ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١
الصفحة ٢ من ٢١
- ج ٥ ص ٣١٩
ويشهَدُ لصِحَّةِ ما جاؤُوا به روايةُ ابنِ أبي ذِئبٍ ومَن تابَعَه عن ابنِ شهاب، وعامَّةُ الأحادِيثِ في إمامَةِ جِبريلَ على ذلك جاءَت مُفسَّرةً لوَقتَين، ومعلومٌ أنَّ حديثَ أبي مسعُودٍ من روايةِ ابنِ شهابٍ وغيرِه في إمَامَةِ جبريلَ وردَ، فروايَةُ من زادَ وأتمَّ وفسَّرَ أولَى من روايةِ مَن أجمَلَ وقصَّرَ.
-
وقد رُويَت إمامةُ جبريلَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ ابنِ عباسٍ، وحديثِ جابرٍ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، على نحوِ ما ذكَرنا.
-
فأمَّا حديثُ ابنِ عباسٍ، فحدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرِ بنِ حربٍ، قال (٢) : حدَّثنا أبو نُعيم
ج ٥ ص ٣٢٠الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ عيَّاشٍ بنِ أبي ربيعةَ، عن حَكيم بنِ حكيم بنِ عَبَّادٍ، عن نافِعِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَّني جبريلُ عند البيتِ مرتين؛ فصلَّى بيَ الظُّهرَ حينَ زالَتِ الشمسُ على مثلِ قَدرِ الشِّراكِ، ثم صلَّى بي العصرَ حين كان كلُّ شيءٍ قدرَ ظلِّه، ثم صلَّى بي المغرِبَ حينَ أفطر الصائمُ، ثم صلَّى بي العشاءَ حين غاب الشَّفقُ، ثم صلَّى بي الفجرَ منَ الغدِ حينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ على الصَّائمِ، ثم صلَّى بي الظُّهرَ من الغدِ حينَ كان كلُّ شيءٍ قدْرَ ظلِّه، ثم صلَّى بي العصرَ حين كان كلُّ شيءٍ مثلَي ظلِّهِ، ثم صلَّى بي المغرِبَ حين أفطَر الصائمُ؛ لوقتٍ واحدٍ، ثم صلَّى بي العشاءَ حين ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ، ثم صلَّى بي الفجرَ - قال أبو نعيمٍ: لا أدرِي ما قال في الفجرِ - ثمَّ التفَت إليَّ فقال: يا محمدُ، هذا وقتُك ووقتُ الأنبياءِ قَبلَكَ" .
قال أبو عُمر: لا يُوجَدُ هذا اللَّفظُ: "ووقتُ الأنبياءِ قَبلَكَ" إلَّا في هذا الإسنادِ (١) ، واللهُ أعلمُ.
- ج ٥ ص ٣٢١
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيبَةَ، قال (١) : حدَّثنا وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ عيَّاشٍ بنِ أبي ربيعةَ، قال: حدَّثني حَكيمُ بنُ حَكيم بنِ عبَّادِ بنِ حُنيفٍ، عن نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعم، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ثمَّ ذكَر مثلَه، وقال في آخرِهِ: "ثمَّ صلَّى الفجرَ حينَ أسفرَ، ثمَّ التفتَ إليَّ فقال: يا محمدُ" . وذكَر مثلَه.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزِّنادِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارِثِ (٣) ، عن حكيم بنِ حكيم، عن نافعِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَّني جبريلُ عندَ البيتِ مرَّتين" . فذكَر الحديثَ، وقال في آخرِهِ: "ثم صلَّى الصبحَ حينَ أسفَرَ جدًّا" . ثم ذكَر مِثلَه، وزاد: "الوقتُ فيما بينَ هَذينِ الوَقتينِ" .
ج ٥ ص ٣٢٢قال أبو عُمر: تكَلَّمَ بعضُ الناسِ في إسنادِ حديثِ ابن عباسٍ هذا بِكلام لا وجهَ له، ورواتُه (١) كلُّهم معرُوفُو النَّسبِ، مشهُورُونَ بالعلمِ، وقد خرَّجَه أبو داودَ، وغيرُه (٢) .
-
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٣) عن الثَّورِيِّ وابنِ أبي سَبرَةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بإسنادِه مثلَ روايةِ وَكِيع وأبي نُعَيم.
