ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي

٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥

الصفحة ٩ من ١٠

  1. حدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ شريكٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ (٣) ، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: خرَجتُ أنا والزُّبيرُ

    ج ٤ ص ٤٣٤والمقدادُ بنُ الأسودِ إلى أموالِنا بخيبرَ نتعهَّدُها، فلمَّا قدِمْنا تفرَّقْنا في أموالِنا، قال: فعُدِيَ عليَّ تحتَ الليلِ وأنا نائمٌ، ففُدِعَتْ (١) يدايَ مِن مِرفَقَيَّ، فلمَّا أصبحْتُ استصْرخَ عليَّ صاحِبايَ فأتياني، فسألاني: مَن صنَع هذا بك؟ فقلتُ: لا أدري. قال: فأصلَحا مِن يدَيَّ، ثم قدِما بي على عمرَ، فقال: هذا عملُ يهودَ (٢) . ثم قام في الناسِ خطيبًا، فقال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان عامَل يهودَ خيبرَ على أنَّا نُخرِجُهم إذا شِئنا، وقد عَدَوْا على عبدِ الله بنِ عمرَ، ففدَعُوا يدَيْهِ كما قد بلَغكم، مع عدْوَتِهم على الأنصاريِّ قبلَه، لا نشكُّ أنَّهم أصحابُه، ليس لنا عدوٌّ غيرُهم، فمَن كان له (٣) مالٌ بخيبرَ (٤) فليَلْحقْ به، فإنِّي مخرِجٌ يهودَ. فأخرجَهم.

    ج ٤ ص ٤٣٣
  2. وروى الحجّاجُ بنُ أرطاةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- دفَع خيبرَ إلى أهلِها بالشَّطرِ، فلم يزَلْ معهم حياةَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كلَّها، وحياةَ أبي بكرٍ كلَّها، حتى بعَثني إليهم عمرُ لأُقاسِمَهم، فسحَروني فتكَوَّعَتْ (٥) يدايَ فانتزَعَها عمرُ منهم (٦) .

  3. وأمَّا قولُه في هذا الحديثِ: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" فالمعنى في ذلك، واللهُ أعلمُ، أنّه -صلى الله عليه وسلم- كان يكرَهُ أن يكونَ بأرضِ العربِ غيرُ المسلمينَ، وكان يحبُّ ألّا يكونَ فيها دينانِ، كنحوِ محبَّتِه في استقبالِ الكعبةِ، حتى نزَلتْ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: ١٤٤] . وكان لا يتقدَّمُ في شيءٍ إلّا بوحي، وكان يرجو أنْ يحقِّقَ اللهُ رغبتَه ومحبَّته، فذكر لليهودِ ما ذكر، منتظرًا للقضاءِ فيهم بإخراجِهم عن أرضِ العرب، فلمْ يُوحَ إليه في ذلك شيءٌ إلى أنْ حضَرتْه الوفاةُ، فأتاه في ذلك ما أتاهُ، فذكر ألا يبقَى دينانِ بأرضِ العربِ، وأوصَى بذلك. وقد ذكرنا جُملًا من هذا المعنى فيما سلَف مِن كتابِنا هذا (١) ، عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، ما يدُلُّ على نحوِ ما قلْنا.

    ج ٤ ص ٤٣٥
  4. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢) ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دفَع خيبرَ إلى اليهودِ على أنْ يعمَلُوا فيها ولهم شطرُها. قال: فمفَى على ذلك رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكرٍ، وصدرًا مِن خلافةِ عمرَ، ثم أُخبرَ عمرُ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال في وجَعِه الذي مات فيه: "لا يجتمِعُ دينانِ بأرضِ الحجازِ" ، أو قال: "بأرضِ العربِ" ، ففَحَص عنه حتى وجَد عليه (٣) الثَّبَتَ، فقال: مَن كان عندهَ عهدٌ مَن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فليأتِ به، وإلّا فإنِّي مُجْلِيكم. فأجْلاهم عمرُ.

    قال عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) : وأنبأنا ابنُ جريج، قال: أنبأنا موسى بنُ عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ عمرَ أجلى اليهودَ والنصارَى مِن أرضِ الحجازِ، وكان

    ج ٤ ص ٤٣٦رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لما ظهَر على خيبرَ أرادَ أنْ يُخرِجَ اليهودَ منها، وكانتِ الأرضُ حينَ ظهَر عليها لله ولرسولِه وللمسلمينَ، وأراد إخراجَ اليهودِ منها، فسألتِ اليهودُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يُقِرَّهم بها على أنْ يكْفُوه عملَها ولهم نصفُ الثَّمرِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "نُقِرُّكم على ذلك ما شئنا" . فقَرُّوا بها حتى أجْلاهم عمرُ إلى تَيْماءَ وأريحاءَ.

