ابن شهاب عن محمد بن عبد الله الهاشمي حديث واحد
٦٩ فقرة، ج ٦ ص ٥
الصفحة ١ من ٢
- ج ٦ ص ٥
وهو محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلِ بنِ الحارثِ بنِ عبد المطَّلبِ بنِ هاشم، معروفُ النَّسبِ.
-
وأمَّا الروايةُ فلا أعرفُه إلا برواية ابنِ شهابٍ عنه، وأبوه عبدُ الله يلقَّب "بَبَّه" مشهورٌ. نزل البصْرةَ وتراضى به أهلُها في الفتنة عند موتِ يزيدَ بنِ معاويةَ فوليَ أمرَهم، وكانت فيه غَفْلةٌ، وأخوه عبدُ الله بنُ عبد الله بنِ الحارث معروفُ النَّسَبِ (٣) عند أهلِ العلم، وأهلِ النَّسبِ، روى عنه ابن شهاب أيضًا، وروى ابنُ شهابٍ، عن عبد الحميدِ بنِ عبد الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّابِ عنه حديثَ الطاعُونِ، من رواية مالكٍ وغيره (٤) ، عن ابن شهاب.
وقال الحسنُ بنُ عليٍّ الحُلْوانيُّ: سمعتُ أحمدَ بنَ صالح قال: روى الزُّهريُّ، عن عُبيد الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارث، وعن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارث، وعن محمَدِ بنِ عبد الله بنِ الحارثِ بنِ نوفلٍ، وهؤلاءِ كلُّهم إخوةٌ (٥) . ولم يسمع من أبيهم عبدِ الله بنِ الحارث شيئًا.
ج ٦ ص ٦وقال محمد بن يحيى الذُّهليُّ: لعبد الله بنِ الحارث بنِ نوفلٍ ثلاثةُ بنينَ: عبدُ الله، وعبيدُ الله، ومحمّدٌ، بنو عبدِ الله بنِ الحارث بن نوفلٍ، وأمّا سعدُ بنُ أبي وقاص والضَّحاكُ بنُ قيسٍ فموضعُ ذِكْرِهما كتابُ الصحابة (١) .
-
مالكٌ (٢) ، عن ابنِ شهابٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نوفلِ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المطَّلبِ أنَّه حدَّثه، أنَّه سَمِع سعدَ بنَ أبي وَقَّاصٍ والضَّحَّاكَ بنَ قيسٍ عامَ حَجَّ معاويةُ بنُ أبي سفيانَ وهما يَذْكُرانِ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فقال الضَّحَّاكُ: لا يَصْنَعُ ذلك إلَّا مَن جَهِل أمْرَ الله. فقال سعدٌ: بِئْسَ ما قلتَ يا ابنَ أخي. فقال الضَّحَّاكُ: فإنَّ عمرَ قد نَهَى عن ذلك. فقال سعدٌ: قد صَنَعها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وصَنَعْناها معه.
-
لم تَختَلِف الرواةُ عن مالِكٍ في إسْنادِ هذا الحديثِ ومَتْنِه بمعنًى واحِدٍ، فيما عَلِمْتُ (٣) ، وكذلك رَواه معمرٌ، عن الزُّهريِّ، بإسْنادِ مالكٍ ومَعْناه، ولم يُقِمْه ابنُ عيينةَ (٤) .
- ج ٦ ص ٧
وروَى هذا الحديثَ الليثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شِهَابٍ، بهذا الإسْنادِ، مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه لم يذْكُر فيه نَهيَ عمرَ عن التَّمَتُّع. وقد ذكرنا في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، اختِلافَ الآثارِ فيما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - به في خاصَّتِه مُحْرِمًا في حَجَّتِه، وذكَرْنا مذاهِبَ العلماءِ في الأفضلِ مِن ذلك، ولا خِلافَ عَلِمْتُه بينَ علماءِ المسلمين في جوازِ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ.