-
وذكَره عبدُ الرَّزَّاقِ أيضًا (٤) ، عن العُمرِيِّ، عن عمرَ بنِ نافعِ بنِ جُبيرِ بنِ مُطعِم، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
-
وأمّا حديثُ جابرٍ، فحدَّثناه عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٥) : حدَّثنا أحمدُ بنُ الحجَّاج. وحدَّثنا
ج ٥ ص ٣٢٣محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال (١) : حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبرني حسينُ بنُ عليِّ بنِ حسينٍ، قال: أخبرني وَهْبُ بنُ كَيسانَ، قال: حدَّثنا جابِرُ بنُ عبدِ الله، قال: جاءَ جِبريلُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ مالتِ الشمسُ، فقال: قُمْ يا محمدُ فصلِّ الظهرَ. فصلَّى الظهرَ حينَ مالتِ الشمسُ، ثم مكَث حتَّى إذا كانَ فيءُ الرَّجُلِ مثلَه، جاءَه للعَصرِ، فقال: يا محمدُ، قُم فَصلِّ العَصَر. فصلَّاها، فمكَثَ حتى إذا غابتِ الشمسُ جاءَ فقال: قُم فصلِّ المغربَ. فقامَ فصلَّاها حينَ غابتِ الشمسُ، ثم مكث حتى إذا غابَ الشَّفَقُ جاءَه، فقال: قُمْ فصلِّ العِشاءَ. فقامَ فصلَّاها، ثم جاءه حينَ سَطع الفجرُ بالصبحِ، فقال: يا محمدُ، قُم (٢) فصلِّ الصبحَ. فقامَ فصلَّى الصبحَ (٣) ، ثم جاءَه من الغدِحينَ كان فيءُ الرَّجُلِ مثلَه، فقال: يا محمدُ، قُم فصلِّ الظهرَ. فصلَّى، ثم جاءَه حينَ كانَ فيءُ الرَّجُلِ مِثلَيْه (٤) ، فقال: يا محمدُ، قُم فصلِّ العصرَ. فصلَّى العصرَ (٥) ، ثم جاءه للمغربِ حينَ غابتِ الشمسُ؛ وقتًا واحدًا لم يَغِبْ عنه، فقال: قُم فَصَلِّ المغربَ. ثمَّ جاءَه حينَ ذهب ثُلثُ اللَّيلِ، فقال: قُم فصلِّ العشاءَ. ثم جاءَه للصبح حينَ ابيضَّ جدًّا، فقال: قُمْ فصلِّ. فصلى، ثم قال له: الصلاةُ ما بينَ هذينِ الوقتينِ. وقال سُويدُ بنُ نصرٍ في حديثِه: "ما بينَ هذينِ وقتٌ كلُّه" (٦) .
- ج ٥ ص ٣٢٤
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب (١) . وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا حمزَةُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢) : أخبرنا يوسفُ بنُ واضح، قال: حدَّثنا قُدامةُ بنُ شهابٍ، عن بُرْدٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباح، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، أنَّ جبريلَ أتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمُه مواقيتَ الصَّلَواتِ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى الظهرَ حينَ زالتِ الشمسُ. وأتاهُ حينَ كانَ (٣) الظِّلُّ مثلَ شَخصِه، فصنَع كما صنَع، فتقَدَّم جبريلُ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى العصرَ. ثم أتاهُ حينَ وجَبت الشمسُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى المغربَ. ثم أتاهُ حينَ غابَ الشَّفقُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى العشاءَ. ثم أتاهُ حينَ انشقَّ الفجرُ، فتقدَّمَ جبريلُ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خلفَه، والناسُ خلفَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى الغَدَاةَ. ثم أتاهُ اليومَ الثانيَ حينَ كانَ ظلُّ الرَّجُلِ (٤) مثلَ شَخصِه (٥) ، فصنَع مثلَ ما صنَع بالأمسِ؛ صلَّى الظهرَ. ثم أتاه حينَ كانَ ظلُّ الرَّجُل مثلَ شخصَيه، فصَنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى العصرَ.
- ج ٥ ص ٣٢٥
ثم أتاه حينَ وجَبتِ الشمسُ، فصَنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى المغربَ. فنِمنَا ثم قُمنا، ثم نِمنَا ثم قُمنا، فأتاهُ، فصنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى العشاءَ. ثم أتاه حينَ امتدَّ الفجرُ وأصبَحَ، والنُّجُومُ بادِيةٌ مُشتَبِكةٌ، فصَنَع كما صنَع بالأمسِ، فصلَّى الغَدَاةَ، ثم قال: "ما بينَ الصلاتينِ وقتٌ" .
-
ورواه أبو الرّدادِ، عن بُرْدٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، مثلَه سواءً، إلَّا أنَّه قال في اليوم الثاني في المغربِ: ثم جاءَه حينَ وجَبَت الشمسُ لوقتٍ واحدٍ. فذكَره. قال: ثم جاءَ نحوَ ثُلثِ اللَّيلِ للعشاءِ. فذكَرَه، قال: ثم جاءَ حينَ أضاءَ الصبحُ. ولم يقُلْ: والنُّجُومُ بادِيةٌ مُشتبِكةٌ.
