ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١

الصفحة ١٣ من ٢١

  1. وقد رَوَاه عن الصُّبَيِّ: مسروقٌ (٤) ، وأبو وائِل (٥) (٦) .

    ج ٥ ص ٥١٣
  2. ومنها: حديثُ حَفصَةَ الذي قَدَّمنا ذكرَه، ومنها: حديثُ أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لبَّيكَ بحَجَّةٍ وعُمرَةٍ" . معًا؛ رَواه حُميدٌ الطَّوِيلُ (٧) ،

    ج ٥ ص ٥١٤وحَبِيبُ بنُ الشَّهيدِ (١) ، عن بكير المُزنيِّ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُلَبِّي بالحجِّ والعمرةِ جميعًا. قال بكر: فحدَّثْتُ بذلك ابنَ عمرَ، فقال: لبَّى بالحَجِّ وحدَه. فلَقِيتُ أنسًا فحدَّثتُه، فقال: ما تَعُدُّوننا إلَّا صِبْيانًا، سمِعتُ (٢) رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "لبَّيكَ بحَجَّةٍ وعمرةٍ" معًا.

  3. وهذا الحديثُ يُعارِضُ ما رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَمَتَّعَ (٣) . وفيهما نَظَرٌ، ويُخرَّجُ على مَذهَبِ ابنِ عمرَ في التَّمتُّعُ أنَّه لبَّى بالحَجِّ وحدَه مِن مكة.

  4. وقد روَى معمرٌ وغيرُه، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ معًا (٤) . ورُوِي عن أنسٍ مِن وُجُوهٍ.

  5. ومنها ما رَواه قتادةُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، أنَّه قال له: إنِّي أُحدِّثُك حديثًا لعَلَّ اللهَ أن يَنفَعَك به، اعلَمْ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد جَمَع بينَ حَجٍّ وعُمرةٍ، ولم يَنزِلْ فيهما كِتابٌ، ولم يَنْهَ عنهما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، قال فيهما رجلٌ برَأْيِه (٥) .

  6. وهذا قد تَأوَّلَه جماعةٌ على التَّمَتُّع، وقالوا: إنَّما أراد عِمرانُ بقولِه: إن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قد جَمَع بينَ حَجٍّ وعُمْرِة، أي: أنَّه جمَع بينَهما في سَفْرةٍ واحدةٍ وحَجَّةٍ واحدةٍ. وقد رُوِي عن عمرانَ ما يَعْضُدُ هذا التأويلَ؛ روَى الحسنُ (١) وأبو رجاءٍ (٢) ، عن عمرانَ بنِ حصينٍ قال: نَزلت آيةُ المتعةِ في كتابِ الله، وفعَلْناها مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يَنْزِلْ قرآن يُحرِّمُه، ولم يَنْهَ عنه حتى مات، قال رجلٌ بعدُ برَأيِه ما شاء.

    ج ٥ ص ٥١٥
  7. ومنها: روايةُ شُعبةَ، عن الحكم، عن عليٍّ بنِ حسينٍ، عن مروانَ بنِ الحكم، قال: شَهِدتُ عثمانَ وعليًّا بينَ مكةَ والدينةِ، وعثمانُ يَنْهَى أن يُجمَعَ بينَ الحجِّ والعمرةِ، فلمَّا رأى ذلك عليٌّ لبَّى بهما جميعًا، فقال: لبَّيْكَ بحجٍّ وعمرِة معًا. فقال له عثمانُ: ترَاني أنهى عنها وتَفْعَلُها. فقال عليٌّ: لم أكنْ لأدَعَ سُنَّة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (٣) . وهذا يَحتَمِلُ أن يكونَ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أباح ذلك، فصار سُنَّة.

    قال أبو عُمر: التَّمَتُّع والقِرانُ والإفرادُ، كلُّ ذلك جائزٌ بسُنَّةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد مَضَى القولُ في مَعنَى نَهْي عمرَ عن التَّمَتُّع بما فيه بيانٌ لِمَن فَهِم. ولم يكنْ تَمتُّعٌ

    ج ٥ ص ٥١٦ولا قِرانٌ في شيءٍ مِن حَجِّ الجاهليةِ، وإنَّما كانوا على الإفرادِ، وكانوا يَروْن العمرةَ في أشهرِ الحجِّ مِن أفجرِ الفجورِ، ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلم وأهلِ السِّيَرِ في ذلك، والإفرادُ أفضَلُ إن شاء اللهُ؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان مُفرِدًا، فلذلك قلنا: إنَّه أفضلُ، لأنَّ آثارَه أصَحُّ عنه في إفرادِه - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ الإفرادَ أكثرُ عمَلًا، ثم العمرةُ عَمَل آخَرُ، وذلك كلُّه طاعَةٌ، والأكْثرُ منهما أفضَلُ.