-
وفي هذا الحديثِ ذِكْرُ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجِّ، وذلك عندَ العلماءِ على أربعةِ أوجهٍ؛ منها ما اجْتُمِع على أنَّه تَمَتُّعٌ، ومنها ما اخْتُلِف فيه.
-
فأمَّا الوجهُ المجْتَمَعُ على أنَّه التَّمَتُّعُ المرادُ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: ١٩٦] . فهو الرجلُ يُحْرِمُ بعُمْرَةٍ في أشْهُرِ الحَجِّ؛ وهي شَوَالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذي الحِجَّةِ. وقد قيل: ذو الحِجَّةِ كلُّه. فإذا أحْرَمَ أحدٌ (١) بعمرؤ في أشهرِ الحَجِّ، وكان مَسْكَنُه مِن وراءِ الميقاتِ مِن أهلِ الآفاقِ، ولم يكنْ مِن حاضِري المسجدِ الحرام.
-
وحاضرُو المسجدِ الحرام عندَ مالِكٍ وأصْحابِه هم أهلُ مكَّة وما اتَّصَل بها خاصَّةً (٢) .
-
وعندَ الشافعيِّ وأصحابِه هم مَن لا يَلْزَمُه تَقْصِيرُ الصلاةِ مِن مَوْضِعِه إلى مكةَ، وذلك أقْرَبُ المواقِيتِ (٣) .
- ج ٦ ص ٨
وعندَ أبي حنيفةَ وأصْحابِه هم أهلُ المواقيتِ ومَن وراءَها مِن كلِّ ناحيَةٍ، فمَن كان مِن أهل تلك المواقيتِ، أو مِن أهلِ ما وراءها، فهم مِن حاضري المسجدِ الحرام (١) .
-
وعندَ غيرِ هؤلاء هم أهلُ الحرم.
-
وعلى هذه الأقاوِيلِ الأربعةِ مذاهِبُ السلفِ في تَأويلِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٦] . فمن كان أهلُه من (٢) حاضري المسجدِ الحرامِ فليس له التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ، ولا يكونُ مُتَمَتِّعًا أبدًا. أعْني التَّمَتُّعَ الموجِبَ للهَدْي، ما كان هو وأهلُه كذلك، ومَن لم يكنْ أهْلُه حاضرِي المسجدِ الحرام، فخرَج مِن مَوْضعِه مُحْرمًا بعمرةٍ في أشهرِ الحجِّ، أو أحْرَم بها مِن مِيقاتِه، وقَدِم مكةَ مُحْرِمًا بالعُمْرَة، فطاف لها، وسَعَى، وحَلَّ بها في أشهرِ الحجِّ، ثم أقام حَالًّا (٣) بمكةَ إلى أن أنْشَأ الحجَّ منها في عامِه ذلك قبلَ رُجوعِه إلى بَلَدِه، وقبلَ خُروجِه إلى مِيقاتِ أهلِ ناحِيَتِه، فهو مُتَمَتِّعٌ بالعمرةِ إلى الحجِّ، وعليه ما أوْجبه اللهُ على مَن تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحجِّ؛ وذلك ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْي، يَذْبَحُه لله، ويُعْطِيه المساكينَ بمنًى أو بمكةَ، فإن لم يَجِدِ الهَدْيَ صام ثلاثةَ أيام في الحجِّ وسبعةً إذا رَجَع إلى بلَدِه، والثلاثةُ الأيام في الحجِّ آخِرُها يومُ عرفةَ، فإن صامَها مِن حِينِ يُحرِمُ بحَجِّه إلى يومِ النَّحْرِ فقد أدَّى ما عليه مِن صيام أيَّام الحَجِّ، وإن فاتَه ذلك فليس له صِيامُ يوم النحرِ بإجْماع مِن علماءِ المسلمين، نَقْلًا عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
- ج ٦ ص ٩
واخْتُلِف في صِيامِه أيامَ التَّشْرِيقِ؛ إذ هي مِن أيام الحجِّ، فرَخَّص له خاصةً في ذلك قومٌ، وأبَى مِن ذلك آخرون، وسنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ. فهذا إجْماعٌ مِن أهلِ العِلْم قديمًا وحديثًا في المتعةِ والتَّمَتُّع المرادِ بقولِ الله عزَّ وجلَّ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} . والمعنى - واللهُ أعلمُ - أنَّه تَمَتَّعَ بحِلِّه كلِّه، فحلَّ له النِّساءُ وغيرُ ذلك مما يَحرُمُ على المحرم، وسقَط عنه السَّفَرُ لحجِّه مِن بلدِه، وسقَط عنه الإحرامُ مِن مِيقاتِه في الحجِّ، وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما ذلك لسُقُوطِ السَّفَرِ خاصَّةً لا لتَمَتُّعِه بالحِلِّ، لأنَّ القارِنَ لم يَتَمَتَّعْ بحِلٍّ، وعليه دَمٌ.
