فصل أحاديث ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة
٩٧ فقرة، ج ٥ ص ٥
الصفحة ٣ من ٣
- ج ٥ ص ٤٧
أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال (٢) : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، عن ابن جُريج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: إنَّما جعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الشُّفْعَةَ في كلِّ شِرْكٍ، رَبْعَةٍ أو حائطٍ. وذكَر الحديث (٣) .
قال (٤) : وحدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بن فارس، قال: حدَّثنا حسنُ بنُ الرَّبيع، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن ابنِ جُريج، عن ابنِ شهاب، عن أبي سلمةَ، أو عن سعيدِ بن المُسيِّب، أو عنهما جميعًا، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعَةَ فيها" (٥) .
-
وأوجَب آخرونَ الشُّفْعَةَ بالطريق إذا كان طريقُهما واحدًا (٦) ؛ لحديثٍ يروونَه عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قال: "الجارُ أحقُّ بشفعَتِه، يُنتظَرُ بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقًا واحدًا" .
- ج ٥ ص ٤٨
وهذا الحديثُ يرويه عبدُ الملك بنُ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الجارُ أحقُّ بشفعةِ جارِه، يُنتظَرُ بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدةً" .
-
حدَّثناه عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال (٢) : حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملك، عن عطاءٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله. فذكَره (٣) .
- ج ٥ ص ٤٩
وَيَحتمِلُ أن يكونَ الجارُ المذكورُ في هذا الحديثِ هو الشَّريكَ في المُشاع، والعربُ قد تُسَمِّي الشريكَ جارًا، والزوجةَ جارةً. وإذا حُمِلَ على هذا لم تتعارَضِ الأحاديثُ، على أنِّي أقولُ: إنَّ حديثَ عبدِ الملكِ هذا في ذكرِ الطريق، قد أنكَره يحيى القطانُ وغيرُه، وقالوا: لو جاء بآخَرَ مثلِه تُرِك حديثُه. وليس عبدُ الملك هذا ممّا يُعارَضُ به أبو سلمةَ وأبو الزُّبير، وفيما ذكَرنا من روايتِهما عن جابرٍ ما يدفَعُ روايةَ عبدِ الملك هذه، وإيجابُ الشُّفْعَةِ إيجابُ حُكم، والحكمُ إنَّما يجبُ بدليلٍ لا مُعارضَ له، وليس في الشُّفْعَةِ أصلٌ لا اعتراضَ فيه ولا خلافَ إلّا في الشريكِ المُشاع، فقِفْ عليه. وفي قولِ جابرِ بنِ عبدِ الله: إنَّما جعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الشُّفْعَةَ
ج ٥ ص ٥٠في كلِّ شِركٍ؛ رَبْعٍ أو حائط، ما ينفي الشُّفْعَةَ في غير المُشاع من العَقار. وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعَة" ما ينفي شُفْعَةَ الجار، وبالله التوفيق.
-
وقد أوجَب قومٌ الشُّفْعَةَ في كلِّ شيءٍ من الحيوانِ أو غيرِه، وسائرِ المُشاعِ من الأصول وغيرِها، وهي طائفةٌ من المكيِّين، وروَوا في ذلك حديثًا من أحاديثِ الشيوخ التي لا أصلَ لها، ولا يُلتَفَتُ إليها، لضعفِها ونكارتِها (١) . وأبى أكثرُ فقهاءِ الحجازِ من الشُّفْعَةِ في شيءٍ من ذلك كلِّه، إلّا أن يكونَ أصلًا مُشاعًا يحتمِلُ القسمةَ، وتصلُحُ فيه الحدودُ؛ لحديث ابنِ شهابٍ هذا، لأنَّه ينفي الشُّفْعَةَ في كلِّ مقسومٍ، بقوله: "فإذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعَة" . وهو مذهبُ عمرَ، وعثمانَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيز.
-
وذكَر عبدُ الرزاق (٢) ، عن ابنِ جُريج، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطاب قال: إذا قُسِمَتِ الأرضُ، وحُدَّتْ، فلا شُفْعةَ فيها.
ج ٥ ص ٥١قال (١) : وأخبرنا مالكٌ، عن محمدِ بنِ عُمارةَ، عن أبي بكرٍ بن حزمٍ، أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ، قال: إذا وقَعتِ الحدودُ، فلا شُفْعةَ فيها.
قال (٢) : وأخبَرنا معمرٌ والثوريُّ، عن إبراهيمَ بن ميسرةَ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيز، قال: إذا ضُرِبَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ فيها.
قال (٣) : وأخبرنا ابنُ عُيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةَ، قال: قلتُ لطاوس: إنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز كَتَب: إذا ضُرِبَتِ الحدودُ، فلا شُفْعَةَ. قال طاوسٌ: الجارُ أحقُّ.
