ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١
الصفحة ١٤ من ٢١
- ج ٥ ص ٥٣٤
قيل لهم: قد روى أيوبُ بنُ موسى (١) ، وأيوبُ السَّخْتيانيُّ (٢) ، وإسماعيلُ بنُ أُميَّة (٣) ، والليثُ بنُ سعد (٤) ، وموسى بنُ عقبة (٥) ، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّه قال لما خرَج إلى مكةَ مُعْتَمرًا مخافَةَ الحَصْر، قال: ما شأنُهما إلَّا واحِدٌ، أُشْهِدُكم أنِّي قد أوجَبْتُ إلى حَجَّتي عمرةً. ثم تقدَّم فطاف لهما طوافًا واحدًا، وقال: هكذا فعَل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد ذكرنا الطُّرُقَ عن هؤلاءِ في هذا الحديث، في بابِ نافِع (٦) . والحمدُ لله.
-
ومن حُجَّتِهم أيضًا: حديثُ ابنِ أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "إذا رَجَعْتِ إلى مكةَ فإنَّ طَوافَكِ يُجزِئُكِ لحجِّكِ وعُمْرَتِكِ" (٧) .
-
ومِن حُجَّتِهم أيضًا: حديثُ أبي الزبير، عن جابِر، رواه الليثُ (٨) وابنُ جريج (٩) وغيرُهما، عن أبي الزبير، عن جابر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشةَ: "طوفي بالبيتِ، وبينَ الصفا والمَرْوة، ثم قد حَلَلْتِ مِن حَجِّكِ وعُمرتِكِ" .
- ج ٥ ص ٥٣٥
وروى ربَاحُ بنُ أبي معرُوف، عن عطاء، عن جابر، أنَّ أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يزيدوا على طوافٍ واحد (١) .
-
وروى منصورُ بنُ أبي الأسود، عن عبدِ الملك، عن عطاء، عن ابنِ عباس، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيتِ طوافًا واحدًا لحجَّتِه وعمرتِه (٢) .
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ خطأٌ واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ فيه أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان قارنًا أو مُتمتِّعًا، وهو حديثٌ مُختلفٌ فيه عن عطاء، إلَّا أنَّه يُشْبِهُ مذْهَبَ ابنِ عمر، وهو معرُوفٌ مِن مذْهَبِ ابنِ عباسٍ في التَّمتُّع (٣) .
-
وقال الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وابنُ أبي ليلى، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والحسنُ بنُ صالح: على القارِنِ طوافانِ وسَعْيان (٤) . ورُوي هذا القولُ عن عليٍّ بنِ أبي طالب، وعبدِ الله بنِ مسعود. وهو قولُ الشعبيِّ، وجابرِ بنِ زيد، وعبدِ الرحمن بنِ الأسود (٥) .
- ج ٥ ص ٥٣٦
وروى سعيدُ بنُ منصور، عن هُشيم، عن منصورِ بنِ زاذانَ، عن الحكَم، عن زيادِ بنِ مالك، عن عليٍّ وعبدِ الله، قالا في القارِن: يطوفُ طوافَيْن، ويَسْعَى سَعْيَين (١) .
-
وروى منصورٌ، عن إبراهيمَ ومالكِ بنِ الحارث، عن أبي نَصرٍ السُّلَمِيِّ، قال: أهْلَلْتُ بالحجِّ، فأدْرَكْتُ عليًّا، فقلتُ له: إنِّي أهْلَلْتُ بالحجِّ، أفأسْتَطيعُ أن أُضيفَ إليه عُمْرةً؟ قال: لا، لو كُنْتَ أهْلَلْتَ بعُمْرَةٍ ثم أرَدْتَ أنْ تُضيِفَ إليها حجًّا، ضَمَمْتَه. قال: قلتُ كيف أصنَعُ إذا أردْتُ ذلك؟ قال: تَصُبُّ عليك إداوةً مِن ماء، ثم تُحرِمُ بهما جميعًا، وتطوفُ لكلِّ واحدٍ منهما طوافًا؛ ورواه شعبةُ (٢) ، والثوريُّ (٣) ، عن منصور.
