ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١

الصفحة ٣ من ٢١

  1. وأجمَعوا أنَّ فرضَ الصَّلاةِ إنَّما كان في حينِ الإسراء. واختلَفُوا في تاريخِ الإسراء؛ قال أبو بكرٍ محمدُ بنُ عليِّ بنِ القاسم الذَّهبيُّ (٢) في تاريخه: ثمَّ أُسريَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِن مكَّةَ إلى بيتِ المقدِسِ، وعُرِج به إلى السَّماء، بعدَ مَبعَثِه بثَمانيةَ عشرَ شَهرًا.

    قال أبو عُمر: لا أعلمُ أحدًا مِن أهلِ السِّيرِ قال ما حَكَاهَ الذَّهبيُّ، ولم يُسنِدْ قَولَه إلى أحدٍ ممَّن يُضافُ إليه هذا العلمُ منهم، ولا رَفَعَه إلى مَنْ يُحتجُّ به عليهم.

    وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ: فلمَّا كانت ليلَةُ سَبع وعشرينَ من رَبيع الأوَّلِ (٣) ،

    ج ٥ ص ٣٤٢قبلَ الهجرةِ بسنةٍ، أُسريَ برسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وفُرضَ عليه خمسُونَ صلاةً، ثم نُقِصت إلى خمسٍ صلواتٍ، فأتاه جبريلُ فأمَّه عندَ البيتِ، فصلَّى الظُّهرَ أربعًا، والعَصرَ أربعًا، والمغرِبَ ثلاثًا، والعِشاء أربعًا، والفجرَ رَكعتينِ، كلُّ ذلكَ نحوُ بيتِ المَقدس، فلمَّا كانَ المَوسمُ مِن هذه السَّنةِ لقِيَه الأنصارُ فبايَعُوه ثمَّ انصرَفُوا. وذكر قِصَّةَ البَرَاءِ بنِ معرُورٍ، وصَلاتَه إلى الكعبةِ وحدَه، دُون النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ودونَ الناس، وقِصَّتُه مشهُورَةٌ عندَ جميع أهلِ العِلم بالسِّيرِ والأثَرِ (١) . وهكذا قال: إنَّ صلاةَ جبريلَ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كانت بمكَّةَ إلى بيتِ المَقدِس. وهذا موضِعٌ قد خالَفه فيه مَنْ هو أكبرُ منه.

    ج ٥ ص ٣٤١
  2. وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ (٢) ، عن ابنِ شهاب، أنَّ عبدَ الرَّحمن بنَ كعبِ بنِ مالكٍ أخبرَه، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قَدِمَ المَدينَةَ مُهاجرًا، صلَّى نحوَ بيتِ المَقدسِ اثنَي عشًر شهرًا. وقد ذكَرَ ابنُ شهابِ أنَّ في صَلاتِه بمَكَّةَ اخْتِلافًا؛ قيلَ: كانت صَلاتُه إلى الكَعبَةِ. وقيلَ: إلى بيتِ المَقدِس.

  3. ورَوى همَّامٌ (١) ، عن قَتادَةَ، قال: كانوا يُصلُّونَ إلى بيتِ المَقدسِ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بمكَّةَ قبلَ الهِجرَةِ، وبعدَ ما هاجَرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى إلى بيتِ المقدِسِ ستّةَ عشَرَ شهرًا.

    ج ٥ ص ٣٤٣
  4. وهكذا قال في الإسراء: إنَّه كانَ قبلَ الهِجرةِ بسنةٍ. وهو قولُ مُوسى بنِ عُقبةَ.

  5. واختُلِفَ في ذلك عن ابنِ شهاب، فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٢) : حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُليح، عن مُوسى بنِ عقبَةَ، عن ابنِ شهاب، قال: ثم أُسريَ برَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيتِ المَقدسِ قبلَ خُروجِه إلى المدينَةِ بسنةٍ، وفرَضَ اللهُ عليه الصَّلاةَ. قال ابنُ شهاب: وزعَم ناسٌ، واللهُ أعلمُ، أنَّه كانَ يسجُدُ نحوَ بيتِ المقدِسِ، ويجعَلُ وراءَ ظهرِه الكَعبَةَ وهو بمكَّةَ. ويزعُمُ ناسٌ أنَّه لم يَزَلْ مُستقبِلَ الكَعبَةِ حتى خرَج منها، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ استقبلَ بيتَ المقدِسِ. قال: فقد اختُلِفَ في ذلك، واللهُ أعلمُ.

