ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي

٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥

الصفحة ٥ من ١٠

  1. واحتجُّوا أيضًا بأنّ أبا هريرةَ قبَّل سُرَّةَ الحسنِ بنِ عليٍّ، وقال: أُقبِّلُ منكَ ما كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُقبِّلُ منك (١) . فلو كانت السُّرَّةُ عورةً ما قبَّلها أبو هريرةَ، ولا مكَّنَه منها الحسنُ، ومحالٌ أن يُقبِّلَها حتّى ينظرَ إليها.

    ج ٤ ص ٣٤٧
  2. أخبرنا أحمدُ بنُ محمّدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفَضْل بنُ العبّاس، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ الجَعْدِ الوشّاءُ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حمّادٍ النَّرْسيُّ، قال: حدَّثنا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن أنسٍ، قال: صلَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- خَلْفَ أبي بكرٍ رحمه الله في ثَوبٍ واحدٍ (٢) . قال مُعتَمِرٌ: أظنُّه في مرضِه.

  3. حديثٌ سابعٌ لابن شهابٍ، عن سعيدٍ متَّصلٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " قاتَلَ اللهُ اليهودَ، اتَّخذوا قُبورَ أنبيائهم مساجِدَ" .

    ج ٤ ص ٣٤٨
  4. في هذا الحديث إباحَةُ الدُّعاء على أهْلِ الكُفْرِ، وتحريمُ السُّجودِ على قُبورِ الأنبياء، وفي مَعْنَى هذا أنّه لا يَحِلُّ السُّجودُ لغيرِ الله عزَّ وجلَّ.

  5. ويَحتمِلُ الحديثُ ألّا تُجعَلَ قُبورُ الأنبياء قبلةً يُصلَّى إليها، وكلُّ ما احْتَمَله الحديثُ في اللسانِ العربيِّ فمَمْنُوعٌ منه؛ لأنّه إنّما دعا على اليهودِ محُذِّرًا لأُمَّتِه -صلى الله عليه وسلم- مِن أنْ يفعَلُوا فِعْلَهم.

  6. وقد زَعَم قومٌ أنَّ في هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على كراهِيةِ الصلاةِ في المقبُرةِ وإلى القُبُورِ، وليس في ذلك عندي حُجَّةٌ، وقد مضَى القولُ في الصلاةِ إلى القُبُورِ، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ في مُرْسَلاتِه، وأتيْنا بآثارِ هذا البابِ في بابِ زيدِ بنِ أسْلَمَ (٢) أيضاً، عن عَطَاء بنِ يَسَارٍ (٣) ، فأغْنَى ذلك عن إعادَةِ شيءٍ مِن ذلك هاهنا. وبالله العِصمَةُ والتوفيقُ، لا شَرِيكَ له.

  7. حديثٌ ثامِنٌ لابنِ شهابٍ، عن سعيد بن المسيِّب (١) مُرْسَلٌ

    مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ قفَل من خيبرَ أسرَى، حتّى إذا كان من آخرِ الليلِ عرَّس، وقال لبلالٍ: "اكلَأْ لنا الصُّبْحَ" ، ونام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه، وكلأ بلالٌ ما قُدِّر له، ثم استنَد إلى راحلتِه وهو مُقابِلُ الفجرِ، فغلَبتْهُ عَيناهُ، فلمْ يستيقِظْ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا بلالٌ، ولا أحدٌ من الرَّكْبِ، حتى ضرَبتْهُمُ الشمسُ، ففزِعَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال بلالٌ: يا رسولَ الله، أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنفْسِك، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "اقتادُوا" . فبعَثوا رواحِلَهم واقتادُوا شيئًا، ثم أمَر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بلالًا فأقامَ الصَّلاةَ، فصلَّى بهم الصُّبحَ، ثم قال حينَ قضَى الصَّلاةَ: "مَن نَسِيَ الصَّلاةَ فليُصَلِّها إذا ذَكَرَها، فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: ١٤] .

    ج ٤ ص ٣٤٩
  8. هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ مرسلًا جماعةُ رواةِ "الموطأ" عنه، لا خلافَ بينَهم في ذلك (٣) ، وكذلك رواه سفيانُ بنُ عُيينةَ (٤) ، ومعمرٌ في روايةِ عبدِ الرزاقِ (٥) عنه، عن الزهري مرسلًا، كما رواه مالكٌ.