-
أخبرناه سعيدُ بنُ عثمانَ النَّحويُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم بنِ خليل، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الصَّوَّافُ، قال: حدَّثنا أبو الرّدادِ عمرُو بنُ بشرٍ الحارثيُّ، فذكَرَه بإسنادِه (١) .
-
وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخدريِّ، فحدَّثناهُ عبيدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مِسكينٍ. وحدَّثنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عَمرو، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجَر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ الحكَم، قال: حدَّثنا ابنُ لهِيعةَ، قال: حدَّثني بُكيرُ بنُ
ج ٥ ص ٣٢٦الأشجِّ، عن عبدِ الملكِ بنِ سعيدِ بنِ سُويدٍ السَّاعديِّ، أنَّه سَمِعَ أبا سعيدٍ الخُدريَّ يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمَّني جبريلُ في الصَّلاةِ؛ فصلَّى الظهرَ حين زاغَتِ الشَّمسُ، وصلَّى العصرَ حينَ كانت الشَّمسُ قامةً، وصلَّى المغربَ حينَ غابتِ الشَّمسُ، وصلَّى العشاءَ حينَ غابَ الشَّفقُ، وصلَّى الفجرَ حينَ طلَع الفجرُ. ثم جاءَ يومًا ثانيًا؛ فصلَّى الظهرَ وظلُّ كلِّ إنسَانٍ مثلُه، وصلَّى العصرَ والفَيءُ قامتانِ، وصلَّى المغربَ حينَ غرَبتِ الشَّمسُ في وقتٍ واحدٍ، وصلَّى العشاءَ ثُلُثَ اللَّيلِ، وصلَّى الصُّبحَ حينَ كادت الشَّمسُ أن تطلُعَ، ثم قال: الصَّلاةُ فيما بينَ هذينِ الوقتينِ" (١) .
-
فهذا ما في إمَامَةِ جبريلَ النبيَّ عليهما السَّلامُ من صَحيح الآثارِ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلم وجماعةِ أهلِ السِّيرِ أنَّ الصَّلاةَ إنَّما فُرضَتْ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمَكَّةَ في حينِ الإسراءِ، حينَ عُرجَ به إلى السَّماءِ. ولكنَّهمُ اختلَفُوا في هَيئتِها حينَ فُرضَتْ؛ فرُويَ عن عائِشَةَ أنَّها فُرضَت ركعتَينِ ركعتَينِ، ثمَّ زيدَ في صلاةِ الحَضَرِ فأُكمِلَتْ أربعًا، وأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ على ركعَتينِ (٢) . وبذلك قال الشَّعبيُّ، وميمُونُ بنُ مِهرَانَ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ.
- ج ٥ ص ٣٢٧
ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنَّها فُرِضَت في الحضَرِ أربعًا، وفي السَّفرِ ركعتَينِ (١) . وقال نافعُ بنُ جُبيرٍ (٢) - وكانَ أحدَ عُلماءِ قُريش بالنَّسبِ وأيَّام العَربِ والفِقهِ، وهو راويةُ حديثِ ابنِ عباسٍ في إمامَةِ جِبريلَ -: إنَّها فُرضَت في أوَّلِ ما فُرضَت أربعًا، إلَّا المغربَ، فإنَّها فُرضَت ثلاثًا، والصبحَ ركعتين (٣) . وكذلك قال الحسنُ بنُ أبي الحسنِ البصريُّ، وهو قولُ ابنِ جُريج، ورُويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - من حديثِ القُشيرِيِّ (٤) وغيرِه ما يُوافِقُ ذلك. ولم يختلِفُوا في أنَّ جبريلَ هبَط صَبيحَةَ ليلةِ الإسراءِ عندَ الزَّوالِ، فعَلَّم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ ومَواقيتَها وهَيئَتَها.
وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ (٥) : أوَّلُ ما فُرِضَت بمكَّةَ؛ فركعتان في أوَّلِ النَّهارِ، وركعتان في آخِرِه، وذكَر حديثَ عائشةَ قالت: فرَض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ ركعتَينِ، ثمَّ زَادَ فيها في الحَضَرِ. هكذا حدَّثَ به الحَربيُّ عن أحمدَ بنِ الحجَّاج، عن ابن المباركِ (٦) ، عن ابنِ عجلانَ، عن صالح بنِ كيسَانَ، عن عُروَةَ، عن عائشةَ، قالت: فرَض رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الصَّلاةَ ركعتين ركعتين، الحديثَ.