    قال عبدُ الرَّزَّاق (١) : وأخبرنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِع عمرُ بنُ الخطَّابِ رجلًا مِن اليهودِ يقولُ: قال لي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "كأني بكَ (٢) وقد وضَعتَ كُورَكَ (٣) على بعيرِكَ، ثم سِرتَ ليلةً بعدَ ليلةٍ" . فقال عمرُ: إنَّه والله لا تُمسُونَ بها. فقال اليهوديُّ: والله ما رأيتُ كلمةً كانت أشدَّ على مَن قالها، ولا أهونَ على مَن قِيْلَتْ له منها.

    قال أبو عمر: ليس في قولِه في هذا الحديثِ: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" دليل على جوازِ المُساقاةِ إلى أجلٍ غيرِ معلوم، ومدَّةٍ غيرِ معيَّنةٍ؛ لأنَّ السُّنَّة قد أحكمَتْ معانيَ الإجاراتِ وسائرِ المعاملاتِ؛ مِن الشَّرِكةِ، والقسمةِ، وأنواع أبوابِ الرِّبا، والعلَّةُ بيِّنةٌ في قصَّةِ اليهودِ، وذلك انتظارُ حكم الله فيهم، فدَلَّ على خصوصِهم في هذا الموضع؛ لأنّه موضعُ خصوصٍ، لا سبيلَ إلى أنْ يشْرَكَهم فيه غيرُهم، والذي عليه العلماءُ بالمدينةِ أنَّ المُساقاةَ لا تجوزُ إلّا إلى أجلٍ معلوم، وسنينَ معدودةٍ، إلّا أنَّهم يكرَهونَها فيما طالَ مِن السِّنينِ، مثلَ العَشْرِ فما فوقَها.

  5. وقد قيل: إنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- إنَّما قال: "أُقرُّكم ما أقرَّكم اللهُ" وكان يخرُصُ عليهم؛ لأنَّ اللهَ كان قد أفاءَها عليه بغيرِ قتالٍ، أو بعضَها، على ما تقدَّمَ وصفُنا له، وكان أهلُها له ولمَنِ استحقَّ شيئًا منها، كالعبيدِ؛ لأنّه سباهُم ومنَّ عليهم (١) ، وجائزةٌ بينَ السَّيِّدِ وعبدِه ما لا يجوزُ بينَه وبينَ غيرِه؛ لأنَّ مالَه له، وله انتِزاعُه منه، ألا تَرى أنّه ليس بينَ العبدِ وسيِّدِه ربًا، وإنْ كُرِهَ ذلك لهما عندنا؟

    ج ٤ ص ٤٣٧
  6. وأمَّا الخرصُ في المُساقاةِ، فإنَّ ذلك غيرُ جائزٍ عندَ أكثرِ العلماءِ في القسمةِ والبيوع، إلّا أنَّ أصحابَنا يُجيزون ذلك عندَ اختلافِ أغراضِ الشُّركاءِ، ولهم في ذلك ما نُوردُه بعدُ عنهم في هذا البابِ إن شاء الله.

  7. وأكثرُ العلماءِ يُجيزون الخرصَ للزكاةِ (٢) ، وإنَّما يجوزُ ذلك عندَهم في الزكاةِ؛ لأنَّ المساكينَ ليسوا شركاءَ معيَّنينَ، وإنَّما الزكاةُ كالمعروفِ، وأهلُها فيها أُمناءُ. وأمَّا قسمةُ الثِّمارِ على رؤوسِ الأشجارِ في المساقاةِ أو غيرها (٣) ، فلا يصلُحُ عندَ أكثرِ العلماءِ، إلّا أنَّ لأصحابِنا في إجار قسمةِ ذلك اختلافًا سنذكُرُه عنهم وعمَّن سلَك سبيلَهم في ذلك بعدُ في هذا البابِ إن شاء اللهُ تعالى، وإنَّما لم يُجِزْ أكثرُ العلماءِ القسمةَ في ذلك إلّا كيلًا فيما يُكالُ، أو وزنًا فيما يُوزنُ؛ لنهْي رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عن المُزابَنةِ، وعن بيع التَّمرِ بالتَّمرِ، إلّا مِثلًا بمثلٍ (٤) .

  8. وأمَّا حكايةُ قولِ أصحابِنا في ذلك، فكان ابنُ القاسم يقولُ، ويَرويه عن مالكٍ: لا يجوزُ مِن قسمةِ الثِّمارِ في رؤوسِ النخلِ إذا اختلفت حاجةُ الشَّريكين