  9. وقد وصَله أبانُ العطارُ، عن معمرٍ (١) ، ووصَله الأوزاعيُّ أيضًا (٢) ويونسُ (٣) ، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة. وعبدُ الرزاقِ أثبتُ في معمرٍ من أبانَ العطار.

    ج ٤ ص ٣٥٠
  10. وقد وصَله محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، فيما حدَّثنا به أحمدُ بنُ محمَّدٍ (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عليٍّ الرافقيُّ، قال: حدَّثنا أبو شعيمبٍ صالحُ بنُ زياد السُّوسيُّ بالرَّقَّةِ، قال: حدَّثنا يعلى (٥) ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: أقبَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من خيبرَ، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ أراد التعريسَ من آخرِ الليلِ، فاضطجَع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وأسنَد بلالٌ ظهرَه إلى بعيرِه، فاستقبلَ الشرقَ، فغلَبته عينُه فنام، فلم يُوقظْه إلّا الشمسُ، فكان أوَّلَهم رفَع رأسَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "ماذا صنَعتَ بنا (٦) يا بلالُ؟ " قال: أخَذ بنفسي يا رسولَ الله

    ج ٤ ص ٣٥١الذي أخَذ بنفسِكَ، فقال: "صدَقتَ" . فاقْتادَ غيرَ كبيرٍ، فتوضَّأ وتوضَّأ الناسُ، ثم صلَّى الصبحَ، ثم أقبَل عليهم، فقال: "إذا نسِيتُم الصلاةَ، فصلُّوها إذا ذكرتمُوها؛ فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} " (١) .

  11. وأمَّا حديثُ يونسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ قفَل من خيبرَ، سار ليلَه حتى إذا أدركَه الكرَى عرَّس وقال لبلالٍ: "اكلأ لنا الصبح" . وساقَ الحديثَ بتمامِه إلى آخرِه. قال يونسُ: وسمِعتُ ابنَ شهابٍ يقرؤُها: (لِلذِّكْرَى) (٢) .

  12. ووصَل من هذا الحديثِ ابنُ عيينةَ (٣) ومعمرٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قولَه: "من نسِيَ صلاةً فلْيصلِّها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} " .

  13. وقد رُوي عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في نومِه عن الصلاةِ في السفرِ آثارٌ كثيرةٌ من وُجوهٍ شتَّى، رواها عنه جماعة من أصحابِه، منهم: ابنُ مسعودٍ، وأبو مسعود، وأبو قتادة، وذو مخبَر الحبَشيُّ (٤) ، وعمرانُ بنُ حُصَينٍ، وأبو هريرة. وقد ذكرناها

    ج ٤ ص ٣٥٢في بابِ زيدِ بنِ أسلم، وبعضُهم ذكر أنّه أذَّن وأقام، ولم يذكُرْ ذلك بعضُهم. وبعضُهم ذكر أنّه ركَع ركعتي الفجرِ، وبعضُهم لم يذكُرْ ذلك. والحجةُ في قولِ مَن ذكر، لا في قولِ مَن قمَّر. وقد ذكرنا ذلك كلَّه وما للعلماءِ فيه في بابِ مرسلِ زيدِ بنِ أسلم، فلا معنى لإعادة شيءٍ من ذلك هاهنا.

  14. وقولُ ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ: عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- حينَ قفَل من خيبرَ. أصحُّ من قولِ مَن قال: إن ذلك كان (١) مرجعَه من حنينٍ؛ لأن ابنَ شهابٍ أعلمُ الناسِ بالسيرِ والمغازي، وكذلك سعيدُ بنُ المسيِّبِ، ولا يقاسُ بهما المخالفُ لهما في ذلك. وكذلك ذكر ابنُ إسحاقَ (٢) وأهلُ السِّيرِ، أن نومَه عن الصلاةِ في سفرِه كان في حينِ (٣) قُفولِه من خيبرَ، وقد اختُلِفَ عن مالكٍ في ذلك؛ فرُوي عنه في هذا الحديث: حين قفَل من خيبرَ. والقُفولُ: الرجوعُ من السفر، ولا يقال: قفَل إذا سافَر مُبتدئًا. قال صاحبُ العَينِ (٤) : قفَل الجندُ قُفولًا وقَفْلًا، إذا رجعوا، وقفَلتُهم أنا أيضًا - هكذا على وزن: ضرَبتُهم- وهم القَفَلُ.

