ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١
الصفحة ١ من ٢١
- ج ٥ ص ٣٠١
قال أبو عُمر: هو عُروةُ (١) بنُ الزُّبير بنِ العوّام بن خُوَيْلد بنِ أسَدِ بن عبدِ العُزّى بنِ قُصَيّ، القرشيُّ الأَسَديُّ، قد ذكَرْنا نسَبَ أبيه في "الصَّحابةِ" (٢) . أمُّه: أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق، يُكْنى أبا عبد الله.
-
وكان أحدَ العشَرة الفقهاءِ من تابعي أهل المدينة، وهم: سعيد، وأبو سَلَمة، وعُروةُ، والقاسم، وسالم، وأبو بكر، وعُبيدُ الله، وسُليمان، وخارِجةُ، وقَبِيصة. وكان عُروةُ أحفظَهم كلِّهم، وأغزرَهُم حديثًا. رُويَ عنه أنه قال: أدركتُ حصارَ عثمانَ بنَ عفّانَ. وكان يومَ الجَمَل ابنَ ثلاثَ عشْرةَ سنةً، ووُلد سنةَ ستٍّ وعشرينَ من الهجرةِ.
قال مُصعَبٌ الزُّبَيريُّ (٣) : بُشِّر عبدُ الله بنُ الزُّبير بأخيه عُروةَ بنِ الزُّبير مَقْدَمَه من إفريقيّة، وذلك سنةَ ستٍّ وعشرين (٤) .
-
واستُصغِرَ حين خَرَجوا يومَ الجَمَل، فرُدَّ من الطّريقِ هو وأبو بكر بنُ عبد الرَّحمن (٥) .
-
ومات عروةُ سنةَ أربع أو خمس وتسعين وهو ابنُ تسع وستينَ سنة. وقيل:
ج ٥ ص ٣٠٢بل (١) مات عُروةُ سنةَ إحدى ومئة. حَكَى هذه الجملةَ الواقديُّ، ومُصعَبٌ، ويحيى بنُ معين (٢) .
-
ذَكَر الحُلْواني قال: حدثنا أبو أسامة (٣) ، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: استُصغرنا يومَ الجمل، فرُددت أنا وأبو بكر بنُ عبد الرحمن بنِ الحارث بنِ هشام.
قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب (٤) ، عن يونسَ، عن ابنِ شهاب، قال: وجدتُ عروةَ بنَ الزُّبير بحرًا لا تُكدِّرُه الدِّلاءُ.
قال: وحدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح (٥) ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: قلتُ ليحيى بنِ
ج ٥ ص ٣٠٣سعيدٍ: إنّ ابنَ شهابٍ قال: وجدتُ عروةَ بحرًا لا تُكدِّرُه الدِّلاءُ. فقال يحيى: أمّا أعلمُهم بالسُّنن وأقضيةِ عمرَ بنِ الخطابِ فابنُ المسيِّبِ، وأما أكثرُهم حديثًا فعُروةُ بنُ الزُّبير.
قال: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدثنا حمّادُ بنُ زيد، عن أيوبَ، قال: تزوَّج عروةُ، فأرادُوه على أن يُفطِرَ، فأبى، وكان يسرُدُ الصَّومَ (١) ، فأرادُوه على الخَلُوق، فأبى، فلمّا نام خلَّقوه وهو نائمٌ. قال أيوبُ: وكان عروة إذا دخل أرضَه، قال: ما شاء اللهُ، لا قوَّةَ إلا بالله.
-
وروينا أنَّ عُروة قدم على الوليد بن عبد الملك في الشام، فأصابتْهُ الأكِلَةُ (٢) في رِجْله، فقطَعَها وهو (٣) عند الوليد، ولم يتحرَّكْ، ولا نَطَق، ولم يشْعُر الوليد بها حين قطعت، حتى كُوِيَت، فوَجَد رائحةَ الكَيِّ، وبقيَ بعد ذلك ثمانيَ سنينَ (٤) . واحتفر بالمدينة بئرًا يُقال لها: بئر عروة، ليس بالمدينة بئر أعذبَ منها (٥) .