  8. وأمَّا قولُ عائشةَ في حديثها في هذا البابِ؛ حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عنها قالت: قَدِمْتُ مكةَ وأنا حائضٌ، فلم أطُفْ بالبيتِ، ولا بينَ الصَّفا والمروةِ. ففيه بَيانٌ أنَّ الحائِضَ لا تطوفُ بالبيتِ، وأنَّ الطوافَ لا يجوزُ على غيرِ طهارَةٍ، وذلك حُجَّةٌ على أبي حَنيفةَ وأصحابِه الذين يُجيزُون لغيرِ الطاهِرِ الطوافَ، ويَروْنَ على مَن طاف غيرَ طاهِرٍ مِن جُنُبٍ أو حائِضٍ دمًا، ويُجزِئُه طَوافُه (١) . وعندَ مالكٍ، والشافعيِّ، لا يُجزِئُه ولا بُدَّ مِن إعادَتِه، وحُجَّتُهم أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشةَ حينَ حاضَتْ: "اصْنَعِي كلَّ مَا يصنَعُ (٢) الحاجُّ، غيرَ ألَّا تَطُوفي بالبيتِ" (٣) . وأنَّه قال في صَفِيَّة: "أحابِسَتُنا هي؟ " . قيل: إنَّها قد طافَتْ. قال: "فلا إذَنْ" (٤) .

    ج ٥ ص ٥١٧وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلَّا أن اللهَ عزَّ وجلَّ أحَلَّ فيه (١) النُّطْقَ" (٢) . وقال: "لا صلاةَ إلَّا بطُهورٍ" (٣) . ومن حُجَّةِ أبي حنيفةَ أنَّ الإحرامَ وهو ركنٌ مِن أركانِ الحجِّ يجوزُ بغيرِ طهارَةٍ، ويُستَحَبُّ أن يكونَ على طهارةٍ، فكذلك الطوافُ بالبيتِ.

  9. وأمَّا قولُها: فشَكَوتُ ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "انقُضِي رَأسَكِ وامتَشِطي، وأهِلِّي بالحجِّ، ودَعِي العُمرةَ" فإنَّ جماعَةً مِن أصحابِنا تأوَّلُوا في قولِه: "ودَعِي

    ج ٥ ص ٥١٨العمرَةَ ": ودعِي عملَ العمرةِ؛ يَعني: الطوافَ بالبيتِ، والسَّعْيَ بينَ الصَّفَا والمروةِ. وكذلك تأوَّلوا في روايَةِ مَن روَى: " واسْكُتِي عن العُمرةِ "، ورِوايةِ مَن روَى: " وأمْسِكي عن العمرةِ " (١) ، أي: أمْسِكي عن عملِ العمرةِ، لا أنَّه أمَرَ برَفضها وابتداءِ الحجِّ وإنشَائِه، كما زَعَم العِراقِيُّون.

    وقال العِراقيُّون: قولُه في هذا الحديثِ: "انْقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطي" يدفَعُ تأويلَ مَن تأوَّلَ ما ذكرنا.

    قال أبو عُمر: أجمَع العلماءُ على أنَّ المعتمِرَ لا يَسعَى بينَ الصَّفا والمروةِ حتى يطوفَ بالبيتِ. وأمَّا المعتمِرَةُ يأتيها حَيضُها قبلَ أن تطوفَ بالبيتِ، ويُدرِكُها يومُ عرفةَ وهي حائِضٌ لم تَطُفْ، أو المعتمِرُ يقدَمُ مكةَ ليلةَ عرفةَ، فيخافُ فوتَ (٢) عرفةَ إن طاف بالبيتِ وسَعَى بينَ الصَّفا والمروة، فإنَّ العلماءَ اختَلَفوا في هؤلاء؛ فقال مالكٌ في الحائِضِ المعتمِرَةِ تخشَى فَواتَ عرفةَ: إنَّها تُهِلُّ بالحجِّ، وتكونُ كمَن قَرَن بينَ الحجّ والعمرة ابتداءً، وعليها هَديٌ. ولا يَعرِفُ مالكٌ رَفضَ الحجِّ، ولا رَفضَ العُمرةِ، لمن أحرَم بواحِدٍ منهما. وقولُه: إنَّ الإنسانَ إذا عَقَد على نفسِه الإحرامَ، فلا يحلُّ منه حتى يُؤدِّيَه ويُتِمَّه (٣) .

  10. وبقولِ مالكٍ في هذه المسألةِ قال الأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وإبراهيمُ ابنُ عُليَّة، في الحائضِ، وفي المعتمِرِ يخافُ فَوتَ عرفةَ قبلَ أن يطوفَ، قالوا: ولا يكونُ إهلالُه بالحجِّ نَقضًا للعُمرَةِ، ويكونُ قارِنًا. وحُجَّتُهم قولُ الله عزَّ وجلَّ:

    ج ٥ ص ٥١٩{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] . ودَفَعوا حديثَ عروةَ هذا، وقالوا: هو غَلَطٌ ووَهمٌ، لم يُتَابِع عروةَ على ذلك أحَدٌ مِن أصحابِ عائشة (١) .

