فصل أحاديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة
٩٧ فقرة، ج ٥ ص ٥
الصفحة ٢ من ٣
- ج ٥ ص ٢٥
وهذا حديثٌ لا يوجَدُ عندَ أحدٍ من أصحابِ الزهريِّ إلّا سفيانَ بنَ حسينٍ، وهو عندَهم فيما ينفرِدُ به لا تقومُ به حجةٌ.
-
وقد روَى معمرٌ، عن همَّامِ بن منبهٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنّه قال: "النّارُ جُبَارٌ" (١) . وقال يحيى بنُ معين: أصلُه: "البيرُ جُبَارٌ" . ولكنَّه صحَّفه معمرٌ (٢) .
قال أبو عمرَ: في قولِ ابنِ معينٍ هذا نظرٌ، ولا يُسلَّمُ له حتى يتَّضِحَ.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ الحدّادُ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ الحارثِ الواسطيُّ، قال: أخبرنا جعفرُ بنُ عبد الواحد، قال: قال لنا ابنُ عُقبةَ بن عبدِ الغافر: أخبَرنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "النّارُ جُبَارٌ، والبئرُ جُبَار، والمعدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" (٤) .
- ج ٥ ص ٢٦
وقد كان الشعبيُّ رحمه الله يُفْتي بأن الرِّجْلَ جُبَارٌ. رواه أبو فَرْوةَ، والشيبانيُّ، عن الشعبيِّ (١) .
قال أبو عُمر: لا أعلم خلافًا عن مالك وأصحابه وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام أن من أوقف دابته في موضع ليس له أن يُوقِفَها فيه، ولا يجوزُ له ذلك؛ من طريق ضَيِّقٍ، أو غير ذلك ممّا ليس له أن يفعَلَه، فجَنَت جِنايةً، أنّه ضامِنُها، وإن أوْقَفها في موضِعٍ يعرفُ الناسُ مثلَه؛ تُوقَفُ فيه الدَّوابُّ، أو يُوقَفُ فيه مثلُ دابَّتِه (٢) . قال ابنُ حبيبٍ: نحوَ دارِ نفسِه، أو بابِ المسجدِ، أو دارِ العالِم أو القاضي، أو ما أشبَهَ ذلك فلا ضَمانَ عليه فيما جَنَتْ، وكذلك إذا أرسَلها في موضعٍ ليس له أن يُرسِلَها فيه، ضَمِن ما جَنَتْ.
-
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "والبِئرُ جُبَارٌ" . فمعناه أنَّه لا ضمانَ على ربِّ البئرِ وحافِرِها إذا سقَط فيها إنسانٌ، أو دابّةٌ، أو غيرُ ذلك، فتَلِفَ وعَطِبَ، هذا إذا كان حافِرُ البئرِ قد حفَرها في موضعٍ يجوزُ له أن يحفِرَها فيه، مثلَ أن يَحفِرَها في فِنائِه، أو في مِلْكِه، أو في دارِه، أو في صَحراءَ للماشية، أو في طريقٍ واسعٍ مُحتَمِلٍ، ونحوِ ذلك. وهذا كلُّه قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وداودَ، وأصحابِهم، وقولُ الليثِ بنِ سعدٍ (٣) . قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ: للإنسانِ أن يحفِرَ في الطريقِ بئرًا يُحدِثُها للمطرِ، وله أن يَحفِرَ إلى جَنبِ حائطِه مِرْحاضًا، وله أن يُحدِثَ في دارِه ميزَابًا، ولا يَضمَنُ ما عَطِب بشيءٍ من ذلك. قال: وما حفَره
ج ٥ ص ٢٧في الطريقِ ممَّا لا يجوزُ له؛ لضيقِ الطريقِ، أو لغيرِ ذلك، ضَمِنَ ما عَطِبَ به. وقال ابنُ القاسم أيضًا عن مالك: إن حفَر في دارِه بئرًا لسارِقٍ يرصُدُه ليَقَعَ فيه، أو وضَع له حِبالاتٍ، أو شيئًا يَتْلَفُ به السَّارِقُ، فدخَلَ، فعَطِبَ، فهو ضامِنٌ (١) .
قال أبو عُمر: وجهُ قولِه هذا أنَّه لم يِحفِرِ البئرَ لمنفَعَتِه، وإنَّما حفَرها قاصِدًا ليَعْطَبَ بها غيرُه، فهو الجاني حينئذٍ، واللهُ أعلمُ. وأمّا الشافعيُّ، فلا ضمانَ عليه عندَه في هذا فيما علِمتُ. وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: له أن يُحدِثَ في الطريق ما لا يَضُرُّ به. قالوا: وهو ضامِنٌ لما أصابَه (٢) .