-
وذكر عباس (٦) ، عن ابنِ معين، قال: حدَّثني الأصمعيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن الزُّهري، قال: سألت ابن صُعَير عن شيء من الفقه - وكنت أتعلم منه النَّسَب - فقال: ألك بذا حاجةٌ؟ عليك بهذا الشَّيخ. وأشار إلى سعيد بن المسيِّب، فجالسْتُه سبعَ سنينَ، لا أحسَبُ أنّ عالمًا غيرُه، ثم تحوَّلت إلى عروةَ بنِ الزُّبير، ففجَّرتُ به بحرًا.
- ج ٥ ص ٣٠٤
وروينا عن ابن شهاب أيضًا أنه قال: كنت أطلبُ العلمَ من ثلاثةٍ: سعيدِ بنِ المسيِّبِ، وكان أفقَهَ الناسِ، وعروةَ بنَ الزُّبيرِ، وكان بحرًا لا تُكدِّره الدِّلاءُ، وكنتَ لا تشاءُ أن تجد عند عُبيدِ الله طريقةً من عِلْمٍ لا تجدُها عند غيرِه إلا وجدْتَها (١) .
-
وذكر ابنُ بُكير، عن الليثِ بنِ سعدٍ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، قال: قلتُ لعِراكِ بنِ مالكٍ: مَنْ أفقَهُ أهلِ المدينةِ؟ فقال: أمّا أفقَهُهم فقهًا، وأعلَمُهم بقضايا رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقضايا أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، وأعلمُهم بما مضى عليه الناسُ، فسعيدُ بنُ المسيِّب، وأمّا أغزرُهم حديثًا فعروةُ، ولا تشاءُ أن تُفجِّر من عُبيد الله بحرًا إلا فجَّرتَهُ (٢) .
-
وحدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المُفسِّر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليٍّ، قال: حدثنا القَواريريُّ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ الماجِشُون، قال: حدَّثنا ابنُ شهاب، قال: كنتُ إذا حدَّثني عروةُ، ثم حدَّثَتْني عَمرةُ، زاد ذلك عندي تصديقًا حديثُ عروةَ بحديثِ عمرةَ، فلما تبحرتهما إذا عروة بحر لا يُنْزَف (٣) .
-
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدثنا ابنُ المفسِّر (٤) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
ج ٥ ص ٣٠٥عليّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى (١) ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني يحيى بن أيوبَ، عن هشام بنِ عروةَ، قال: كان أبي يقول: سَلُوني إذا خلَوْتُ. وكان يعجَبُ من حفظي، والله ما تعلَّمنا منه جزءًا من ألفَي جزءٍ من حديثِه. قال هشامٌ: وما سمعتُ أحدًا من أهل الأهواء يذكُر أبي إلا بخيرٍ (٢) .
قال أبو عُمر: خرج عروةُ منَ المدينة، وترك سكْناها، فعُوتِبَ في ذلك، فذكَر ما ذكرناهُ عنه في كتاب "بيان العلم" (٣) .
قال الواقديُّ: توفي عُروةُ في أمواله بِمَجاج (٤) بناحية الفُرْع (٥) ، ودُفن هناك. وقال غيرُه: توفي بقصرِه بالعَقيق.
وقال عبدُ الله بن نُمير: توفي عليُّ بنُ الحسين، وسعيدُ بنُ المسيِّب وأبو بكر بنُ عبدِ الرحمن وعروةُ بنُ الزُّبير سنةَ أربعٍ وتسعينَ. قال الواقديُّ: فكان يقال: سَنةُ الفُقهاء (٦) .
-
وكان عالمًا، عابدًا، يسرد الصوم، حافظًا، حريصًا على نشر العلم.
- ج ٥ ص ٣٠٦
حديثُ أوَّلُ لابنِ شِهابٍ، عن عُرْوة
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ: أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا، فدخَلَ عليه عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، فأخبرَه أنّ المُغِيرةَ بنَ شُعبة أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا وهو بالكوفةِ، فدخلَ عليه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ (٢) ، فقال: ما هذا يا مغيرةُ؟ أليسَ قد علِمتَ أنَّ جِبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ صلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم صلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم صلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم صلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: بِهذا أُمِرتَ؟ فقال عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: اعلَمْ ما تُحدِّثُ به يا عُروَةُ، أو إنَّ جبريلَ هو الذي أقَام لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وقتَ الصلاةِ؟ قال عروةُ: كذلك كان بَشيرُ بنُ أبي مسعودٍ الأنصاريُّ يُحدِّثُ عن أبيه.