    وقال بعضهم: إنَّما كانت عائشةُ يومَئِذٍ مُهِلَّةً بالحجِّ، ولم تكنْ مُهلَّةً بعمرةٍ كما قال عروةُ.

    قالوا: وإذا كانت مُهلَّةً بالحجِّ سقَط القولُ عنا في رَفْضِ العمرةِ؛ لأنَّها لم تكنْ مُهلَّةً بعمرةٍ.

    قالوا: وقد رَوَتْ عَمرَةُ، عن عائشة، والقاسِمُ بنُ محمدٍ (٢) ، عن عائشة، والأسْوَدُ بنُ يزيد (٣) ، عن عائشةَ، ما يَدُلُّ على أنَّها كانت مُحرِمَةً بحجَّةٍ لا بعُمرةٍ. وذكروا حديثَ يحيى بنِ سعيدٍ، عن عَمرَةَ، عن عائشةَ قالت: خرَجنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لخمسٍ بَقِينَ مِن ذي القَعدَةِ، لا نرَى إلَّا أنَّه الحجُّ، أو لا نرَى إلَّا الحجَّ. هكذا رَواه مالكٌ (٤) ، وسليمانُ بنُ بِلالٍ (٥) ، وسفيانُ بنُ عيينة (٦) ، وغيرُهم، عن يحيى بنِ سعيد.

  11. وكذلك روَى (٧) منصور، عن إبرهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: خَرَجنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نَرى إلَّا الحجَّ (٨) .

  12. وروَى حمادُ بنُ سلمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمن بنُ القاسم، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: لبَّينا بالحجِّ، حتى إذا كنَّا بسَرِفٍ حِضْتُ، فدخَل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبْكي، فقال: "ما يُبكِيكِ يا عائشةُ؟ " ، فقلتُ: حِضتُ، ليتَني لم أكنْ حجَجْتُ يا رسولَ الله، فقال: "سبحانَ الله! إنَّما هو شيءُ كتَبه اللهُ على بَناتِ آدمَ، انْسُكي المناسِكَ كلَّها، غيرَ ألَّا تَطُوفي بالبيتِ" . فلمَّا دخَلْنا مكةَ. وذكرَ باقيَ الحديث.

    ج ٥ ص ٥٢٠
  13. حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١) : حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ. فذكَره.

  14. ففي هذا الحديثِ عن عائشةَ: لبَّينا بالحجِّ. وفيه أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها حينَ شَكَتْ إليه حَيضَتَها: "انسُكي المناسِكَ كلَّهَا غيرَ الطَّوَافِ" . وهذا واضِح أنَّها كانت حَجَّةً (٢) مُهلَّةً بالحجِّ، واللهُ أعلم.

  15. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبرنا أبو ثابِتٍ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن أفلَحَ بنِ حميدٍ. وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ أيضًا، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ بنِ فارِسٍ، قال: حدَّثنا أفلَحُ بنُ حُمَيدٍ، عن القاسِم، عن عائشةَ - وهذا لفظُ حديثِ حاتِم، وهو أتَمُّ معنًى، وبَعضُ حديثهما دخَل في بعض - أنَّها قالت: خرَجنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مُهِلِّين بالحجِّ في أشهُرِ الحجِّ وأيام الحجِّ، حتى قَدِمنا سَرِفَ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه: "مَن لم يكنْ منكم ساقَ هَديًا، فأحَبَّ أن يحِلَّ مِن حَجِّهِ بعُمرَةٍ،

    ج ٥ ص ٥٢١فليَفعَلْ ". قالت عائشةُ: فالآخِذُ بذلك مِن أصحابِه والتَّارِكُ. وفي حديثِ عثمانَ بنِ عمرَ: وكان معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ومع ناس مِن أصحابِه الهدْيُ، فلم تكنْ لهم عمرةٌ. ثم رجَع إلى حديثِ حاتِم، قال: فلم يَحلُّوا. قالت: فدخَل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبْكي، وقد أهلَلْتُ بالحجِّ، فقال: " ما يُبكِيكِ؟ "، فقلتُ: حُرِمْتُ العُمرةَ، لستُ أُصَلِّي. قال: " إنما أنتِ امرأةٌ مِن بني آدَمَ، كَتَب اللهُ عليكِ ما كتَب عَلَيْهِنَّ، فكوني على حَجِّكِ، عسى اللهُ أن يَرزُقَكِها ". وذكرَ تمامَ الحديثِ (١) .

  16. ألا ترَى إلى قولها في هذا الحديثِ: وقد أهلَلْتُ بالحجِّ، وقولِه: "فكوني على حَجِّكِ"، وقولها في حديثِ حمادِ بنِ سلمةَ: لبَّينَا بالحجِّ (٢) ، وفي حديثِ أفلَحَ بنِ حُميدٍ: خرَجْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مهلِّين بالحجِّ في أشْهُرِ الحجِّ؟ فهذه الألفاظُ مع ما تَقَدَّم مِن قولها في روايةِ الحفاظِ أيضًا: خرَجنا لا نرَى إلَّا الحجَّ. دليلٌ على أنَّها لم تكنْ مُعتَمِرَةً ولا مُهِلَّةً بعُمْرةٍ كما زَعَم عُروةُ، واللهُ أعلمُ، وإذا لم يكنْ ذلك (٣) ، فكيف يأْمُرُها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - برَفْضِ عُمرَةٍ وهي مُحرِمَةٌ بحجَّةٍ لا بعمرةٍ؟!

    قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: قد اجتَمع هؤلاء - يَعني القاسِمَ، وعَمْرَةَ، والأسودَ - على الرِّوايَةِ التي ذكرنا، فعَلِمنا بذلك أنَّ الرِّوايَةَ التي رُوِيَت عن

    ج ٥ ص ٥٢٢عُروةَ غَلَطٌ (١) ، ويُشْبِهُ أن يكونَ الغَلَطُ إنَّما وقَع فيه أنَّها لم يُمكِنْها الطوافُ بالبيتِ، وأن تَحِلَّ بعُمْرةٍ كما فعَل مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ، فأمَرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَتْرُكَ الطوافَ وتمضِيَ على الحجِّ، فتَوهَّموا بهذا المعنى أنَّها كانت مُعتَمِرةً، وأنَّها تركَت عُمرَتَها وابْتَدأتِ الحجَّ. قال: وكيف يجوزُ (٢) لإنسانٍ أن يَترُكَ عمرتَه أو حجَّه واللهُ يقولُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] ؟ فأمَر بإتمام ما دُخِل فيه مِن ذلك. قال: فإذا حاضَتِ المعتمِرَةُ، وحضَرَ يومُ عرفةَ وخافَتْ فَوتَ الحجِّ، أدخَلَتِ الحجَّ على العمرةِ، وصارَتْ قارنةً، وكذلك الرجلُ إذا أهَلَّ بالعُمرَةِ ثم خاف فَوتَ عرفةَ، أهلَّ بالحجِّ وأدْخَل الحجَّ على العمرةِ، وصار قارنًا، كما يفعَلُ مَن لا يخافُ فَوتَ عرفةَ سواءً، وعليه الهديُ للقِرانِ.

    قال أبو عُمر: وقال أيضًا بعضُ مَن يأْبى رَفْضَ العُمرةِ للحائِضِ مُحتَجًّا لمذهَبِه: قد روَى ابنُ شهابٍ، وهشامُ بنُ عروةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّها قالت يومئذٍ: كنتُ مُهِلَّةً بعُمْرِةٍ (٣) . وهؤلاء حُفَّاظٌ لا يُدْفَعُ حِفْظُهم وإتْقانُهم، وقد صَرَّحُوا عنها بأنَّها كانت مُهلَّةً بعُمْرَةٍ، ووافَقَهم جابِرٌ على ذلك مِن روايَةِ الثِّقاتِ عنه، وذكَر في حديثِه أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَها أنْ تَغْتَسِلَ وتُهِلَّ بالحجِّ،

    ج ٥ ص ٥٢٣فتكونَ قارِنَةً مُدْخِلَةً للحجِّ على عُمْرَتِها (١) ، إذْ لم يُمْكِنْها الطوافُ بالبيتِ لحيضِها، وخَشِيت فَوتَ عرفةَ.

    قالوا: وليس في روايةِ مَن روَى عن عائشةَ: كنَّا مُهِلِّينَ بالحجِّ، وخرَجْنا لا نرَى إلَّا الحجَّ، بيانُ أنَّها كانت هي مُهِلَّةً بالحجِّ، وإنَّما هو استِدْلالٌ؛ لأنَّه يحتَمِلُ أن تكونَ أرادَتْ بقولها: خَرَجْنا؛ تَعني: خرَجَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه مُهِلِّين بالحجِّ. تُريدُ بعضَ أصحابِه، أو أكثرَ أصْحابِه، واللهُ أعلمُ. وليس الاستِدلالُ المحتَمِلُ للتَّأويلِ كالصريحِ، وقد صرَّح جابرٌ بأنَّها كانت يومَئِذٍ مُهِلَّةً بعُمرَةٍ كما قال عروةُ عنها. وقالوا: والوَهمُ الذي دخَلَ على عروةَ، واللهُ أعلمُ، إنَّما كان في قولِه: "انقُضِي رأسَكِ وامتَشِطي، ودَعي العمرةَ وأهلِّي بالحجِّ" .

  17. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعِيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، قال (٢) : حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشةَ قالت: خرَجنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مَن أراد منكم أن يُهِلَّ بالحجِّ فلْيُهِلَّ، ومن أراد منكم أن يُهِلَّ بحجٍّ وعمرةٍ فلْيُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ" . قالت عائشةُ: وأهلَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ، وأهلَّ به ناسٌ معه، وأهلَّ ناسٌ بالحجِّ والعمرةِ، وأهَلَّ ناسٌ بالعمرةِ، وكنتُ ممَّن أهَلَّ بالعمرةِ. قال سفيانُ: ثم غَلَبني الحديثُ، فهذا الذي حَفِظْتُ منه.