  15. وفيه أيضًا: خروجُ الإمام بنفسِه في الغزواتِ، وذلك سُنة. وكذلك إرسالُه السَّرايا، كلُّ ذلك سنةٌ مَسْنونةٌ.

  16. وأما قوله: "أسْرَى" ففيه لغتانِ: سرَى وأسْرى، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: ١] . فهذا رباعيٌّ، وقال امرؤُ القيس (١) :

    سَريتُ بهم حتى تكِلَّ مطيُّهم ... وحتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بأرسانِ

    وهذا ثلاثيٌّ.

    ج ٤ ص ٣٥٣
  17. وقرئ: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} [طه: ٧٧] ، بالوصلِ والقطعِ، على الثلاثيِّ والرباعيِّ جميعًا (٢) .

    وقال النابغةُ (٣) :

    أسرَتْ (٤) عليه من الجوزاءِ ساريةٌ ... تُزجي الشَّمالُ عليه جامدَ البرَدِ

    فجمعَ بين اللغتين.

  18. والسُّرى: مشْيُ الليلِ وسيرُه، وهي لفظةٌ مؤنثةٌ، قال الشاعر:

    وليلٍ وصَلنا بين قُطريه بالسُّرى ... وقد جَدُّ شوقٌ مُطمِعٌ في وصالِكِ

    أَرَبَّتْ علينا من دُجاهُ حَناسٌ ... أعَدنَ الطريقَ النَّهجَ وَعْرَ المَسالكِ (١)

    وقال غيرُه:

    يفوتُ الغِنَى مَن لا ينامُ عن السُّرى ... وآخرُ يأتي رزقُه وهو نائمُ (٢)

    ج ٤ ص ٣٥٤
  19. ولا يقالُ لمشي النَّهارِ: سُرى. ومنه المثَلُ السَّائرُ: عند الصباح يحمَدُ القومُ (٣) السُّرى (٤) .

  20. فأما قولُه: حتى إذا كان من آخرِ الليلِ عرَّس. فالتعريسُ: النزولُ في آخرِ الليل، كما في الحديثِ. ولا تُسمِّي العربُ نزولَ أول الليلِ تعريسًا، كذلك قال أهلُ اللغةِ (١) . وكذلك في حديثِ عطاءِ بنِ أبي رباح الذي ذكرناه: حتى إذا كان آخرُ الليلِ نزَلوا للتعريسِ (٢) . فكلُّهم قال: آخرُ الليلِ. وهو المعروفُ عندَ العربِ.

    ج ٤ ص ٣٥٥
  21. وأما قولُه: "اكلأ لنا الصبحَ" . فمعناه: ارقُبْ لنا الصبحَ، واحفَظْ علينا وقتَ صلاتِنا. وأصلُ الكلاءة: الحفظُ والرِّعايةُ والمنعُ، وهي كلمةٌ مهموزةٌ، منها قولُه عزَّ وجلَّ: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} (٣) [الأنبياء: ٤٢] . ومنها قولُ ابنِ هَرْمة (٤) :

    إنّ سُلَيمى واللهُ يكلؤُها ... ضنَّتْ بشيءٍ ماكان يرزؤُها

    ج ٤ ص ٣٥٦وفي هذا الحديثِ أيضًا: إباحةُ الاستخدام بالصاحبِ في السفرِ وإن كان حُرًّا؛ لأن بلالًا كان في ذلك الوقت حُرًّا؛ كان أبو بكرٍ اشتراه بمكةَ فأعتَقه، وله ولاؤُه، وذلك قبلَ الهجرةِ، وكانت خيبرُ في سنةِ ستٍّ من الهجرة (١) .

  22. وفيه: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينامُ أحيانًا نومًا يُشبِهُ نومَ (٢) الآدميِّين، وذلك إنّما كان منه غِبًّا، لمعنى يُريد اللهُ إحداثَه، وليَسُنَّ لأُمته سُنَّةً تبقى بعدَه، يدُلُّك على ذلك قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إني لأنسَى، أو أُنسَّى، لأسُنَّ" (٣) .

