ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب القرشي المخزومي
٣٧٩ فقرة، ج ٤ ص ٢٦٥
الصفحة ٦ من ١٠
- ج ٤ ص ٣٦٣
وقد تقدَّم القولُ في النفسِ والرُّوح مُستوعَبًا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا، فأغنى عن إعادتِه (٥) .
-
فأما قولُه: "اقتادُوا شيئًا" فمعناه -عند أهلِ المدينةِ-: ما ذكره زيدُ بنُ أسلمَ في حديثه، وهو قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ هذا وادٍ به شيطانٌ" . وقد تقدَّم القولُ في هذا، في بابِ مُرسلِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا، فأغنى عن إعادتِه (٦) .
وقال أهلُ العراقِ: معنى اقتيادِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِه رواحلَهم حتى خرجوا من الوادي، إنّما كان تأخيرًا للصلاةِ؛ لأنهم انتبَهُوا في وقتٍ لا تجوزُ فيه صلاةٌ،
ج ٤ ص ٣٦٤وذلك عندَ طلوع الشمس. وزعَموا أن نهيَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ غُروبها يقتضي الفريضةَ والنافلةَ وكلَّ صلاةٍ مفروضةٍ ومَسْنونةٍ. واحتجُّوا من الآثارِ بنحوِ حديثِ مالكٍ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ: "إذا بدا حاجبُ الشَّمسِ فأخِّرُوا الصلاةَ حتّى تبرُزَ، وإذا غابَ حاجبُ الشَّمسِ فأخِّرُوا الصلاةَ حتّى تغِيبَ" (١) . وتأوَّلوا هذا على الفرائضِ وغيرها. وقد مضَى الرَّدُّ عليهم في تأويلهم هذا في غيرِ موضع من كتابِنا هذا فأغنَى عن إعادتِه.
-
ومما يبيِّنُ لك أن خروجَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وخروجَ أصحابِه من ذلك الوادي لم يكن لما ذكره العراقيُّون: أنَّهم لم يستيقِظُوا حتى ضرَبهم حرُّ الشمس، والشمسُ لا تكونُ لها حرارةٌ إلّا وقد ارتفَعت وحلَّت الصلاةُ. وهذه اللفظةُ محفوظةٌ في حديثِ الزُّهريِّ، وفي غيرِ ما حديثٍ من الأحاديثِ المرويةِ في نوم النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاةِ، منها: حديثُ جبيرِ بنِ مُطعِم، وحديثُ ابنِ مسعودٍ، وحديثُ أبي قتادةَ، وقد ذكرناها في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ (٢) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد. وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ،
ج ٤ ص ٣٦٥عن ابنِ المسيِّبِ، قال: لما قفَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من خيبرَ، أسرَى ليلةً حتى إذا كان من آخرِ الليلِ عدَل عن الطريقِ، ثم عرَّس، وقال: "مَن يحفَظُ علينا الصُّبحَ؟ " ، فقال بلالٌ: أنا يا رسولَ الله. فجلَس يحفَظُ عليهم، فنام النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابُه. فبينما بلالٌ جالسٌ غلَبته عينُه، فما أيقظَهُم إلّا حرُّ الشمسِ ففزِعُوا فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "أنمتَ يا بلالُ؟ " . فقال: يا رسولَ الله، أخَذ نَفْسي الذي أخَذ أنفُسَكم. قال: فاقتادوا رواحلَهم وارتحلُوا عن المكانِ الذي أصابتهم فيه الغَفْلةُ، ثم صلَّى بهم الصُّبحَ، فلما فرَغ قال: "مَن نسِيَ الصلاةَ فليُصلِّها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} " . قال معمرٌ: وكان الحسنُ يُحدِّثُ نحوَ هذا الحديثِ، ويذكُرُ أنَّهم ركعُوا ركعتي الفجرِ، ثم صلَّى بهمُ الصُّبح (١) . ففي قوله: فما أيقَظهم إلّا حرُّ الشمسِ. وقوله: ارتحلوا عن المكانِ الذي أصابتهم فيه الغفلةُ، دليل على صحةِ ما ذهَب إليه أهلُ المدينةِ. ودليلٌ آخرُ، هو قولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: "مَن أدرَك ركعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ فقد أدرَك الصبحَ" (٢) .
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ (٣) ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسَرَّة ومحمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قالا: حدَّثنا أبو موسى الزَّمِنُ محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ، عن أبي رافع،
ج ٤ ص ٣٦٦عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا أدرَكتَ ركعةً من صلاةِ الفجرِ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ، فصلِّ إليها أُخرى" (١) .