- ج ٥ ص ٣٢٨
وليس في حديثِ عائشةَ هذا دليلٌ على صِحَّةِ ما ذهبَ إليه من قال: إنَّ الصلاةَ فُرِضَت ركعتين في أوَّلِ النَّهارِ وركعتين في آخِرِه. وليسَ يُوجَدُ هذا في أثَر صحيح، بل في حديث عائشةَ دليلٌ على أنَّ الصَّلاةَ التي فُرضَت ركعتين ركعتين هي الصَّلواتُ الخمسُ، ثم زِيدَ في صَلاةِ الحَضرِ، وأُقرَّتْ صلاةُ السَّفرِ؛ لأنَّ الإشارَةَ بالألِفِ واللَّام إلى الصَّلاةِ، وفي حديثِ عائشةَ هذا هي إشارَةٌ إلى الصلاةِ المعهودةِ، وهذا هو الظَّاهرُ المعروفُ في الكلام.
-
وقد أجمَعَ العلماءُ أنَّ الصلواتِ الخمسَ إنَّما فُرضَت في الإسراء، والظَّاهرُ من حديثِ عائشةَ أنَّها أرادت تلك الصلاةَ، واللهُ أعلمُ.
-
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (١) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (٢) : أخبرنا محمدُ بنُ هاشم البعلبكِّيُّ، قال: أخبرنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: أخبرني أبو عَمْرٍو - يعني الأوزاعيَّ - أنَّه سألَ الزُّهريَّ عن صَلاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بمكَّةَ قبلَ الهجرَةِ إلى المدينةِ، فقال: أخبَرَني عروةُ، عن عائشةَ، قالت: فرَض اللهُ الصلاةَ على رسولِه أوَّلَ ما فَرضَها ركعتينِ ركعتين، ثم أُتمَّت في الحَضرِ أربعًا، وأُقرَّت صلاةُ السَّفَرِ على الفَريضَةِ الأُولى.
- ج ٥ ص ٣٢٩
فهذا ومثلُه يدُلُّ على أنَّها الصلاةُ المعهودَةُ، وهي الخَمسُ المُفتَرضَةُ في الإسرَاءِ، لا صلاتانِ. ومن ادَّعى غيرَ ذلك كان عليه الدَّليلُ من كتابٍ أو سنَّةٍ، ولا سبيلَ له (١) إليه.
وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: إنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم تكنْ عليه صلاةٌ مفروضَةٌ قبلَ الإسراء، إلَّا ما كانَ أُمرَ به مِن صلاةِ اللَّيل على نحوِ قيام رمضانَ، من غيرِ توقيتٍ ولا تحديدٍ، لا لرَكعاتٍ معلُوماتٍ، ولا لوقتٍ محضُورٍ. وكان - صلى الله عليه وسلم - يقومُ أدنَى من ثُلثَي اللَّيلِ، ونصفَه، وثُلُثَه. وقام المسلمونَ معه نحوًا من حَولٍ، حتى شقَّ عليهم ذلك، فأنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ التَّوبَةَ عليهم، والتَّخفيفَ في ذلك، ونَسَخه وحطَّه (٢) بقولِه: {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: ٢٠] فنَسَخَ آخرُ السُّورةِ أوَّلَها فضلًا منه ورحمةً، فلم تبقَ في الصَّلاةِ فريضةٌ إلَّا الخمسُ (٣) . ألا ترى إلى حديثِ طلحَةَ بنِ عُبيدِ الله في الأعرَابيِّ النَّجديِّ، إذ سألَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عمَّا عليه منَ الصَّلاةِ، فقال له: "الصَّلواتُ الخمسُ" ، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: "لا" (٤) .
- ج ٥ ص ٣٣٠
وذكَرَ وكيعٌ، عن مسعرٍ، عن سماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: لمَّا أُنزِلَت: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} وكانوا يقُومُون نحوًا من قِيَامِهم في شهرِ رمضانَ، حتى نزَلت آخِرُها، وكانَ بينَ آخِرِها وأوَّلها حولٌ (١) .
-
وعن عائشةَ مثلُه بمَعناه، وقالت: فجُعِل قيامُ اللَّيلِ تطوُّعًا بعدَ فريضةٍ (٢) .
-
وعن الحسنِ مثلُه، قال: نزَلتِ (٣) الرُّخصَةُ بعدَ حولٍ (٤) .
قال أبو عُمر: روَى مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن الزُّبيرِ بنِ عديٍّ، عن طلحةَ بنِ مُصرِّفٍ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لمَّا أُسريَ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - انتُهِيَ به إلى سِدرَةِ المُنتَهى، وهي في السماء السادسَةِ، وإليها ينتهي ما يُعرَجُ به من الأرواح فيُقبَضُ منها، وإليها يَنتهِي ما يُهبطُ به من فوقِها فيُقبَضُ منها. قال: وأُعطيَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندَها ثلاثًا؛ الصَّلَواتِ الخمسَ، وخَواتِمَ سُورةِ "البقرةِ" ، وغُفرَ لمن ماتَ من أُمَّتِه لا يُشركُ به شيئًا (٥) .