قال أبو عُمر: قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "والبئرُ جُبَارٌ" يدفعُ الضَّمانَ عن رَبِّها في كلِّ ما سقَط فيها بغيرِ صَنيعِ آدَميٍّ. واللهُ أعلمُ.
-
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "والمعدِنُ جُبَارٌ" . فتأويلُه أنَّ المعادِنَ المطلوبَ فيها الذَّهبُ والفِضةُ تحتَ الأرض، إذا سقَطَ شيءٌ منها وانهار على أحَدٍ من العاملين فيها، فمات، أنَّه هدْرٌ لا دِيَةَ له في بيتِ المالِ ولا غيرِه، وكذلك مَن سقَطَ فيها فعَطِبَ بعدَ حَفرِها (٣) .
-
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "وفي الرِّكازِ الخمسُ" ، فإنَّ العلماءَ اختلَفوا في الرِّكازِ وفي حُكمِه؛ فقال مالكٌ: الرِّكازُ في أرضِ العربِ للواجدِ، وفيه الخُمُسُ. قال: وما وُجِد من ذلك في أرضِ الصُّلْح، فإنَّه لأهلِ تلك البلاد، ولا شيءَ للواجدِ فيه. قال: وما وُجِد في أرضِ العَنْوَةِ، فهو للجماعةِ الذين افتتَحُوها، وليس من أصابَه
ج ٥ ص ٢٨دونَهم، ويُؤخَذُ خُمُسُه (١) . قال ابنُ القاسم: كان مالكٌ يقولُ - في العُروض، والجَوْهَر، والحديد، والرَّصاص، ونحوِه، يُوجَدُ رِكازًا - إنَّ فيه الخُمُسَ. ثم رجَع، فقال: لا أرَى فيه شيئًا. ثم آخِرُ ما فارَقَناه عليه أن قال: فيه الخمُسُ (٢) . وقال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: كلُّ ما وجَدَه المسلمون في خِرَبِ الجاهليّةِ من أرضِ العربِ التي يَفتَتِحُها المسلمون؛ من أموالِ الجاهليّةِ، ظاهرةً أو مدفُونةً في الأرض، فهو الرِّكازُ، ويجرِي مجَرَى الغنائم، يكونُ من وجَدَه أربعةُ أخماسٍ، ويكونُ سبيلُ خُمُسِه سبيلَ خُمُسِ الغنائم، يَجتهِدُ فيه الإمامُ على ما يَرَاه من صَرفِه في الوجُوهِ التي ذكَر اللهُ من مَصالح المسلمين. قال: وإنَّما حُكِم للرِّكازِ بحُكم الغنيمةِ؛ لأنّه مالُ كافرٍ وجَدَه مسلمٌ، فأُنزِل منزلةَ من قاتَلَه وأخَذ مالَه؛ فإنَّ له أربعةَ أخماسِه. وقال الثوريُّ في الرِّكازِ يوجَدُ في الدار: إنَّه للواجِدِ دونَ صاحبِ الدّارِ، وفيه الخُمُسُ (٣) . وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: الرِّكازُ من الذهبِ والفضةِ وغيرهما ممّا كان من دِفْنِ الجاهليّةِ، أو البَدْرَة، أو القطعَة، يكونُ تحتَ الأرض، فتوجَدُ بلا مُؤْنة، فهو ركازٌ (٤) ، وفيه الخُمُسُ (٥) . وقولُ الطبريِّ كقولهم سواءً. وقال أبو حنيفةَ ومحمد في الرِّكاز يوجَدُ في الدار: إنّه لصاحِبِ الدار دونَ الواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. وقال أبو يوسفَ: هو للواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. وإن وُجِد في فَلاةٍ، فهو للواجِدِ في قولهم جميعًا، وفيه الخُمُسُ. ولا فرقَ عندَهم بين أرضِ الصُّلح وأرضِ العَنْوَة، وسواءٌ عندَهم أرضُ العربِ وغيرُها،
ج ٥ ص ٢٩وجائزٌ عندَهم لواجِدِه أن يَحبِسَ الخُمُسَ لنفسِه إذا كان محتاجًا، وله أن يُعطِيَه للمساكين (١) .
قال أبو عُمر: وجهُ هذا عندي من قولهم: إنَّه أحَدُ المساكين، وإنَّه لا يُمكِنُ السلطانَ إن صرَفَه عليهم أن يَعُمَّهم به.