-
ومعلومٌ أن الأُخرى مع طلوع الشمس، فأيُّ شيءٍ أبينُ من هذا؟
-
ودليلٌ آخرُ، وهو ما ذكره عطاءٌ، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ركَع في ذلك الوادي ركعتي الفجرِ، ثم سار ساعةً، ثم صلَّى الصبحَ (٢) . ومعلومٌ أنّ كلَّ وقتٍ تجوزُ فيه النافلةُ يجوزُ فيه قضاءُ المنسيَّةِ المفروضةِ، وهذا ما لا خلافَ فيه.
-
ودليلٌ آخرُ لا مدفعَ له، وهو قولُه -صلى الله عليه وسلم- في آخرِ هذا الحديثِ: "مَن نام عن الصلاةِ أو نسيَها، فلْيُصلِّها إذا ذكرها" ، فهذا إطلاق أن يُصلِّيَ المُنتبِهُ والذاكرُ في كلِّ وقتٍ، على ظاهرِ الحديثِ، صلاتَه التي انتبَه إليها وذكرها.
-
وقد اختلَف العلماءُ من هذا المعنى، فيمَن ذكر صلاةً فاتَتْهُ وهو في آخرِ وقتٍ صلاةٍ، أو ذكر صلاةً وهو في صلاةٍ، فجملةُ مذهبِ مالكٍ أنّه مَن ذكر صلاةً وقد حضَر وقتُ صلاةٍ أُخرى، بدأ بالتي نسِيَ إذا كان ذلك خمسَ صلواتِ فأدنى، وإن فات وقتُ هذه. وإن كان أكثرَ من ذلك، بدأ بالتي حضَر وقتُها (٣) . وعلى نحوِ هذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والثوريِّ، والليثِ، إلّا أن أبا حنيفةَ وأصحابَه
ج ٤ ص ٣٦٧قالوا: الترتيبُ عندنا واجبٌ في اليوم والليلةِ، إذا كان في الوقتِ سَعةٌ للفائتةِ ولصلاةِ الوقتِ، فإن خشِيَ فواتَ صلاةِ الوقتِ بدأ بها، فإن زاد على صلاةِ يوم وليلةٍ، لم يجِبِ الترتيبُ عندَهم، والنسيانُ عندَهم يُسقِطُ الترتيبَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: مَن ذكر صلاةً فائتةً وهو في صلاةٍ أُخرى من الصلواتِ الخمسِ، فإن كان بينهما أكثرُ من خمسِ صلواتٍ مضَى فيما هو فيه، ثم قضَى التي عليه، وإن كان أقلُّ من ذلك، قطَع ما هو فيه، وصلى التي ذكر، إلّا أن يكونَ في آخرِ وقتِ التي دخَل فيها، يخافُ فوتَها إن تشاغَل بغيرِها، فإن كان كذلك أتمها ثم قضَى التي ذكر. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ: إن ذكر الوترَ في صلاةِ الصبح فَسَدَتْ عليه، وإن ذكر فيها ركعتي الفجرِ، لم تَفسُدْ عليه. وقال أبو يوسفَ: لا تفسُدُ عليه بذكرِ الوَترِ، ولا بركعتي الفجرِ. وبه أخَذ الطَّحاويُّ. وقد رُوي عن الثوريِّ وجوبُ الترتيبِ، ولم يُفرِّقْ بينَ القليلِ والكثيرِ (١) .
-
واختُلِف في ذلك عن الأوزاعي (٢) .
وقال الشافعيُّ (٣) : الاختيارُ أن يبدأ بالفائتةِ ما لم يخَفْ فواتَ هذه، فإن لم يفعَلْ وبدَأ بصلاةِ الوقتِ أجزَأه.
-
وذكر الأثرمُ أن الترتيبَ عندَ أحمدَ بنِ حنبلِ واجبٌ في صلاةِ ستِّينَ سنةً
ج ٤ ص ٣٦٨وأكثر. وقال: لا ينبغي لأحدٍ أن يُصلِّيَ صلاةً (١) وهو ذاكِرٌ لما قبلَها؛ لأنّها تفسُدُ عليه (٢) .