- ج ٥ ص ٣٣١
وأمَّا حديثُ الإسراء، فحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ البُخاريُّ (١) . وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (٢) . وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدٍ، أنَّ أباه أخبره، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ يونُسَ، قال: أخبرنا بَقيُّ بنُ مخَلدٍ - قالوا جميعًا: حدَّثنا هُدبَةُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا هَمّامٌ (٣) ، قال: حدَّثنا قتَادةُ، عن أنس بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصَعةَ. قال البُخاريُّ (٤) : وقال لي خَليفَةُ: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا سعيدٌ وهشامٌ، قالا: حدَّثنا قتادةُ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصعَةَ. وقال بقيٌّ: حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديِّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن مالكِ بنِ صعصَعَةَ - والألفاظُ متقاربَةٌ، والمعنى واحدٌ - أنَّ نبيَّ الله - صلى الله عليه وسلم - حدَّثهم عن ليلَةِ أُسريَ به، قال: "بينما أنا في الحَطِيم - وربما قال: في الحِجرِ - عند البيتِ مُضطجِعًا بين النَّائم واليقظَانِ، إذ أتاني (٥) آتٍ،
ج ٥ ص ٣٣٢فسمِعتُ قائلًا يقولُ: أحدُ الثَّلاثَةِ بين الرَّجُلين (١) . فأُخذتُ، فشقَّ من نَحري إلى مَراقِّ بطنِي (٢) ، واستَخرَجَ قلبي، ثم أُتيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ مملوءةٍ حِكمَةً وإيمانًا، فغُسِلَ قَلبي، وأُتيتُ بدابَّةٍ أبيضَ دُونَ البَغلِ وفَوقَ الحمارِ، وهو البُراقُ، فحُمِلتُ عليهِ، فانطَلَقَ بي جبرِيلُ حتى أتَينا (٣) سماءَ الدُّنيا، فاستفتحَ ". وساقُوا الحديثَ بتَمامِه إلى قولِه: " ثم فُرضَت عليَّ الصلاةُ؛ خمسُونَ صلاةً كلَّ يوم، فأقبَلتُ فمررتُ على مُوسى، فقال: بمَ أُمرتَ؟ قُلتُ: أُمرتُ بخمسين صلاةً كلَّ يوم. قال: إنَّ أُمَّتكَ لا تستطيعُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم، وإنِّي قد خَبَرتُ (٤) الناسَ قبلَك، وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدَّ المُعالجةِ، فارجِعْ إلى ربِّكَ فاسألهُ التَّخفيفَ لأمَّتِكَ. فرجَعتُ، فوضَع عني عشرًا وجعَلها أربعينَ، ثم مثلَه، ثم ثلاثينَ، ثم مثلَه فجعَلها عشرين، ثم مثلَه فجعَلها عشرًا. فأتَيتُ مُوسى، فقال مثلَه، فجعَلها خمسًا، فأتَيتُ مُوسى، فقال: ما صَنَعتَ؟ قُلتُ: جعَلها خمسًا. فقال مثلَه، فقلتُ: سلَّمتُ ". وساقَ بقيُّ بنُ مخلَدٍ الألفاظَ بتمامِها، وتَردادَ المسألَةِ في ذلك، ولم يقُلْ: " ثم مثلَه، ثم مِثلَه ". ثم قال هاهنا: " قد سألتُ ربِّي حتى استحيَيتُ، ولكنِّي أرضَى وأُسلِّمُ. فلما جاوزتُ نادَى مُنادٍ - وقال البخاريُّ: فنُوديَ. ثم اتَّفقا -: أنِّي قد أمضَيتُ فَريضَتي، وخَفَّفتُ عن عبادي".
-
ورَواه اللَّيثُ، عن يُونُسَ، عن ابنِ شهاب، عن أنس، عن أبي ذرٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٥) . وقتادةُ أحسنُ سياقَةً لهذا الحديثِ.
- ج ٥ ص ٣٣٣
ورواه أبو ضَمْرَةَ أنسُ بنُ عياض، عن يُونُسَ بنِ يزيدَ، عن ابنِ شِهاب، عن أنس، عن أُبيٍّ. وليس بشيءٍ، وإنَّما هو عن أبي ذرٍّ (١) ، والله أعلمُ.