-
والوَجْهُ العامُّ ما ذكَرْتُ لك مِن تَمَتُّعِه بحِلِّه، وسُقُوطِ سَفَرِه، وسُقُوطِ الإحْرامِ مِن مِيقَاتِه، فلذلك كلِّه وجَبَ الدَّمُ عليه، إذْ حصلَ حاجًّا ولم يُحْرِمْ بحَجِّه ذلك مِن مِيقاتِ أهْلِ ناحيتِه، ولا شَخَص لذلك الحجِّ (١) مِن مَوْضِعهِ بعدَ أنْ حَصَل مُحْرِمًا في أشْهُرِ الحَجِّ وزمانِه وحَجَّ مِن عامِه. فهذه العِلَّةُ الموجِبةُ عليه الدَّمَ. واللهُ علم.
-
فإن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحجِّ، ثم رجَع إلى بَلَدِه ومَنْزِلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، فليس بمُتَمَتِّع، ولا هَدْيَ عليه ولا صِيامَ عندَ جماعةِ العلماءِ أيضًا، إلَّا الحسنَ البصريِّ، فإنَّه قال: عليه هَدْيٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ. قال: لأنَّه كان يقالُ: عمرةٌ في أشهرِ الحجِّ مُتْعَةٌ.
-
وروَى سعيدُ بنُ أبي عَرُوبَةَ (٢) ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، قال: كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعْتَمِرونَ في أشهرِ الحَجِّ ثم يَرْجِعون ولا يُهْدُون.
- ج ٦ ص ١٠
فقيل لسعيدِ بنِ المسَيِّبِ: فإن حَجَّ مِن عامِه؟ قال: عليه الهَدْيُ. قال قتادةُ: وقال الحسنُ: عليه الهَدْيُ حَجَّ أو لم يَحُجَّ.
-
وهُشَيْم، عن يُونُسَ، عن الحسنِ أنَّه قال: عليه الهَدْيُ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ (١) .
-
وقد رُويَ عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: ليس عليه هَدْي. والصحيحُ عن الحسنِ ما ذكَرْنا.
-
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن أشْعَثَ النَّجَّارِ، عن الحسنِ، قال: إن اعْتَمَر في أشهرِ الحجِّ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، فعليه هَدْيٌ؛ لأنَّه كان يقالُ: عُمْرَةٌ في أشهرِ الحجِّ مُتْعَةٌ (٢) .
-
وقد رُوِيَ عن الحسنِ أيضًا في هذا البابِ قولٌ لم يُتَابَعْ عليه أيضًا، ولا ذهَب إليه أحَدٌ مِن أهلِ العلم، وذلك أنَّه قال: مَن اعْتَمَر بعدَ يوم النَّحْرِ فهي مُتْعَةٌ. والذي عليه جماعَةُ الفقهاءِ وعامَّةُ العلماء ما ذكَرْتُ لك قبلَ هذا.
-
روَى هُشَيْمٌ وغيرُه، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، قال: مَن اعْتَمَر في أشهرِ الحجِّ، ثم أقام حتى يَحُجَّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، وعليه الهَدْيُ، فإن رجَع إلى مِصْرِه، ثم حَجَّ مِن عامِه، فلا شيءَ عليه (٣) . وعلى هذا الناس.