قال أبو عمر: ثم نقَض هذا الأصلَ، فقال: أنا آخُذُ بقولِ سعيدِ بنِ المسيِّب، ويُعجِبُني في الذي يذكُرُ صلاةً في وقتِ صلاةٍ، كرجلٍ ذكر العشاءَ في آخر وقتِ الفجرِ، قال: يُصلِّي الفجرَ، ولا يُضيِّعُ صلاتين. أو قال: يُضيِّعُ مرتين (٣) . وقال: إذا خاف طلوعَ الشمسِ فلا يُضيِّعُ هذه؛ لقولِ سعيدِ بنِ المُسيِّب: يُضيِّعُ مرتين (٤) . فهذا يُصلِّي الصبحَ وهو ذاكرٌ للعشاءِ، وفي ذلك نقضٌ لأصلِه. وقال داودُ والطبريُّ: التر تيبُ غيرُ واجبٍ. وهو تحصيلُ مذهبٍ الشافعيِّ.
-
ذى الأثرمُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، أنّه سمِع ربيعةَ يقولُ في الذي ينسَى الظهرَ والعصرَ حتى لا يجدَ إلّا موضعَ سجدةٍ قبلَ الغروبِ، قال: يُصلِّي العصرَ، ثم يُصلِّي الظهرَ إذا غابتِ الشمس.
قال: وحدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (٥) : حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أنبأنا
ج ٤ ص ٣٦٩يونسُ ومنصورٌ، عن الحسنِ أنّه كان يقولُ فيمَن نام عن صلاةِ العشاءِ فاستيقَظ عندَ طلوع الشمسِ، قال: يُصلِّي الفجرَ، ثم يُصلِّي العشاءَ. قال: وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: أمَّا الحسنُ فيقولُ: يُصلِّي تلك وإن فاتت هذه.
قال أبو عمر: وأمَّا الذي يذكُرُ صلاةً وهو وراءَ إمام، فكُلُّ مَن قال بوجوبِ الترتيبِ ومَن لم يقُلْ به، فيما علِمتُ، يقولُ: يتمادَى مع الإمام حتى يُكْمِلَ صلاتَه. ثم اختلفوا؛ فقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ: يُصلِّي التي ذكَر، ثم يعيدُ التي صلَّى مع الإمام، إلّا أن يكونَ بينَهما أكثرُ من خمسِ صلواتٍ. على ما قدَّمنا ذكرَه عن الكوفيِّين. وهو مذهبُ جماعةٍ من أصحابِ مالكٍ المدنيّين (١) . وذكر الخِرَقيُّ (٢) ، عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، أنّه قال: مَن ذكر صلاةً وهو في أُخرى، أتمَّها وقضَى المذكورةَ، وأعاد الصلاةَ التي كان فيها، إذا كان الوقتُ مُبقى، فإن خشِيَ خروجَ الوقتِ، اعتقد وهو فيها أن لا يُعيدَها، وقد أجزأتْه، ويقضِي التي عليه.
قال الأثرمُ: قيل لأبي عبد الله: إنَّ بعضَ الناسِ يقولُ: إذا دخَلتَ في صلاةٍ فأحرَمتَ بها، ثم ذكرتَ صلاةً نسِيتَها، لم تقطَع التي دخَلت فيها، ولكنَّكَ إذا فَرَغتَ منها، قضَيتَ التي نسِيتَ، وليس عليكَ إعادةُ هذه. فأنكره، وقال: ما أعلمُ
ج ٤ ص ٣٧٠أحدًا قال بهذا، إنّما أعرِفُ أن من الناسِ مَن قال: أنا أقطَعُ وإن كنتُ خلفَ الإمام، وأُصلِّي التي ذكرتُ؛ لقولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "فليصلِّها إذا ذكرها" . قال: وهذا شنيعٌ أن يقطَع وهو خلفَ الإمام. قيل له: فما تقولُ أنتَ؟ قال: يتمادَى مع الإمام، وإن كان وحدَه قطَع (١) .
-
وذكر الأثرمُ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا هِقْلٌ (٢) ، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ في الذي ينسَى الظهرَ ولا يذكُرُها حتى يدخُلَ في (٣) العصر، قال: يَمضي في صلاةِ الإمام، فإذا انصرَف، استقبَل الظهرَ فصلَّاها، ثم يُصلِّي العصرَ (٤) .