    ج ٤ ص ٤٣٨إلّا التَّمرُ والعنبُ فقط. وأمَّا الخوخُ، والرُّمَّانُ، والسَّفرجلُ، والقثَّاءُ، والبِطِّيخُ، وما أشبهَ ذلك مِن الفواكهِ التي يجوزُ فيها التَّفاضلُ يدًا بيدٍ، فإنَّه لم يُجِزْ مالكٌ اقتسامَه على التَّحرِّي (١) . وكان يقولُ: المخاطَرةُ تدخُلُه حتى يتبيَّنَ فضلُ أحدِ النَّصيبينِ على صاحبِه. حكى ذلك ابنُ حبيبٍ، عن ابنِ القاسم. قال ابنُ حبيبٍ: وقال مطرِّفٌ، وابنُ الماجشونِ، وأشهبُ: ولا بأسَ باقتسامِه إذا تحرَّى وعَدَل، أو كان على التَّجاوزِ والرِّضا بالتفاضل. قال: وهو قولُ أصبغَ، وبه أقولُ؛ لأنَّ ما جاز فيه التفاضلُ، جازَتْ قسمَتُه بالتَّحَرِّي.

  9. وذكر سحنونٌ، عن ابنِ القاسم، عن مالكٍ، أنّه سأله غيرَ مرَّةٍ عن قسمةِ الفواكهِ بالخرصِ، فأبى أنْ يُرخِّصَ في ذلك. قال: وذلك أنَّ بعضَ أصحابِنا ذكر انه سأل مالكًا عن قسمةِ الفواكهِ بالخرصِ، فأرخصَ فيه، فسألتُه عن ذلك، فأبى أنْ يرخِّصَ لي فيه. قال أشهبُ: سألتُ مالكا مراتٍ عن ثمرةِ النَّخلِ وغيرِها من الثِّمارِ تُقسَمُ بالخرص، فكلَّ ذلك يقولُ لي: إذا طابَتِ الثمرةُ مِن النَّخلِ وغيرِها، قُسِمَتْ بالخرصِ (٢) . واختار هذه الرِّوايةَ يحيى بنُ عمرَ، قياسًا عن جوازِ بيع العرايا في غيرِ النَّخلِ والعنبِ، كما يجوزُ في النَّخلِ والعنبِ، ويجوزُ بيعُ ذلك كلِّه بخرصِه إلى الجدادِ. قال يحيى بنُ عمرَ: أشهبُ لا يشترِطُ في الثِّمارِ إلّا طيبَها، ثم يقسِمُها بينَ أربابِها بالخرصِ. ولا يلتفِتُ إلى اختلافِ حاجاتِهم، ورواه عن مالكٍ. قال: وابنُ القاسم يقولُ (٣) : لا يجوزُ أنْ يُقسَمَ بينَهم بالخرص، إلّا أن يختلِفَ غرضُ كلِّ واحدٍ منهم، فيُريدَ أحدُهم أنْ يبيعَ، والآخرُ أنْ يُيَبِّس

    ج ٤ ص ٤٣٩ويدَّخرَ، والآخرُ أنْ يأكلَ، فحينئذٍ يجوزُ لهم قسمَتُها بالخرصِ إذا وجِد مِن أهلِ المعرفةِ مَن يعرِفُ الخرصَ، وإنْ لم تختلِفْ حاجاتُهم لم يجُزْ ذلك لهم، وإن اتَّفقوا على أنْ يبيعوا، أو على أنْ يأكُلوها رطبًا أو تمرًا، أو على أن يَجُدُّوها تمرًا، لم يقسِموها بالخرصِ.

  10. [قال سائرُ أهل العلم: لا تحوزُ القسمةُ في شيءٍ من ذلك كلِّه إلّا على أصلِه، مع اختلافِهم في ذَلك أيضًا] (١) .

  11. وأمَّا الشافعيُّ فتحصيلُ مذهبِه أنَّ الشُّركاءَ في النَّخلِ والشَّجرِ المثمرِ إذا اقتُسمَتِ الأُصولُ بما فيها مِن الثمرةِ، جاز؛ لأنَّ الثمرةَ تبعٌ للأُصولِ، وكأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد باعَ حصَّتَه مِن عراجينِ النَّخلِ وأغصانِ الشَّجرِ بحصَّةِ شريكِه في الثَّمرِ، وكذلك الأرضُ إذا قسِمَتْ عندَه مزروعةً، كان الزَّرعُ تبعًا للأرضِ في القسمةِ، والقسمةُ عندَه مخالفةٌ للبُيوع، قال: لأنّها تجوزُ بالقرعةِ، والبيعُ لو وقَع على شرطٍ لم يجُزْ أيضًا، فإنَّ الشَّريكَ يُجبَرُ على القَسْم، ولا يجبَرُ على البيع. وأيضًا، فإنَّ التَّحابيَ في قسمةِ الثمرةِ وغيرِها جائزٌ، وذلك معروفٌ وتطوُّعٌ، ولا يجوزُ ذلك في البيع. ولا يجوزُ عندَ الشافعيِّ قسمةُ الثمرةِ قبلَ طيبِها بالخرصِ على حالٍ، ويجوزُ عندَه قسمتُها مع الأُصولِ على ما ذكرنا. وقد قال في كتابِ الصَّرفِ (٢) : يجوزُ قسمتُها بالخرصِ إذا طابَتْ وحلَّ بيعُها. والأوَّلُ أشهرُ في مذهبِه عندَ أصحابِه.