  18. فهذا واضِحٌ في أنها كانت مُهِلَّةً بعُمرةٍ.

  19. أخبرنا (١) عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال (٢) : حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه (٣) ، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مُوافِينَ لهلالِ ذي الحِجَّةِ، فقال لنا: "مَن أحَبَّ (٤) منكم أن يُهِلَّ بالحجِّ فليُهِلَّ، ومن أحبَّ أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيُهِل، فلولا أنِّي أهديْتُ لأهْلَلتُ بعُمْرة" . قالت: فمنَّا مَن أهَلَّ بعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بحجَّة، وكنتُ ممَّن أهلَّ بعمرة، فأظلَّني يومُ عرفةَ وأنا حائضٌ، فشَكوْتُ ذلك إلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ارْفُضِي عُمْرتَك، وانْقُضي رأْسَكِ وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحجِّ" . فلمَّا كانت ليلةُ الحَصْبَةِ أرْسَل معي عبدَ الرحمن إلى التَّنعيم، فأهْلَلتُ بعمرةٍ مَكان عُمرَتي.

    ج ٥ ص ٥٢٤
  20. وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنُ يُوسفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ أبي دُلَيْم وعبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْص بنِ غالب، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد الحكَم، قال: حدَّثنا أبو ضَمْرَة أنسُ بنُ عياض، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مُوافينَ لهلالِ ذي الحجَّة، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أحَبَّ منكم أن يُهِلَّ بعُمْرَةٍ فلْيَفعَلْ، فإنِّي لولا أنِّي أهْدَيْتُ لأهْلَلْتُ بعمرة" . قالت عائشة: فأهلَّ بعضُ أصحابِه بعُمرة، وبعضُهم بحجِّةٍ، وكنتُ أنا ممَّن أهلَّ بعُمرة. قالت: فأدرَكَني عرفةُ وأنا حائِضٌ. فذكَرَ الحديث.

  21. وكذلك رَواه حمادُ بنُ سلمة (١) ، وحمادُ بنُ زيد (٢) ، والدَّراوَرْديُّ، وجماعَةٌ، عن هشام بنِ عروة، عن أبيه، عن عائشةَ مثلَه.

    ج ٥ ص ٥٢٥
  22. وقال مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأهْلَلْنا بعمرة (٣) .

    وقال معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عامَ حجةِ الوداع فأهْلَلْتُ بعمرة (٤) .

  23. وقال إبراهيمُ بنُ سعد، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشة، قالت: أهْلَلْتُ معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداع بعُمْرة (٥) .

  24. وروَى ابنُ وَهْب، عن الليثِ بنِ سعد، عن أبي الزُّبير، عن جابرٌ، أنَّ عائشةَ أقْبَلَتْ مُهلَّةً بعُمرة، حتى إذا كانت بسَرِفَ، عَرَكت، فدخَل عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فوجَدَها تَبكي، فقال: "ما يُبكِيك؟ " ، قالت: حِضْتُ ولم أهلل (٦) ، ولم أطُفْ بالبيت، والناسُ يذْهَبُون الآنَ إلى الحجِّ، قال: "فإنَّ هذا أمْرٌ قد (٧) كَتَبه اللهُ على بناتِ آدَمَ، فاغْتَسلي، ثم أهلِّي بالحجِّ" . ففعَلْتُ، ووقَفْتُ المواقِفَ كلَّها، حتى إذا طَهُرْتُ طُفْتُ (٨) بالكعبة، والصفا والمروة، ثم قال: "قد حَلَلْتِ مِن حَجِّك

    ج ٥ ص ٥٢٦وعمرتِكِ " - هكذا قال - فقلتُ: يا رسولَ الله، إنِّي أجدُ في نفسي إنِّي لم أطُفْ بالبيتِ حتى حَجَجْتُ، قال: " فاذهَبْ (١) يا عبدَ الرحمن فأعْمِرْها مِن التَّنْعِيم ". وذلك ليلةَ الحصبَةِ (٢) .

  25. هكذا قال ابنُ وَهْبٍ في هذا الحديثِ بإسْنادِه عن جابِر، أنَّ عائشةَ أقبَلتْ مُهلَّةً بعُمرة. ثم قال فيه: "قد حَلَلْتِ مِن حَجِّكِ وعُمْرَتِك ".

  26. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ محمدٍ المُؤدِّبُ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني أبو الزُّبير، عن جابرٍ، قال: أقبَلنا مُهلِّين بحجٍّ مُفرَدٍ، وأقْبَلَتْ عائشةُ مُهِلَّةً بحَجٍّ وعُمرة، حتى إذا كُنَّا بسَرِفَ عرَكَتْ. وذكرَ الحديثَ، وفيه: "فإنَّ هذا أمْرٌ قد (٣) كتَبه اللهُ على بناتِ آدَمَ، فاغْتَسلي، ثم أهلِّي بحجٍّ " (٤) .