قال أبو عمر: هذا ابنُ شهابٍ يُفْتي بقولِ ابنِ عمر، وهو الذي يروي قولَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن نام عن صلاةِ أو نسِيَها، فليُصلها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ يقول: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} " . وقد رأى تماديَه مع الإمام، ثم رأى إعادتَها. لا (٥) أدري إن كان استحبابًا أو إيجابًا. وقد يحتمِلُ هذا الحديثُ إيجابَ الترتيبِ، ويحتمِلُ أن يكونَ معناه الإعلامَ بأنها غيرُ ساقطةٍ بالنوم والنسيانِ. وقد أجمَعوا على أن الترتيبَ فيما كثُر غيرُ واجبٍ، فدلَّ ذلك على أنّه مُستحبٌّ في القليلِ، واللهُ أعلم.
-
ويدُلُّك على أن ذلك عندَهم استحبابٌ، لأنهم يأمُرونه إذا ذكرها وهو وحدَه في صلاةٍ أن يقطَعها، وإن ذكرها وراءَ إمام تمادَى مع الإمام. والأصلُ
ج ٤ ص ٣٧١في التمادي مع الإمام عندَ أكثرِهم اتِّباعُ ابنِ عمرَ، وحديثُه في ذلك ما رواه مالكٌ (١) ، عن نافع، أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ (٢) كان يقولُ: من نسِيَ صلاةً فلمْ يذكُرْها إلّا وهو مع الإمام، فإذا سلَّم الإمامُ، فليُصلِّ الصلاةَ التي نسِيَ، ثم ليُصلِّ بعدَها (٣) الصَّلاةَ الأخرى. ولا مخُالفَ له في هذه المسألةِ من الصحابةِ، مع دَلالةِ قولِ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "فليصلِّها إذا ذكرها" .
-
وقد رُويَ من حديثٍ أبي جُمُعةَ -واسمُه حبيبُ بنُ سِباع، وله صحبةٌ- قال: صلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- المغربَ يومَ الأحزابِ، فلما سلَّم، قال: "هل علِمَ أحدٌ منكم أنّي صلَّيتُ العصرَ؟ " ، قالوا: لا يا رسولَ الله، قال: فصلَّى العصرَ، ثم أعاد المغربَ (٤) . وهذا حديثٌ منكرٌ، يرويه ابنُ لهيعةَ عن مجهولَين.
وقال الشافعيُّ، والطبريُّ، وداودُ: يتمادَى مع الإمام، ثم يُصلِّي التي ذكر، ولا يُعيدُ هذه. وليس الترتيبُ عندَ هؤلاء بواجبٍ، فيما قلَّ ولا فيما كثر. ومن
ج ٤ ص ٣٧٢حجَّتهم أن (١) الترتيبَ إنّما يجبُ في اليوم وأوقاتِه، فإذا خرَج الوقتُ، سقَط الترتيبُ، استدلالًا بالإجماع على أن شهرَ رمضانَ تجِبُ الرتبةُ فيه والنَّسَقُ لوقتِه، فإذا انقَضى، سقَطتِ الرتبةُ عمَّن كان عليه منه شيءٌ بسفرٍ أو علَّةٍ، وجاز أن يأتي به على غيرِ نسَقٍ ولا رتبةٍ مُتفرِّقًا، فكذلك الصلواتُ المذكوراتُ الفوائتُ، واللهُ أعلم (٢) .
-
واحتج داودُ وأصحابُه بأن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى ركعتي الفجرِ ذاكرًا للصبح في حين نومِه في سفرِه. قالوا: فقد صلَّى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ذاكرٌ صلاةً واجبةً عليه، ركعتي الفجرِ، وهما غيرُ واجبتين عليه. وهذا عندي لا حجَّةَ فيه، لأنّه لم يذكُرْ في ركعتي الفجرِ صلاةً قبلَها، وإنما المراعاةُ أن يذكُرَ في الصلاةِ ما قبلَها. ولكلِّ واحدٍ منهم حُجج من جهةِ النظرِ في أكثرِها تشعيبٌ وتطويلٌ، وفيما ذكرتُ لكَ من أقاويلهم ما تقِفُ به على المرادِ من معنى حديثِ هذا البابِ إن شاء الله.
-
وأما قولُه في حديثِ مالكٍ: "ثم أمَر بلالًا فأقام الصلاةَ" يحتمِلُ أن يكونَ أقام ولم يؤذِّنْ، ويحتمِلُ أن يكونَ أقام الصلاةَ بما تُقامُ به من الأذانِ والإقامةِ والطهارةِ. وقد رُويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- من وجوهٍ أنّه أمَر بلالًا فأذن وأقام في حينَ نام عن الصلاةِ في السفرِ. وقد ذكرناها (٣) .