  23. وقولُه في حديثِ العلاء بنِ خبَّابِ: إنّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لو شاء اللهُ لأيقَظنا، ولكن أراد أن تكونَ سنَّةٌ لمن بعدَكم" (٤) . وأما طبعُه وجبلَّتُه وعادتُه المعروفةُ منه

    ج ٤ ص ٣٥٧ومن الأنبياءِ قبلَه، فما حكاه عن نفسِه -صلى الله عليه وسلم-: "إن عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (١) ، فأطلق ذلك عن نفسِه إطلاقًا غيرَ مُقيَّدٍ بوقتٍ. وفي حديثٍ آخرَ: "إنَّا معشرَ الأنبياءِ تنامُ أعينُنا ولا تنامُ قلوبُنا" (٢) . فأخبر أن كلَّ الأنبياءِ كذلك. وممَّا يُصحِّحُ ذلك قولُه -صلى الله عليه وسلم- لأصحابِه: "تراصُّوا في الصَّفِّ؛ فإنِّي أراكم من وراء ظهري" (٣) . فهذه جِبلَّتُه وخِلْقتُه وعادتُه -صلى الله عليه وسلم-.

  24. فأمَّا نومُه في السفرِ عن الصلاةِ، فكانَ خَرْقَ عادتِه ليَسُنَّ لأمَّتِه، ويُعرِّفَهم بما يجِبُ على مَن نام منهم عن صلاتِه حتى يخرُجَ وقتُها، وكيف العملُ في ذلك، وجعَل اللهُ نومَه سببًا لما جرَى له في ذلك اليوم من تعليمِه أُمَّتَه وتبصيرِهم. وقد ذكرنا الآثارَ الواردةَ في هذا المعنى، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتابِ (٤) ، ولا سبيلَ إلى حملِها على الائتلافِ والاتفاقِ إلّا على ما ذكرناه، وغيرُ جائزٍ حملُ أخبارِه، إذا صحَّت عنه، على التناقضِ عندَ أهلِ الإسلام، لأنه لا يجوزُ فيها النَّسخ.

  25. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله (٥) ، قال: حدَّثنا الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ،

    ج ٤ ص ٣٥٨قال: حدَّثنا المُزنيُّ، قال سمِعتُ الشافعي يقولُ: رؤيا الأنبياءِ وحي (١) . وقد رَوَينا عن ابنِ عباسٍ رضي اللّهُ عنه أنّه قال: رؤيا الأنبياء وحيٌ (٢) ، وتلا: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: ١٠٢] . وهذا يدلُّ على أن قلوبَهم لا تنامُ، ألا ترَى إلى حديثِ ابنِ عباسٍ أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- نام حتى نفَخ، ثم صلَّى ولم يتوضَّأ، ثم قال: "إن عينيَّ تنامان، ولا ينامُ قلبي" (٣) . والنومُ إنّما يُحكمُ له بحُكمِ الحدثِ إذا خَمر القلبَ وخامَره، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لا يُخامِرُ النومُ قلبَه، وقولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إني لستُ كهيئتكم، إني أبيتُ أُطعَمُ وأُسقَى" (٤) . ومثلُ هذا كثير.

  26. فإن قال قائل: إن في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن يكلأُ لنا الصبحَ؟ " دليلًا على أن مِن عادتِه النومَ. قيل له: لم تُنعِم النظرَ، ولو أنعَمتَه لعلِمتَ أنَّ المعنى: مَن (٥) يرقُبُ لنا انفجارَ الصُّبح فيُشعِرَنا به في أولِ طلوعِه؟ لأنَّ مَن نامت عيناه لم يرَ هذا في

    ج ٤ ص ٣٥٩أوله، ونومُ العين يَمنَعُ من مثلِ هذا لا نومُ القلبِ، وكان شأنُه التَّغليسَ بالصُّبح (١) ، وكان بلالٌ من أعلم الناسِ بذلك، فلذلك أمَره بمراقبةِ الفجرِ، لا أنّ عادتَه كانت النومَ المعروفَ من سائرِ الناسِ. واللهُ أعلم.

  27. ذكر ابنُ أبي شيبةَ أبو بكر (٢) ، عن محمدِ بنِ فُضيلٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن تميم بنِ سلمةَ، عن مسروقٍ، قال: ما أُحبُّ أن لي الدنيا وما فيها بصلاةِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بعدَ طلوع الشمس.

  28. وذكره أيضًا (٣) عن عُبيدةَ بنِ حُميدٍ، عن يزيدَ بن أبي زياد، عن تميم بنِ سلمةَ، عن مسروقٍ، عن ابنِ عباس.

  29. وهذا عندي، واللهُ أعلمُ، لانه أعلَمَ أمَّتَه أن مرادَ الله تعالى من الصلاةِ أن تُقضَى في وقتٍ آخر، كما قال تعالى في الصيام: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: ١٨٤] . وليس كالحجِّ وعرفةَ والضحايا والجِمار، وقد أوضَحنا هذا المعنى في كتابِ "الاستذكارِ" .

  30. وليس في تخصيصِ النائم والناسي بالذكرِ في قضاءِ الصلاةِ ما يُسقِطُ قضاءَها عن العامدِ لتركِها حتى يخرُجَ وقتُها، بل فيه أوضحُ الدلائلِ على أن العامدَ المأثومَ أولى أن يُؤمرَ بالقضاء من الناسي المُتجاوَزِ عنه، والنائم (٤) المعذورِ، وإنّما ذُكِر النائمُ والناسي؛ لئلا يتوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنهما لما رُفِع عنهما الاثمُ، سقَط القضاءُ عنهما فيما وجَب عليهما، فأبان -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك غيرُ مُسقطٍ عنهما قضاء

    ج ٤ ص ٣٦٠الصلاةِ، وأنها واجبةٌ عليهما متى ما ذكراها، والعامدُ لا محالةَ ذاكِرٌ لها، فوجَب عليه قضاؤُها، والاستغفارُ من تأخيرِها؛ لعموم قولِه -صلى الله عليه وسلم-: "فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} " . وقد قضاها عليه السلامُ بعد خروج وقتِها يومَ الخندقِ من غيرِ نسيانٍ ولا نوم، إلّا أنّه شُغِل عنها (١) . وأجاز لمَن أدرَك ركعةً من العصرِ أن يصلِّي تمامَها بعد خروج وقتِها. وقد زِدْنا هذا بيانًا وإيضاحًا في كتاب "الاستذكارِ" (٢) ، والحمدُ لله.

  31. وفي فزَع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- دليلٌ على أن ذلك لم يكنْ من عادتِه منذُ بُعِث. واللهُ أعلم.

  32. ولا معنى لقولِ مَن قال: إن فزعَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كان من أجلِ العدوِّ الذي يتبَعُهم؛ لأنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتبَعْه عدوٌّ في انصرافِه من خيبرَ، ولا في انصرافِه من حُنينٍ، ولا ذكَر ذلك أحدٌ من أهلِ المغازي، بل كان منصرفُه في كلتا الغزوتين غانمًا ظافرًا، قد هزَم عدوه، وظفِر به وقمَعه، والحمدُ لله.

  33. وأمَّا فزعُ أصحابِه في غيرِ هذا الحديثِ، فلما رأوا من فزعِه، وقد فزِعوا حينَ قدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ يُصلِّي لهم في غزوةِ تبُوكَ، حينَ خرَج رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مع المُغيرةِ بنِ شعبةَ، فتوضَّأ ومسَح على خُفَّيه، وانتظَرُوه، وخَشُواْ فواتَ الوقتِ، فقدَّمُوا عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ يؤمُّهم، فجاء رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وقد صلَّى بهم عبدُ الرحمنِ ركعةً، ففرخَ الناسُ، فلما فرَغ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أحسَنتُم" ، يغبطُهم أن صلَّوُا الصلاةَ لوقتِها. هكذا نقَله جماعةٌ من أصحابٍ