قال أبو عُمر: احتجَّ من زعَم أنَّ جبريلَ صلَّى بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في اليوم الذي يلي ليلةَ الإسراء مرَّةً واحدةً الصَّلواتِ كلَّها لا مرَّتَيْنِ، على ظاهرِ حديثِ مالكٍ في ذلك بما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٢) : حدَّثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ، عن همَّام، عن قتادةَ، قال: فحدَّثنا الحسنُ أنَّه ذُكِر له: أنَّه لمَّا كان عندَ صلاةِ الظُّهرِ نودِيَ: أنِ الصَّلاةُ جامعةٌ. ففَزِعَ الناسُ فاجتَمَعوا إلى نبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -، فصلَّى بهم الظهرَ أربَعَ رَكَعاتٍ، يَؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتَدي محمَّدٌ بجبريلَ، ويقتَدي الناسُ بمحمدٍ، لا يُسمِعُهم فيهنَّ قِراءَةً، ثمَّ يُسَلِّمُ جبريلُ على محمدٍ، ويُسَلِّمُ محمدٌ على الناسِ.
- ج ٥ ص ٣٣٤
فلمَّا سقَطَتِ الشمسُ نُوديَ: أنِ الصَّلاةُ جامِعةٌ. ففَزِعَ الناسُ واجتَمعُوا إلى نَبيِّهم، فصلَّى بهم العصرَ أربعَ ركَعاتٍ، لا يُسمِعُهم فيهن قراءةً، وهي أخَفُّ، يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتَدي محمدٌ بجبريلَ، ويقتَدِي الناسُ بمحمدٍ، ثم سلَّم جبريلُ على محمدٍ، وسلَّم محمدٌ على الناسِ. فلمَّا غابتِ الشمسُ نُودي: الصَّلاةُ جامِعةٌ، ففَزِعَ الناسُ، واجتَمَعُوا إلى نبيِّهم، فصلَّى بهم ثلاثَ رَكَعاتٍ؛ أسمَعَهمُ القراءَةَ في ركعتين، وسبَّحَ في الثالثة - يعني به: قامَ ولم يُظهِرِ القِراءَةَ - يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، ويقتَدي محمدٌ بجِبريلَ، ويقتَدِي الناسُ بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ثم يُسَلِّمُ جبريلُ على محمدٍ، ويُسَلِّمُ محمدٌ على الناسِ. فلمَّا بدَتِ النُّجومُ نُوديَ: أنِ الصَّلاةُ جامِعةٌ. ففزِعَ الناسُ واجتمَعُوا إلى نبيِّهم، فصلَّى بهم أربَعَ ركَعاتٍ؛ أسمَعَهمُ القِراءةَ في ركعتين، وسبَّحَ في الأُخرَيينِ، يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتدِي محمدٌ بجبريلَ، ويقتدِي الناسُ بمحمدٍ، ثم سلَّم جبريلُ على محمدٍ، وسلَّم محمدٌ على الناس. ثم رَقَدُوا ولا يدرُون أيُزادُون أم لا، حتى إذا طلَع الفَجرُ نُوديَ أنِ الصَّلاةُ جامعةٌ. ففَزِع الناسُ واجتمعُوا إلى نبيِّهم، فصلَّى بهم ركعتَينِ أسمَعَهم فيهما القِراءَةَ، يؤُمُّ جبريلُ محمدًا، ويؤُمُّ محمدٌ الناسَ، يقتدِي محمدٌ بجبريلَ، ويقتدِي الناسُ بمحمدٍ، ثم سلَّم جبريلُ على محمدٍ، وسلَّم محمدٌ على الناس. صلَّى اللهُ على جبريلَ ومحمدٍ، وسلَّمَ كثيرًا.
-
ففي هذا الخَبرِ أنَّ جبريلَ لم يُصلِّ الصَّلواتِ الخَمسَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا مرَّةً واحدةً. وهو وإنْ كانَ مُرسلًا، فإنَّه حديثٌ حسنٌ مهذَّبٌ.
-
واحتَجُّوا أيضًا بما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ (١) وعُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ
ج ٥ ص ٣٣٥محمدِ بنِ أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهِيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عُتبَةَ بنِ مُسلم مولى تيم، عن نافع بنِ جُبيرٍ - قال: وكانَ نافعٌ كثيرَ الرِّوايةِ عن ابنِ عباسٍ - قال: لمَّا فُرضَتِ الصَّلاةُ، وأصبَحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وذكره عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن ابنِ جُريج، قال: قال نافعُ بنُ جبيرٍ وغيرُه (٢) : لمَّا أصْبَح النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منَ اللَّيلةِ التي أُسريَ به فيها، لم يَرُعه إلَّا جبريلُ ينزلُ - صلى الله عليه وسلم - حينَ زاغَتِ الشمسُ، ولذلك سُمِّيتِ الأُولى، فأمَر، فصيحَ بأصحابِه: الصَّلاةُ جامِعةٌ. فاجتَمَعوا، فصلَّى جبريلُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس؛ طوَّلَ الركعتينِ الأُوليين، ثم قصَّرَ الباقيتَين، ثم سلَّمَ جبريلُ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وسلَّم النبيُّ على الناس. ثم نزلَ في العَصرِ على مِثلِ ذلك، ففعَلوا كما فعَلوا في الظهر.