قال عُروةُ: ولقد حدَّثتْني عائشةُ زوجُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلِّي العصرَ والشمسُ في حُجرَتِها قبلَ أنْ تظهَرَ (٣) .
-
هكذا رَوى هذا الحديثَ عن مالكٍ جماعَةُ الرُّواةِ عنه فيما بَلَغني (٤) . وظاهِرُ
ج ٥ ص ٣٠٧مَساقِه في روايةِ مالكٍ يَدُلُّ على الانقطاع؛ لقولِه: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ أخَّرَ الصلاةَ يومًا، فدخَل عليه عُروةُ. ولم يَذكُرْ فيه سَماعًا لابنِ شِهابٍ مِن عُروةَ، ولا سَماعًا لعروةَ مِن بَشِيرِ بنِ أبي مسعودٍ. وهذه اللَّفظةُ - أعني "إنَّ" - عندَ جماعَةٍ مِن أهلِ العلم بالحديثِ محمولةٌ على الانقطاعِ، حتى يتبيَّنَ السَّماعُ واللِّقاءُ. ومنهم مَن لا يلتَفِتُ إليها، ويَحمِلُ الأمرَ على المعروفِ من مُجالسةِ بعضِهِم بعضًا، ومشاهدةِ (١) بعضِهِم لبعضٍ، وأخذِهم بعضِهِم عن بعضٍ، فإن (٢) كان ذلك معْروفًا لم يَسألْ عن هذه اللَّفظةِ، وكانَ الحديثُ عندَه على الاتصالِ. وهذا يُشبِهُ أنْ يكونَ مذهبَ مالكٍ؛ لأنَّه في "مُوَطَّئِه" لا يُفرِّقُ بينَ شيءٍ من ذلك.
-
وهذا الحديثُ مُتَّصِلٌ عندَ أهلِ العلمِ، مسندٌ صحيحٌ، لوجوهٍ:
منها: أنَّ مُجالسةَ بعضِ المذكورين فيه لبعضٍ معلومةٌ مشهُورةٌ.
-
ومنها: أنَّ هذه القصةَ قد صحَّ شهودُ ابنِ شِهابٍ لما جَرَى فيها بينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وعُروةَ بنِ الزبيرِ بالمدينة، وذلك في أيَّام إمارةِ عمرَ عليها لعبدِ الملكِ وابنِه الوليدِ. وهذا محفوظٌ مِن روايةِ الثقاتِ لهذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ. ونحنُ نذكرُ الرِّواياتِ في ذلك عن ابنِ شهابٍ؛ ليَبِينَ لك ما ذكَرنا، ثم نذكرُ الآثارَ في إمامةِ جبريلَ؛ ليُستَدَلَّ على المرادِ من معنى الحديثِ، فإنَّ العلمَ يُفسِّرُ بعضُه بعضًا، ويَفتحُ بعضُه بعضًا، ثم نَقصِدُ للقَولِ فيما يوجبُه الحديث على ذلك من المعاني، وباللّه العونُ لا شريكَ له.
-
تُوفِّيَ عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ بنِ مَرْوانَ بنِ الحكم رحِمه اللهُ سنةَ إحدَى ومئةٍ، في رجَبٍ، لخَمسِ ليالٍ بَقِينَ منه، بِحِمصَ، ودُفنَ بِدَيرِ سِمْعانَ (٣) من حِمصَ،
ج ٥ ص ٣٠٨وهو يومَ ماتَ ابنُ تسع وثلاثينَ سنةً وثلاثةِ أشهرٍ. وكانت خلافتهُ سنتينِ وخمسةَ أشهرٍ وأربعةَ أيّام (١) .
-
وممَّن ذكَر مشاهدةَ ابنِ شهابٍ للقصةِ عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ مع عُروةَ بنِ الزُّبيرِ في هذا الحديثِ من أصحابِ ابنِ شهاب: مَعمرٌ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وشُعيبُ بنُ أبي حمزةَ (٢) ، وابنُ جُريج.