-
وقد روَى أبانُ العطَّارُ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ، عن أبي هريرةَ هذا الحديثَ، وذى فيه أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثم أمر بلالًا فأقام، فصلَّى الفجرَ (٤) . وهذا ليس بمحفوظٍ في حديثِ الزهريِّ إلّا من
ج ٤ ص ٣٧٣روايةِ أبانَ العطَّارِ، عن معمرٍ. وأبانُ ليس بحُجَّةٍ، ولا تُقبَلُ زيادتُه على عبد الرزاقِ؛ لأن عبدَ الرزاقِ أثبتُ الناسِ في معمرٍ عندهم (١) . وقد ذكرنا اختلافَ العُلماءِ
ج ٤ ص ٣٧٤في الأذانِ لما فات (١) مِنَ الصلواتِ، والحجةَ لكُلِّ فريقٍ منهم، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٢) .
-
وذكر أبو قُرّةَ (٣) ، عن مالكٍ، فيمَن نام عن صلاةِ الصبح حتى طلَعتِ الشمسُ، أنّه لايركعُ ركعتي الفجرِ، ولا يبدأُ بشيءٍ قبلَ الفريضةِ. قال مالكٌ: لم يبلُغْنا أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى ركعتي الفجرِ حينَ نام عن الصبح حتى طلَعتِ الشمسُ.
قال أبو عمر: ليس في حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ركَع ركعتي الفجرِ في ذلك اليوم من وجهٍ يصِحُّ. وقد رُويَ ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ صحيحةٍ. وقد تقدَّم ذكرُنا لها ولجميع معاني هذا البابِ مُستوعَبةً مبسوطةً، في باب مُرسلِ زيدِ بنِ أسلمَ من كتابِنا هذا (٤) ، فلذلك اختصرناها في هذا الباب، واللهُ الموفقُ للصواب.
- ج ٤ ص ٣٧٥
حديثٌ تاسعٌ لابن شِهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب مُرسَلٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أكَل من هذه الشجرةِ، فلا يَقْرَبْ مساجدَنا، يؤذِينا بريح الثُّوم" .
-
هكذا هو في "الموطأ" عندَ جميعِهم، مُرسَلٌ (٢) . إلّا ما رواه محمدُ بنُ مَعمرٍ، عن رَوح بنِ عُبادةَ، عن صالح بنِ أبي الأخضرِ ومالكِ بنِ أنس، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، مرةً موصولًا. وقد وصله مَعمرٌ، ويونسُ، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ.
-
فأما روايةُ مَعمرٍ، فذكرها عبدُ الرزاقِ (٣) ، عن مَعمرٍ، عن الزهريِّ، عن ابنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "من أكَل مِن هذه الشجرةِ -يعني الثُّومَ- فلا يؤذِينا في مسجدِنا" .
-
وذكره ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ كذلك سواءً مسنَدًا.
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله الحسينُ بنُ إسماعيلَ المحامليُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا فضلٌ الأعرجُ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: "من أكَل مِن
ج ٤ ص ٣٧٦هذه الشجرةِ فلا يؤذينَا في مسجِدِنا". يعني الثُّومَ. قال يعقوبُ: وذكر أبي، عن أبيه، أنّه ذكر معه الكُراثَ والبصلَ (١) .
قال أبو عمر: رَوى النَّهْيَ عن أكْلِ الثُّوم بألفاظٍ متقاربةِ المعاني، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- جماعةٌ؛ منهم: عمرُ بنُ الخطاب (٢) ، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (٣) ، وحذيفةُ (٤) ،
ج ٤ ص ٣٧٧وابنُ عمرَ، وجابرٌ (١) ، وأنسٌ (٢) ، وأبو سعيدٍ (٣) ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ (٤) ، ومَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ (٥) ، وأمُّ أيوبَ (٦) . فأما حديثُ ابنِ عمرَ، فرواه عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن
ج ٤ ص ٣٧٨نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال في غزوةِ خيبرَ: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ -يعني الثُّومَ- فلا يَقْرَبنَّ مسجدَنا" .
-
ذكره البخاريُّ (١) ، عن مسدَّدٍ، عن يحيى، عن عُبيدِ الله.
قال البخاريُّ (٢) : وحدَّثنا أبو مَعمرٍ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيزِ، قال: سأل رجلٌ أنسَ بنَ مالكٍ: ما سمِعتَ نبيَّ الله (٣) -صلى الله عليه وسلم- يقولُ في الثُّوم؟ فقال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ، فلا يقربنا، ولا يُصلِّينَّ معنا" .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثثا محمدُ بنُ بكرٍ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ الله، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أكل مِن هذه الشجرةِ فلا يَقرَبنَّ المساجدَ" .