- ج ٦ ص ١١
فإن ظَنَّ ظانٌّ أنَّ مَعْنَى حديثِ مالِكٍ، عن عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ قال: مَن اعْتَمَر في أشهرِ الحَجِّ؛ شَوَّالٍ، أو ذي القَعْدَةِ، أو ذي الحِجَّةِ، قبلَ الحَجِّ، فقد اسْتَمْتَع، ووَجَب عليه الهَدْيُ، أو الصيامُ إن لم يَجِدْ هَدْيًا (١) . كمَعْنَى ما روُي عن الحسنِ في إيجابِ الهَدْي على مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحَجِّ وإن لم يَحُجَّ، فليس كما ظَنَّ، ولا يُعْرَفُ ذلك مِن مَذْهَبِ ابنِ عُمَرَ.
-
وفي قوله في هذا الحديثِ: "قبلَ الحَجِّ" دليلٌ على أنَّه حَجَّ، ولذلك قال فيه: فقد استمْتَعَ، ووجَب عليه الهديُ. وهذا هو المعروفُ من مذهب ابنِ عمرَ، وكذلك فَسَّرَه مالكٌ في "الموطأ" ، فقال بأثْرِ حديثه ذلك: قال مالكٌ: وذلك إذا أقام حتى الحجِّ ثم حَجَّ.
-
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبَيْري، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عن عبيدِ الله بنِ عُمَرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يقولُ: مَن اعْتَمَر في أشْهُرِ الحجِّ؛ شَوَّالٍ، أو ذي القَعْدَةِ، أو ذي الحِجَّةِ، ثم أقامَ حتى يَحُجَّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه الهَدْيُ، أو الصيامُ إن لم يَجِدْ هَدْيًا (٢) .
قال إسماعيلُ: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيِّبِ، أنَّه قال: إذا اعْتَمَر الرجلُ في أشْهُرِ الحَجِّ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه، فليس عليه هَدْيٌ (٣) . وعلى هذا جماعَةُ العُلَماء على ما قَدَّمْنا.
- ج ٦ ص ١٢
وقد رُوِيَ عن طاوُوسٍ في التَّمَتُّع قولان هما أشَدُّ شُذُوذًا ممَّا ذكَرْنا عن الحسنِ:
أحَدُهما: أنَّ مَن اعْتَمَر في غيرِ أشهرِ الحَجِّ، ثم أقام حتى الحَجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وهذا لم يَقُلْ به أحَدٌ مِن العلماءِ فيما عَلِمْتُ غيرُه، ولا ذهَب إليه أحدٌ مِن فقهاءِ الأمصارِ، وذلك، واللهُ أعلمُ، أنَّ شُهورَ الحَجِّ أحَقُّ بالحَجِّ مِن العمرةِ؛ لأنَّ العمرةَ جائزةٌ في السَّنَةِ كلِّها، والحَجَّ إنَّما مَوْضِعُه شُهورٌ مَعْلُومةٌ، فإذا جعَل أحَدٌ العمرةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، ولم يَأْتِ في ذلك العام بحَجٍّ (١) ، فقد جعَلَها في مَوْضِعٍ كان الحَجُّ أوْلى به، إلا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد رخَّص في ذلك رحمةً منه، وجعَل فيه ما استيسَر من الهدْي.
-
والآخَرُ: قاله في المكيِّ إذا تَمَتَّعَ مِن مِصْرٍ مِن الأمْصارِ فعليه الهَدْيُ. وهذا لم يُعَرَّجْ عليه؛ لظاهِرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: ١٩٦] . والتَّمَتُّعُ على ما قد أوْضَحْنا عن جماعةِ العلماءِ بالشَّرائطِ التي وصَفْنا، وبالله توفيقُنا.