قال أبو عُمر: إذا لم تَجبِ الشُّفْعَةُ للشريكِ إذا قسَم وضرَب الحدودَ، كان الجارُ الملاصِقُ - لم يقسِمْ ولا ضرَب الحدودَ - أبعدَ من أنْ يجِبَ ذلك له. فالشُّفْعَةُ واجبةٌ بهذا الحديث في كلِّ أصلٍ مُشاعٍ؛ من رَبْعٍ، أو أرضٍ، أو نخلٍ، أو شجرٍ تمُكِنُ فيه القسمةُ والحدودُ. وهذا - في الشريكِ في المشاعِ دونَ غيرِه - إجماعٌ من العلماء (٤) . وفي قضاءِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالشُّفْعَةِ في المشاعِ بعدَ تمام البيع دليلٌ على جوازِ بيع المشاع وإن لم يَتعيَّنْ! إذا عُلِمَ السهمُ والجزءُ. والدليلُ على صحةِ تمام البيع في المُشَاعِ أنَّ العهدةَ إنَّما تجبُ على المبتاع، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشُّفْعَةُ فيما لم يُقْسَمْ" دليلٌ على أنَّ ما لا يُقسمُ ولا يُضرَبُ فيه حدودٌ، لا شُفْعَةَ فيه، وهذا ينفي الشُّفْعَةَ أيضًا في الحيوانِ وغيرِه ممّا لا يُقسَمُ، ويُوجِبُها في الأصل الثابتِ في الأرض المُشاع دونَ ما عَدَاه.
- ج ٥ ص ٥٢
فإن قيل: إنَّ الأحاديثَ الموجبةَ للشفعةِ للجارِ وغيرِه، فيها زيادةُ حكم على حديثِ ابن شهابٍ هذا، فيجِبُ المصيرُ إليها. قيل له: قد عارَضَها حديثُ ابنِ شهابٍ؛ لأنَّه ينفي الشُّفْعَةَ بقولِه: "الشُّفْعَةُ في كلِّ شِركٍ لم يُقْسَمْ" . فأوجَب الشُّفْعَة في المشاع، وأبطَلها في المقسوم. وإذا حصلتِ الآثارُ في هذا الباب متعارضةً متدافعةً، سقَطت عندَ النَّظَر، ووجَب الرجوعُ إلى الأصول، وأصولُ السُّنَنِ كلِّها والكتابُ يشهَدُ أنَّه لا يحِلُّ إخراجُ مِلْكٍ من يدٍ قد ملَكَتْه ملكًا صحيحًا إلّا بحجةٍ لا معارِضَ لها، والمشتَري شراءً صحيحًا قد ملَك ملكًا تامًّا، فكيف يُؤخَذُ مالُه بغيرِ طيبِ نفسٍ منه دونَ حُجَّةٍ قاطعةٍ يجبُ التسليمُ لها؟
-
وهذا الذي احتجَجْنا له، كلُّه قولُ مالكٍ، وأهلِ المدينة، والشافعيِّ وأصحابِه، وعامّة أهلِ الأثر (١) ، إلّا أنَّ أصحابَ مالكٍ اختلَفوا في الشُّفْعَةِ في الثمرةِ إذا بِيعَتْ حِصَّةٌ منها دونَ الأصل، فأوجَب الشُّفْعَةَ للشَّريك فيها ابنُ وَهْبٍ، وابنُ القاسم، وأشهبُ، وروَوْه عن مالكٍ. وقال المغيرةُ، وعبدُ الملكِ بنُ الماجشون، وابنُ أبي حازم، وابنُ دينار: لا شُفْعَةَ فيها. وروَوْه عن مالكٍ أيضًا (٢) ، وهو قولُ أكثرِ أهلِ المدينة، وهو مذهبُ الشافعيِّ (٣) ، وأحمدَ بن حنبل (٤) ، وداودَ بن عليٍّ (٥) ، وأهل النظرِ والأثر، وهو الصحيحُ عندي، وبالله التوفيق.