-
فأمَّا روايةُ اللَّيثِ، فحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبَّانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّه كان قاعدًا على منابِرِ عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ في إمارتهِ على المدينةِ، ومعه عُروَةُ بنُ الزُّبيرِ، فأخَّر عمرُ العصرَ شيئًا، فقال له عُروةُ: أمَا إنَّ جبريلَ قد نزلَ فصلَّى أمامَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له عمرُ: اعلَمْ ما تقولُ يا عُروَةُ. فقال: سِمعتُ بشيرَ بنَ أبي مسعودٍ يقولُ: سمِعتُ أبا مسعودٍ يقولُ (٣) : سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "نَزلَ جبريلُ فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه" (٤) . يَحسُبُ بأصَابِعِه خمسَ صلواتٍ (٥) .
- ج ٥ ص ٣٠٩
وأمَّا حديثُ مَعمَرٍ وابنِ جريج عن ابنِ شِهابٍ في ذلك، فحدَّثني خَلَفُ بنُ سعيدٍ قراءةً منِّي عليه، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدِ بنِ يزِيدَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ عبَّادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزاق (١) ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: كنّا معَ عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، فأخَّر صلاةَ العصرِ مرَّةً، فقال له عُروَةُ (٢) : حدَّثني بشيرُ بنُ أبي مسعودٍ الأنصاريُّ، أنَّ المغيرَةَ بنَ شُعبةَ أخَّر الصَّلاةَ مرَّةً - يعني العصرَ - فقال له أبو مسعودٍ: أمَا والله يا مُغيرَةُ، لقد عَلمتَ أنَّ جبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى الناسُ معه، ثم نزلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى الناسُ معه. حتى عدَّ خمسَ صلواتٍ، فقال له عمرُ: انظرْ ما تقولُ يا عروةُ، أو إنَّ جبريلَ هو سَنَّ (٣) وقتَ الصَّلاةِ؟ فقال له عروةُ: كذلك حدَّثني بشيرُ بنُ أبي مسعودٍ. قال: فما زال عمرُ يَعتلِمُ وقتَ الصَّلاةِ بِعلامَةٍ حتى فارَق الدُّنيا.
قال عبدُ الرَّزاقِ (٤) : وأخبرنا ابنُ جُريج، قال: حدَّثني ابنُ شِهابٍ، أنَّه سمِع عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ يسألُ عُروةَ بنَ الزُّبير، فقال عروةُ بنُ الزُّبير (٥) : مَسَّى المغيرةُ بنُ شعبةَ بِصلاةِ العصرِ وهو على الكوفةِ، فدخل عليه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ، فقال له: ما هذا يا مغيرةُ؟ أما والله لقد علمتَ، لقد نزَل جبريلُ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -،
ج ٥ ص ٣١٠فصلَّى الناسُ معَهُ، ثم نَزَلَ فصَلَّى، فصَلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وصَلَّى الناسُ معَهُ حتى عَدَّ خمسَ صلواتٍ فقال لهُ عمرُ: انظر ما تقولُ يا عروةُ (١) ، أو إنَّ جبريلَ هو أقامَ وقتَ الصلاة؟ فقال عروةُ: كذلك كان بشيرُ بنُ أبي مسعودٍ يُحدِّثُ عن أبيه.
-
وبِهذا الإسنادِ عندَنا مُصنَّفُ عبدِ الرَّزاقِ، ولنا - والحمدُ لله - فيه إسنادانِ غيرُ هذا، مذكوران في موضعِهِما (٢) .
-
فقد بان بِما ذكَرنا مِن روايةِ الثقاتِ عن ابنِ شهابٍ لهذا الحديثِ اتصالُه، وسماعُ ابنِ شهابٍ له مِن عروةَ، وسَماعُ عروةَ مِن بشيرٍ. وبانَ بِذلك أيضًا أنَّ الصَّلاةَ التي أخَّرَها عمرُ هي صلاةُ العصرِ، وأنَّ الصَّلاةَ التي أخَّرَها المغيرةُ هي تلك أيضًا.
-
وبانَ بِما ذكَرنا أيضًا أنَّ جبريلَ صلَّى بِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الخمسَ صلواتٍ في أوقاتِهِنَّ، وليس في شيءٍ مِن معنى حديثِ ابنِ شهابٍ هذا ما يدلُّ على أنَّ جبريلَ صلَّى بِرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مرتينِ؛ كلَّ صلاةٍ في وقتين.