- ج ٥ ص ٣٣٦
ثم نزَل في أوَّلِ اللَّيلِ، فصيحَ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ (١) - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس؛ طوَّلَ في الأُولَيينِ، وقصَّرَ في الثالثة، ثم سلَّمَ جبريلُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وسلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الناس. ثم لمَّا ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ نزَل، فصيحَ: الصلاةُ جامعةٌ، فاجتَمعُوا، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فقرَأ في الأُوليين، فطوَّل وجهَر، وقصَّر في الثانيَتين، ثم سلَّم جبريلُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، وسلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الناس. فلمَّا طلَع الفَجرُ صيحَ: الصَّلاةُ جامِعةٌ، فصلَّى جبريلُ بالنّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالناس، فقرَأ فيهما فجهَر وطوَّلَ، ورفَع صوتَه، وسلَّم جبريلُ على النبيِّ عليهما السَّلامُ، وسلَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على الناس.
قال أبو عُمر: قولُه: "الصَّلاةُ جامِعةٌ" ؛ لأنَّه لم يكنْ يومئذٍ أذانٌ، وإنَّما كانَ الأذانُ بالمَدِينَةِ بعدَ الهجرَةِ بعام أو نحوِه، حينَ أُريَه عبدُ الله بنُ زيدٍ في النوم.
فقال من ذكَرنا قولَه: حديثُ نافِع بنِ جُبيرٍ هذا مثلُ حديثِ الحَسَنِ؛ في أنَّ جبريلَ لم يُصلِّ في وقتِ فرضِ الصَّلاةِ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصَّلواتِ الخَمسَ إلَّا مرَّةً واحدةً. وهو ظاهرُ حديثِ مالكٍ.
-
والجوابُ عن ذلك ما تقدَّمَ ذكرُنا له مِن الآثارِ الصِّحاح المُتَّصِلةِ في إمامَةِ جبريلَ لوَقتينِ وقولِه: "ما بينَ هذينِ وقتٌ" ، وفيها زيادةٌ يجبُ قَبُولُها والعَمَلُ بها؛ لنقلِ العُدُولِ لها. وليس تَقصيرُ من قصَّرَ عن حفظِ ذلك وإتقانِه والإتيَانِ به بحُجَّةٍ، وإنَّما الحُجَّةُ في شَهادَةِ مَن شَهِد، لا في قَولِ من قصَّر عن حفظِ ذلك (٢) وأجمَلَ واختصَر. على أنَّ هذه الآثارَ مُنقطِعَةٌ، وإنَّما ذكَرناها لما وصَفنا، ولأنَّ فيها
ج ٥ ص ٣٣٧أنَّ الصَّلاةَ فُرضَت في الحَضَرِ أربَعًا، لا رَكعتينِ، على خِلافِ ما زَعَمتْ عائِشةُ. وقال بذلك جماعةٌ، وردُّوا حديثَ عائشةَ، وإن كانَ إسنادُه صحيحًا، بضُرُوبٍ من الاعتِلالِ، سنذكُرُ ذلك كلَّه أو بعضه، في بابِ صالح بنِ كيسَانَ، من كتابِنا هذا إن شاءَ اللهُ، فعنه رَوَى مالِكٌ حديثَ عائشةَ أنَّ الصَّلاةَ فُرضت ركعتين، ثم زِيدَ في صَلاةِ الحَضَر (١) .
-
ومن حُجَّةِ مَن ذهَب إلى أنَّ الصَّلاةَ فُرضت أربَعًا في الحَضرِ، وفي السَّفَرِ ركعتين، ولم يُزَدْ في شيءٍ من ذلك ولا نُقصَ، ما حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيب، قال (٢) : أخبرنا عمرُو بنُ عليِّ، قال: أخبرَنا يحيَى وعبدُ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن بُكيرِ بنِ الأخنَسِ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباس، قال: فُرضتِ الصَّلاةُ على لسانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحَضرِ أربعًا، وفي السَّفَرِ ركعتين، وفي الخَوفِ ركعةً.
قال أبو عُمر: يعني مع الإمام، ثم يُتمُّونَ برَكعةٍ أُخرى، واللهُ أعلمُ.
-
وقد قيلَ: إنَّ ركعةً تُجزئُ في الخوفِ، وليسَ هذا موضعَ ذكرِ اختلافِهم في صلاةِ الخوفِ.