-
واخْتَلَفوا فيمن أنْشَأ عُمرةً في غيرِ أشهرِ الحجِّ، ثم عَمِلَها في أشهرِ الحجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك؛ فقال مالكٌ: عُمرتُه في الشهرِ الذي حَلَّ فيه (٢) . يريدُ إن كان حَلَّ منها في غيرِ أشهرِ الحجِّ، فليس بمُتَمَتِّع، وإن كان حلَّ منها في أشهرِ الحجِّ فهو مُتَمَتِّعٌ إن حجَّ مِن عامِه.
وقال الثوريُّ (٣) : إذا قَدِم الرجلُ مُعْتَمِرًا في شهرِ رمَضانَ وقد بَقِي عليه
ج ٦ ص ١٣منه يومٌ أو يَوْمان، فلم يَطُفْ لعُمْرَتِه حتى رِيءَ هِلالُ شَوَّال، فكان إبراهيمُ يقولُ: هو مُتَمَتِّعٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يُهرِيقَ دمًا.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن طاف للعمرةِ ثلاثةَ أشْواطٍ في رمضانَ، وأربعةَ أشْواطٍ في شوالٍ، كان مُتَمَتِّعًا، وإن طاف لها أربعةً في رمضان، وثلاثةً في شوال، لم يكنْ مُتَمَتِّعًا (١) .
وقال الشافعيُّ: إذا طاف بالبيتِ في أشهرِ الحجِّ للعمرةِ فهو مُتَمَتِّعٌ إن حجَّ مِن عامِه ذلك، وذلك أنَّ العمرةَ إنَّما تكْمُلُ بالطَّوافِ بالبيتِ، وإنَّما يُنْظَرُ إلى إكْمالها (٢) . وقال أبو ثورٍ: إذا دخَل في العمرةِ في غير (٣) أشهرِ الحجِّ، فسواءٌ طاف لها في رمضانَ أو في شوال، لا يكونُ بهذه العمرةِ مُتَمَتِّعًا.
-
واختَلَفوا في وَقْتِ وُجوبِ الهَدْي على المتمتع؛ فذكر ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، أنَّه سُئِل عن المتَمَتِّع بالعمرةِ إلى الحجِّ يموتُ بعدما يُحرِمُ بالحجِّ بعرفةَ أو غيرها، أترَى عليه هَدْيًا؟ قال: مَن مات مِن أولئك قبلَ أن يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبةِ، فلا أرى عليه هَدْيًا، ومَن رمَى الجَمْرَةَ ثم مات، فعليه الهَدْيُ. قيل له: فالهَدْيُ مِن رأسِ المالِ أو مِن الثُّلثِ؟ قال: بل مِن رأسِ المالِ.
وقال الشافعيُّ: إذا أحْرَمَ بالحجِّ فقد وجَب عليه دَمُ المتْعَةِ إذا كان واجِدًا لذلك؛ ذكره الزَّعْفَرانيُّ (٤) عنه. وقال عنه الربيعُ (٥) : إذا أهَلَّ المتَمَتِّعُ بالحجِّ ثم مات مِن ساعتِه أو بعدُ قبلَ أن يصومَ، ففيها قَوْلانِ:
ج ٦ ص ١٤أحدُهما: أنَّ عليه دَمَ المتعةِ؛ لأَنَّه دَيْنٌ عليه، ولا يجوزُ أن يُصامَ عنه.
-
والآخر: أنَّه لا دمَ عليه؛ لأنَّ الوَقْتَ الذي وجَبَ عليه فيه الصومُ قد زال وغُلِب عليه.
-
واتَّفَق مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، أنَّ المتَمَتَعِّ إذا لم يَجدْ هَدْيًا، صام الثلاثةَ أيام إذا أحْرَمَ وأهَلَّ بالحجِّ، إلى آخِرِ يوم عَرَفَةَ. وهو قولُ أبي ثور (١) .
وقال عَطاءٌ: لا بَأْسَ أن يصومَ المتَمَتِّعُ في العشرِ وهو حَلالٌ قبلَ أن يُحرِم (٢) . وقال مجاهدٌ وطاووسٌ: إذا صامَهُنَّ في أشهرِ الحجِّ أجْزأهُ (٣) .