قال أبو عمر: اختلَف العلماءُ في معنى هذا الحديثِ؛ فقال بعضُهم: إنّما خرَج النهيُ عن مسجدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- مِن أجلِ جبريلَ عليه السلامُ ونُزوله فيه على النبيِّ عليه السلام.
وقال آخرونَ، وهم الأكثرون: مسجدُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وسائرُ المساجدِ غيرُه في ذلك سواءٌ، وملائكةُ الوحي في ذلك وغيرُها (٦) سواءٌ؛ لأنّه قد أخبَرَ أنّه يتأذى
ج ٤ ص ٣٧٩بنو آدمَ، وقال: "إن الملائكةَ تتأذَّى بما يتأذَّى منه بنو آدمَ" (١) . وقال: "يؤذينا بريح الثُّوم" ، ولا يَحِلُّ أذَى الجلَيسِ المسلِم حيثُ كان.
قال أبو عمر: في هذا الحديثِ مِن الفقهِ: معرفةُ كونِ البقُولِ والخُضَرِ بالمدينةِ، فلما لم يَنقُل أحَد عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه أخَذ منها الزكاةَ، دلَّ على أنَّ الزكاةَ ساقطةٌ عن الخضَرِ، وعمَّا أخرجتِ الأرضُ غيرَ القُوتِ المُدَّخَرِ. وقد أوضحنا هذه المسألة، وذكرنا وجوهَها واختلافَ العلماء فيها في أولِ بلاغاتِ مالكٍ، وذلك قولُه، أنَّه بلَغه عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ وبُسْرِ بنِ سعيدٍ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "فيما سقَت السماءُ العُشرُ" الحديثَ (٢) .
-
وفي هذا الحديثِ أيضًا (٣) مِن الفقهِ: أن أكلَ الثُّوم ليس بمحرَّم؛ لأن الحرامَ لا يقالُ فيه: مَن فعَله فلا يَفعلْ كذا. لشيء غيرِه؛ لأن هذا لفظُ إباحَةٍ لا لفظُ مَنعْ، وليس هذا مِن بابِ ما رُوي عنه -صلى الله عليه وسلم-: "مَن شَرِب الخمرَ فَليُشقِّصِ الخنازيرَ" (٤) . في شيءٍ؛ لأنَّ شُربَ الخمرِ وتَشقِيصَ الخنازيرِ كلاهما محرَّمٌ.
- ج ٤ ص ٣٨٠
وقد اختلفَ العلماءُ في أكلِ الثُّوم؛ فذهَبت طائِفةٌ مِن أهلِ الظَّاهرِ (١) القائلين بوجوبِ الصلاةِ في الجماعةِ فرضًا إلى تحريم أكلِ الثُّوم في وقتٍ يُوجَدُ ريحُه منه في المسجدِ، وقالوا: نَهْيُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكلِ الثّوم نهيُ تحريم، فلا يجوزُ لأحَدٍ أكلُه؛ لأنّه لا يجوزُ لأحدٍ التأخُّرُ عن صلاةِ الجماعةِ إذا كان قادرًا على شُهُودِها، ولا يحلُّ له التَّخلُّفُ عنها إذا سمِع النداءَ بها مع الاسْتِطاعَةِ على المشي إليها. قالوا: وكُلُّ مَنعْ مِن إتيانِ الفرضِ والقيام به، فحرامٌ عملُه والتشَاغُلُ به، كما أنّه حرامٌ على الإنسانِ فِعلُ كلُّ ما يمنعُه مِن مُشاهدةِ الجمُعةِ. واحتجُّوا بأن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قد سمّاها خبيثةً، واللهُ عزَّ وجلَّ قد وصَف نبيَّه عليه الصلاةُ والسلامُ بأنه يحرِّمُ الخبائثَ. وذكروا حديثَ يحيى بنِ سعيدٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، أنه (٢) قال: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ الخبيثةِ، فلا يَقْربنَّ مسجدَنا" (٣) ،
ج ٤ ص ٣٨١وقولَه: "مَن أكَل مِن هاتينِ الشجرتينِ الخبيثتينِ فلا يقرَبنَّ مسجدَنا" (١) .