-
وقد حكَى ابنُ القاسم، عن مالك، أنَّه قال: ما أعلَمُ أحدًا قبلي أوجَب الشُّفْعَةَ في الثمرة (٦) . وحسبُكَ بهذا. ولا خلافَ عن مالكٍ وأصحابه أنَّهم لا
ج ٥ ص ٥٣يُوجِبُون الشُّفْعَةَ في الثمرة إذا بِيعَتْ مع الأصلِ واشترَطها مشتريها. وهو قولُ جمهور الفقهاء؛ لأنَّها تَبَعٌ للأصل، فكأنَّها شيءٌ منه إذا بِيعَتْ معه. وقد أبطَل ابنُ القاسم الشُّفْعَةَ في الأرض دونَ الرَّحَى (١) ، وخالَفه أشهبُ، وابنُ وَهْبٍ، فأوجَبا الشُّفْعَةَ في الرَّحى مع الأرض، ومعلومٌ أنَّ الرَّحى معَ أرضِها أثبتُ وأشبهُ بالأصول التي ورَدتِ الشُّفْعَةُ في مثلِها من الثمرةِ المبيعةِ دونَ أصلِها، ومن الثمرةِ المبيعةِ معَ الأصل التي لا تدخُلُ في الصَّفْقَةِ إلّا باشتراطٍ، كسائرِ العروض المُبايِنة. وبقولِ أشهبَ وابنِ وَهْبٍ يقولُ سُحنونٌ في الشُّفْعَةِ في الرَّحَى (٢) . واختلَف قولُ مالكٍ وأصحابِه في الشُّفْعَةِ في الحَمّام فأوجَبها بعضُهم، ونفاها بعضُهم (٣) . وكذلك اختلَف أصحابُ مالكٍ أيضًا في الشُّفْعَةِ في الكِرَاء (٤) ، وفي المُساقاةِ، واختَلفَ في ذلك قولُ مالكٍ أيضًا، وحديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المذكورُ في هذا الباب ينفي الشُّفْعَةَ في كلِّ ما لا يقعُ فيه الحدودُ من المُشاع، والقولُ به نجاةٌ لمن اتَّبَعَه، وبالله التوفيقُ والرشادُ.
وقال محمدُ بنُ عبدِ الحكم: لا شُفْعَةَ إلّا في الأرَضينَ والنخلِ والشجرِ، ولا شُفْعَةَ في ثمرةٍ، ولا كتابةِ مُكاتَبٍ، ولا في دَينٍ، وإنَّما الشُّفْعَةُ في الأصولِ والأرَضينَ خاصةً. وهو قولُ الشافعيِّ، وجمهورِ العلماء (٥) ، وقد قال مالكٌ: لا شُفْعَةَ في عينٍ إلّا أن يكونَ لها بياضٌ، ولا في بئرٍ، ولا في عَرَصةِ دارٍ، ولا فَحْلِ نخلٍ (٦) . وقال محمدُ بنُ عبد الحكم: الشُّفْعَةُ في ذلك؛ لأنَّه من الأصول.
ج ٥ ص ٥٤قال أبو عُمر: هذه الأشياءُ عندَ مَن أوجَب الشُّفْعَةَ فيها، من جنس الأُصولِ التي قُصِدَتْ بإيجابِ الشُّفْعَةِ فيها. قال: وجرَى ذكرُ الحدودِ في ذلك؛ لأنّه الأغلبُ فيها، وما لا تأخُذُه الحدودُ منها فتبعٌ لها، حكمُه حكمُها. ومَن لم يُوجِبِ الشُّفْعَةَ في البئرِ والعينِ التي قد قُسِمَ البياضُ الذي يُسْقَى منها، ثم نبعتِ العينُ بعدَ ذلك، وفي فحلِ النخلِ، فمن حُجَّتِه أن ذلك ليس ممّا تأخذُهُ الحدودُ. إلا أنَّه يدخُلُ على قائل هذه المقالةِ تناقضٌ في إيجابِه الشُّفْعَةَ في الثمرةِ والكراء، وتناقُضٌ آخر في نفي الشُّفْعَةِ عن عَرَصةِ الدار. ولهذه المسائل وُجوهٌ يدخُلُ عليها الاعتراضاتُ يطولُ الكتابُ بذكرِها.
-
واختلَف أصحابُ مالكٍ أيضًا في الرجلِ يبيعُ دينًا له على رجلٍ؛ هل يكونُ المِدْيانُ أحقَّ به أم لا (١) ؟ ورُوِيَتْ بإجازةِ ذلك آثارٌ عن بعض السَّلف من أهلِ المدينة، أنَّ الذي عليه الدَّينُ أحقُّ به (٢) . وهذا عندي ليس من باب الشُّفْعَةِ في شيءٍ، وإنَّما هو من باب: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٣) . وإن كان المشتري كالبائع في حسن التقاضي والبعدِ من الأذَى والجَوْر، فلا قولَ للمدينِ في ذلك. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وهو الصحيحُ في النظر، وذكرُ الشُّفْعَة في الدَّين مجازٌ؛ لأنَّه محالٌ أنْ تجِبَ الشُّفْعَةُ فيما لا يُقسَمُ من الأصولِ الثابتةِ عندَ جمهورِ علماءِ المسلمينَ، والأصلُ في هذا الباب حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ، وهو ينفي الشُّفْعَةَ في كلِّ ما لا يجوزُ فيه القسمةُ بضربِ الحدودِ من
ج ٥ ص ٥٥الأصول، وما كان في معنَى ما يُضرَبُ فيه الحدودُ من الأصول، واللهُ أعلمُ.