وقال الشافعيُّ: الرِّكازُ: دِفْنُ الجاهلية؛ العُروضُ وغيرُها، وفيه الخُمُسُ، وسواءٌ وجَده في أرضِ عَنْوةٍ أو صُلح، بعدَ ألّا يكونَ في مِلْكِ أحدٍ، فإن وجَده في مِلكِ غيرِه، فهو له إن ادَّعاه، وفيه الخُمُسُ، وإن لم يَدَّعِه فهو للواجِدِ، وفيه الخُمُسُ. قال: وإن أصابَ شيئًا من ذلك في أرضِ الحربِ أو منازلهم، فهو غَنيمَةٌ له وللجيش، وإنَّما يكونُ للواجِدِ ما لا يَملِكُه العَدُوُّ ممّا لا يوجَدُ إلّا في الفَيافي (٢) .
قال أبو عُمر: أصلُ الرِّكازِ في اللُّغة: ما ارتَكَز بالأرضِ من الذَّهبِ والفضَّة وسائرِ الجواهر (٣) ، وهو عندَ الفقهاء أيضًا كذلك؛ لأنَّهم يقولون في النَّدْرة (٤) التي تُوجَدُ في المعدِن مُرْتَكِزَةً بالأرض، لا تُنالُ بعَمَلٍ ولا بسَعْي ولا نَصَب: ففيها الخُمُسُ؛ لأنّها رِكازٌ. ودَفْنُ الجاهليّةِ لأموالِهم عندَ جماعَةِ العلماء: رِكازٌ، لا يختلِفون فيه، إذا كان دَفنُه قبلَ الإسلام من الأمورِ العاديّة، وأمّا ما كان مِن ضربِ الإسلام، فحُكمُه عندَهم حكمُ اللُّقَطَة، لأنّه مِلْكُ مسلم، لا خِلافَ بينَهم في ذلك، فقِفْ على هذا الأصل (٥) .
- ج ٥ ص ٣٠
وقد اسْتَدلَّ بعضُ أصحابِنا وغيرُهم من هذا الحديث بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "والمعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُس" على أنَّ الحُكْمَ في زكاةِ المعادِنِ غيرُ الحُكْمِ في الرِّكاز؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - قد فصَلَ بينَ المعادِنِ والرِّكاز بالواو الفاصلة، ولو كان المعدِنُ والرِّكازُ حُكْمُهما سواءً لقال - صلى الله عليه وسلم -: والمَعدِنُ جُبَارٌ، وفيه الخُمُسُ. فلمّا قال: "العَجماءُ جَرْحُها جُبَارٌ، والبئرُ جُبَارٌ، والمعدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" ، عُلِم أنَّ حُكمَ الرِّكازِ غيرُ حُكم المعدِنِ فيما وُجِد منه (١) ، والله أعلمُ. وقد استدَلَّ قومٌ بما ذكَرنا، وفي ذلك عندي نَظَرٌ.
-
وقد اختَلَف الفقهاءُ فيما يؤخَذُ من المعادن؛ فقال أبو حنيفة وأصحابُه: فيما خرَج من المعادنِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ والحديدِ والنُّحاسِ والرَّصاص الخُمُسُ (٢) ، وما كان في المعدِنِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ بعدَ إخراج الخُمُسِ اعتَبر كلُّ واحدٍ فيما حصَل بيَدِه ما يجبُ فيه الزكاةُ، فزكَّاه لتمامِ الحولِ إن أتَى عليه - وهو نِصَابٌ عندَه - الحولُ، هذا إذا لم يكن معه ذهبٌ أو فضَّةٌ وجَبَت فيه الزكاةُ، وإن كان عندَه من ذلك ما تجِبُ فيه الزكاةُ، ضَمَّه إلى ذلك وزَكَّاه. وكذلك عندَهم كلُّ فائدَةٍ تُضَمُّ في الحولِ إلى النِّصابِ من جنسِها، وتُزَكَّى بحولِ الأصل، وهو قولُ الثوريِّ. قالوا: وكلُّ ما ارتَكَز بالأرضِ من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرهما من الجواهر، فهو رِكازٌ وفيه الخُمُسُ، في قليلِه وكثيرِه (٣) ، على ظاهِرِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" . وقال الأوزاعيُّ: في ذَهَبِ المعدِنِ وفِضَّتِه الخُمُسُ، ولا شيءَ - فيما يَخْرُجُ منه (٤) -