-
وذهب جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ وجمهورُ علماءِ المسلمين مِن أهلِ الفقهِ والحديثِ إلى إباحةِ أكْلِ الثُّوم، لدَلائِلَ (٢) ؛ منها: حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النضرِ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن مسلم الأعورِ، عن حبةَ العُرَنيُّ، عن عليٍّ رضيَ اللهُ عنه، قال: أمَرَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ نأكلَ الثُّومَ، وقال: "لولا أنَّ الملَكَ يَنزِلُ عليَّ لأكلتُه" (٣) . فقد بانَ بهذا
ج ٤ ص ٣٨٢الحديثِ أنّه ليس بمحرَّم، وأنَّه مُباحٌ، وأن النهيَ عنه إنّما ورَد مِن أجلِ أن الملَكَ كان يتأذَّى بهِ.
-
ومنها أيضًا (١) : حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، ذكره عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن مَعمَرٍ، عن أبي هارونَ العَبْدِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ -يعني الثُّومَ- فلا يَقْربنَّ مسجِدَنَا، ولا يأتينَّا يمسَحُ جبهتَه" . قال: فقلت: يا أبا سعيدٍ، أحرامٌ هي؟ قال: لا، إنّما كرِهها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من أجْلِ ريحِها. وهذا نصٌّ عن صاحِبٍ عرَف مخرَجَ النَّهْي.
-
ومثلُه حديثُ جابرٍ، ذكره البخاريُّ (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصم، قال: أنبأنا ابنُ جُريج، قال: أخبرني عطاءٌ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ -يُريدُ
ج ٤ ص ٣٨٣الثُّومَ- فلا يَغْشَانا في مساجِدنا ". قلتُ: ما يَعني به؟ قال: ما أُراه يعني إلّا نيِّئَه. قال: وقال مخْلَدُ بنُ يزيدَ، عن ابنِ جُريج: إلّا نَتْنَه.
قال (١) : وحدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيْر، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عطاء، أن جابرَ بنَ عبدِ الله زعَم أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن أكل ثُومًا أو بصلًا (٢) فليعتزِلْنَا، أو فليَعْتَزِلْ مسجدَنا ". وأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِىَ بقدرٍ فيه خَضِراتٌ من بُقول، فوجَد لها ريحًا. قال: فأُخبرَ بما فيها مِن البُقُول، فقال: " قَرِّبوها " إلى بعضِ أصحابِه كان معه، فلما رآهُ كرِه أكلَها، قال: " كُلْ، فإني أُناجِي مَن لا تُناجي ".
قال أبو عمر: هذا بيِّنٌ في الخُصُوص له والإباحَةِ لمن سِواه. وهذا الحديثُ ذكره أبو داود (٣) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: حدثني عطاءُ (٤) بنُ أبي رباح، أن جابرَ بنَ عبدِ الله، قال: إن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "من أكَل ثُومًا أو بصلًا"، فذكره سواءً إلى آخِرِه.
قال أبو داود (٥) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
ج ٤ ص ٣٨٤عَمْرو، أن بكرَ بنَ سَوادةَ حدَّثَه، أن أبا النَّجِيبِ مَولى عبدِ الله بنِ سعدٍ حدَّثه، أن أبا سعيدٍ الخُدرِيَّ حدَّثه، أنّه ذُكِر عندَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- الثُّومُ والبصلُ، وقيل: يا رسولَ الله، وأشَدُّ ذلك كلِّه الثُّومُ، أفتُحَرِّمُه؟ فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُوه، ومَن أكله منكم فلا يَقْرَبْ هذا المسجدَ حتى يذهبَ ريحُه منه" .
-
ومثلُ هذا أيضًا حديثُ أُمِّ أيوبَ الأنصاريَّةِ؛ حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثني عُبَيدُ الله بنُ أبي يزيد، قال: أخبرني أبي، أن أُمَّ أيوبَ الأنصاريَّةَ أخبرته قالت: نزَل علينا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، فتكلَّفْنا له طعامًا فيه بعضُ هذه البُقول، فكَرِهَه، وقال لأصحابِه: "إني لستُ كأحَدٍ منكم، فإنِّي أكرَهُ أن أوذيَ صاحبي" . قال الحُميديُّ: قال سفيانُ: ورأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- في النوم، فقلتُ: يا رسولَ الله، هذا الحديثُ الذي تُحدِّثُ به أُمُّ أيوبَ عنك: "أن الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدَمَ" ؟ قال: حقٌّ.