  27. وليس في شيءٍ مِن حديثِ جابر: "ودَعي العُمرةَ "، ولا: " انْقُضي رأْسَكِ، وامْتَشِطي".

    قالوا: والوَجْهُ عندنا في حديثها أنَّها كانت مُهِلَّةً بعُمرةٍ، فلمَّا حاضَتْ وخافت فَوْتَ عَرَفةَ، أمَرها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن تُهِلَّ بالحجِّ مُدخِلَةً له على العُمرة، وإذا كان هكذا، فليس فيه ما يُخالِفُ قولَ الله تبارك وتعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}

  28. [البقرة: ١٩٦] ؛ لأنَّها تكونُ قارِنَةً، ويكونُ عليها حينَئذٍ دَمٌ لقِرانِها. وهذا ما لا خِلافَ في جَوازِه، فالوَهَمُ الداخِلُ على عُروةَ في حديثه هذا إنَّما هو في قوله فيه: "انْقُضي رأسكِ، وامْتَشِطي، وأهِلَّي بالحجِّ، ودَعي العُمرةَ" .

    قال أبو عُمر: قد روَى حمادُ بنُ زيدٍ أنَّ هذا الكلامَ لم يَسْمَعْه عروةُ في حديثه ذلك مِن عائشةَ، فبيَّن مَوْضِعَ الوَهَن (١) فيه.

    ج ٥ ص ٥٢٧
  29. أخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ يُوسفَ وإبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبيد، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: خرَجْنا معَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مُوافينَ لهلالِ ذي الحِجَّة، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "من شاء أن يُهِلَّ بحجٍّ فلْيُهِلَّ، ومن شاء أن يُهِلَّ بعمرةٍ فلْيُهِلَّ" . فمنَّا مَن أهلَّ بحَجٍّ، ومنا مَن أهَلَّ بعمرةٍ، حتى إذا كنتُ بسَرِفَ حِضْتُ، فدَخَل عليَّ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: "ما شَأْنُكِ؟ " ، فقلتُ: ودِدْتُ أنِّي لم أخْرُج العامَ. وذكَرَتْ لهُ مَحيضها، قال عروةُ: فحدَّثني غيرُ واحِدٍ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "دَعِي عُمْرَتَكِ، وانْقُضي رأْسكِ، وامْتَشِطي، وافْعَلي ما يَفْعَلُ الحاجُّ المسلمونَ في حَجِّهم" . قالت: فأطَعْتُ اللهَ ورسولَه. فلمَّا كانت ليْلَةُ الصَّدَرِ أمَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عبدَ الرحمنِ بنَ أبي بكرٍ، فأخْرَجَها إلى التَّنْعِيم، فأهَلَّتْ منه بعمرة (٢) .

  30. وفي روايةِ حمَّادِ بنِ زيدٍ، عن هشام بنِ عروةَ في هذا الحديثِ عِلَّةُ اللفظِ الذي عليه مَدارُ المخالِفِ في النُّكتَةِ التي بها يَسْتَجِيزُ رفضَ العُمرةِ، لأنَّه كلامٌ

    ج ٥ ص ٥٢٨لم يَسْمَعْه عروةُ مِن عائشة، وإن كان حمَّادُ بنُ زيدٍ قد انفَرَد بذلك، فإنَّه ثِقَةٌ فيما نقَل، وبالله التوفيق.

    قال أبو عُمر: الاضطرابُ عن عائشةَ في حديثها في الحجِّ عظيمٌ، وقد أكثرَ العلماءُ في توجِيهِ الرِّواياتِ فيه، ودفَع بعضُهم بعضًا ببعض، ولم يستَطيعوا الجمعَ بينَها (١) ، ورام قومٌ الجمعَ بينَها في بعضِ مَعانِيها، وكذلك أحاديثُها في الرَّضَاع مُضطَربَةٌ أيضًا. وقال (٢) بعضُ العلماء في أحادِيثها في الحجِّ والرَّضَاع: إنَّما جاء ذلك مِن قِبَلِ الرُّواة. وقال بعضُهم: بل جاء ذلك منها. فاللهُ أعلم.

  31. وروَى محمدُ بنُ عُبيد، عن حمَّادِ بنِ زيد، عن أيوب، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ قال: ألا تَعْجَبُ مِن اختلافِ عروةَ والقاسِم؟ قال القاسِمُ: أهَلَّتْ عائشةُ بالحجِّ. وقال عروةُ: أهَلَّتْ بعُمرة (٣) .

  32. وذكَر الحارِثُ بنُ مِسْكين، عن يُوسفَ بنِ عمرٍو (٤) ، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، أنَّه قال في حديثِ عروةَ، عن عائشةَ في الحجِّ: ليس عليه العَمَلُ عندَنا قديمًا ولا حديثًا، ولا نَدْري أذلك كان ممَّن حدَّثَه أو مِن غيرِه؟ لم نَجِدْ (٥) أحدًا مِن الناسِ أفْتَى بهذا.