  12. وقد قيل: إنَّ خرصَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- على اليهودِ كان مِن أجل الزكاةِ الواجبةِ في تلك الثمرةِ، لا لغيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ، فكان يبعَثُ مَن يخرُصُ الثِّمارَ على أربابِها، توسعةً عليهم ورفقًا بهم؛ لأنَّهم لو مُنِعوا مِن أجلِ سهم المساكينِ مِن أكلِها رطبًا، ومِن التَّصرُّفِ فيها بالصِّلةِ والصَّدقةِ والأكلِ، لأضَرَّ بهم ذلك، وكانت عليهم فيه مشقَّةٌ كبيرةٌ، ولو تُركوا والتَّصرُّفَ فيها بالأكلِ وغيرِه لأضَرَّ ذلك بالمساكينِ، وأتلِفَ كثيرٌ ممَّا تجِبُ فيه الزَّكاةُ، ولهذا ما كان توجيهُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- للخارصِ، وإرسالُه إيَّاه لذلك، واللهُ أعلمُ. والأصلُ أنَّ أربابَ الأموالِ أمناءُ، والخرصُ لا يُخرِجُهم عن ذلك؛ لأنَّهم لم يُخرَصْ عليهم إلّا رفقًا بهم، وإحسانًا إليهم، على حسَبِ ما ذكرنا مِن إطلاقِهم للتَّصرُّفِ في ثمارِهم، وحفظِ ما يجبُ للمساكينِ فيها مِن حينِ طيبِها، فإنْ تبيَّنَ لربِّ المالِ بعدَ الخرصِ زيادةٌ على ما خرَص الخارصُ أدَّاها؛ لأنَّ الخرصَ حكم على الظَّاهرِ والاجتهادِ، فإذا جاءتِ الحقيقةُ بخلافِ ذلك رُجع إليها. وفي هذا اختلافٌ بينَ السَّلفِ والخلفِ، والصَّوابُ ما ذكَرتُ لك، واللهُ أعلم.

    ج ٤ ص ٤٤٠
  13. ذكر عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن أبي الزُّبيرِ، أنّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ الله يقولُ: خرَص ابنُ رواحةَ أربعينَ ألفَ وسَقٍ، وزعَم أن اليهودَ لما خيَّرهم (٢) ، أخَذوا الثمرَ، وأدَّوا عشرينَ ألفَ وسَقٍ.

    قال ابنُ جريج (٣) : قلتُ لعطاءٍ: فحقٌّ على الخارصِ إذا استكثَر سيِّدُ المالِ الخرصَ أن يخيِّره، كما خيَّر ابنُ رواحةَ اليهودَ. قال: إي لعَمْري، وأيُّ سُنَّةٍ خيرٌ من سُنَّةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟

    قال (٤) : وقلتُ لعطاءٍ: متى يُخرَصُ النخلُ؟ قال: حينَ يُطعمُ.

    قال (٥) : وأخبرنا ابنُ جريج، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنّها قالت، وهي تذكُرُ شأنَ خيبرَ: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يبعَثُ عبدَ الله بنَ رواحةَ إلى اليهودِ، فيخرُصُ النخلَ حينَ يطيبُ أولُ الثمرِ قبلَ أن يؤكلَ منه، ثم يخيِّرُ يهودَ أن يأخُذوها بذلك الخرصِ أو يدفعوها إليه بذلك، وإنما كان أمرُ النبيِّ عليه السلامُ بالخرصِ، لكي تُحصىَ الزكاةُ قبل أن تؤكلَ الثمارُ وتفرَّقَ.

    ج ٤ ص ٤٤١
  14. واختلَف الفقهاءُ في الخرصِ على صاحبِ النخلِ والعنبِ للزكاةِ، بعدَ إجماعِهم على أن الخرصَ لا يكونُ في غيرِ النخلِ والعنبِ، لحديثِ عتَّابِ بنِ أَسِيدٍ:

    ج ٤ ص ٤٤٢حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ النضرِ بالبصرةِ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع وبشرُ بنُ المفضَّلِ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بعَث عتَّابَ بنَ أَسِيدٍ، وأمَره أنْ يخرُصَ العنبَ، وتؤدَّى زكاتُه زَبيبًا، كما تؤدَّى زكاةُ النخلِ تمرًا، فتلك سنَّةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في النخلِ والعنبِ (١) .

  15. وقال بِشرُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن عتَّابِ بنِ أَسِيدٍ، قال: أمَرني رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-. فذكره (١) .