    قال أبو عُمر: الاختلافُ، كما قال ابنُ شِهاب، في صَلاتِه بمكَّةَ؛ هل كانت إلى الكَعبَةِ أو إلى بيتِ المَقدسِ؟ وسنذْكُرُ ذلك بعدُ إن شاء الله.

    ج ٥ ص ٣٤٤قال أبو عُمر: هكذا قال مُوسى بنُ عُقبةَ عن ابنِ شهاب: أنَّ الإسراء كان قبلَ الهِجرةِ بسَنةٍ.

    قال أبو عُمر: وذلك بعدَ مَبعَثِه بتسعِ سنينَ، أو باثنتَي عَشْرَةَ سنةً، على حسَبِ اختِلافِهم في مُقامِه بمكّةَ بعدَ مَبعَثِه، على ما قدَّمنا ذِكرَه في بابِ ربيعة (١) .

  6. ورَوى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشَةَ، قالت: تُوفِّيت خديجَةُ قبلَ أن تُفرضَ الصَّلاةُ (٢) . قال ابنُ شهابٍ: وذلك بعدَ مبعَثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بسبعةِ أعوام (٣) . وخالَفه الوَقَّاصيُّ (٤) ، عن ابنِ شهاب، فقال: أُسرِيَ به بعدَ مَبعَثِه بخَمسِ سِنينَ.

  7. قرَأْتُ على عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ يُوسُفَ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ يحيى حدَّثهم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الجبَّارِ العُطارِديُّ، قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ بكير، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن (١) ، عن الزُّهريِّ، قال: فُرِضَتِ الصَّلاةُ بمكَّةَ بعدَ ما أوحَى اللهُ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بخمسِ سنينَ، وفُرِض الصِّيامُ بالمدينةِ قبلَ بدرٍ، وفُرضتِ الزَّكاةُ والحجُّ بالمدينةِ، وحُرِّمتِ الخمرُ بعدَ أُحُدٍ.

    وقال ابنُ إسحاقَ (٢) : أُسريَ به من المسجِدِ الحرام إلى المسجدِ الأقصى، وهو بيتُ المقدسِ، وقد فشا الإسلامُ بمكَّةَ، وفي القَبائلِ كُلِّها.

    قال يُونُسُ بنُ بُكير وغيرُه، عن ابنِ إسحاقَ (٣) : ثم إنَّ جبريلَ أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ افتُرِضَت عليه الصَّلاةُ - يعني في الإسراء - فهَمَز له بعقِبِه في ناحيةِ الوادي، فانفجَرَتْ عينُ ماءٍ مُزنٍ، فتوضَّأ جبريلُ ومحمدٌ ينظُرُ، فوضَّأ وجهَه، واستنشَقَ، ومَضمضَ، ومسَح برأسِه وأُذُنَيه، ورجلَيه إلى الكعبين، ونضَح فرجَه، ثم قامَ يصلِّي ركعتين وأربعَ سَجَداتٍ، فرجَع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أقرَّ اللهُ عينَه، وطابت نَفسُه، وجاءَه ما يُحبُّ من أمرِ الله تعالى، فأخَذَ بيدِ خَديجَةَ فأتَى بها العينَ، فتوضَّأ كما توضَّأ جبريلُ، ثم ركَع ركعتين، وأربعَ سجَداتٍ هو وخديجةُ، ثم كانَ هو وخَديجةُ يُصلِّيان سواءً (٤) .

    ج ٥ ص ٣٤٦قال أبو عُمر: هذا يَدُلُّكَ على أنَّ الإسراء كانَ قبلَ الهِجرةِ بأعوام؛ لأنَّ خديجةَ تُوفِّيت قبلَ الهِجرةِ بخمسِ سنينَ، وقد قيلَ: بثلاثةِ أعوام. وقيلَ: بأربَع سنينَ. وقد ذكَرنا القائِلينَ بذلك في بابِ خديجةَ من كتابِ "الصَّحابةِ" (١) .

    ج ٥ ص ٣٤٥
  8. وقولُ ابنِ إسحاقَ مُخالفٌ لقولِ ابنِ شهابٍ في الإسراء، على أنَّ ابنَ شِهاب قد اختُلفَ عنه في ذلك، على ما ذكَرنا من روايةِ ابن عُقبَةَ، وروايةِ يونسَ، وروايةِ الوَقَّاصيِّ، وهي رواياتٌ مُختلفاتٌ على ما تَرى.

  9. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ (٢) ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهير، قال (٣) : حدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن هشام بنِ عُروةَ، عن عُروةَ، عن عائشَةَ، قالت: فتَزوَّجني رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بعدَ مُتوفَّى خدِيجةَ، وقبلَ مخرجِه إلى المدينَةِ بسنَتينِ أو ثلاثٍ.