-
وظاهرُ حديثِ ابنِ شهابٍ هذا يدلُّكَ على أنَّ ذلك إنَّما كانَ مرَّةً واحدةً لا مرتينِ، وقد رُويَ من غيرِ ما وجهٍ في إمامةِ جبريلَ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه صلَّى به مرَّتينِ كلَّ صلاةٍ من الصلواتِ الخمسِ في وقتينِ، وسنذكرُ الآثارَ المَرْوِية (٣) في ذلك؛ ليَبينَ ما ذَكرنا إن شاءَ اللهُ.
-
وروايةُ ابنِ عُيَينةَ لهذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ، بِمثلِ معنى حديثِ اللَّيثِ ومن ذكَرنَا معه في ذلك (٤) . وفي حديثِ معمَرٍ وابنِ جُريج: أنَّ الناسَ صَلَّوا خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حينَئذٍ، وقد رُويَ ذلك مِن غيرِ حديثهِما، فاللهُ أعلمُ.
- ج ٥ ص ٣١١
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، قال: أخَّر عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ الصلاةَ يومًا، فقال له عروةُ بنُ الزُّبير: إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نزَل جبريلُ - صلى الله عليه وسلم - فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم نزَل فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم نزَل فأمَّني، فصلَّيتُ معه، ثم نزَل فأمَّني، فصلَّيتُ معه" . حتى عدَّ الصَّلواتِ الخمسَ، قال له عمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: اتَّقِ اللهَ يا عروةُ، وانظُرْ ما تقولُ. فقال عروةُ: أخبَرَنِيه بَشيرُ بنُ أبي مسعودٍ، عن أبيه، عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.
-
فهذا يوضِّحُ ما ذكَرنا مِن أنَّه إنَّما صلَّى به الصلواتِ الخمسَ مرَّةً واحدةً، وهو ظاهرُ الحديثِ، إلَّا أنَّ في روايةِ ابنِ أبي ذِئبٍ، وأُسامَةَ بنِ زيدٍ اللَّيثيِّ عن ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ، ما يدلُّ على أنَّه صلَّى به مرتينِ في يومينِ، على نحوِ ما ذكَر غيرُ ابنِ شهابٍ في حديثِ إمامَةِ جبرِيلَ.
-
فأمَّا روايةُ ابنِ أبي ذِئب له، فإنَّ ابنَ أبي ذِئبٍ ذكَره في "مُوطَّئِه" (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّه سمِعَ عروةَ بنَ الزُّبيرِ، يُحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ، عن ابنِ (٣) أبي مسعودٍ الأنصارِيِّ، أنَّ المغيرةَ بنَ شعبةَ أخَّر الصلاةَ، فدخَل عليه أبو مسعودٍ، فقال: ألم تعلمْ أنَّ جبريلَ نزَل على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى، وصلَّى، وصلَّى، وصلَّى، وصلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم صلَّى، ثم قال: هكذا أُمرتَ؟
- ج ٥ ص ٣١٢
أخبرنا بِـ "مُوطَّأ" ابنِ أبي ذِئبٍ " إجازَةً, أبو عُمرَ يُوسُفُ بنُ محمدِ بنِ عَمْرُوسٍ الإستجِيُّ، قال: حدَّثنا أبو الطَّاهرِ محمدُ بنُ جعفرِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ السَّعيديُّ، قال: حدَّثنا أبو زكرِيا يحيى بنُ أيُّوبَ بنِ بادِي العَلَّافُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح المصرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي فُديكٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ المُغيرَةِ بنِ أبي ذئب. فذَكَره.