-
ومثلُ هذا حديثُ مالكٍ، عن ابنِ شِهاب، عن سليمانَ بنِ يسَارٍ، قال: كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لا يأكلُ الثُّومَ ولا الكُرَّاثَ ولا البصلَ؛ مِن أجلِ أن الملائكةَ تأتيه، ومِن أجلِ أنّه يُكلِّمُ جبريلَ عليه السلام. رواه عبدُ الله بنُ يوسفَ، والقعنَبِيُّ، وطائِفَةٌ عن مالكٍ في "الموطَّأ" هكذا (٢) .
-
ورواه محمدُ بنُ إسحاقَ البكريُّ، عن يحيى بنِ يحيى النَّيسابوريِّ، عن (٣) مالكٍ، أنّه قرَأ عليه: عنِ ابنِ شِهَاب، عن أنسِ بنِ مالكٍ، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-
ج ٤ ص ٣٨٥كان لا يأكُلُ الثُّومَ ولا الكُراثَ ولا البصلَ؛ مِن أجلِ أن الملائكةَ تأتيه، وأنَّه يُكلِّمُ جبريلَ عليه السَّلامُ (١) . قال الدَّارَقُطنيُّ (٢) : هذا مما انْفَرَدَ به محمدُ بنُ إسحاقَ البكريُّ بهذا الإسنَادِ، وهو ضعيفٌ، وما جاءَ به وهْمٌ؛ لأنّه في "الموطَّأ" عن الزُّهريِّ، عن سُليمانَ بنِ يسَارٍ مُرسَلٌ.
-
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال (٣) : أنبأنا إسحاقُ بنُ منصور، قال: أنبأنا يحيى، عن ابنِ جُرَيْج، قال: حدَّثنا عطاءٌ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أكَل مِن هذه الشَّجرةِ - قال أوَّلَ يوم: " الثُّوم "، ثم قال: " الثُّوم والبَصَلِ والكُرَّاثِ "- فلا يقرَبْنَا في مساجِدِنا؛ فإن الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منهُ الإنسُ" .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا شَيبانُ بنُ فَرُّوخَ، قال: حدَّثنا أبو الهلال، قال: حدَّثنا
ج ٤ ص ٣٨٦حُميْدُ بنُ هلالٍ، عن أبي بُردَةَ، عن المغِيرَة بنِ شُعَبةَ، قال: أكلتُ ثُومًا، فأتَيتُ مُصلَّى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وقد سُبِقْتُ برَكْعَةٍ، فلما دخَلتُ المسجدَ وجَد رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ريحَ الثُّوم، فلما قضَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صلاتَه قال: "مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ فلا يقربنَّا حتى يذهَبَ ريحُها" . فلما قضَيْتُ الصلاةَ جِئْتُ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلتُ: يا رسولَ الله، والله لتُعطينِّي يَدَكَ. قال: فأدْخَلتُ يَدَه في كُمِّ قَمِيصي إلى صدري، فإذا أنا مَعْصُوبُ الصَّدْرِ. فقال: "إنَّ لك عُذْرًا" .
قال أبو داودَ (١) : وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا الجراحُ أبو وكيع، عن أبي إسحاقَ، عن شَريكِ بنِ حنبَلٍ، عن عليٍّ، قال: نهَى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكْلِ الثُّوم إلّا مطبُوخًا.
- ج ٤ ص ٣٨٧
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدٌ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ وبكر، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو وكيع، عن أبي إسحاقَ، عن شَريكِ بنِ حنبل، عن عليٍّ. فذكره.
قال أبو عمر: ففي هذه الأحاديثِ أوضَحُ الدلَّائلِ على أن أكلَ الثُّوم ليس به بأْسٌ، وأنه مُباح، وقد أكله جماعَةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، وأجاز أكْلَه جمهورُ علماءِ المسلمين.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، أن أباه أخبره، قال: أنبأنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: أنبأنا الحسَنُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي صدقةً -وقد ذكره أيوبُ، عن محمدٍ- أنَّ ابنَ عمرَ سُئِل عن الثُّوم والبصلِ، فقال: اذهبوا واقطَعوا عنكم ريحَها بالنُّضْج (١) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ حسابٍ، قال:
ج ٤ ص ٣٨٨حدَّثنا حمّادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، أن ابنَ عمرَ أصابَه بُهْرٌ (١) زَمَنَ أذْرَبِيجَانَ، فنُعِتَ له الثُّومُ، فكُنَّا نَنْظِمُه فنجعَلُه في حسَاءٍ له (٢) .