    ج ٤ ص ٤٤٣
  16. واستدلَّ بعضُهم على أنَّ الزيتونَ لا زكاةَ فيه؛ لأنّه ممَّا اجتمعَ على أنّه لا يُخرَصُ، ولو كانت فيه الزكاةُ لخُرِصَ، لأنَّ ثمرتَه باديةٌ، وما عَدا النَّخلَ والعنبَ ممَّا اجتمعَ على زكاتِه، فثمرتُه ليست بباديةٍ.

  17. وقد أجاز بعضُ المتأخِّرينَ الخرصَ في الزيتونِ، ودفَع الإجماعَ فيما ذكرنا، ورَواه عن الزهريِّ، والأوزاعيِّ (٢) .

  18. وممَّن أجاز الخرصَ في النخلِ والعنبِ للزكاةِ؛ مالكٌ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعدٍ (٣) ، والشافعيُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ (٤) .

    ج ٤ ص ٤٤٤قال الطحاويُّ (١) : وقال في "الإملاء" : إنّه قولُ أبي حنيفةَ.

    وقال داودُ بنُ عليٍّ: الخرصُ للزكاةِ جائز في النَّخلِ، وغيرُ جائزٍ في العنبِ. ودفَع حديثَ عتَّابِ بنِ أَسِيدٍ. وكَرِه الثَّوريُّ الخرصَ، ولم يُجزْه بحالٍ، وقال: الخرصُ غيرُ مستعمل. قال: وإنَّما على ربِّ الحائطِ أنْ يودِّيَ ضُرَ ما يصيرُ في يدِه للمساكينِ إذا بلَغ خمسةَ أوسُقٍ (٢) . وروى الثوريُّ (٣) وغيرُه، عن الشيبانيِّ، عن الشعبيِّ، قال: الخرصُ اليومَ بدعةٌ (٤) .

    قال أبو عمر: كأنَّه يرَى أنّه منسوخ بالنَّهي عن المُزابنةِ، واللهُ أعلم، هذا على أنَّ الثوريَّ مع قوله: إنّما على ربِّ الحائطِ أنْ يؤدِّيَ عُشرَ ما يصيرُ في يدِه للمساكينِ إذا بلَغ خمسةَ أوسُقٍ (٥) . يقولُ: إنَّ صاحبَ الثمرةِ والأرضِ يُحسَبُ عليه ما أكله. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وزُفرَ، ومالكٍ وأصحابِه. وقال أبو يوسُفَ: إذا أكَل صاحبُ الأرضِ وأطعَمَ جارَه وصديقَه، أُخِذَ منه عُشرُ ما بقي إذا بلَغ خرصُه ما فيه الزكاةُ، وإن أكل الجميعَ لم يكنْ عليه شيءٌ، فإنْ بقي منها قليلٌ أو كثيرٌ، فعليه عُشرُه أو نصفُ عُشرِه (٦) .

    ج ٤ ص ٤٤٥وقال مالكٌ: لا يَترُكُ الخرَّاصُ لأربابِ الثَّمارِ شيئًا، لمكانِ ما يأكُلون، ولا يُترَكُ لهم مِن الخرصِ شيءٌ. ذكره ابنُ القاسم وغيرُه عنه (١) .

    وقال الليثُ في زكاةِ الحبوبِ: يبدأُ بها قبلَ النفقةِ، وما أكل مِن فَريكٍ هو وأهلُه، فإنَّه لا يُحسَبُ عليه، بمنزلةِ الرَّطْبِ الذي يُترَكُ لأهلِ الحوائطِ يأكُلون ولا يُخرَصُ عليهم. وقولُ الشافعيِّ في ذلك كلِّه كقولِ الليثِ سواءً، في خرصِ الثِّمارِ والتَّركِ لأهلِها ما يأكُلونه رطبًا، ولا يُحسَبُ عليهم (٢) .

  19. والحجَّةُ من ذهَب هذا المذهبَ ظاهرُ قولِه عزَّ وجلَّ: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: ١٤١] . وهذا يوجِبُ مراعاةَ وقتِ الحصادِ والجِدَادِ لا ما قبلَه. وما رواه شعبةُ، قال: أخبرني خُبيبُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ مسعودِ بنِ نِيارٍ يقولُ: جاء سهلُ بنُ أبي حثمةَ إلى مسجدِنا، فحدَّثَ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرَصتم فخُذوا ودَعوا الثُّلثَ، فإنْ لم تدعوا الثلُثَ فدعُوا الرُّبعَ" . رواه عن شعبةَ جماعةٌ مِن أصحابِه، وذكره أبو داودَ وغيرُه (٣) .

  20. وهذا الحديثُ حجَّة على مَن أنكرَ الخرصَ للزكاةِ، ومثلُ حديثِ أبي حُمَيدٍ الساعديِّ في خرصِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه على المرأةِ للزكاةِ -خرَصوا عليها عامَ تبوكَ في حديقتِها عشَرةَ أوسُقٍ (١) . وقد ذكرنا الخبرَ في غيرِ هذا الموضع.