    ج ٥ ص ٥٢٩قال أبو عُمر: يريدُ مالكٌ أنه ليس عليه العمَلُ في رَفْضِ العُمرة؛ لأنَّ العَمَلَ عليه عندَه في أشياءَ كثيرة؛ منها: أنه جائز للإنسانِ أنْ يُهلَّ بعمرةٍ ويتَمتَّعَ بها. ومنها: أن القارِنَ يطوفُ طوافًا واحدًا، وغيرُ ذلك ممَّا فيه ما نذْكُرُه في هذا البابِ إن شاء الله.

    وقال الثوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه: المعتمِرَةُ الحائِضُ إذا خافَتْ فَوْتَ عرفةَ رفَضَتْ عُمْرَتَها وألغَتْها، وأهَلَّتْ بالحجِّ، وعليها لرَفْضِ عُمْرَتِها دَمٌ، ثم تَقْضي عمرةً بعدُ (١) . وحُجَّتُهم في ذلك حديثُ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، وحديثُ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها في حديثها المذكورِ في هذا الباب: "دَعي عُمْرَتَك، وانقُضِي رأُسَكِ، وامْتَشِطي، وأهِلِّي بالحَجِّ" . قالوا: ولا يُقاسُ بالزُّهريِّ وعروةَ أحدٌ في الحفْظِ والإتقانِ. قالوا: وكذلك روَى عكرمةُ، عن عائشة (٢) ، وابنُ أبي مُلَيكَةَ، عن عائشةَ (٣) . وزيادَةُ مثلِ الزهريِّ وهؤلاء مَقْبُولةٌ، وقد زادوا وذكَروا ما قَصَّرَ عنه غيرُهم وحذَفَه، وليس مَن قَصَّرَ عن ذِكْرِ شيءٍ ولم يذْكُرْه بحُجَّةٍ على مَن ذكَرَه.

    قال عبدُ الرَّزَّاق: ذكَرْتُ للثوريِّ ما حدَّثنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نَجِيح (٤) ، عن مجاهدٍ، قال: قال عليٌّ رضي اللهُ عنه: إذا خَشِيَ المتمَتِّعُ فَوْتًا أهَلَّ بحَجٍّ في (٥) عُمْرتِه، وكذلك الحائضُ المعتمِرَةُ، تُهِلُّ بحَجٍّ في (٦) عُمْرَتِها. قال: وحدَّثنا

    ج ٥ ص ٥٣٠هِشَامٌ، عن الحسنِ مثلَه. وعن طاووس مثلَه. فقال الثوريُّ: لا نقولُ بهذا، ولا نأخُذُ به، ونأخُذُ بحديثِ عائشةَ، ونقولُ: عليها لرَفْضِ عُمرتِها دَمٌ.

    قال أبو عُمر: ليس في حديثِ عروةَ، عن عائشةَ - وهو الذي أخَذَ به الثوريُّ - ذكْرُ دَم، لا مِن روايَةِ الزُّهريِّ، ولا مِن روايَةِ غيرِه، بل قال فيه هشامُ بنُ عروةَ: ولم يكنْ في شيءٍ مِن ذلك دَمٌ. ذكَر ذلك أنسُ بنُ عياضٍ وغيرُه، عن هشام بنِ عروةَ في حديثه هذا.

  33. ومِن حُجَّةِ الثوريِّ ومَن قال بقولِه في رَفْضِ العُمرة، قولُ عائشةَ لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حينئذٍ: يا رسولَ الله، يرجِعُ صَواحبي بحجٍّ وعُمرةٍ، وأرْجعُ أنا بالحجِّ؟ ولو كانت قارنَةً قد أدْخَلَتْ على عُمْرَتِها حجًّا لم تَقُلْ ذلك، واللهُ أعلمُ. ولذلك أمَرَ أخاها أن يخرُجَ بها إلى التَّنْعِيم فتَعْتَمِرَ منه مكانَ العُمْرَةِ التي رفَضَتْها.

  34. وهذا القولُ قد دفَعْناه فيما مَضَى مِن هذا البابِ، وإنَّما يُؤخَذُ هذا اللَّفْظُ مِن حديثِ القاسِم بنِ محمد، عن عائشةَ. رَواه أيمنُ بنُ نابِلٍ عنه (١) . والقاسِمُ يقولُ عنها: إنَّها أهَلَّتْ بحَجٍّ لا بعُمرة. وليس في حديثه رَفْضُ عُمْرَة، وقد يُوجَدُ معنَى حديثِ القاسِم هذا عن الأسودِ، عن عائشةَ، والقولُ في ذلك واحدٌ؛ لأنَّه يلزَمُ من صَحَّح هذا أن يُصحِّحَ أنَّها كانت مُهِلَّةً بحَجٍّ مُفْرَد، فيَبْطُلَ عليه أصْلُه في رَفْضِ العُمْرَة. وقد روَى ابنُ جُريج، عن عطاءٍ وأبي الزُّبير، عن عائشة، أنَّها قالت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّي أجِدُ في نَفْسي مِن عُمْرَتي أنْ لم أكنْ طُفْت. قال: "فاذْهَبْ يا عبدَ الرحمن فأعْمِرْها مِن

    ج ٥ ص ٥٣١التَّنْعِيم" (١) . وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانت قد أدْخَلَتِ الحجَّ على عُمْرَتِها، ولم تَطُفْ لذلك إلَّا طَوافًا واحدًا، فأحَبَّتْ أن تطوفَ طَوافَيْنِ كما طاف مِن صَواحِبها مَن تَمَتَّع وسَلِم مِن الحيضِ حتى طاف بالبيت، واللهُ أعلمُ.