-
وروى الأعمشُ هذا الحديثَ، عن إبراهيمَ ومالكِ بنِ الحارث، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أُذيْنَة، قال: سألتُ عليًّا. فذكَرَه (٤) .
- ج ٥ ص ٥٣٧
وردُّوا حديثَ عطاء، عن عائشةَ؛ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "طوافُكِ يُجزئُك لحجِّكِ وعمرتِكِ" (١) بأنّ عروةَ روَى عنها: "انْقُضي رأْسَكِ، وامْتَشِطي، ودَعِي العُمرةَ، وأهلِّي بالحجِّ" . قالوا: فكيف يكونُ طوافُها في حجَّتِها التي أحْرَمَتْ بها بعدَ ذلك يُجزئُ عنها مِن حجَّتِها تلك ومِن عُمْرَتِها التي رفَضتْها وترَكَتْها؟ هذا مُحالٌ. وزَعَموا أنَّ حديثَ عطاء، عن عائشة، لم يُتابَعْ عليه ابنُ أبي نَجيح، وأنَّ حديثَ عطاء، عن جابر، رواه أبو الزُّبير، عن جابر، فجعَلَه في السَّعْي، قال: لم يَطُفِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه بينَ الصفا والمروةِ إلَّا طوافًا واحدًا (٢) .
-
وسنَزِيدُ القولَ في إدْخالِ العمرةِ على الحجِّ، وفي طَوافِ القارِن بيَانًا في بابِ نافِع مِن كتابِنا هذا إن شاء الله (٣) .
-
وفي قولِ عائشةَ في حديثِ مالك: وأمَّا الذين أهَلُّوا بالحجِّ، أو جمَعوا الحجَّ والعُمْرةَ، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا، دليلٌ على أنَّ الحاجَّ يُجزِئُه في حجِّه، إذا كان مُفْردًا أو قارنًا، طوافٌ واحِدٌ، ويقْضي بذلك فَرْضَه، فإن جعَلَه الطَّوافَ يومَ النَّحْر (٤) ، ووصَله بالسَّعْي، لم يكنْ عليه شيءٌ في تَرْكِ طَوافِ القُدوم غيرُ الدَّم، وإن كان مَعْذُورًا في تَرْكِه لم يأْثَم. والطَّوَافُ الموصولُ بالسَّعْي في حينِ دُخولِ مكَّة، لمالكٍ وأصحابِه في نِيابتِه عن طواف الإفاضة مذْهَبٌ نَذْكُرُهُ في بابِ نافع إن شاء الله.
- ج ٥ ص ٥٣٨
حديثٌ حاديَ عشَر لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنها أخْبَرتْه، أنّ أفْلَحَ أخا أبي القُعَيسِ جاء يَستأذِنُ عليها - وهو عمُّها مِن الرَّضاعةِ - بعدَ أن نزَل الحجابُ. قالت: فأبَيتُ أن آذنَ له، فلمَّا جاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أخْبَرتُه بالذي صنَعتُ، فأمَرَني أن آذنَ له (٢) .
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ دليلٌ على أن احتجابَ النساء مِن الرجالِ لم يكنْ في أوَّلِ الإسلام، وأنهم كانوا يَرون النساء، ولا يَستَترُ نساؤُهم عن رجالهم إلَّا بمثلِ ما كان يَستَترُ رجالُهم عن رجالهم، حتى نزَلتْ آيةُ (٣) الحجابِ. وكان سبَبَ نزولها فيما قال أهلُ العلم بالتفسيرِ والسِّير: أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صنَع طعامًا في هداءِ زينبَ (٤) ودعا إليه أصحابَه، وذلك في بيتِ أمِّ سلَمةَ، فلمَّا أكلوا أطالوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدخُلُ ويخرُجُ، ويَسْتَحي منهم، فأنزَل اللهُ عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
ج ٥ ص ٥٣٩طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ. يقول: غير مُنْتَظِرين ومُتَحَيِّنين وقتَه؛ يَعْني: وقتَ الطعام، {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (١) [الأحزاب: ٥٣] . وأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ:
ج ٥ ص ٥٤٠{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: ٢٧] . وقُرِئَتْ: (حتى تَسْتأْذِنوا) (١) . ثم نزلتْ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ
ج ٥ ص ٥٤١لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: ٥٩] . فأُمِر النساءُ بالحجابِ، ثم أُمِرْن عندَ الخروج أن يُدنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابِيبِهنَّ، وهو القِناعُ. وهو عندَ جماعةِ العلماء في الحرائرِ دونَ الإماء.