    ج ٤ ص ٤٤٦
  21. وروى ابنُ لهيعةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "خفِّفوا في الخرصِ، فإنَّ في المالِ العريَّةَ، والواطئةَ (٢) ، والأكَلةَ، والوصيَّةَ، والعاملَ، والنوائبَ" .

  22. وروى سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن بُشيرِ بنِ يسارٍ، قال: كان عمرُ بنُ الخطَّابِ يأمُرُ الخُرَّاصَ أنْ يَخرُصوا ويرفعوا عنهم قدرَ ما يأكُلون (٣) .

    وقال الحسنُ: كان المسلمون يُخرَصُ عليهم، ثم يُؤخذُ منهم على ذلك الخرصِ.

  23. والآثارُ عن السَّلفِ في الخرصِ كثيرةٌ جدًّا.

  24. واختلَفَ الفقهاءُ في المساقاةِ أيضًا، فممَّن أجازَها مِن فقهاءِ الأمصارِ؛ مالكٌ، والشَّافعيُّ، وأصحابُهما، وجماعةُ أهلِ الحديثِ، والثوريُّ، والأوزاعيُّ،

    ج ٤ ص ٤٤٧والليثُ بنُ سعدٍ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وكرِهها أبو حنيفةَ، وزُفرُ (١) . والحجَّةُ عليهما ثابتة بسُنَّةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-.

  25. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسةَ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا يحيى القطَّانُ، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ ما يخرُجُ مِن ثمرٍ أو زرع.

    قال (٣) : حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، عن الليثِ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ غَنَج، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- دفَع إلى يهودِ خيبرَ نخلَ خيبرَ وأرضَها على أن يُعمِلوها مِن أموالهم، وأنَّ لرسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- شطْرَ ثمرِها.

  26. لم يُذكَرْ في هذا الخبرِ أنّه أخَذ مِن الأرضِ شيئًا، وإنَّما أخَذ مِن الثمرةِ، وهو حجَّةٌ لمالكٍ في إلغائه البَياضَ للعاملِ (٤) ، وقولِه: إنَّ البياضَ كان بخيبرَ بينَ النخلِ تبعًا لها (٥) ، واللهُ أعلم.

  27. والأحاديثُ في المساقاةِ متواترةٌ، والمساقاةُ عندَ مالكٍ والشافعيِّ جائزةٌ سنينَ؛ لأنَّ المُساقاةَ لمّا انعقدَتْ فيما لم يُخلَقْ مِن الثمرةِ في عام، كان كذلك ما بعدَه مِن الأعوام ما لم يطُلْ، على حسَبِ ما ذكرناه فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (١) . وقد أجمَعوا على أنّه لا تجوزُ المساقاةُ في ثمرٍ قد بدا صلاحُه؛ لأنّه يجوزُ بيعُه، إلّا قولةً عن الشافعيِّ وفرقةٍ، والمشهورُ عن الشافعيِّ أنَّ ذلك لا يجوز (٢) .

    ج ٤ ص ٤٤٨
  28. وأجمعوا على أنّه لا تجوزُ المساقاةُ إلّا على جزءٍ معلومِ، قلَّ أو كثُرَ، واختلَفوا فيما تجوز فيه المساقاةُ؛ فقال مالكٌ: تجوزُ المساقاةُ في كلِّ أصلٍ، نحوَ النَّخل، والرُّمَّانِ، والتِّينِ، والفِرسِكِ (٣) ، والعنبِ، والوردِ، والياسمينِ، والزيتونِ، وكَلِّ ما له أصلٌ ثابتٌ يبقى. قال: ولا تجوزُ المساقاةُ في كلِّ ما يُجْنَى ثم يخلُفُ، نحوَ القصبِ، والبقولِ، والموزِ؛ لأنَّ بيعَ ذلك جائزٌ، وبيعَ ما يجنَى بعدَه. وقال مالكٌ: كان بياضُ خيبرَ يسيرًا بينَ أضعافِ سوادِها، فإذا كان البياضُ قليلًا فلا بأسَ أنْ يزرَعَه العاملُ مِن عندِه. قال ابنُ القاسم: فما نبَت منه، كان بينَ المُساقِين على حسَبِ شرِكتِهما في المساقاةِ. قال: وأَحَلُّ ذلك أن يُلْغَى البياضُ اليسيرُ في المساقاةِ للعاملِ، فيزرَعَه لنفسِه، فما نبَت من شيءٍ كان له، وهو قولُ مالكٍ. وقدرُ اليسيرِ أنْ يكونَ قدرَ الثُّلثِ مِن السوادِ. قال مالكٌ: وتجوزُ المساقاةُ في الزرع إذا استقلَّ، وعجَز صاحبُه عن سقيِه، ولا تجوزُ مُساقاةٌ إلّا في هذه الحالِ بعدَ عجزِ صاحبِه عن سقيِه. قال مالكٌ: ولا بأسَ بمُساقاةِ القثَّاءِ والبِطِّيخ إذا عجَز عنه

    ج ٤ ص ٤٤٩صاحبُه، ولا تجوزُ مُساقاةُ الموزِ ولا القصبِ. حكى هذا كلَّه عنه ابنُ القاسم (١) ، وابنُ عبدِ الحكم، وابنُ وَهْبٍ.

    وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تجوزُ المساقاةُ في الطَّلع ما لم يَتَناهَ عَظمُه، فإذا بلَغ حالًا لا يزيدُ بعدَ ذلك لم يجُزْ وإنْ لم يُرطِبْ. وقال في الزرع: جائز مُساقاتُه ما لم يَستَحْصِدْ، فإن استَحصدَ لم يجُزْ (٢) .

    وقال الشافعيُّ (٣) : لا تجوزُ المساقاةُ إلّا في النخلِ والكرم؛ لأنَّ ثمرَها بائنٌ مِن شجرِه، ولا حائلَ دونَه يمنَعُ إحاطةَ النَّظرِ إليه، وثمرُ غيرهما متفرِّقٌ بينَ أضعافِ ورقِ شجرِه، لا يُحاطُ بالنَّظرِ إليه.

  29. وإذا ساقاه على نخل فيها بياضٌ عندَ الشافعيِّ، فإنَّه قال: إن كان لا يوصَلُ إلى عملِ البياضِ إلّا بالدُّخولِ على النَّخلِ، وكان لا يوصَلُ إلى سقيِه إلّا بشِركِ النخلِ في الماءِ، وكان غيرَ مثمر، جاز أن يُساقيَ عليه في النخلِ، لا منفرِدًا وحدَه. قال: ولولا الخبرُ بقصةِ خيبرَ لم يجُزْ ذلك. قال: وليس لمُساقي النخلِ أنْ يزرَعَ البياضَ إلّا بإذْنِ ربِّه، فإنْ فعَل، كان كمَن زرَع أرضَ غيرِه (٤) .

  30. واختلَفوا في مُساقاةِ البعلِ (٥) ، فأجازَها مالكٌ وأصحابُه، والشافعيُّ،

    ج ٤ ص ٤٥٠ومحمدُ بنُ الحسنِ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وذلك عندَهم على التَّلقيح والزَّبرِ (١) والحفرِ والحفظِ وما يُحتاجُ إليه مِن العملِ.

    وقال الليثُ: لا تجوزُ المساقاةُ إلّا فيما يُسْقَى. قال الليثُ: ولا تجوزُ المساقاةُ في الزَّرع، استقلَّ أو لم يستقِلَّ. قال: وتجوزُ في القصبِ؛ لأنَّ القصبَ أصلٌ. وأجازَ الليثُ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وجماعةٌ، المساقاةَ في النخلِ والأرضِ بجزءٍ معلوم؛ كان البياضُ يسيرًا أو كثيرًا (٢) . وقد بيَّنَّا مذهَبَ هؤلاء وغيرهم في كراءِ الأرضِ، في بابِ داودَ (٣) وربيعةَ (٤) ، والحمدُ لله.

  31. واختلَفوا في الحينِ الذي لا تجوزُ فيه المساقاةُ في الثِّمارِ؛ فقال مالكٌ: لا يُساقَى مِن النخلِ شيءٌ إذا كان فيها ثمرٌ قد بَدا صلاحُه وطاب، وحلَّ بيعُه، ويجوزُ قبلَ أنْ يبدُوَ صلاحُه ويحلَّ بيعُه (٥) .

  32. واختلَف قولُ الشافعيِّ، فقال مرَّةً: يجوزُ وإن بدا صلاحُه. وقال مرَّةً: لا يجوزُ. ولا يجوزُ عندَ الشافعيِّ أنْ يشترِطَ على العاملِ في المساقاةِ ما لا منفعةَ فيه في أصلِ الثمرةِ وفيما يُخرِجُه (٦) .

  33. حديثٌ ثالثَ عشَرَ لابنِ شهابٍ، عن سعيد بنِ المسيِّب مرسَلٌ، متَّصلٌ (١) من وُجُوهٍ

    مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى في الجنينِ يُقتَلُ في بطنِ أُمِّه بِغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو وليدةٍ. فقال الذي قُضِيَ عليه: كيف أغرَمُ ما لا شرِبَ ولا أكَل، ولا نَطَق ولا استَهَلّ، ومثلُ ذلك بَطَل (٣) ؟ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنّما هذا من إخوانِ الكُهَّانِ" .

    ج ٤ ص ٤٥١
  34. هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ الرواةِ عن مالكٍ في "مُوطِّئِه" مُرسَلًا (٤) ، ولا أعلمُ أحدًا وصَله بهذا الإسنادِ إلّا ما رَواه أبو سَبْرةَ المدنيُّ، عن مُطرِّفٍ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ (٥) .