-
وأمَّا حديثُ أُسامة بنِ زَيدٍ عن ابنِ شهابٍ في ذلك، فأخبرَني عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بنُ سلامةَ المُرَادِيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ اللَّيثيِّ، أنَّ ابنَ شهابٍ أخبره، أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ كان قاعدًا على المنبَرِ، فأخَّرَ العصرَ شيئًا، فقال له عروةُ بنُ الزبيرِ: أمَا إنَّ جبريلَ عليه السلامُ قد أخبرَ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بِوَقتِ الصلاة. فقال له عمرُ: اعلَمْ ما تقولُ. فقال عُروةُ: سَمِعتُ بشيرَ بنَ أبي مسعودٍ يقولُ: سمِعتُ أبا مسعودٍ الأنصاريَّ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "نزَل جبريلُ - صلى الله عليه وسلم - فأخبَرني بِوقتِ الصلاةِ، فَصلَّيتُ معه، ثم صَلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صلَّيتُ معه، ثم صَلَّيتُ معه" - يحسُبُ بأصابعِه (٢) خمسَ صلواتٍ - فرأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهرَ حِينَ تزولُ الشَّمسُ,
ج ٥ ص ٣١٣ورُبَّما أخَّرَها حينَ يشتَدُّ الحرُّ، ورأيتُه يُصلِّي العصرَ والشمسُ مُرتفعةٌ بيضَاءُ قبلَ أن تدخُلَها الصُّفرةُ، فينصَرِفُ (١) الرجلُ من الصلاة فيأتي ذا الحُليفَةِ قبلَ غُروبِ الشمسِ، ويصلِّي المغرِبَ حينَ تَسقُطُ الشمسُ، ويصلِّي العشاءَ حينَ يَسْوَدُّ الأُفُقُ، ورُبَّما أخَّرَها حتى يجتمِعَ الناسُ، وصلَّى الصُّبحَ مَرةً بِغَلَسٍ، ثم صلَّى مرَّةً أُخرَى فأسفَرَ بِها، ثم كانت صَلاتُه بعدَ ذلك التَّغليسَ حتى ماتَ، لم يَعُدْ بعدُ إلى أنْ يُسفِرَ.
قال أبو داودَ (٢) : رَوى هذا الحديثَ عن الزُّهريِّ مَعمَرٌ، ومالِكٌ، وابنُ عُيَينةَ، وشُعيبُ بنُ أبي حَمزَةَ، واللَّيثُ بنُ سَعدٍ, وغيرُهم، لم يَذكُرُوا الوقتَ الذي صلَّى فيه، لم يُفَسِّروه. وكذلك أيضًا رَوَاه هشامُ بنُ عُروةَ، وحَبيبُ بنُ أبي مَرزُوقٍ، عن عُروةَ، نحوَ روايةِ مَعمَرٍ وأصحابِهِ، إلَّا أنَّ حبيبًا لم يذكُرْ بَشيرًا.
قال أبو عُمر: هذا كلامُ أبي داودَ، ولم يَسُقْ في كِتابِهِ روايةَ معمرٍ، ولا مَن ذكَر معه عن ابنِ شِهَابٍ لهذا الحديثِ، وإنَّما ذكرَ روايةَ أُسامَةَ بنِ زَيدٍ هذه عن ابنِ شهاب وحدَها، مِن روايةِ ابنِ وَهْبٍ، ثمَّ أردَفَها بِما ذكَرنا مِن كَلامِه. وصدَق فيما حكَى، إلَّا أنَّ حديثَ أُسامَةَ ليسَ فيه مِنَ البيانِ ما في حديثِ ابنِ أبي ذِئبٍ من تكرِيرِ الصَّلَواتِ الخمسِ مَرَّتينِ مرَّتين. وكذلك روايةُ (٣) مَعمرٍ، ومالكٍ، واللَّيثِ ومَن تابَعهم؛ ظاهِرُها مرةً واحدةً، وليسَ فيها ما يُقطعُ به على أنَّ ذلك كذلك. وقد ذكَرنا روايةَ معمرٍ، وماللث، واللَّيثِ، وغير هم في كتابِنا هذا لِيَقِفَ الناظِرُ فيه على سياقِهِم للحديثِ، واختلافِ ألفاظِهِم فيه، فليسَ الخبرُ كالمُعايَنةِ.
- ج ٥ ص ٣١٤
وقد رَوى اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن يزِيدَ بنِ أبي حبيب، عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ، عن ابنِ شهابٍ هذا الحديثَ، بمثلِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ عن أسامةَ بنِ زَيدٍ سواءً (١) .
وقال محمدُ بنُ يحيَى الذُّهِليُّ: في روايةِ أبي بكرٍ بنِ حَزم (٢) عن عروةَ بنِ الزُّبير ما يُقوِّي روايةَ أُسامَةَ؛ لأنَّ روايةَ أبي بكرٍ بنِ حَزم شَبيهَةٌ بروايةِ أُسامةَ، أنَّه صلَّى الوَقتينِ، وإن كانَ لم يُسنِدْه عنه إلَّا أيُّوبُ بنُ عتبةَ (٣) ، فقد روَى مَعنَاه عنه مرسلًا يحيَى بنُ سعيدٍ وغيرُه من الثِّقاتِ.