-
وفيه أيضًا: أن ذوي المحارم مِن النسَبِ والرَّضاع لا يُحتَجَبُ منهم، ولا يُستَرُ عنهم إلَّا العَوراتُ، والمرأةُ في ما عَدَا وجْهَها وكفَّيْها عورةٌ، بدليلِ أنها لا يجوزُ لها كشفُه في الصلاة، وقُبلُ الرجلِ ودبُرُه عورةٌ مُجتَمَع عليها.
-
وقد ذكرنا اختلافَ الناسِ في الفَخِذِ مِن الرجل، وبيَّنا معانيَ العورةِ، في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ (١) ، وفي بابِ صَفْوَانَ بنِ سُليم (٢) ، وذكرنا هناك مَن (٣) يلزَمُ المرأةَ الاسْتِتارُ عنه، وزِدْنا ذلك بيانًا في بابِ هشام بنِ عروةَ، وجرَى مِن هذا المعنَى ذِكْرٌ في الباب الذي يلي هذا لابنِ شهابٍ، وأوضَحْنا في بابِ صَفْوانَ بنِ سُليم المعنَى في الاحتِجابِ والاستِئذانِ على ذواتِ المحارم جُمْلةً، وما يحِلُّ لذي المحرَم أن يَراه مِن ذاتِ محارمه، وما يَحِلُّ مِن ذلك للعَبِيدِ الذُّكورِ والإماء. والحمدُ لله.
- ج ٥ ص ٥٤٢
وذكر إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المديني، قال: حدَّثنا سفيان، قال: سَمِعناه مِن الزُّهري، عن نَبْهان، أنَّه كان يقودُ بأُمِّ سلَمةَ بعيرَها، فسَألتْه: كم بَقِيَ عليك مِن كتابَتِكَ؟ فقال: ألفُ درهم. قالت: فهي عندَك؟ قال: نعم. قالت: فأعْطِها فلانًا. قال علي: قد سمَّاه سفيانُ فذهَب مِن كتابي. وألقَتِ الحجابَ، وقالت: عليك السلامُ، إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كان لإحداكُنَّ مُكاتَبٌ عندهُ ما يُؤدِّي فلْتَحْتَجِبْ منه" (١) .
- ج ٥ ص ٥٤٣
وفيه: أن لبنَ الفحلِ يُحرِّمُ. وهذا موضعٌ اختَلف فيه الصحابةُ والتابعونَ وفقهاءُ المسلمين، ومعنَى لبنِ الفحلِ تَحرِيمُ الرَّضاع مِن قِبَلِ الرَّجُل، مثالُ ذلك المرأةُ تُرضِعُ الطفلَ، فيكونُ ابنَها منَ الرَّضاعةِ (١) بإجماع العلماءِ، ويكونُ كلُّ ولدٍ لتلك المرأةِ إخوتَه، وهذا ما لا خلافَ فيه بينَ أحدٍ مِن المسلمين، وبه نزَل القرآنُ، فقال: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء: ٢٣] . وسواءٌ كان رَضاعُهم في زمنٍ واحدٍ، أو واحدًا بعدَ واحدٍ، مِن المرأةِ الواحدةِ، هم كلُّهم إخوةُ رضاع بإجماع.
-
واختَلفوا في زوج المرأةِ المرضِعةِ، هل يكونُ أبًا للطفلِ بأنَّه كان سببَ اللبنِ الذي به أُرضِع؟ وهل يكونُ ولدُه مِن غيرِ تلك المرأةِ إخوةَ الرضيع أم لا؟
فقال جماعةٌ مِن أهل العلم: إن زوجَ تلك المرأةِ أبٌ لذلك الطفل؛ لأن اللبنَ له وبسَبَبِه ومنه، وكلُّ ولدٍ لذلك الرجلِ مِن تلك المرأةِ ومِن غيرِها فهم إخوةُ الصبيِّ المُرضَع، وهذا موضعُ التنازُع.