ج ٥ ص ٣١غيرُهما (١) . وقال مالكٌ وأصحابُه: لا شيءَ فيما يخرُجُ من المعادنِ من ذهبٍ أو فَضَّةٍ حتى يكونَ عشرين مثقالًا ذهبًا، أو خَمْسَ أواقيَّ فِضَّةً، وإذا بلَغَتا هذا المقدارَ وجَب فيهما الزكاةُ، وما زاد فبحسابِ ذلك، ما دام في المعدِنِ نَيْلٌ، فإن انقَطَع، ثم جاء بعدَ ذلك نَيْل آخَرُ، فإنَّه يُبتَدَأُ فيه مقدارُ (٢) الزكاة مكانَه. والمعدِنُ عندَهم بمنزلةِ الزرع تؤخَذُ منه الزكاةُ في حينِه، ولا يُنتَظَرُ به حولٌ. فإن انقطَع عمَلُه ولم يَكمُلْ فيما خرَج بذلك العملِ نِصابٌ، ثم ابتَدَأ العملَ، لم يَضُمَّ ما خرَج إلى ما حَصَل بالعمل الأوّل، كزَرع ابتُدِئَ حصادُه. قال: وإن وُجِد الذَّهبُ والفِضَّةُ في المعدِنِ من غير كبيرِ عملٍ؛ كالبَدْر وشِبهِها، فهو بمنزلةِ الرِّكاز، وفيه الخُمُسُ. قال مالكٌ: وما وُجِد في المعدِنِ بغيرِ عَمل، فهو رِكازٌ، فيه الخُمُسُ. وقد مضى ذِكرُ زكاةِ المعدِنِ خاصّة، في باب ربيعة. وهذا كلُّه تحصيلُ مذهبِ مالكٍ عندَ جماعة أصحابه (٣) .
-
وروى ابنُ سُحنونٍ، عن أبيه، عن ابن نافع، عن مالكٍ في النَّدْرة تخرُجُ من المعدِن، أنَّ فيها الزكاةَ، وإنَّما الخُمُسُ في الرِّكاز، وهو دِفْنُ الجاهليّة (٤) . قال مالكٌ: ولا شيءَ فيما يخرُجُ من المعادِنِ من غير الذهبِ والفِضَّة والمعادِنِ في أرضِ العربِ والعجم (٥) . وقال في المعدِنِ في أرضِ الصُّلْح: إذا ظهَر فيها فهو لأهلِها، ولهم أن يَمنَعوا الناسَ من العملِ فيها، وأن يأذَنُوا لهم، ولهم ما يُصالَحون عليه من خُمُس أو غيره. قال مالكٌ: وما فُتِح عَنْوَةً فهو إلى السلطان، يفعَلُ فيه
ج ٥ ص ٣٢ما يشاء (١) . وقال سُحنونٌ في رجل له معادن: إنَّه لا يضُمُّ ما في واحدٍ منها إلى غيرها، ولا يُزَكِّي إلّا عن مئتي درهم أو عشرين دينارًا في كلِّ واحدٍ (٢) . وقال محمدُ بنُ مسلمةَ: يَضُمُّ بعضَها إلى بعض، ويُزكِّي الجميعَ، كالزرع. وذكَر المزنيُّ، عن الشافعيِّ، قال: وأمّا الذي أنا واقفٌ فيه، فما يخرُجُ من المعادن (٣) . قال المزنيُّ: الأولى به على أصلِه أن يكونَ ما يخرُجُ من المعدِنِ فائدَةً تُزكَّى لحولِه بعد إخراجِه. قال: وقال الشافعيُّ: ليس في شيءٍ أخرَجته المعادنُ زكاةٌ غيرَ الذهبِ والوَرِق (٤) . وقال عنه الربيعُ في "البُوَيْطِيِّ" : ومَن أصاب من مَعدِنٍ ذهبًا أو وَرِقًا، فقد قيل: هو كالفائدةِ يَستَقبِلُ بها الحولَ. وقيل: إذا بلَغ ما تجبُ فيه الزكاةُ زكَّاه مكانَه (٥) . وقال الليثُ بنُ سعدٍ: ما يخرُجُ من المعادِنِ من الذَّهبِ والفِضَّةِ، فهو بمنزِلَة الفائدةِ، يُستأنفُ به حولٌ، ولا تَجري فيه الزكاةُ إلّا مع مُرورِ الحول، وهو قولُ الشافعيِّ فيما حصَّلَه المزنيُّ من مذهبِه (٦) ، وقولُ داودَ وأصحابه (٧) . قال داودُ: وما خرَج من المعادِنِ فليس برِكازٍ، إنَّما الرِّكازُ دِفْنُ الجاهليّة، وفيه الخمُسُ لغيرِ الواجِدِ، وما يخرُجُ من المعادنِ فهو فائدةٌ، إذا حال عليها الحولُ عند مالكٍ صحيحِ المِلْك، وجَبَتْ فيها الزكاةُ في الفِضَّةِ والذَّهب على مِقدارَيْهما. وحُجَّةُ مالكٍ في إيجابِه الزكاةَ في المعادنِ حديثُ ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن (٨) ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقطَعَ
ج ٥ ص ٣٣بلالَ بنَ الحارث المزنيَّ المعادنَ القَبَليَّة، فتلك المعادنُ لا يؤخَذُ منها إلى اليوم إلّا الزكاةُ. وهذا حديثٌ مُنقَطِعُ الإسنادِ لا يَحتَجُّ بمثلِه أهلُ الحديث، ولكنّه عملٌ يُعمَلُ به عندَهم في المدينة. واحتجَّ الشافعيُّ بحديثِ عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعطى قومًا من المُؤلَّفة قلوبُهم ذَهَبَةً في تُربتها، بعَثَها عليٌّ منَ اليمن. قال: والمُؤلَّفةُ إنَّما حقُّهم في الزكوات، فتبيَّن بهذا أنَّ المعادنَ سُنتُها سنةُ الزكاة (١) .
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن عبدِ الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدِ الخدريِّ، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ بعَث بذَهَبَةٍ في تُربتِها إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقسَمها بينَ أربعةِ نفَر؛ الأقرَع بن حابسٍ الحنظليِّ، وعيينةَ بنِ بَدْرٍ الفَزاريِّ، وعلقمةَ بنِ عُلاثةَ العامريِّ، ثم أحَدِ بني كلابٍ، وزيدٍ الطائيِّ أحَدِ بني نبهان (٢) .
-
وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن عُمارةَ بنِ القَعْقاع، عن ابنِ أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: بعَث عليٌّ من اليمنِ إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بذَهَبَةٍ في أديم مَقْرُوظٍ ولم تُحصَّلْ من تُربَتِها، فقسَمها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ
ج ٥ ص ٣٤أربعةِ نَفَرٍ، بينَ زيدِ الخير، والأقرع بن حابسٍ، وعيينةَ بنِ حِصْنٍ، وابنِ عُلاثةَ أو عامرِ بن الطُّفَيل (١) . وذكرَ الحديث (٢) .
وقال الطَّحاويُّ (٣) : قد أعطَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هؤلاء من غَنائِم حُنَيْنٍ؛ وهم المؤلفةُ. قال: وعَلَى أن عليًّا لم يكنْ على الصدقة؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكنْ يستعمِلُ على الصدقةِ أحدًا من بني هاشِم.
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (٤) : حدَّثنا سفيانُ، قال: سمِعناه من داودَ بنِ
ج ٥ ص ٣٥شابُورَ ويعقوبَ بنِ عطاءٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في كنزٍ وجَدَه رجلٌ -: "إن كنتَ وجَدْته في قريةٍ مسكونةٍ، أو في سبيلٍ مِيتاءٍ (١) ، فعَرِّفْه، وإن كُنتَ وجَدْته في قريةٍ جاهليةٍ، أو في قريةٍ غيرِ مسكونةٍ، أو في غيرِ سبيلِ مِيتاءٍ، ففيه وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" .
-
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أبو يحيى بن أبي مسرة، قال: حدَّثنا مُطرِّفٌ، قال: حدَّثنا مالكُ بنِ أنس (٢) ، عن ابن شِهاب، عن سعيد بن المُسيِّب وأبي سَلَمة، عن أبي هريرة، أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "في الركاز الخُمُس" .
- ج ٥ ص ٣٦
حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن سعيد وأبي سَلَمة مرسَلٌ يتّصلُ من وجوهٍ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ بينَهم، فلا شُفْعَةَ فيه.