    ج ٤ ص ٣٦١ابنِ شهابٍ (١) . وقد قام رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى صلاةِ الكسوفِ فزِعًا يجُرُّ ثوبَه (٢) . ويحتمِلُ أن يكونَ فزعُهم شفقةً وتأسُّفًا على ما فاتهم من وقتِ الصلاةِ، ولعلَّهم حَسِبوا أنّ الصلاةَ قد فاتَتْهم أصلًا، فلحِقَهم الفزَعُ والحزنُ لفوْتِ الأجرِ والفضلِ، ولم يعرِفوا أنّ خروجَ الوقتِ لا يُسقِطُ فرضَ الصلاةِ، حتى قال لهم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن نام عن صلاةٍ أو نَسِيَها، فليُصَلِّها إذا ذكَرها، كما كان يُصلِّيها لوقتِها" (٣) . فأخبرهم أنّها غيرُ ساقطةٍ عنهم، وإذا لم تسقُطْ عنهم صلَّوها، وإذا صلَّوها أدرَكوا أجرَها إن شاءَ اللهُ. وأعلَمهم -صلى الله عليه وسلم- في حديثِ أبي قتادةَ أن الإثمَ عنهم في ذلك ساقطٌ بقولِه: "ليس التفريطُ في النوم، إنّما التفريطُ في اليقظةِ" (٤) . وفي بعضِ ألفاظِ حديثِ أبي قتادةَ أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الصلاةَ لا تفوتُ النائمَ، إنّما تفوتُ اليقظانَ" ، ثمَّ توضَّأ وصلَّى بهم (٥) .

  34. وفي هذا الحديثِ: تخصيصٌ لقولِه عليه السلامُ: "رُفع القلمُ عن النائم حتى يَستيقِظَ" (٦) . وبيانُ ذلك أنَّ رفعَ القلم عنه هاهنا من جهةِ رفع المأثم،

    ج ٤ ص ٣٦٢لا من جهةِ رفع الفرضِ عنه، وأن ذلك ليس من بابِ قوله: "وعن الصبِيِّ حتى يحتلِمَ" (١) .

  35. وإن كان ذلك جاءَ في أثرٍ واحدٍ، فقِفْ على هذا الأصلِ.

  36. وأما قولُ بلالٍ: أخَذ بنفسي الذي أخَذ بنفسكَ. يقولُ: إذا كنتَ أنتَ في منزلتِكَ مِن الله قد غلَبتكَ عينُك، وقُبِضتْ نفسُك، فأنا أحرَى بذلك. وفي هذا دليلٌ على طلبِ الحُجَّةِ والإدلاء بها.

  37. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حسين، قال: دخَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على عليٍّ وفاطمةَ وهما نائمان، فقال: "ألا تُصلُّوا؟ " فقال عليٍّ: يا رسولَ الله، -صلى الله عليه وسلم- إنّما أنفسُنا بيدِ الله، فإذا أراد أن يبعَثَها بعَثها. فانصَرَف عنهما وهو يقولُ: " {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} [الكهف: ٥٤] .

  38. ورواه الليثُ، عن عُقيلٍ، عن الزُّهريِّ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، أنَّ الحسينَ بنَ عليٍّ حدَّثه، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- طرَقه وفاطمةَ. فذَكَر الحديثَ. وفي آخرِه: فانصرَف رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- حين قلتُ له ذلك، فسَمِعتُه وهو مدبرٌ يضِربُ فخذَه وهو يقولُ: " {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} " (٣) .

  39. وأما قولُ بلالٍ في هذا الحديثِ: أخَذ بنَفْسي الذي أخَذ بنَفْسِكَ. فمعناه:

    ج ٤ ص ٣٦٣قبَض نَفْسي الذي قبَض نفسَك. والباءُ زائدةٌ، أي: تَوفَّى (١) نفْسي مُتوفِّي نَفْسِكَ. والتَّوفِّي: هو القبضُ نَفْسُه، يعني: أن الله عزَّ وجلَّ قبَض نفسَه. وهذا قولُ مَن جعَل النفسَ الرُّوحَ، وجعَلهما شيئًا واحدًا؛ لأنّه قد قال في غيرِ هذا الحديثِ: "إن اللهَ قبَض أرواحَنا" (٢) . فنصَّ (٣) على أنَّ المقبوضَ هو الرُّوحُ. وفي القرآن: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: ٤٢] .

  40. ومَن قال: إن النفسَ غيرُ الرُّوح، تأوَّل قولَ بلالٍ: أخَذ بنَفْسي من النوم ما أخَذ بنفسِك منه (٤) .