وقالت طائِفةٌ: فرضُ الصَّلاةِ على حَسَبِ ما قد استُقِرَّ عليه في إجماع المسلمينَ، وقصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ كانَ بعدَ ذلك رُخصةً من الله عزَّ وجلَّ وصدَقَةً وتوسِعةً
ج ٥ ص ٣٣٨ورحمَةً. قالوا: ولم يَقصُرْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - آمنًا إلّا بعدَ نُزولِ آيةِ القَصْرِ في صلاةِ الخوفِ، وكان نُزولُها بالمدينَةِ، وفُرضَتِ الصَّلاةُ بمكَّةَ.
-
واحتَجُّوا بآثارٍ سنذكُرُها في بابِ ابنِ شهاب، عن رجُل من آلِ خالدِ بنِ أَسِيدٍ (١) إن شاء اللهُ تعالى؛ لأنَّه موضِعُها.
-
ومن حُجَّتِهم أيضًا: ما حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ أبي رافِع البغداديُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا وُهيبُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ سَوادَةَ القُشيريُّ، عن أبيه، عن أنسِ بنِ مالكٍ - رَجُلٌ منهم - أتى المدينَةَ، وأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يتغدَّى، فقال: "هلُمَّ إلى الغَدَاء" . فقال: يا نَبيَّ الله، إنِّي صائِمٌ. فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ اللهَ وضَع عن المسافِرِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ" (٢) . قالوا: "ووضَع" لا يكونُ إلَّا من فَرض مُتقدِّم، واللهُ أعلمُ.
- ج ٥ ص ٣٣٩
وروَى هذا الحديثَ أيُّوبُ (١) ، وأبو قِلابَةَ (٢) ، وأبو هِلالٍ الرَّاسبيُّ (٣) ، وجماعةٌ من عُلماء البصرَةِ مثلَه، ولكنَّه حديثٌ فيه من روايةِ أبي قِلابَةَ وأبي هِلالٍ اضطرابٌ كثيرٌ.
-
وأمَّا قولُ الشَّعبيِّ، وميمُونِ بنِ مِهرانَ، وابنِ إسحاقَ: إنَّ الصَّلاةَ فُرِضت ركعتين، ثم زيدَ في صلاةِ الحضَرِ. فذكَر أبو بكر بنُ أبي شَيبةَ (٤) ، قال: حدَّثنا عُبيدةُ بنُ حُميدٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: أوَّلُ ما فُرِضتِ الصَّلاةُ فُرِضت ركعتين ركعتين، فلمَّا أتى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينةَ زاد مع كلِّ ركعتَينِ ركعتَينِ، إلَّا المغرِبَ.
قال أبو عُمر: قولُ الشَّعبيِّ هذا أصلُه من حديثِ عائشَةَ، وقد يُمكنُ أن يأخُذَه عن الأسودِ أو مَسرُوقٍ عن عائشةً؛ فأكثرُ ما عندَه عن عائشةَ هو عنهما (٥) .
- ج ٥ ص ٣٤٠
وروى يُونُسُ بنُ بُكيرٍ، عن سالمٍ مولى أبي المهاجِرِ، قال: سمعتُ ميمُونَ بنَ مِهرانَ يقولُ: كانَ أوَّلُ الصَّلاةِ مثنى، ثم صلَّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أربعًا، فصارَت سُنَّةً، وأُقرَّتِ الركعتان للمُسافرِ، وهي تمامٌ. وهذا إسنادٌ لا يُحتجُّ بمِثلِه.
- ج ٥ ص ٣٤١
وقولُه: فصارَتْ سُنَّةً قولٌ مُنكرٌ، وكذلك استثناءُ الشَّعبيِّ المغربَ وحدَها ولم يَذكُرِ الصبحَ، قولٌ لا معنَى له، ومن قال بهذا مِن أهلِ السِّيرِ قال: إنَّ الصَّلاةَ أُتِمَّت بالمَدينةِ بعدَ الهِجَرةِ بشَهرٍ وأربَعَةِ أيّام.
-
وقد أجمَعَ المسلمونَ أنَّ فرضَ الصَّلاةِ في الحضَرِ أربعٌ، إلَّا المغربَ والصُّبحَ، ولا يعرِفُون غيرَ ذلك عَمَلًا ونقلًا مُستفيضًا، ولا يضُرُّهم الاختِلافُ فيما كان أصلَ فرضِها، وإنَّما فائدةُ قولِ عائشةَ: فُرضتِ الصَّلاةُ ركعتين ركعتين - إن صحَّ قولُها - إيجابُ فرضِ القَصرِ في السَّفرِ، وسنُبيِّنُ اختلافَ العُلماء في ذلك ووجهَ الصَّوابِ فيه، إن شاء اللهُ، في باب صالح بنِ كيسانَ (١) ، من كتابِنا هذا بحولِ الله.