-
وفي حديثِ عائشةَ هذا بيانُ تحريم الرَّضاع مِن قِبَلِ الرجال؛ لأنَّ أفْلَحَ المستأذِنَ عليها لم يكنْ بينَه وبينَ أبي بكرٍ الصديقِ رَضاعٌ، ولو كان أبو بكرٍ قد رضَع مع أفْلَحَ هذا امرأةً واحدةً لم تَحجُبْه عائشة، وما كانت عائشةُ ولا مثلُها ممَّن يخْفَى عليه مثلُ (٢) هذا، ولكن لمَّا عَلِمتْ أنَّه ليس بأخ لأبيها مِن الرَّضاع حجَبَتْه، وكانت امرأةُ أخيه أبي القُعَيْسِ قد أرْضَعتْها، فصارتْ أُمَّها مِن الرَّضاع، وصار زوجُها أبو القُعَيْسِ أبًا لها (٣) ، فلهذا ما صار أخو أبي القُعَيْسِ عمَّها، ولم تَعلَمْ أن الرجالَ يكونُ الرَّضاعُ واللبنُ مِن قِبَلِهم أيضًا، فحَجَبتْه حتى أعْلَمَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.
- ج ٥ ص ٥٤٤
ألا تَرَى مُراجَعَتَها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عنها، إذْ قالت: يا رسولَ الله، إنَّما أرْضَعتْني المرأةُ، ولم يُرْضِعْني الرجلُ؟ تقولُ: إن هذا الرجلَ ليس أخًا للمرأةِ التي أرْضَعتْني، وإنَّما هو أخُو زوجِها، فقال لها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّه عمُّكِ" (١) . ومن ادَّعى أن أبا القُعَيْس كان رَضِيعَ أبي بكرٍ الصِّديق، فقد كابَر ودفَع الآثارَ. واللهُ المستعان.
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا المُطَّلِبُ بنُ شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعد، قال: حدَّثني عُقَيْل، عن ابنِ شهاب، قال: أخْبَرني عروةُ بنُ الزُّبير، عن عائشةَ زوج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنها قالت: اسْتأذَن عليَّ أفْلَحُ أخُو أبي القُعَيْس بعدما نزَل الحجابُ، فقلت: والله لا آذَنُ له حتى أسْتأْذِنَ فيه رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن أخا أبي القُعَيْس ليس هو الذي أرْضَعَني، ولكنْ أرْضَعتْني امرأته. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ائْذَني له، فإنَّهُ عمُّك، تَرِبتْ يَمِينُكِ" . قال عروةَ: فلذلكَ كانت عائشةُ تقول: حرِّموا مِن الرَّضاعةِ ما تُحرِّمون مِن النَّسَب. قال ابنُ شهاب: فنرَى ذلك يَحرُمُ منه ما يَحرُمُ مِن النَّسب (٢) .
-
أخبرنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ووَهْبُ بنُ مسرَّة، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو (٣) ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عياض، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: جاء عمِّي مِن الرَّضاعةِ
ج ٥ ص ٥٤٥بعدما ضُرِب علينا الحجابُ، فقلت: والله لا آذَنُ له حتى أستأذِنَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فجاء رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: جاء عمِّي مِن الرَّضاعة، فأبَيْتُ أن آذَنَ له حتى أستأذِنَك. قال: "فلْيَلِجْ عليكِ" ، فقلت له: إنَّما (١) أرْضَعتْني المرأةُ ولم يُرْضِعْني الرجدٍ فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّه عمُّكِ، فلْيَلِجْ عليك" . وكانت تقول: يَحرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ مِن الولادة (٢) .
-
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميدي، قال (٣) : حدَّثنا سفيان، قال: سمِعتُ الزهريَّ يُحدِّثُ، عن عروة، عن عائشة، أنها قالت: جاء عمِّي مِن الرضاعةِ أفْلَحُ بنُ أبي القُعَيْسِ يَستأذِنُ عليَّ بعدما ضُرِب الحجابُ فلم آذَنْ له، فلمَّا جاء النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أخبرتُه، فقال: "إنَّه عمُّك، فائْذَني له" .
