارٍ، فنُكِبتْ إصبَعُه، فقال: "هل أنْتِ إلّا أصبَعٌ دَمِيتِ، وفي سبيل الله ما لقيتِ؟ " (٢) .

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كتابُ الله أحق، وشَرْطُ الله أوْثَق، وإنَّما الولاءُ من أعتَق" (٣) ،

    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بك من علم لا ينفع، ودعاءٍ لا يُسمَع، وقلبٍ لا يخشَع،

    ج ٤ ص ٤٦٥ونفسٍ لا تشبَع، أعوذُ بك يا ربِّ من شرِّ هذه الأربع " (١) . وقال - صلى الله عليه وسلم -: " اللَّهمَّ إني أعوذُ بك مِن الجوع، فإنَّهُ بئسَ الضَّجيع، وأعوذُ بك من الخيانة، فإنها بئسَت البِطانة" (٢) . ومثلُ هذا كثيرٌ، وفيه دليلٌ على أنَّ حَسَنَ التَّسجيع حَسَنٌ، وقَبِيحَه قبيحٌ، كما النثرُ والنظمُ وسائرُ الكلام.

  18. وأمَّا جنينُ الأمةِ، فاختلافُ العلماءِ فيه لا يُشبِهُ اختلافَهم في جنينِ الحُرَّةِ؛ فأمَّا مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والشافعيُّ، ومن قال بقولهم، فقالوا في جنينِ الأمَةِ: إن وقَع ميِّتًا مِن ضربةِ الضارِبِ لأُمِّه، ففيه عُشرُ قيمةِ أُمِّه، ذكرًا كان الجنينُ أو أُنثى (٣) .

    وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: إن كان جنينُ الأمَةِ غلامًا، ففيه نصفُ عُشرِ قيمةِ نفسِه، لا قيمةِ أمِّه، فإن كانت أُنثى فعُشرُ قيمتِها نفسِها (٤) لو

    ج ٤ ص ٤٦٦كانت حيَّةً أو كان حيًّا (١) . وقال داودُ: لا شيءَ في جنينِ الأمةِ (٢) . وللتابعين في ذلك أقاويلُ مُتقاربةٌ، سأذكُرُها إن شاء الله في غيرِ هذا الكتابِ، وبالله التوفيق (٣) .

  19. [آخر المجلد الرابع من هذه النسخة المحققة، نسأل الله جل شأنه أن يُيَسّر لنا إتمامه] (٤) .