-
هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكٍ أكثرُ الرواة لـ "الموطّأ" (٢) وغيرِه مرسلًا، إلّا عبدَ الملكِ بنَ عبدِ العزيز الماجِشون، وأبا عاصم النبيلَ، ويحيى بنَ إبراهيمَ بن داودَ بن أبي قُتَيْلَة المدنيَّ (٣) ، وأبا يوسفَ القاضيَ، وسعيدًا الزنْبريَّ، فإنَّهم روَوه عن مالكٍ بهذا الإسنادِ متصلًا عن أبي هريرة مسندًا. واختُلِف فيه عن ابنِ وَهْبٍ، عن مالكٍ؛ فرُوِي عنه مرسلًا (٤) كما في "الموطّأ" ، ورُوِي عنه مسندًا
ج ٥ ص ٣٧كروايَةِ ابنِ الماجشونِ ومن تابَعَه. وكذلك اختُلِف فيه عن مُطَرِّفٍ، عن مالكٍ سواءً. ورواه عبدُ الله بنُ محمدِ بن ربيعةَ القُدَاميُّ (١) ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة. ولم يذكُرْ أبا سلمةَ، والقُدَاميُّ ضعيفٌ منكرُ الحديث.
-
فأمّا روايةُ ابنِ الماجِشون لهذا الحديث، فأخبرنا خلفُ بنُ قاسم الحافظ وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَن بن عُتبةَ الرازيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر محمدُ بنُ أصبغَ بن مُلَيْح المراديُّ، قال: حدَّثنا أبو الربيع سليمانُ بنُ داودَ بن حمادٍ المَهرِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز الماجِشون، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ. زاد ابنُ قاسم: فيه (٢) .
-
وذكَره أبو الحسنِ عليُّ بنُ عمرَ الحافظ (٣) ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النيسابوريُّ (٤) ، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ عبد الله بنِ الحكم وإسماعيلُ بنُ إسحاقَ بن سهل. قال عليٌّ:
ج ٥ ص ٣٨وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورِ بن راشدٍ المَرْوَزِيُّ. قال عليٌّ: وحدَّثنا أبو عليٍّ إسماعيلُ بنُ محمدٍ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ المَهْريُّ، قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبيبٍ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بنُ داودَ ابنُ أخي رِشدينٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الرحيم البَرْقيُّ، قالوا كلُّهم: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبدِ العزيز الماجِشونُ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَم، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ فيه.
-
وحدَّثني عبدُ الله بنُ محمدِ بن يوسفَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ بنِ بَادِي العلّاف، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ وسعيد بن المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَم، فإذا وقعتِ الحدودُ، فلا شفعةَ" .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ الحافظ، قال: حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ الله بن عبد الحَكَم، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز، عن مالكٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَره (١) .
-
وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ محمدٍ العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ البصريُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع سليمانُ ابنُ أخي رِشدينِ بنِ سعدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملك بنُ عبد العزيز الماجِشون، قال: حدَّثنا مالكٌ. فذكَر بإسنادِه مثلَه.
- ج ٥ ص ٣٩
وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَجَّاج. وحدَّثنا خَلَفٌ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ الخَضِر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ (١) ، قالا: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز الماجِشُونُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مثلَه سواءً.
-
وأمّا روايةُ أبي عاصم، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله المدينيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضحاكُ بنُ مخلدٍ الشيبانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّبِ وأبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ" (٢) . قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: قال عليُّ بنُ المَدينيِّ: قلتُ لأبي عاصم: من أين سمِعتَ هذا من مالكٍ - يعني حديثَ الشُّفْعَة - مسندًا؟ فقال: سَمِعتُ منه بمنًى أيّامَ أبي جعفر.
وقال عليُّ بنُ عمر: حدَّثنا عثمانُ بنُ أحمدَ وأبو سهلِ بنُ زيادٍ وأبو بكرٍ الشافعيُّ، قالوا حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ نصرٍ، قالوا
ج ٥ ص ٤٠لأبي عاصم: إنَّ الناسَ يُخالِفونَكَ في مالكٍ، في حديثِ الشُّفْعَة؛ فلا يذكُرونَ فيه أبا هريرة؟ فقال أبو عاصم: هاتُوا مَن سمِعه من مالكٍ في الوقتِ الذي سمِعتُه أنا فيه، إنَّما كان قدِم علينا أبو جعفرٍ مكةَ، فاجتمَع الناسُ إليه، وسألوه أن يأمُرَ مالكًا أن يُحدِّثَهم فأمَره، فسمِعتُه من مالكٍ في ذلك الوقت (١) . قال عليُّ بنُ نصرٍ: وهذا في حياةِ ابنِ جُريج؛ لأنَّ أبا عاصم خرَج من مكةَ إلى البصرةِ حين مات ابنُ جريج، ولم يعُدْ، وقد كان أبو عاصم يتهيَّبُ إسنادَ هذا الحديث حتى بلَغَته روايةُ ابنِ إسحاقَ له عن الزهريِّ، فرجَع إلى الحديث به.