قال الحُميدي (٤) : قال سفيان: وحدَّثنا هشامُ بنُ عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه (٥) ، وزاد فيه أنها قالت: قلت: يا رسولَ الله، إنَّما أرْضَعَتْني المرأةُ ولم يُرْضِعْني الرجل! فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تَرِبتْ يَمِينُك، هو عمُّكِ، فائْذَني له" .
-
وقد ذكر معمرٌ هذه الزيادةَ في حديثِه هذا عن ابنِ شهاب.
- ج ٥ ص ٥٤٦
ذكر عبدُ الرزاق (١) ، عن معمر، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشةَ، قالت: جاء أفْلَحُ أخو أبي القُعَيْسِ يَستأذِنُ عليها، فقال: إني عَمُّها (٢) ، فأبَتْ أن تأْذَنَ له، فلمَّا دخَل عليها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذكرَتْ ذلك له، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أفلا أذِنْتِ لِعَمِّكِ؟ " . قالت: يا رسولَ الله، إنَّما أرْضَعَتْني المرأةُ، ولم يُرْضِعْني الرجل! قال: "فائْذَني له، فإنَّهُ عمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ" . وقد رواه بعضُ أصحابِ ابن عُيينة عنه، عن ابن شهاب، مثلَ روايةِ مَعْمر (٣) . قال: وكان أبو القُعَيْسِ أخا زوجِ المرأةِ التي أرْضَعتْ عائشة.
قال معمر: وأخبرني هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ نحوَه (٤) .
-
وقد روَاه عِراكُ بنُ مالك، عن عروةَ، فأوْضَح المعنَى فيه، وبيَّن المرادَ منه أيضًا.
-
حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ حَبابةَ، قالا: أخبرنا البغوي، قال (٥) : حدَّثنا عليُّ بنُ الجعدِ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن الحكم، عن عِرَاكِ بنِ مالك، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: استأْذَن عليَّ أفْلَحُ بنُ أبي قُعَيْس فلم آذَنْ له، فقال: إنِّي عَمُّكِ، أرْضَعَتْكِ امرأةُ أخي بلبنِ أخي. قالت: فذكَرتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "صدَق، هو عَمُّكِ، فائْذَني له" .
- ج ٥ ص ٥٤٧
وممَّن قال: لبنُ الفحلِ يُحرِّمُ، والرَّضاعُ (١) مِن قِبَل الرجالِ كهُوَ مِن قِبَل النساء: عروةُ بنُ الزبير، وابنُ شهاب، وطاووسٌ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، وأبو الشعثاء جابرُ بنُ زيد، واخْتُلِف فيه عن القاسم بنِ محمدٍ والحسنِ البصريِّ. وهو مذهبُ ابنِ عباس (٢) .
-
وروى مالكٌ (٣) ، عن ابنِ شهاب، عن عمرِو بنِ الشَّريدِ، قال: سُئل ابنُ عباس عن رجلٍ تزوَّج امرأتَيْن، فأرضَعتْ إحداهما جارية، وأرضَعتِ الأُخرى غلامًا، هل يتَزوَّجُ الغلامُ الجاريةَ؟ قال: لا، اللَّقاحُ واحِد.
وقال عبدُ الرزاق (٤) : أخبرنا (٥) معمرٌ وابنُ جُريج، عن ابنِ طاووس، عن أبيه: أنه كان يُحرِّمُ لبنَ الأبِ ويُسمِّيه لبنَ الفحْل.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدثنا محمدُ بن عمرٍو، قال: حدَّثنا مصعبُ بنُ ماهانَ، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، أنه كان يكره لبنَ الفحل (٦) .
ج ٥ ص ٥٤٨قال ابنُ وضَّاح: وحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا مصعبٌ، عن سفيانَ، عن عبَّادِ بنِ منصور، عن القاسم بنِ محمد، وعطاء بنِ أبي رباح، وطاووس، والحسنِ بنِ أبي الحسن، أنهم كَرِهوا لبنَ الفحل (١) .
قال ابنُ وضَّاح: وأخبرنا أحمدُ بنُ عمرو، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينة، عن عمرِو بنِ دينار، عن أبي الشعثاء جابرِ بنِ زيد، أنه كان يكْرَهُ لبنَ الفحل (٢) .
قال ابنُ وضَّاح: وحدثنا يحيى بنُ جابر من أهلِ القيروان، قال: حدثنا عبدُ الله بنُ فرُّوخ، عن هشام بنِ حسان، عن محمدِ بنِ سيرين، أنه سُئل عن لبنِ الفحل، فقال: يكرَهُه ناسٌ من الفقهاء ولا يكرهُه آخرون، ومن كَرِهه أحبُّ إلينا ممن لم يكرَهْه (٣) .
-
وبتحريم لبنِ الفحلِ قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهم، والثوريُّ، والأوزاعيُّ، والليثُ بنُ سعد، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويةَ،
ج ٥ ص ٥٤٩وأبو ثور (١) . وحُجَّتُهم ما قَدَّمْنا مِن حديثِ عائشةَ في قصةِ أبي القُعَيْس. وهو مذْهَبُ ابنِ عباسٍ وأصحابِه، وعائشةَ على اختلافٍ عنها.
-
وذكر إسماعيلُ القاضي، عن ابنِ أبي أُوَيْسٍ، قال: قال مالكٌ: وقد اختُلِف في أمرِ الرَّضاعةِ مِن قِبَلِ الأبِ، ونزَل برجالٍ مِن أهلِ المدينةِ في أزواجِهم؛ منهم: محمدُ بنُ المنكدرِ وابنُ أبي حَبِيبةَ، فاسْتَفْتَوا في ذلك، فاخْتَلَف الناسُ عليهم؛ فأمَّا ابنُ المنكدرِ وابنُ أبي حَبِيبةَ ففارَقوا نساءَهم. وروى سُحْنُونٌ، عن ابنِ القاسم، عن مالكٍ مثلَه، وزاد: وقد اختُلِف فيه اختلافًا شديدًا.
قال أبو عُمر: وممَّن قال: إن لبنَ الفحلِ ليس بشيءٍ ولا يُحرِّمُ شيئًا: سعيدُ بنُ المسيِّبِ، وسالمُ بنُ عبدِ الله، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، وسليمانُ بنُ يسار، وأخوه عطاءُ بنُ يسار، ومكحولٌ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، والشعبيُّ، والحسنُ البصريُّ على اختلافٍ عنه، والقاسمُ بنُ محمدٍ على اختلافٍ عنه، وأبو قِلابةَ، وإياسُ بنُ معاويةَ. وهو قولُ داودَ، وابنِ عُلية (٢) . وقضَى به عبدُ الملكِ بنُ مَرْوانَ، وكان يقولُ: إن الرجال ليس مِن الرضاعةِ في شيء (٣) . ورُوي ذلك عن ابنِ عمرَ وجابرِ بنِ عبدِ الله (٤) . كلُّ هؤلاء يقولون: لا بأسَ بلبنِ الفحلِ، ولا يُحرِّمُ شيئًا،
ج ٥ ص ٥٥٠ولا تكونُ الرَّضاعةُ من قِبَلِ الرجالِ بحالٍ. وحُجَّتُهم أن عائشةَ كانت تُفْتي بخلافِ حديثِ أبي القُعَيْسِ، روى ذلك عنها القاسِمُ بنُ محمد، مِن روايةِ مالكٍ وغيرِه، وذلك أن القاسمَ قال: كانت عائشةُ تأذنُ لمن أرضَعه أخواتُها وبناتُ أخِيها، ولا تأذنُ لمن أرْضَعه نساءُ إخوتِها ونساءُ بني أخيها.
-
وروى مالكٌ (١) ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها كانت تُدْخِلُ عليها مَن أرْضَعه أخواتُها وبناتُ أخِيها، ولا يَدخُلُ عليها مَن أرْضَعه نساءُ إخْوَتِها.
-
وروى محمدُ بنُ عمرِو بنِ علقمةَ الليثيُّ، قال: قَدِم الزُّهريُّ المدينةَ في أوَّلِ خلافةِ هشام، فذكَر أن عروةَ كان يُحدِّثُ عن عائشة، أن أبا القُعَيْسِ جاء يَستأذِنُ على عائشة، وقد أرْضَعتْها امرأةُ أخيه، فأبَت أن تَأذنَ له، فزعَم عروةُ أن عائشةَ ذكرت ذلك لرسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "فهلَّا أذِنْتِ له، فإن الرَّضاعةَ تُحرِّمُ ما تُحرِّمُ الولادةُ؟ " . ففزع أهلُ المدينةِ لذلك، فذكر محمدُ بنُ عمرٍو أنَّه جاء عبدَ الرحمنِ بنَ القاسِم فسَأله، فقال: أشْهَدُ على القاسم بنِ محمدٍ لكان يُحدِّثُنا أن عائشةَ كانت تَأْذَنُ لِمَن أرضَع أخوَاتُها وبناتُ أخيها عليها، ولا تَأْذَنُ لمن أرضَع نساءُ أخيها وبني أخيها (٢) (٣) .
- ج ٥ ص ٥٥١
ووجدْتُ في كتاب أبي بخطِّه، رحِمه اللهُ، حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عَلقمة، عن يزيدَ بنِ عبدِ الله بنِ قُسَيْطٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيِّبِ، وسليمانَ بنَ يسار، وعطاءَ بنَ يسار، وأبا سلَمةَ بنَ عبدِ الرحمن، عن لبنِ الفحل، فقالوا: ما كان مِن الرَّضاع مِن قِبَلِ الرجالِ، فإنَّه لا يُحرِّمُ شيئًا (١) .
قال: وحدَّثنا أحمدُ بنُ سلَمة، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أيوبُ السَّختيانيُّ قال: أوَّلَ ما سَمِعْتُ بلبنِ الفحلِ وأنا بمكةَ، فجعَل إياسُ بنُ معاويةَ يقولُ: وما بأسُ هذا؟ ومَن يكرَهُ هذا؟ قال: فلمَّا قَدِمْتُ البصرةَ ذكَرْتُ ذلك لمحمدِ بنِ سيرين، فقال: نُبئتُ أن ناسًا مِن أهلِ المدينةِ اختلفوا فيه؛ فمنهم مَن كَرِهه، ومنهم مَن لم يكرَهْه، ومَن كَرِهَه في أنفُسِنا أفْضَلُ ممَّن لم يكرَهْه؛ وممَّنْ كَرِهَه: القاسِمُ بنُ محمد (٢) .
قال: وحدَّثنا يحيى بنُ جابر، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ فَرُّوخ، عن هشام بنِ حسان، عن ابن سيرينَ في لبنِ الفحل، فقال: مَن كرِهَه أحَبُّ إلينا ممَّن لم يكْرَهْه (٣) .
قال: وحدَّثنا محمدُ بنُ رُمْح، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعَةَ (٤) ، عن يحيى بنِ سعيد،
ج ٥ ص ٥٥٢أن واقِدَ بنَ عبدِ الله كان له أخٌ مِن مُزَينةَ مِن الرَّضاعة، فأرْضَعتِ امرأةُ المُزَنيِّ ابنةً لعبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، فتزَوَّجَها واقِدُ بنُ عبدِ الله، وسالمُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ والقاسمُ بنُ محمدٍ إذْ ذاكَ حيَّان لا يُنكِران.
قال: وحدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، أنه كان لا يرَى بلبنِ الفحلِ بأسًا (١) .
قال: وحدَّثنا موسى (٢) بنُ معاوية، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن شعبة، عن الحَكَم بنِ عُتيبةَ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، قال: لا بأسَ بلبنِ الفحل (٣) .