-
وأجمَع العلماءُ على أنَّ الصومَ لا سبيلَ للمُتَمَتِّع إليه إذا كان يَجِدُ الهَدْيَ. واخْتَلَفوا فيه إذا كان غيرَ واجِدٍ للهَدْي فصام ثم وجَد الهَدْيَ قبلَ إكْمالِ صَوْمِه؛ فذَكَر ابنُ وَهْبِ، عن مالكٍ، قال: إذا دخَل في الصوم ثم وجَد هَدْيًا، فأحَبُّ إليَّ أن يُهْدِيَ، فإنْ لَم يَفْعَلْ أجزَأه الصِّيام (٤) .
وقال الشافعيُّ (٥) : يَمْضي في صَوْمِه، وهو فرضُه. وكذلك قال أبو ثور.
وقال أبو حنيفةَ: إذا أيْسَر المتَمَتِّعُ في اليوم الثالثِ مِن صَوْمِه بَطَل الصومُ ووَجَب عليه الهَدْيُ، وإن صام ثلاثة أيَّام في الحجِّ ثم أيْسَر كان له أن يصومَ السبعةَ الأيام ولا يَرْجِعَ إلى الهَدْي (٦) .
ج ٦ ص ١٥وقال إبراهيمُ النخعيُّ: إذا وجَد ما يَذْبَحُ قبلَ أن يَحلَّ فلْيَذْبَحْ وإن كان قد صام، وإن لم يَجدْ ما يَذْبَحُ حتى يَحلَّ فقد أجزَأه الصومُ.
وقال عطاءٌ: إن صام ثم وجَد ما يَذْبَحُ فلْيَذْبَح، حَلَّ أم لم يَحلَّ، ما كان في أيَّام التَّشْرِيق (١) .
-
واختَلَفوا فيما على مَن فاتَه صومُ الثلاثةِ أيام قبلَ يوم النَّحْر؛ فذكَر ابنُ وَهْب، عن مالكٍ قال: مَن نَسِي صومَ الثلاثةِ الأيام في الحجِّ، أو مَرِضَ فيها، فإن كان بمَكَّةَ، فلْيَصُم الأيامَ الثلاثةَ بمكةَ. وقال: إن لم يَصمْ قبلَ يوم عَرَفَةَ فلْيَصُمْ أيامَ منًى الثلاثةَ، وليَصُمْ إذا رجَع إلى أهْلِه سبعةً، وإن كان رجَع إلى أهْلِه فلْيُهدِ إن قَدَر، فإن لم يَقُدِرْ فلْيَصُمْ ثلاثةَ أيام في بَلَدِه وسبعةً بعدَ ذلك (٢) . وهو قولُ أبي ثور. وتَحصيلُ مذهب مالكٍ أنَّه إذا قَدِم بلَدَه ولم يَصُمْ، ثم وجَدَ الهَدْيَ، لم يُجزئْه الصومُ، ولا يصومُ إلَّا إذا لم يَجدْ هَدْيَا.
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن انْقَضَى يومُ عرفَةَ ولم يَصُم الثلاثةَ أيام، فعليه دَمٌ، لا يُجزئُه غيرُه (٣) .
وقال الشافعيُّ بالعراقِ: يصومُ أيامَ منًى وإن لم يكنْ صام قبلَ يوم النَّحْرِ. وقال بمصرَ: لا يصومُها (٤) . وعليه أكثرُ أصحابِه، ويصومُها كلَّها إذا رجَع إلى بَلَدِه، فإن مات قبلَ ذلك أُطْعِمَ عنه.
- ج ٦ ص ١٦
وأجمَعوا على أنَّ رجلًا مِن غير أهلِ مكةَ لو قَدِم مكةَ مُعْتَمِرًا في أشْهُرِ الحجِّ عازِمًا على الإقامَةِ بها، ثم أنشَأ الحجَّ مِن عامِه ذلك، فحَجَّ، أنَّه مُتَمَتِّعٌ، عليه ما على المتَمَتِّع.