قال إسماعيلُ: حدَّثناه عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ إدريسَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ" (٢) .
-
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ ويزيدُ بنُ سنانٍ، قالا: حدَّثنا أبو عاصم، عن مالكٍ، عن ابن شهاب، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ فلا شُفْعةَ (٣) . زاد يزيدُ بنُ سنانٍ: قال أبو عاصم: ثم لقيتُ مالكًا
ج ٥ ص ٤١بعدَ ثلاثِ سنينَ فحدَّثناه، فلم يذكُرْ أبا سلمةَ، ولم يذكُرْ أبا هريرةَ، وجعَله عن سعيدٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
وأخبرنا محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ الحافظُ، قال: حدَّثنا أبو بكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد بن زيادٍ النيسابوريُّ (١) ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ سنانٍ، وبكارُ بنُ قتيبةَ، وأبو أُميةَ محمدُ بنُ إبراهيمَ بن مسلم، ومحمدُ بنُ إسحاقَ الصاغانيُّ، قالوا: حدَّثنا أبو عاصم النبيلُ الضحاكُ بن مخلدٍ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم تَقَعِ الحدودُ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة.
-
ورواه أبو قلابةَ الرَّقاشيُّ (٢) ، وعباسٌ الدُّوريُّ (٣) ، ومحمدُ بنُ العوّام الزِّياديُّ، ومحمدُ بنُ سنانٍ القَزّاز (٤) ، كلُّهم عن أبي عاصم بإسنادِه ومعناه. ولفظُ أبي قلابةَ: قَضَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَمْ، فإذا حُدَّتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ (٥) ، فلا شُفْعَة.
-
ورواه إبراهيمُ بنُ هانئ، عن أبي عاصم، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مسندًا.
قال عليُّ بنُ عُمر: وحدَّثنا أبو عليٍّ الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ، قال: سمِعتُ أبا جعفرٍ الدارميَّ أحمدَ بنَ سعيدٍ، قال: قال أبو عاصم: هكذا
ج ٥ ص ٤٢حدَّثنا به مالكٌ سنةَ ستٍّ وأربعين. كأنَّه يقولُ: عن سعيدٍ مرسَلٌ، وعن أبي سلمةَ، عن أبي هريرة (١) .
-
وأمّا روايةُ يحيى بن أبي قُتيلَةَ، فحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو بكر عبيدُ الله بنُ محمدٍ العُمرِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثني أبو إبراهيمَ يحيى بنُ أبي قُتيلةَ المدنيُّ، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة" (٢) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بنُ فَتْح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسن الرازيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عُبيدُ الله بنُ محمدِ بن عبدِ العزيزِ العُمرِيُّ القاضي إملاءً، قال: حدَّثنا أبو إبراهيمَ يحيى بنُ أبي قُتيلةَ المدنيُّ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. فذكَره.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ وأحمدُ بنُ الحسن بنِ إسحاقَ، قالا: حدَّثنا عبيدُ الله بنُ محمدٍ العُمرِيّ، قال: حدَّثنا أبو إبراهيمَ يحيى بنُ أبي قُتيلةَ المدنيُّ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة" .
- ج ٥ ص ٤٣
وأخبرنا محمدٌ (١) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمر، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي قُتيلةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة" (٢) .
-
وأمّا روايةُ ابنِ وَهْبٍ على الاتصال، فحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وأحمدُ بنُ فَتْح، قالا: حدَّثنا أبو أحمدَ عبدُ الله بنُ محمدِ بن ناصح المُفَسِّرُ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ الرحمن بنُ إسماعيلَ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة (٣) .
-
وقد ذكَر الطحاويُّ، أنَّ قُتيبةَ المَهْرِيَّ رواه عن مالكٍ كما رواه ابنُ الماجِشون وأبو عاصم، واللهُ أعلم.
- ج ٥ ص ٤٤
وذكَره الدارقطنيُّ من روايةِ أبي يوسفَ القاضي، ومطرِّفِ بنِ عبدِ الله المدنيِّ، وابنِ وَهْبٍ، وسعيدِ بن داودَ الزَّنْبَرِيِّ، بالأسانيدِ عنهم، عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
قال أبو عُمر: وأما سائرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ غيرَ مالكٍ، فإنهم اختلفوا فيه عليه أيضًا؛ فرواه عنه محمدُ بنُ إسحاقَ كما ذكرنا، عن سعيدٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لم يذكُر أبا سلمةَ (١) .