  35. وما ذكره الدارقطنيُّ، قال (٦) : حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ الدَّقَّاقُ وأحمدُ بنُ كاملٍ القاضي، قالا: حدَّثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصم النَّبِيلُ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ امرأتينِ من هُذَيلٍ رمَتْ إحداهُما

    ج ٤ ص ٤٥٢الأُخرى، فألقَت جنِينًا - وقال ابنُ كاملٍ: إنَّ امرأتينِ كانتا تحتَ رجلٍ مِن هُذَيلٍ، فتعايَرتا (١) ، فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحجرٍ، فألقَت جنينًا - وقالا: فقضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنينِ بغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو وليدةٍ.

  36. هكذا رواه أبو قلابةَ، عن أبي عاصم، عن مالكٍ. وإنَّما في "الموطأ" حديثُ سعيدٍ مُرسلٌ، وحديثُ أبي سلمةً، عن أبي هريرة.

  37. وقد وصَل حديثَ سعيدٍ ثقاتٌ من أصحابِ ابنِ شهابٍ وغيرِه، وهو حديثٌ اختصَره مالكٌ، فذكر منه ديَةَ الجنينِ التي عليها الأمرُ المجتمَعُ عليه عنده، وتَرَك قصةَ المرأةِ إذ ضُرِبتْ فألقَت الجنينَ المذكورَ؛ لأنَّ فيه من روايةِ ابنِ شهابٍ إثباتَ شِبْهِ العمدِ، وإلزامَ العاقلةِ الدِّيَةَ، وهذا شيءٌ لا يقولُ به مالكٌ؛ لأنّه وجَد الفتوى والأمرَ بالمدينة والعملَ على خلافِه (٢) ، فكرِه أن يذكُرَ في "موطئِه" بمثلِ هذا الإسنادِ الصحيح ما لا يقولُ به ويقولُ به (٣) غيرُه، وذكر قصَّةَ الجنينِ لا غيرُ؛ لأنّه أمرٌ مجتمَعٌ عليه في الغُرَّةِ.

  38. وهذا الحديثُ عندَ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب وعن أبي سلمةَ جميعًا، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ فطائفةٌ من أصحابِه يُحدِّثُون به عنه هكذا، وطائفةٌ يُحدِّثُون به عنه، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، ولا يذكُرون أبا سلمةَ (٤) ، وطائفةٌ يُحدِّثُون به عنه، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، ولا يذكرون سعيدًا. ومالكٌ أرسَل عنه حديثَ سعيدٍ هذا، ووصَل حديثَ أبي سلمةَ، عن

    ج ٤ ص ٤٥٣أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) ، إلّا أنّه لم يَذْكُرْ قصَّةَ المرأةِ، لا في حديثِ سعيدِ هذا المرسَلِ، ولا في حديثِ أبي سلمةَ، واقتصَر منهما على ذكرِ قصَّةِ الجنينِ وديتِه لا غيرُ؛ لِمَا ذكرنا من العلَّةِ، ولِمَا شاء اللهُ ممَّا هو أعلمُ به.

  39. والحديثُ محفوظٌ لأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حديثِ ابنِ شهابٍ وغيره، ولسعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حديثِ ابنِ شهاب (٢) . وهو حديثٌ صحيحٌ، رواه جماعةٌ من الصحابةِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم: عمرُ بنُ الخطابِ (٣) ، وابنُ عباسٍ (٤) ،

    ج ٤ ص ٤٥٤وجابر (١) ، والمغيرةُ بنُ شعبة (٢) ، وأبو هريرةَ (٣) ، وحَمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغةِ (٤) ، ومحمدُ بنُ مَسلمةَ (٥) ، إلّا أنَّ محمدَ بنَ مسلمةَ حديثُه في الجنين لا غيرُ، ولسنا نذكُرُ هاهنا إلّا حديثَ أبي هريرةَ خاصَّةً؛ لأنّه لم يروِ مالكٌ غيرَه.

  40. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٦) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونسُ (٧) ، عن ابنِ شهابٍ، عن ابنِ المسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ قال: اقتتَلتِ امرأتانِ من هذيلٍ، فرمَتْ إحداهما الأُخرى بحجَرٍ، فقتلَتها وما في بطنِها، فاختصَموا إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقضَى أنَّ ديَةَ جنينها غُرَّةٌ؛ عبدٌ أو وليدةٌ، وقضَى أنَّ ديةَ المرأةِ على عاقلتِها.

    ج ٤ ص ٤٥٥قال البخاريُّ (١) : وحدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى في جنينِ امرأَةٍ من بني لحيَانَ بغُرَّةٍ؛ عبدٍ أو أمةٍ؛ في هذه القصةِ. قال: ثم إنَّ المرأةَ التي قضى عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيتْ، فقضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّ ميراثَها لبَنيها وزوجِها، وأنَّ العَقْلَ على عَصَبَتِها.