قال أبو عُمر: قد رَوى هذا الحديثَ جماعَةٌ عن عروةَ بنِ الزُّبير، منهم هِشامُ بنُ عروةَ، وحبيبُ بنُ أبي مَرزوقٍ، وأبو بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عَمرِو بنِ حزم، وغيرُهم.
-
فأمَّا روايةُ هِشَام بنِ عروةَ عن أبِيه لهذا الحديثِ، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٤) : حدَّثنا
ج ٥ ص ٣١٥سُرَيجُ (١) بنُ النُّعمانِ, قال: حدَّثنا فُليحٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: أخَّرَ عُمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ الصَّلاةَ يومًا، فدَخلتُ عليه، فقلتُ: إنَّ المُغيرةَ بنَ شُعبةَ أخَّرَ الصَّلاةَ يومًا (٢) ، فدَخل عليه أبو مَسعُودٍ. فذكَر الحديثَ، وقال فيه: كذلك سَمِعتُ بشيرَ بنَ أبي مَسعُودٍ يُحدِّثُ عن أبيه. قال: ولقد حدَّثَتني عائِشةُ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلِّي العَصرَ والشمسُ في حُجرَتِها لم تَظْهَرْ.
قال أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٣) : وحدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمَةَ، قال: أخبرَنا هِشامُ بنُ عروةَ، عن أبِيه، أنَّ المُغيرَةَ بنَ شُعبةَ كانَ يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، فقال له رجلٌ من الأنصارِ: أمَا سَمِعتَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "قال جبريلُ: صلِّ صَلاةَ كَذا في سَاعَةِ كَذا" . حتى عدَّ الصَّلواتِ؟ قال: بلى. قال: فأشهدُ أنَّا كُنَّا نُصلِّي العَصرَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - والشَّمسُ بيضاءُ نَقيَّةٌ، ثم نأتي بني عَمرِو بنِ عَوفٍ (٤) وإنَّها لَمُرتفعةٌ، وهي على رأسِ ثُلثَي فَرسَخٍ من المَدِينَةِ.
- ج ٥ ص ٣١٦
وأمَّا روايةُ حَبيبِ بنِ أبي مَرزُوقٍ، فحدَّثناهُ أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا كَثيرُ بنُ هِشام، قال: حدَّثنا جعفرٌ (١) ، قال: حدَّثَني حبيبُ بنُ أبي مَرزُوقٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، قال: حدَّثَني أبو مسعُودٍ، أنَّ جبريلَ نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم نزَلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم نزلَ فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم نزَل فصلَّى، فصلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. حتى أتمَّها خَمسًا، فقال له عُمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ: انظُر يا عروةُ ما تقولُ؛ إنَّ جبريلَ هو الذي وقَّتَ مواقيتَ الصَّلَواتِ؟ قال: كَذلك حدَّثني أبو مَسعودٍ. فبحَث عمرُ عن ذلك حتى وجَد ثَبَتَه (٢) ، فما زالَ عمرُ عندَه علاماتُ السَّاعاتِ ينظُرُ فيها، حتى قُبِضَ رَحِمه اللهُ (٣) .
قال أبو عُمر: قد أحسَن حبيبُ بنُ أبي مَرْزُوقٍ في سِياقَةِ هذا الحديثِ على ما سَاقَه أصحابُ ابنِ شهابٍ في الخَمسِ صَلَواتٍ، لوقتٍ واحدٍ، مرَّةً واحدةً، إلَّا أنَّه قال فيه: عن عُروةَ، حدَّثني أبو مسعودٍ. والحُفَّاظُ يقولونَ: عن عُروةَ، عن بشيرِ بنِ أبي مسعُودٍ، عن أبيه. وبَشيرٌ هذا وُلدَ على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبُوه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ، اسمُه عُقبةُ بنُ عمرٍو، ويُعرَفُ بالبدريِّ لأنَّه كانَ يَسكُنُ بدرًا. واختُلِفَ في شُهودِه بَدرًا. وقد ذكرنَاه في كِتابِنا في "الصَّحابةِ" (٤) بِما يُغني عن ذكرِه هاهُنا.