  35. وفي حديثنا المذكورِ في هذا البابِ أيضًا مِن الفِقْهِ على مذهبِ مالك، والشافعيِّ، ومَن دفَع رَفْضَ العُمرةِ: إدْخالُ الحجِّ على العُمرةِ، وهو شيءٌ لا خِلافَ فيه بينَ العلماءِ ما لم يَطُفِ المعتمرُ بالبيت، أو يأْخُذْ في الطواف.

  36. واختلفوا في إدْخالِ العمرةِ على الحجِّ؛ فقال مالكٌ: يُضافُ الحجُّ إلى العُمرة، ولا تُضافُ العمرةُ إلى الحجِّ. قال: فمَن فعَل ذلك فليستِ العمرةُ بشيءٍ، ولا يلزَمُه لذلك شيءٌ، وهو حاجٌّ مُفْرِدٌ، وكذلك مَن أهَلَّ بحجَّةٍ فأدْخَل عليها حجَّةً أُخرَى، أو أهَلَّ بحجَّتَيْن، لم تلزَمْه إلَّا واحدةٌ، ولا شيءَ عليه (٢) . وهذا كلُّه قولُ الشافعيِّ، والمشهورُ مِن مذْهَبِه. وقال ببغداد: إذا بدأ فأهَلَّ بالحجِّ، فقد قال بعضُ أصْحابِنا: لا يُدْخِلُ العمرةَ عليه. والقياسُ أنَّ أحدَهما إذا جاز أن يدخُلَ على الآخَرِ فهما سواءٌ (٣) .

    وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ، ومحمدٌ (٤) : مَن أضاف إلى حجِّه (٥) عمرةً، لزمَتْه وصار قارِنًا، وقد أساء فيما فعَل.

    ج ٥ ص ٥٣٢وقال أبو حنيفةَ: مَن أهَلَّ بحجَّتين، أو عمرتَيْن، لزِمَتاه، وصار رافِضًا لإحداهما حينَ يتوجَّهُ إلى مكةَ.

    وقال أبو يُوسفَ: تلزَمُه الحجَّتانِ، ويصيرُ رافِضًا لإحداهما ساعتَئذٍ.

    وقال محمدُ بنُ الحسنِ بقولِ مالكٍ والشافعيِّ: تلزَمُه الواحدَةُ إذا أهلَّ بهما جميعًا، ولا شيءَ عليه (١) .

    وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أحْرَم بحجَّةٍ فليس عليه أن يضُمَّ إليها عمرةً، ولا يُدْخِلَ إحرامًا على إحرام، كما لا يُدْخِلُ صلاةً على صلاة (٢) .

  37. وفيه أيضًا: أنَّ القارِنَ يُجزِئُه طوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ (٣) . وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ وأصحابُهما، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور. وهو مذهبُ عبدِ الله بنِ عمرَ، وجابرِ بنِ عبدِ الله، وعطاء بنِ أبي رباح، وقولُ الحسنِ، ومجاهِد، وطاووس (٤) .

  38. وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ حديثُ مالكٍ هذا، عن ابنِ شهاب، عن عروة، عن عائشة، وفيه قالت: إنَّ أصحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الذين جمَعوا الحجَّ والعُمرةَ إنَّما طافوا طوافًا واحدًا. فإن قيل: إنَّ مَن روَى هذا الحديثَ عن ابنِ شهابٍ لم يذكُرْ هذا فيه مِن قولِ عائشة. قيل له: إنَّ تَقْصيرَ مَن قصَّرَ عنه ليس بحُجَّةٍ على مَن حَفِظه، ومالكٌ أثْبَتُ الناسِ عندَ الناسِ في ابنِ شهابٍ، وقد ذكَره مالكٌ، وحَسْبُك به.

  39. ومن حُجَّتِهم أيضًا حديثُ الدَّراورديِّ، عن عبيدِ الله بنِ عمر، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَن جمَع الحجَّ والعمرةَ كفاه لهما طوافٌ واحِدٌ وسَعْيٌ واحِدٌ" (١) .

    ج ٥ ص ٥٣٣
  40. فإن قيل: الدَّراورديُّ غَلِط في هذا الحديثِ فرفَعه، وإنَّما هو حديثٌ موقوفٌ، كذلك رَواه كلُّ مَن رواه عن عُبيدِ الله، وكذلك رواه مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ موقوفًا (٢) .