-
ورواه ابنُ وَهْب، عن يونُسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب مرسلًا، لم يذكُرْ أبا سلمة، وجعله مرسلًا عن سعيدٍ.
-
ورواه ابنُ جُريج، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ، أو عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، أو عنهما جميعًا، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُسِمَتِ الأرضُ أو حُدَّتْ، فلا شُفْعَة" . هكذا ذكَرَه محمدُ بنُ يحيى، عن حسنِ بن الرَّبيع، عن ابنِ إدريسَ، عن ابنِ جُريج (٢) . ولم يروِه عبدُ الرَّزَّاق عن ابنِ جريج.
-
ورواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، قال: إنَّما جعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمْ، فإذا وقَعتِ الحدودُ، وصُرِّفَتِ الطرقُ، فلا شُفْعَة. لم يذكُرْ سعيدًا، وجعَله عن جابرٍ. هكذا رواه عبدُ الرَّزَّاق (٣) ، ومحمدُ بنُ ثورٍ، وهشامُ بنُ يوسفَ (٤) ، عن مَعْمر (٥) .
-
أخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمونِ البَجَليُّ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرْعَة، قال: قال لي أحمدُ بنُ حنبل: روايةُ معمرٍ، عن الزُّهريِّ، في حديث
ج ٥ ص ٤٥الشُّفْعَةِ حسنةٌ. قال: وقال لي يحيى بنُ معين: روايةُ مالكٍ أحبُّ إليَّ وأصحُّ في نفسي مرسَلًا عن سعيدٍ وأبي سلمةَ (١) .
قال أبو عُمر: كان ابنُ شهابٍ رحمه الله أكثرَ الناس بحثًا على هذا الشَّأن، فكان رُبَّما اجتَمَع له في الحديث جماعة، فحدَّث به مرّةً عنهم، ومرّةً عن أحدِهم، ومرّةً عن بعضِهم، على قدرِ نشاطِه في حين حديثِه، وربما أدخَل حديثَ بعضِهم في حديثِ بعض، كما صنَع في حديث الإفكِ (٢) وغيرِه، وربَّما لحِقه الكسلُ فلم يُسنِدْه، وربَّما انشرَح فوصَل وأسنَدَ، على حسَبِ ما تأتي به المذاكرةُ؛ فلهذا اختَلَف أصحابُه عليه اختلافًا كبيرًا في أحاديثه، ويُبيِّنُ لكَ ما قُلنا روايتُه لحديث ذي اليَدَيْن (٣) ؛ رواه عنه جماعةٌ، فمرّةً يذكُرُ فيه واحدًا، ومرّةً اثنَيْن، ومرّةً جماعةً، ومرّةً جماعةً غيرَها، ومرّةً يصلُ، ومرّةً يَقطَعُ. وحديثُه هذا في الشُّفْعَةِ حديث صحيحٌ معروفٌ عندَ أهل العلم، مستعمَلٌ عندَ جميعِهم، لا أعلَمُ بينَهم في ذلك اختلافًا، كلُّ فرقةٍ من علماءِ الأُمَّة يُوجِبونَ الشُّفْعَةَ للشَّريكِ في المُشاع من الأصول الثابتة التي يُمكِنُ فيها صرفُ الحدود، وتطريقُ الطرق (٤) . وأوجَبت طائفةٌ الشُّفْعةَ للجارِ المُلاصِق (٥) ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أبي رافع: "الجارُ أحقُّ بصَقَبِه" .
- ج ٥ ص ٤٦
وهو حديثٌ يرويه ابنُ ميسرةَ، عن عمرِو بن الشَّريدِ، عن أبي رافعٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) . وهذا لفظٌ مُشكِلٌ ليس فيه تصريحٌ بالشُّفْعَةِ، والصَّقَبُ: القربُ. وهو حديثٌ قد اختُلِف في إسنادِه وفي معناه، ولم يثبُتْ فيه شيءٌ.
-
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ. وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى القَفْصيُّ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الرحمن - قال أحمدُ بنُ صالح: هو حجازيٌّ ثقةٌ، وهو أبو يعلى بنُ كعبٍ - قال: سمِعتُ عمرَو بنَ الشَّريدِ يحدِّثُ عن الشَّريد، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المرءُ أحقُّ بصَقَبِه" (٢) . قلتُ
ج ٥ ص ٤٧لعمرٍو: وما صَقَبُه؟ قال: الشُّفْعَةُ. قلتُ: من الناس من يقول: الجِوارُ. قال: إنَّ الناسَ ليقولون ذلك.