- ج ٥ ص ٣١٧
وأمَّا روايةُ أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزم، فمِثلُ روايةِ ابنِ أبي ذِئبٍ وأُسامةَ بنِ زَيدٍ عن ابنِ شهابٍ، في أنَّه صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ مرَّتينِ مرَّتينِ لوقتَينِ.
-
وحدِيثُه أبينُ في ذلك وأوضحُ، وفيه ما يُضارعُ (١) قولَ حَبيبِ بنِ أبي مَرزُوقٍ عن عروةَ، عن أبي مَسعُودٍ.
-
حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ. وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثني [أحمدُ بنُ] (٢) إبراهيمَ بنِ جامع السُّكَّرِيُّ، قالا: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزِيزِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ بنُ عُتبةَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ حزم، أنَّ عروةَ بنَ الزُّبير كان يُحدِّثُ عمرَ بنَ عبدِ العزِيزِ وهو يومَئذٍ أميرُ المَدينةِ في زمنِ الحجَّاج والوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ، وكان ذلك زمانًا يُؤخِّرونَ فيه الصَّلاةَ، فحدَّثَ عروةُ عمرَ، قال: حدَّثني أبو مسعُودٍ الأنصاريُّ، أو بشيرُ بنُ أبي مسعُودٍ - قال: كلاهُما قد صَحِبَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - - أنَّ جِبريلَ جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ دَلكَتِ الشَّمسُ - قال أيُّوبُ: فقلتُ: وما دُلُوكُها؟ قال: حينَ زالت - قال: فقال: يا محمَّدُ، صلِّ الظُّهرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم جاءَه حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، فقال: يا محمدُ، صلِّ العصرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ غرَبَتِ الشَّمسُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ المغرِبَ. قال: فصلَّى. قال: ثم جاءَهُ حينَ غابَ الشَّفَقُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ العشاءَ. قال: فصلَّى. ثم أتاه حينَ انشقَّ الفجرُ، فقال: يا محمدُ، صلِّ الصبحَ.
ج ٥ ص ٣١٨قال: فصلَّى، ثم أتاه الغدَ حينَ كان ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، فقال: يا محمدُ، صلِّ الظهرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، فقال: يا محمدُ، صلِّ العصرَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ غَرَبتِ الشمسُ، فقال: يا محمدُ، صَلِّ المغرِبَ. قال: فصلَّى. قال: ثم أتاه حينَ ذهب ساعةٌ من اللَّيلِ، فقال: يا محمدُ، صَلِّ العِشاءَ. قال: فصلَّى. ثم أتاه حينَ أضاءَ الفجرُ وأسفَرَ، فقال: يا محمدُ، صلِّ الصبحَ. قال: فصلَّى. قال: ثم قال: ما بين هذين وقتٌ. يعني أمسِ واليومَ. قال عمرُ لعروةَ: أجبريلُ أتاه؟ قال: نعم (١) .
-
ففي هذا الحديثِ، وفي هذه الرِّوايَةِ عن عُرْوةَ بَيانٌ واضِحٌ أنَّ صَلاةَ جبريلَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حينِ تَعليمِه له الصَّلاةَ في أوَّلِ وقتِ فَرضِها، كانت في يَومَينِ لوَقتَينِ وَقتَينِ لكلِّ صلاةٍ (٢) .
-
وكذلك رواه معمرٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزم، عن أبيه: أنَّ جِبريلَ نزَل فصلَّى. فذكَر مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه مُرسَلٌ (٣) .
- ج ٥ ص ٣١٩
وكذلك رواه الثَّوريُّ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكرٍ ويحيى بنِ سعيدٍ جميعًا، عن أبي بكرٍ بنِ حزم مثلَه سَواءً، أنَّ جبريلَ صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مرَّتَين في يَومينِ لوَقتَينِ (١) .
-
ومراسِلُ مِثْلِ هؤلاء عندَ مالكٍ حُجَّةٌ، وهو خِلافُ ظاهِرِ حديثِ "المُوطَّأ" ، وحديثُ هؤلاء بالصَّوابِ أولَى؛ لأنَّهمْ زادُوا وأوضَحُوا، وفَسَّرُوا ما أجْمَله غيرُهم وأهمَله.