-
وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ الشُّفْعَة تجِبُ لكلِّ شَريكٍ في مُشاعٍ من الأصول.
-
واختلَف أصحابُ مالكٍ في دخولِ العَصَبات على أصحابِ السهامِ في الشُّفْعَةِ، مثلَ رجلٍ تُوفِّي وترَك بناتٍ وعصبةً، فباعت إحدى البناتِ حصَّتَها من الرَّبْع الموروثِ، فالمشهورُ من مذهبِ مالكٍ، وابنِ القاسم، أنَّ الشُّفْعَةَ تجبُ في نصيبِها من ذلك لأخواتِها دونَ العَصَباتِ، ولا يدخُلُ العَصَبةُ على أهلِ السهام في شُفْعَتِهم بينَهم. ولو باع أحدُ العصبةِ حصتَه من ذلك، دخَل البناتُ مع مَن بَقِيَ من العصبةِ في الشُّفْعَة. وقال أشهبُ: لا يدخُلُ هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. وقال المغيرةُ وابنُ دينار: يدخُلُ هؤلاء على هؤلاء. وهو قولُ الشافعيِّ (١) ؛ لأنَّ العلةَ في ذلك الشَّرِكةُ ودخولُ الضَّرَرِ في الأغلب، وليس للقرابةِ في ذلك معنًى عندَهم. ومسائلُ الشُّفْعَة وفروعُها كثيرةٌ جدًّا، لا يصلُحُ بنا إيرادُها في هذا الكتاب، واللهُ الموفقُ للصواب، لا شريكَ له.
- ج ٥ ص ٥٦
حديثٌ رابعٌ لابن شهاب، عن سعيدٍ وأبي سَلَمةَ مرسَلٌ يتّصلُ من وجوه وقد ذكَرْناهما فيما سَلَفَ من هذا الكتاب
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بن عبدِ الرحمنِ مثلَ ذلك.
-
يعني: مثلَ روايةِ ابن شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ سليمانَ بن أبي حَثْمةَ، في حديثِ ذي اليدين (٢) . وسنذكُرُ حديثَه عن أبي بكرٍ بن سليمانَ بن أبي حَثْمةَ في بابه من هذا الكتاب، ونذكرُ هناك من رواتِه وطُرُقِه عن ابنِ شهابٍ خاصةً ما حضَرنا، ولم يُسنِدْ هذا الحديثَ، فيما علِمْتُ، أحدٌ من الرواةِ عن مالكٍ (٣) إلا عبدَ الحميدِ بنَ سليمانَ أخا فُلَيْح بن سليمانَ؛ فإنَّه رواه عن مالكٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
حدَّثناه محمدُ بنُ عَمْرُوسٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ بن أحمدَ الحافظ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الشافعيُّ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ إبراهيمَ، وأبو محمدٍ الحسنُ بنُ أحمدَ بن صالح، قالا: حدَّثنا جعفرُ بنُ أحمدَ بن مروانَ الوزَّانُ بحَلَبَ، والحسينُ بنُ عبدِ الله بنِ يزيدَ القطَّانُ بالرَّقَّة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بن سابورَ، قال:
ج ٥ ص ٥٧حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ أخو فليح، عن مالكِ بن أنسٍ، عن الزُّهريِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى إحدَى صلاتي النَّهار، فسلَّمَ في ركعَتَيْن، قال له ذو اليَدَيْن: يا رسولَ الله، أقَصرَتِ الصلاةُ أم نسيتَ؟ فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ ذلك لم يكنْ" ، قال: "أصَدَقَ ذو اليَدَينِ؟ " قالوا: نَعَمْ. فتقَدَّم فصَلَّى بهم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم سجَد بعدَ التسليم وهو جالسٌ. قال أبو الحسن (١) : تفَرَّدَ به عبدُ الحميدِ بنُ سليمانَ، عن مالكٍ مسندًا.
-
ورواه أصحابُ "الموطّأ" عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن سعيدٍ، وأبي سلمةَ، وأبي بكرٍ بن سليمانَ بن أبي حثمةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لم يذكُروا أبا هريرة.
قال أبو عُمر: وأمّا معاني حديثِ ذي اليدين فقد تقدَّم ذكرُها مُستوعَبةً مُستَقْصاةً - والحمدُ لله - في باب أيوبَ السَّختياني فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا.