ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١

الصفحة ٤ من ٢١

  1. وحديثُ أبي ذرٍّ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الأُمراءِ المذكُورينَ حديثٌ صحيحٌ (٢) ، ويقال: إنَّ أبا ذرٍّ لم يُخرَجْ مِن المدينةِ والشَّام إلَّا على إنكارِه عليهم تَأخيرَ الصَّلاةِ. ولا يصحُّ عندي إخراجُه من المدينةِ على ذلك، واللهُ أعلمُ.

    ج ٥ ص ٣٥٧
  2. حدَّثنا خَلفُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال (٣) : حدَّثنا الثَّوريُّ، عن أيُّوبَ، عن أبي العاليةِ، قال: أخَّرَ عُبيدُ الله بنُ زيادٍ

    ج ٥ ص ٣٥٨الصَّلاةَ، فسألتُ عبدَ الله بنَ الصَّامتِ، فضَرَب فخِذِي، ثم قال: سألتُ خَليلي أبا ذرٍّ، فضَرَب فخِذِي، ثم قال: سألتُ خليلي - يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فضَرب فخِذِي، ثم قال: "صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإن أدرَكَتكَ فصلِّ معهُم، ولا تقُولنَّ: إنِّي قد صلَّيتُ فلا أصلِّي" .

  3. وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا وُهيبٌ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن أبي العاليَةِ البَرَّاءِ، قال: أُخِّرتِ الصَّلاةُ على عهدِ عُبيدِ الله بنِ زيادٍ، فمرَّ بي عبدُ الله بنُ الصَّامتِ، فذَكرَ نحوَه بمعنَاه (١) .

  4. وقرأتُ على عبدِ الوارِث بنِ سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبَغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أبي عمرَانَ الجَوْنيِّ (٢) ، عن عبدِ الله بنِ الصامتِ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال لي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا ذرٍّ، كيفَ أنتَ إذا كانَتْ علَيكَ أُمرَاءُ يُميتون (٣) الصَّلاةَ - أو قال -: يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ؟ " قال: قلتُ: يا رسولَ الله، فما تأمُرُني؟ قال: "صلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإذا أدرَكتَها معهُم فصلِّهَا؛ فإنَّها لكَ نافِلَةٌ (٤) .

  5. وقد روَى هذا الخبَرَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عُبادَةُ بنُ الصَّامتِ (١) ، وعامرُ بنُ ربيعَةَ، وقَبيصَةُ بنُ وقَّاصٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ (٢) ، كما رواه أبو ذرٍّ وابنُ مسعودٍ، وهي أيضًا آثارٌ صِحَاحٌ، كلُّها ثابِتَةٌ، وإنَّما حمَل العُلَماءَ، واللهُ أعلمُ، على الصَّلاةِ معهم، أمرُه - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وحضُّه على لُزوم الجماعَةِ.

    ج ٥ ص ٣٥٩
  6. وروَى عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبَرَني عاصمُ بنُ عُبيدِ الله بنِ عاصم، قال: أخبَرني عبدُ الله بنُ عامِرِ بنِ ربيعَةَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّها ستكُونُ بعدِي أُمراءُ يُصلُّونَ الصلاةَ لوَقتِهَا، ويُؤخِّرونها عن وقتِها، فصلُّوا معهم، فإن صلَّوها لوقتِها وصلَّيتُمُوها محهم، فلكم ولهم، فإن أخَّرُوها عن وقتِهَا، فصلُّوهَا معهم، فلكم وعليهِم، مَنْ فارَقَ الجَماعةَ ماتَ مِيتَةً جاهليّةً، ومَن نكَثَ العَهدَ وماتَ ناكثًا للعَهدِ، جاءَ يومَ القِيامَةِ لا حُجَّةَ له" .

    ج ٥ ص ٣٦٠
  7. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ وأحمدُ بنُ زُهيرٍ، قالا: حدَّثنا أبو الوَليدِ الطَّيالِسيُّ، قال: حدَّثنا أبو هاشم الزَّعفَرَانيُّ عمَّارُ بنُ عُمارَةَ، قال: حدَّثني صالحُ بنُ عُبيدٍ، عن قَبيصَةَ بنِ وقَّاصٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يكونُ عليكم أُمرَاءُ من بعدِي يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ، فهي لكم، وهي عليهم، فصلُّوا معهم ما صلَّوا بكُمُ القِبلَةَ" .

  8. وفي قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذرٍّ: "كيفَ بِكَ يا أبا ذرٍّ إذا كان عليكَ أُمرَاءُ؟ " وبقولِه لكبارِ الصحابةِ الذين رَوَوْا هذا الحديثَ: "يكونُ عليكُم أُمراءُ يُؤخِّرونَ الصَّلاة" . دليلٌ على أنَّ تأخيرَ الصَّلاةِ عن وقتِها قد كان قبلَ زَمانِ الوَليدِ بنِ عبدِ الملكِ؛ لأنَّ أبا ذرٍّ تُوفِّي في خِلافَةِ عُثمانَ بالرَّبَذَةِ ودُفنَ بها على قارِعَةِ الطَّريقِ، وصلَّى عليه ابنُ مسعودٍ مُنصرَفَه مِن الكُوفَةِ إلى المَدِينةِ، ومات ابنُ مسعودٍ بعدَ ذلك بيسيرٍ بالمَدينةِ.

  9. وفي قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أبي ذرٍّ وغيرِه: "سيكُونُ عليكُم أُمَرَاءُ يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ عن وقتِها" ولم يقُلْ: خُلَفَاءُ. دليلٌ على أنَّ عُثمانَ رحِمَهُ اللهُ لم يكُنْ ممَّن يُؤخِّرُ الصَّلاةَ، ولا يَظُنُّ ذلك به مُسلمٌ يَعرِفُه، ويعرِفُ الله؛ لأنَّ عُثمانَ منَ الخُلفاءِ، لا منَ الأُمراءِ، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "عليكُم بِسُنَّتي، وسُنَّةِ الخُلفَاء الرَّاشِدينَ المَهديِّينَ بعدِي" (١) ، وهم: أبو بكرٍ، وعُمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ. فسمَّاهُم

    ج ٥ ص ٣٦٢خُلفاءَ. وقال: "الخلافُة بعدِي ثَلاثونَ سنةً، ثمَّ تكُونُ إمرةً ومُلكًا وجَبريَّةً (١) " (٢) . فتضمَّنت مُدَّةَ خلافةِ الأربَعةِ المذكُورين، رضوانُ الله عليهم أجمعينَ.

    ج ٥ ص ٣٦١
  10. ولعلَّ جاهلًا بأخبارِ الناسِ يقولُ: إنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان من الفضلِ والدِّينِ والتَّقدُّم في العلم والخيرِ بحيثُ لا يَظُنُّ به أحدٌ أن يؤخِّرَ الصَّلاةَ عن أفضلِ وقتِها، كما كان يصنَعُ بنُو عمِّه. فإن قيل ذلك، فإنَّ عُمرَ رحِمهُ اللهُ كان كما ذكَرنا وفوقَ ما ذكرنَا، إذْ وليَ الخِلافةَ، وأمَّا وهو أميرٌ على المدينةِ أيامَ عبدِ الملكِ والوليدِ، فلم يكُنْ كذلك. وهذا أشهرُ عندَ العُلماء من أن يُحتَاجَ فيه إلى إكثار.

  11. أخبرَنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ (٣) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثني ابنُ أبي سَبْرةَ، عن المُنذرِ بنِ عُبيدٍ، قال: وليَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز بعدَ صلاةِ الجُمُعةِ، فأنكَرتُ حالَه في العَصرِ (٤) .

  12. وفي هذا الحديثِ أيضًا: ما كان عليه العُلماءُ من صُحبةِ الأُمراءِ والدُّخُولِ عليهم، وإذا كان الأميرُ أو الخليفةُ يَستديمُ صُحبةَ العُلماء، فأجدرُ به أن يكونَ عدلًا مأمونًا، وكان عمرُ رحِمه اللهُ يصحَبُ جماعةً من العُلماء؛ كابنِ شهابٍ،

    ج ٥ ص ٣٦٣وميمونِ بنِ مِهرانَ، ورجاء بنِ حيوةَ، وكان قبلَ ذلكَ يصحَبُ عُبيدَ الله بنَ عبدِ الله، وعُروةَ، وطبقَتَهما.

  13. ذكَر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وعارمُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ الزُّبيرِ، قال: دخَلتُ على عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، فسألني عن الحسنِ كما يَسألُ الرَّجلُ عن ولدِه، فقال: كيفَ طُعْمُه؟ وهل رأيتَهُ يدخُلُ على عَدِيِّ بنِ أرطاةَ؟ وأين مجلسُه منه؟ وهل رأيتَه يَطعَمُ عندَ عديِّ؟ قال: قلتُ: نعم.

  14. وليسَ بنكيرٍ أن يكونَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ خفِيَ عليه حديثُ نزولِ جبريلَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بمواقيتِ الصَّلاةِ، وقد خفِيَ ذلك (١) عن المُغيرةِ بنِ شُعبةَ وله صحبةٌ. وأخبارُ الآحادِ عندَ العُلماء من عِلم الخاصَّةِ، لا يُنكَرُ على أحدٍ جهلُ بعضِها، والإحاطةُ بها مُمتنعةٌ، وما أعلمُ أحدًا من أئمةِ الأمصارِ، معَ بحثِهم وجَمْعِهم، إلَّا وقد فاتَه شيءٌ من السُّننِ المَرويَّةِ من طريقِ الآحادِ، وحسبُكَ بعمرَ بنِ الخطَّابِ، فقد فاتَه من هذا الضَّربِ أحاديثُ فيها سُننٌ ذواتُ عددٍ؛ من روايةِ مالكٍ في "المُوطأ" ، ومن روايةِ غيرِه أيضًا، وليس ذلك بضارٍّ له، ولا ناقصٍ من منزلتِه، وكذلك سائرُ الأئِمَّةِ، لا يقدَحُ في إمامَتِهم (٢) ما فاتَهم من إحصَاء السُّننِ، إذ ذاكَ يسيرٌ في جنبِ كثيرٍ، ولو لم يَجُزْ للعالم أن يُفتيَ ولا أن يتكلَّمَ في العِلم حتى يُحيطَ بجميع السُّننِ، ما جازَ ذلك لأحدٍ أبدًا، وإذا عَلِمَ العالمُ أعظمَ السُّننِ، وكان ذا فهمٍ ومعرفةٍ بالقرآنِ واختلافِ مَن قَبلَه من العُلماء، جازَ له القولُ بالفتوى، وبالله التوفيقُ.

  15. فإن قال قائلٌ: إنَّ جهْلَ مواقيتِ الصَّلاةِ لا يسعُ أحدًا، فكيف جاز ذلك على عُمرَ؟ قيلَ له: ليس في جَهلِه - بالسَّببِ المُوجبِ لعلم المواقيتِ - ما يدُلُّ على جهلِه

    ج ٥ ص ٣٦٤بالمواقيتِ، وقد يكونُ ذلك عندَه عمَلًا واتِّفاقًا، وأخذًا عن عُلماء عصرِه، ولا يَعرفُ أصلَ ذلك كيفَ كان؛ أبنُزولٍ من جبريلَ بها على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أم بما سنَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لأُمَّتِه (١) ؟ كما سنَّ غيرَ ما شيءٍ وفرضَه في الصلاةِ والزَّكاةِ والحجِّ، ممَّا لا يمُكنُ أن يقولَ كلُّ (٢) ذي علم: إنَّ جبريلَ نزَل بذلك كلِّه. والأمرُ في هذا واضحٌ يُغني عن الإكثارِ.

  16. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ وقتَ الصَّلاةِ من فرَائضِها، وأنَّها لا تُجزئُ قبلَ وقتِها، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ إلَّا شيئًا رُويَ عن أبي موسى الأشعريِّ وعن بعضِ التَّابعينَ أجمَع العُلماءُ على خِلافِه، فلم أرَ لذِكرِه وجهًا؛ لأنَّه لا يصحُّ عنهم (٣) ، وقد صحَّ عن أبي موسى خِلافُه ممَّا يُوافِقُ الجماعَةَ، فصارَ اتِّفاقًا صحيحًا (٤) .

  17. وهذا حينَ آلَ بنا القولُ (٥) إلى ذكرِ مواقيتِ الصلواتِ، وما أجمَع عليه العُلماءُ من ذلك وما اختلَفوا فيه، فهو أولى المَواضِعِ بذلك ما في كتابِنا هذا.

    قال أبو عُمر: أجمَع عُلماءُ المسلمينَ في كلِّ عصرٍ وفي كلِّ مصر بلغَنا عنهم، أنَّ أوَّل وقتِ الظُّهرِ: زوالُ الشمسِ عن كبدِ السَّماءِ ووسطِ الفلَكِ، إذا استُوقنَ ذلك في الأرضِ بالتَّفقُّدِ والتَّأمُّلِ، وذلك ابتداءُ زيادةِ الظِّلِّ بعد تناهي نُقصانه في الشِّتاءِ والصَّيفِ جميعًا، وإن كان الظِّلُّ مُخالفًا في الصَّيفِ له في الشِّتاء. وهذا إجماعٌ من العُلماءِ كلِّهم في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ. فإذا تَبيَّنَ زوالُ الشمس بما ذكرنا أو بغيرِه فقد

    ج ٥ ص ٣٦٥حلَّ وقتُ الظُّهرِ، وذلك ما لا خِلافَ فيه، وذلك تفسيرٌ لقولِه تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] . ودُلُوكُها ميلُها عندَ أكثرِ العلماء (١) . ومنهم من قال: دُلُوكُها غروبُها (٢) . واللُّغةُ مُحتمِلةٌ للقولينِ، والأوَّلُ أكثرُ. وكان مالكٌ يستحبُّ لمساجدِ الجماعاتِ أن يُؤخِّروا بعدَ الزَّوالِ حتى يكونَ الفيءُ ذراعًا، على ما كتَب به عمرُ بنُ الخطَّابِ إلى عُمَّالِه (٣) .

  18. واختلَفوا في وقتِ الجُمُعةِ؛ فرَوى ابنُ القاسم، عن مالكٍ: وقتُ الجُمُعةِ وقتُ الظُّهرِ، لا تجبُ إلَّا بعدَ الزَّوالِ، وتُصلَّى إلى غُروبِ الشمسِ. قال ابنُ القاسم: إن صلَّى من الجُمُعةِ ركعَةً، ثم غربتِ الشمسُ، صلَّى الرَّكعةَ الأُخرى بعدَ المغيبِ جُمُعةً (٤) .

    وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، والحسنُ بنُ حَيٍّ (٥) : وقتُ الجُمُعةِ وقتُ الظُّهرِ، فإن فات وقتُ الظُّهرِ بدُخُولِ وقتِ العصرِ لم تُصلَّ الجُمُعةَ.

    قال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إن دخَلَ وقتُ العصر وقد بقيَ من الجُمُعةِ سجدةٌ أو قعدةٌ، فسَدتِ الجُمُعةُ، ويستقبلُ الظُّهرَ (٦) .

    ج ٥ ص ٣٦٦وقال الشافعيُّ: إذا خرجَ الوقتُ قبلَ أن يُسلِّمَ أتمَّها ظُهرًا (١) . وهو قولِ عبدِ الملكِ بن عبدِ العزيزِ. وكلُّ هؤلاء يقولُ: لا تجوزُ الجُمُعةُ قبلَ الزَّوالِ، ولا يُخطَبُ لها إلَّا بعدَ الزَّوالِ. وعلى هذا جُمهُورُ الفُقهاء وأئِمَّةُ الفتوَى (٢) .

  19. وقد كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: من صلَّاها قبلَ الزَّوالِ لم أعِبْه (٣) . وقال الأثرمُ: قلتُ له: يا أبا عبدِ الله، ما ترى في صلاةِ الجُمُعةِ قبلَ زوالِ الشَّمسِ؟ فقال: فيها منَ الاختلافِ ما قد علمتَ (٤) .

  20. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ: قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ يزيدَ الأنصاريُّ، عن عُقبةَ بنِ عبدِ الرحمن بن جابرٍ، عن جابر، قال: كنَّا نُصلِّي مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الجُمُعةَ ثم نَرجِعُ فنَقيلُ (٥) .

  21. وذكَر أبو بكر الأثرمُ، عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وعُثمانَ: أنَّهم كانُوا يُصلُّون الجُمُعةَ قبلَ الزَّوالِ (١) . وهو حديثٌ يدُورُ على عبدِ الله بن سِيدان، وعبدُ الله بنُ سِيدانَ شاميٌّ، أو جزريٌّ رَوى عنه ثابتُ بنُ الحجَّاج، وميمُونُ بنُ مهرانَ، وحدِيثُه هذا إنَّما يرويه جَعفَرُ بنُ بُرقَانَ، واللهُ أعلمُ.

    ج ٥ ص ٣٦٧
  22. وذكَر أيضًا حديثَ حُميدٍ، عن أنسٍ: كنا نُبكِّرُ بالجُمُعةِ، ونَقيلُ بعدَها (٢) . وحديثَ سهل بنِ سعدٍ: كنا نُبكِّرُ إلى الجُمُعةِ على عَهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم

    ج ٥ ص ٣٦٨نَرجِعُ فنتغدَّى ونَقِيلُ (١) . وهو حديثٌ في إسنادِه ضعفٌ (٢) . وذكر (٣) حديثَ شعبةَ، عن عَمْرِو بنِ مُرَّةَ (٤) ، عن عبدِ الله بنِ سلمةَ، قال: كان عبدُ الله بنُ مسعُودٍ يُصلِّي بنا الجُمُعةَ ضُحًى، ويقولُ: إنَّما عَجَّلْتُ لكم خشيَةَ الحرِّ عليكم. وعن مُجاهدٍ: إنَّما هي صلاةُ عيدٍ (٥) .

    قال أبو عُمر: قد رَوى مالكٌ (٦) عن عمِّه أبي سُهيلٍ، عن أبيه، أنَّ عُمرَ كان يُصلِّي الجُمُعةَ بعدَ الزَّوالِ بدليلِ غِشيانِ الظِّلِّ طِنْفِسةَ عَقيلٍ.

  23. ومن جِهةِ النَّظر؛ لمَّا كانتِ الجُمُعةُ تمنعُ من الظُّهرِ دونَ غيرِها من الصَّلواتِ، دلَّ على أنَّ وقتَها وقتُ الظُّهرِ، وقد أجمَعُوا على أنَّه من صلَّاها في وقتِ الظُّهرِ فقد صلَّاها في وقتِها، فدلَّ ذلك على أنَّها ليست كصلاةِ العيدِ؛ لأنَّ العيدَ لا تُصلَّى بعد الزَّوال.

    ج ٥ ص ٣٦٩
  24. واختلَفُوا في آخرِ وقتِ الظُّهرِ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، بعدَ القدرِ الذي زالت عليه الشمسُ، وهو أوَّلُ وقتِ العصرِ، بلا فصلٍ. وبذلك قال ابنُ المُباركِ وجماعةٌ (١) . ويَستحبُّ مالكٌ لمساجدِ الجَماعاتِ أن يؤخِّروا العصرَ بعدَ هذا المِقدارِ قليلًا ما دامت الشمسُ بيضاءَ نقيَّةً (٢) . وحُجَّةُ من قال ذلك حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وغيرِه في إمامةِ جبريلَ، وأنَّه صلَّى بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الظُّهرَ في اليوم الثاني في الوقتِ الذي صلَّى فيه العصرَ بالأمسِ (٣) بلا فصلٍ (٤) .

    وقال الشّافعيُّ، وأبو ثور، وداودُ، وأصحابُهم (٥) : آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، وبينَ آخرِ وقتِ الظُّهرِ وأوَّلِ وقتِ العصرِ فاصلةٌ؛ وهو أن يزيدَ الظِّلّ أدنى زِيادةِ على المِثلِ.

  25. وحُجَّةُ من قال بهذَا القولِ حديثُ أبي قتادةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "ليسَ التَّفريطُ في النَّومِ، إنَّما التَّفريطُ في اليَقظَةِ على من لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتى يدخُلَ

    ج ٥ ص ٣٧٠وقتُ الأُخرى " (١) . وهذا عندَهم فيما عدَا صلاةَ الصُّبحِ؛ للإجماعِ في الصُّبح أنَّها تفوتُ ويخرُجُ وقتُها بطُلُوعِ الشمسِ. وحجَّتُهم أيضًا حديثُ عبدِ الله بنِ عمرِو بنِ العاص، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: " وقتُ الظُّهرِ ما لم تحضُرِ العصرُ " (٢) .

  26. وأمَّا حديثُ أبي قتَادَة، فقَرأتُه على سعيدِ بنِ نصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو عبدِ الله محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا شبَابةُ، عن سُليمانَ بنِ المُغيرَةِ، عن ثابتٍ، عن عبدِ الله بنِ رَبَاح، عن أبي قتَادَةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في النَّوم تفريطٌ، ولكنَّ التَّفريطَ على من لم يُصلِّ الصَّلاةَ حتَّى تَجيءَ الصَّلاةُ الأُخرى " (٣) .

  27. وأخبرَنا خَلفُ بنُ القاسم وأصبغُ بنُ عبدِ الله بنِ مَسَرَّةَ، قالا: حدَّثنا بُكيرُ بنُ الحسنِ (٤) بنِ عبدِ الله الرازِيُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو بكرَةَ بكَّارُ بنُ قُتيبَةَ القاضِي، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ المغيرةِ، عن ثابتٍ، عن عبدِ الله بنِ رَباح، عن أبي قتادةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليسَ في النَّوم تفريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليَقظةِ؛ أن يُؤخِّرَ صلاةً إلى وقتِ أُخرى" (٥) .

  28. وسنذكُرُ حديثَ عبدِ الله بنِ عمرٍو من هذا البابِ في مَوضِعِه، إن شاء الله.

    ج ٥ ص ٣٧١
  29. وقال الثَّوريُّ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وأبو يُوسفَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ الشَّيبانيُّ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُوية، ومحمدُ بنُ جريرٍ الطَّبريُّ: آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثم يدخُلُ وقتُ العصرِ (١) . ولم يذكُرُوا فاصلةً، إلَّا أنَّ قولَهم: ثم يدخُلُ وقتُ العصرِ. يدُلُّ على فاصلةٍ.

    وقال أبو حنيفَةَ: آخرُ وقتِ الظُّهر إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه (٢) . فخالَف الآثارَ والناسَ؛ لقَولِه بالمِثْلَينِ في آخرِ وقتِ الظُّهرِ، وخالفَه أصحابُه. وذكَرَ الطَّحاويُّ (٣) روايةً أُخرى عن أبي حَنيفَةَ، زعَم أنَّه قال: آخرُ وقتِ الظُّهرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، على قولِ الجماعةِ، ولا يدخُلُ في وقتِ العصرِ حتى يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه. فترَك بينَ الظُّهرِ والعصرِ وقتًا مفرَدًا لا يصلُحُ لأحدِهما.

  30. وأمَّا أوَّلُ وقتِ العصرِ، فقد تَبيَّنَ من قولِ مالكٍ فيه ما ذكَرنا، ومن قولِ الشَّافعيِّ، ومن تابعَه ما وصَفنا، ومن قولِ سائِرِ العُلماءِ أيضًا من مُراعاةِ المِثْلِ ما قد بيَّنا، وهذا كلُّه أمرٌ مُتقاربٌ.

    وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُ وقتِ العصرِ من حينِ يَصيرُ الظِّلُّ مِثلينِ (٤) . وهذا خِلافُ الآثارِ، وخلافُ الجُمهُورِ.

  31. واختلَفوُا في آخرِ وقتِ العَصرِ؛ فقال مالكٌ: آخرُ وقتِ العَصرِ أن يكونَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه بعدَ المثلِ الذي زالت عليه الشمسُ. وهذا محمُولٌ عندنا من قَولِه على وقتِ الاختيارِ، وما دامتِ الشمسُ بيضَاءَ نقيَّةً (١) ، فهو وقتٌ مخُتارٌ لصلاةِ العصرِ عندَنا وعندَ سائرِ العُلماءِ، والحمدُ لله.

    ج ٥ ص ٣٧٢
  32. وقد أجمَع العُلماءُ على (٢) أنَّ من صلَّى العصرَ والشمسُ بيضاءُ نقيَّةٌ لم تدخُلْها صُفرةٌ فقد صلَّاها في وقتها المُختارِ. وفي ذلك دليلٌ على أنَّ مُراعاةَ المثِلينِ عندَهم استحبابٌ. وقد ذكَرنا فيما سَلَف من كتابنا في وقتِ العصرِ، في باب إسحاقَ بنِ أبي طلحةَ وغيرِه ما فيه كِفايةٌ (٣) ، فنذكُرُ ها هُنا أقاوِيلَهم في آخرِ وقتِ العصرِ:

    فقال الثَّوريُّ: إن صلَّاها ولم تتغيَّرِ الشمسُ فقد أجزَأه، وأحبُّ إليَّ أن يُصلِّيَها إذا كان ظلُّه مثلَه، إلى أن يكُونَ ظلُّهِ مِثلَيه (٤) .

    وقال الشَّافعيُّ: أوَّلُ وقتِها في الصَّيفِ إذا جاوزَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه بشيءٍ ما كان، ومن أخَّر العصرَ حتى يُجاوزَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيهِ في الصَّيفِ، أو قدرَ ذلكَ في الشِّتَاءِ، فقد فاتَه وقتُ الاختيارِ، ولا يجوزُ أن يُقالَ: فاتَه وقتُ العصرِ مُطلقًا. كما جازَ على الذي أخَّرَ الظُّهرَ إلى أن جاوزَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه. قال: وإنَّما قلتُ ذلك؛ لحديثِ أبي هُريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "من أدرَكَ رَكعةً من العَصرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ فقد أدركَها" (٥) .

    ج ٥ ص ٣٧٣قال أبو عُمر: إنَّما جَعلَ الشافعيُّ وقتَ الاختيارِ لحديثِ إمامةِ جبريلَ، وحديثِ العَلاءِ، عن أنس: "تلك صلاةُ المُنافقينَ" (١) . ونحوِهما من الآثارِ، ولم يقطَعْ بخُروج وقتِها، لحديث أبي هُريرةَ الذي ذَكَر. ومذهبُ مالكٍ نحوُ هذا. وقد كان يلزَمُ الشَّافعيَّ ألا يُشركَ بينَ الظُّهرِ والعصر في الوقتِ لأصحابِ الضَّروراتِ؛ لخُروج وقتِ الظُّهرِ عندَه بكَمالِ المثلِ، ولكنَّ وقتَ الحضرِ عندَه وقتُ رفاهيةٍ ومقامٍ لا يُتعدَّى ما جاءَ فيه، وأمَّا أصحابُ الضَّرُوراتِ، فأوقاتُهم كأوقاتِ المُسافرِ، لعُذرِ السَّفرِ، وضرُورته، والسَّفرُ عنده تشتركُ فيه صلاتا النَّهارِ وصلاتا اللَّيلِ، على ما نذكُرُه في بابِ أبي الزُّبير (٢) إن شاءَ اللهُ. وأصحابُ الضَّروراتِ: الحائِضُ تطهُرُ، والمُغمَى عليه يُفيقُ، والكافرُ يُسلِمُ، والغُلامُ يحتلِمُ. وقد ذكَرنا أحكامَهم وما للعُلماءِ من المذَاهبِ في ذلك (٣) في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ (٤) ، والحمدُ لله.

  33. وأمَّا مالكٌ فقد روَى عنه ابنُ وَهْبٍ، وغيرُه أنَّ الظُّهرَ والعصرَ آخرُ وقتِهما غُروبُ الشمسِ. وهو قولُ ابنِ عباسٍ وعكرِمةَ (٥) مُطلقًا. وروايةُ ابنِ وَهْبٍ عن مالكٍ لذلك محمُولةٌ عندَ أصحابِه لأهلِ الضَّرُوراتِ؛ كالمغمَى عليه، ومَن أشبهَه، على ما قد أوضحنا في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، والحمدُ لله.

  34. وروى ابنُ القاسم، عن مالكٍ: آخرُ وقتِ العصرِ اصفرارُ الشمسِ (٦) .

    ج ٥ ص ٣٧٤وقال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ (١) : وقتُ العصرِ إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ قامتَه، فيزيدُ على القامةِ إلى أن تتغيَّر الشمسُ.

    وقال أبو ثورٍ: أوَّلُ وقتِها إذا كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه بعدَ الزَّوالِ، وزادَ على الظِّلِّ زيادةً تبينُ، إلى أن تَصْفرَّ الشمسُ. وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ؛ آخرُ وقتِ العصرِ ما لم تَصْفرَّ الشمسُ (٢) .

  35. وحجَّةُ من قال بهذا القولِ حديثُ عبدِ الله بنِ عمرٍو، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: "ووقتُ العصرِ ما لم تصفرَّ الشَّمسُ" . رواه قتادةُ، عن أبي أيُّوبَ الأزديِّ، عنه (٣) .

    وقال إسحاقُ بنُ راهُوية: آخرُ وقتِ العصرِ أن يُدرِكَ المُصلِّي منها ركعةً قبلَ الغُروبِ (٤) . وهو قولُ داودَ، لكلِّ الناسِ؛ معذُورًا وغيرَ معذُورٍ، صاحبَ ضرُورَةٍ وصاحبَ رَفاهيةٍ، إلَّا أنَّ الأفضلَ عندَه وعندَ إسحاقَ أيضًا أوَّلُ الوقتِ. وقال الأوزاعيُّ: إن ركعَ ركعَةً قبلَ غُروبِها، ورَكعةً بعدَ غُروبِها، فقد أدرَكَها (٥) . وحُجَّتُهم حديثُ أبي هُريرَةَ: "من أدركَ رَكعةً من العصرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ

    ج ٥ ص ٣٧٥فقد أدرَك العصرَ، ومن أدرَك رَكعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ فقد أدرَك الصُّبحَ " (١) .

  36. واختلَفوا في آخرِ وقتِ المغرِبِ، بعدَ إجماعِهم على أنَّ أوَّلَ وقتِها غُروبُ الشمسِ؛ فالظَّاهرُ من قولِ مالكٍ أنَّ وقتَها وقتٌ واحدٌ؛ عندَ مغيبِ الشمسِ. وبهذا تواترتِ الرِّواياتُ عنه (٢) ، إلَّا أنَّه قال في "المُوطَّأ" (٣) : فإذا غابَ الشَّفقُ فقد خرجَ وقتُ المَغربِ، ودخَلَ وقتُ العِشاءِ. وبهذا القولِ قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، والحسنُ بنُ حيٍّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، والطَّبريُّ (٤) .

  37. وحُجَّةُ من قال بهذا القولِ وجعَلَ للمَغربِ وقتينِ كسائرِ الصلواتِ، ما حدَّثنا به عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال (٥) : حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا بدرُ بنُ عُثمانَ، قال: حدَّثنا أبو

    ج ٥ ص ٣٧٦بكرٍ بنُ أبي مُوسى، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه أتاهُ سائِلٌ فسأله عن مواقيتِ الصَّلاةِ، فلم يرُدَّ عليه شيئًا، فأمَرَ بلالًا، فأقامَ بالفجرِ حينَ انشقَّ الفجرُ، والناسُ لا يكادُ يَعرِفُ بعضُهم بعضًا، ثم أمَرَه فأقامَ الظُّهرَ حينَ زالتِ الشمسُ، والقائلُ يقولُ: انتصَفَ النَّهارُ أو لم. فكان أعلمَ منهم، ثمَّ أمَره، فأقامَ العصرَ والشمسُ مُرتفعَةٌ، ثم أمَرَه فأقامَ المغربَ حينَ وقعتِ الشمسُ، ثم أمَره فأقامَ العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفقُ، ثمَّ أخَّرَ الفجرَ من الغدِ حتى انصرَفَ منها والقائلُ يقولُ: طلَعتِ الشمسُ أو كادَت. ثم أخَّرَ الظُّهرَ حتى كان قريبًا من العَصرِ، ثم أخَّرَ العصرَ حتى انصرفَ منها والقائلُ يقولُ: احمرَّتِ الشمسُ. وأخَّرَ المَغربَ حتى كان سقوطُ الشَّفقِ، ثم أخَّرَ العشاءَ حتى كان ثلثُ اللَّيلِ، ثم أصبحَ فدَعا بالسَّائلِ، فقال: "الوقتُ فيما بينَ هذينِ" .

  38. وروَى الثَّوريُّ وغيرُه، عن علقَمةَ بنِ مَرْثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُريدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه جاءَه رجلٌ فسألَه عن وقتِ الصلاةِ، فقال: "أقِمْ معنا هذينِ اليومينِ" . فأمرَ بلالًا، فأقامَ عندَ الفجر. فذكَر الحديثَ بمعنَى حديثِ أبي مُوسى سواءً، في المغربِ وغيرِها وقتَينِ.

  39. حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، قال (١) : حدَّتنا عمرُو بنُ هشام، قال: حدَّثنا مخلدُ بنُ يزيدَ، عن سُفيانَ الثَّوريِّ، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُريدَةَ، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

  40. وحدَّثناهُ أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ يُوسفَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ الثَّوريُّ، عن علقمَةَ بنِ مَرثدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُريدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكَره.

    قالوا: وهذه الآثارُ أولى من أخبارِ إمامَةِ جبريلَ؛ لأنَّها مُتأخِّرةٌ بالمدينَةِ، وإمَامةُ جبريلَ كانت بمكَّةَ، والمتَأخِّرُ أولى من فِعلِه (١) وأمرِه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّه ناسخٌ لما قبلَه.

    قالوا: وقد رَوَى سُليمانُ بنُ مُوسى، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في المغرِبِ أيضًا مثلَ روايةِ أبي مُوسى وبُريدَةَ (٢) . وروى عبدُ الله بنُ عمرِو بنِ العاص في المغرِبِ مثلَ ذلك. وكلُّ هؤلاءِ إنَّما صحِبَه بالمدِينَةِ، والمَصيرُ إلى ما رَوَوه أولى منَ المَصيرِ إلى أحادِيثِ إمامةِ جبريلَ؛ لأنَّها مُتقدِّمةٌ بمكَّةَ.

    ج ٥ ص ٣٧٧