-
فإن قال قائلٌ: حديثُ أبي القُعَيْسِ مُضْطَربٌ، يقولُ فيه الزُّهريُّ: أفْلَحُ أخُو أبي القُعَيْسِ هو المستأذِنُ. وقال محمدُ بنُ عمرٍو: إن أبا القُعَيْسِ كان ذلك. وقال الحكمُ بنُ عتيبة، عن عِرَاكِ بنِ مالك، عن عروةَ: أفْلَحُ بنُ أبي القُعَيْسِ. وهذا اضطرابٌ. قيل له: ليس هذا اضطرابًا يَمنعُ (٤) مِن القولِ بالحديث؛ لأن المعنى المقصودَ بالحديثِ والمرادَ منه مُتَّفَقٌ عليه في الأثر، وهو أن المستأذِنَ مَن كان منهما، فزوجةُ أخيه هي المرضعةُ لعائشةَ، وصيَّره رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك عمًّا لها، وسواءٌ سُمِّي أو لم يُسَمَّ. وجائِزٌ أن يكونَ أفْلَحُ أخا أبي القُعَيْسِ وابنَ أبي القُعَيْسِ؛ لأنه جائزٌ أن يكونَ أبو القُعَيْسِ ابنَ أبي القُعَيْس، وليس في روايةِ ابنِ شهابٍ وعِرَاكٍ ما يَتَدافَعُ.
- ج ٥ ص ٥٥٣
وأمَّا قولُ محمدِ بنِ عمرٍو: إنَّ أبا القُعَيْسِ. فأظُنّه وهمًا، وابنُ شهابٍ فيما نقَل مِن ذلك لا يُقاسُ به غيرُه في حفظه وإتقانِه، فلا حُجَّةَ فيما نزَع به هذا القائِلُ، وكذلك لا حجَّةَ في حديثِ القاسم، عن عائشةَ؛ لأن لها أن تأْذَنَ لمَن شاءَتْ مِن ذوي محارمِها، وتَحجُبَ مَن شاءَتْ، ولو صَحَّ عنها هذا وذاك، لكان المصيرُ إلى السُّنةِ (١) أولى؛ لأن السنةَ لا يَضُرُّها مَن خالفها، والمصيرُ إليها أوْلى، كما صار مَن خالفها في هذه المسألةِ إلى ما رَوَتْه في فَرْضِ الصلاةِ وقَصْرِها، ولم يَصِرْ إلى إتمامِها هي في السفَر. ونحن لا نعلَمُ أن عائشةَ حَجَبتْ مَن حَجَبَتْ ممَّن جرَى ذكرُه في حديثِ القاسِم إلَّا بخبرِ واحِدٍ عن واحد، وبمثلِ ذلك عَلِمْنا حديثَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في قصةِ أبي القُعَيْس، فوَجَب علينا العملُ بالسُّنةِ إذا نقَلها العُدولُ، ولم يَجزْ لنا تَرْكُها بغيرِ سُنَّة، فافْهَم.
-
وقد رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما يُوافِقُ حديثَ أبي القُعَيْس، وهو قولُه - صلى الله عليه وسلم -: "يحرُمُ مِن الرضاعةِ مما يحرُمُ من الولاهة" . و: "يحرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يحرُمُ مِن النَّسَب" . رواه سعيدُ بنُ المسيِّب، عن عليِّ بنِ أبي طالب، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .
-
ورواه مالكٌ (٣) ، عن عبدِ الله بنِ دينار، عن سليمانَ بنِ يسار، عن عروةَ، عن عائشة.
- ج ٥ ص ٥٥٤
ورواه أيضًا مالكٌ (١) ، عن عبدِ الله بنِ أبي بكر، عن عَمْرَة، عن عائشة، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
قال أحمدُ بنُ المُعَذَّل: كلُّ مَن لحِقه الولدُ بشُبْهَةٍ في وطء مِلْكٍ أو نكاح صحيح، فاللبنُ له، يحرُمُ مِن قِبَلِه، وكلُّ مَن لم يَلْحَقْه الولد، ولم يَقَعْ له دَرْؤُه بشُبْهَة، فليس بأبٍ ولا فَحْلٍ يُراعَى لبنُه، لأنه لا يُراعَى له نسبٌ، فكيفَ رَضاعٌ؟ قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ يقولُ ذلك؛ يعني: ابنَ الماجِشُون. قال: ولو كانت جاريةً ما حَرُمَتْ عليه؛ لأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الولدُ للفراش، وللعاهرِ الحجرُ" (٢) فقطَع النسب. وسيأتي ذكْرُ لبنِ الذي يَطَأُ امرأتَه وهي تُرْضِعُ، في بابِ أبي الأسودِ (٣) إن شاء الله.