-
وأجمَعوا على أنَّ مكِّيًّا لو أهلَّ بعمرةٍ مِن خارجِ الحرمِ في أشهرِ الحَجِّ، فقَضَاها، ثم حَجَّ مِن عامِه ذلك، أنَّه مِن حاضرِي المسجدِ الحرام الذين لا مُتْعَةَ لهم، وأنْ لا شيءَ عليه (١) .
-
وأجمَعوا في المكِّيِّ يجيءُ مِن وراءِ الميقاتِ مُحرِمًا بعُمْرَةٍ، ثم يُنْشِئُ الحجَّ مِن مكةَ وأهْلُه بمكةَ، ولم يَسْكُنْ سِوَاها، أنَّه لا دَمَ عليه، وكذلك إذا سَكَنَ غيرَها وسَكَنَها، وكان له أهْلٌ فيها وفي غيرها.
-
وأجمَعوا على أنَّه لو انتقَلَ من مكةَ بأهلِه وسكَنَ غيرَها، ثم قَدِمَها في أشهرِ الحجِّ مُعْتَمرًا، فأقامَ بها حتى حجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ كسائر أهْلِ الآفاقِ. وقد ذكرنا مسألةَ طاووسٍ فيما مضَى مِن هذا الباب.
-
واتَّفَق مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُهم، والثوريُّ، وأبو ثورٍ، على أنَّ المتَمَتِّعَ يطوفُ لعمرتِه بالبيتِ، ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ، وعليه بعدُ أيضًا طوافٌ آخَرُ لحَجِّه، وسَعْيٌ بينَ الصَّفا والمروةِ. ورُوي عن عطاءٍ، وطاووسٍ، ومجاهِدٍ، أنَّه يكْفِيه سَعْيٌ واحدٌ بينَ الصَّفا والمروة (٢) . وأمَّا طَوافُ القارِنِ، فقد ذكرناه في بابِ ابنِ شهاب، عن عروة.
-
واختلفوا في حُكْم المتَمَتِّع الذي يسوقُ الهَدْيَ (٣) ؛ فقال مالكٌ: إن
ج ٦ ص ١٧كان مُتَمَتِّعًا حَلَّ إذا طاف وسَعَى، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه إلَّا أنْ يكونَ مُفْرِدًا للعمرة، فإذا كان مُفْرِدًا للعمرةِ نَحَره بمكةَ، وإن كان قارنًا نَحَره بمِنًى. ذكرَه ابنُ وَهْب، عن مالِك. وقال مالكٌ: مَن أهْدَى هَدْيًا للعمرةِ وهو مُتَمَتِّع لم يُجزئْه ذلك، وعليه هَدْيٌ آخَرُ لتمتُّعِه؛ لأنَّه إنَّما يصيرُ مُتَمَتِّعًا إذا أنشَأ الحجَّ بعدَ أن حَلَّ مِن عمرتِه، وحينئِذٍ يجبُ عليه الهَدْيُ.
وقال أبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأبو ثور، وإسحاقُ: لا يَنْحَرُ المتَمَتِّعُ هَدْيَه إلى يوم النَّحْرِ.
وقال أحمدُ: إن قَدِم المتَمَتِّعُ قبلَ العَشْرِ طاف وسَعَى ونَحَر هَدْيَه، وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَنْحَرْ إلَّا يومَ النَّحْر. وقاله عطاءٌ.
-
وأجمعوا (١) أنّ هَدْيَ المتعة والقِران لا يُنْحَرُ إلّا يومَ النَّحر لمَن طاف بعُمرتِه في العشر.
وقال مالك: لا يَنحرُ أحدٌ قبل يومَ النحر، ولا ليلة النَّحْر.
وقال الشافعيُّ: يَحِلُّ مِن عُمْرَتِه إذا طاف وسَعَى، ساق هَدْيًا أو لم يَسُقْ.
وقال أبو ثور: يَحلُّ، ولكنْ لا يَنْحَرُ هَدْيَه حتى يُحرِمَ بالحَجِّ، ويَنْحَرُه يومَ النَّحْرِ.