  10. وأمَّا صلاتُه إلى الكعبَةِ، فإنَّ ابنَ جريج ذكَرَ في "تفسيره" - رَوَاه عنه حجَّاجٌ، وغيرُه، وذكَرَه سُنيدٌ، عن حجَّاج، عن ابنِ جُريج - قال: صلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أوَّلَ ما صلَّى إلى الكَعبَةِ، ثمَّ صُرفَ إلى بيتِ المَقدِسِ، فصلَّتِ الأنصارُ إلى بيتِ المقدِسِ قبلَ قُدومِه عليه السَّلامُ بثلاثِ حج، وصلَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعد قُدومِه سِتّةَ عشَرَ شهرًا، ثم وجَّهَهُ اللهُ إلى الكَعبةِ البيتِ الحرام (٤) .

  11. هكذا قال ابنُ جريج، إنَّ أوَّلَ صَلاةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - كانت إلى الكَعبةِ. وهذا أمرٌ قد اختُلفَ فيه؛ وأحسنُ شيءٍ رُويَ في ذلك ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ وجيهُ بنُ الحسنِ بنِ يوسُفَ، قال: حدَّثنا بكَّارُ بنُ قُتيبةَ أبو بكرَةَ القاضِي سنَةَ سبعين ومئتين، قال: حدَّثنا يحيى بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن سُليمانَ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباس، قال: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي نحوَ بيتِ المَقدِسِ وهو بمكَّةَ والكعبةُ بينَ يدَيه، وبعدَ ما هاجرَ إلى المدينةِ ستّةَ عشَرَ شهرًا، ثم صُرفَ إلى الكعبةِ (١) .

    ج ٥ ص ٣٤٧
  12. وروى عليُّ بنُ أبي طلحَةَ، عن ابنِ عباس، قال: كانَ أوَّلَ ما نُسخَ من القُرآنِ القِبلَةُ؛ وذلكَ أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمَّا هاجرَ إلى المدينةِ، وكانَ أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَه اللهُ أن يستَقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحتِ اليَهُودُ، فاستقبَلها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِضعةَ عشَرَ شهرًا، ثمَّ انصَرفَ إلى الكعبَةِ (٢) . وقد ذكَرنا الخبرَ بهذا عن ابنِ عباس من وُجُوهٍ في بابِ عبدِ الله بن دينارٍ، والحمدُ لله.

  13. ففي قولِ ابنِ عباس هذا مِن الفِقه:

    أنَّ الصَّلاةَ لم يُنسَخْ منها شيءٌ قبلَ القِبلةِ. وفيه: أنَّه كانَ يُصلِّي بمكَّةَ إلى الكعبةِ، وهو ظاهِرُه أنَّه لم يُصلِّ إلى بيتِ المقدسِ إلَّا بالمدينةِ، وقد يَحتملُ غيرَه. وسنذكُرُ الآثارَ في صَلاتِه إلى بيتِ المقدسِ، وتحويلِه بعدُ إلى الكعبَةِ، في بابِ يحيى بنِ سعيدٍ إن شاء الله (١) .

    وقال أبو إسحاقَ الحربيُّ: ثم قدِمَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ في ربيع الأوَّلِ، فصلَّى إلى بيتِ المقدسِ تمامَ سنةِ إحدَى عشْرَةَ، وصلَّى من سنَةِ ثنتينِ ستّةَ أشهر، ثم حُوِّلتِ القِبلةُ في رجب.

    ج ٥ ص ٣٤٨
  14. وقال مُوسَى بنُ عُقبَةَ وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهاب، عن عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ: إنَّ القِبلةَ صُرِفت في جُمادى (١) .

    وقال الواقدِيُّ (٢) : إنَّما صُرفت صلاةَ الظُّهرِ يومَ الثُّلاثاء في النِّصفِ من شعبانَ.

    ج ٥ ص ٣٤٩
  15. وأمَّا قولُ ابنِ إسحاقَ: إنّه صلَّى حينئذٍ ركعتين وأربعَ سَجَداتٍ، فأظُنُّه أخَذَه، واللهُ أعلمُ، من قولِ عائشةَ.

  16. وأمَّا قولُه: إنَّ رسولَ الله توضَّأ حينَئذٍ، وإنَّ جبريلَ نزَل عليه يومَئذٍ بالوُضُوء.

  17. فإنَّما أخَذه، واللهُ أعلمُ، من حديثِ زيدِ بنِ حارثةَ.

  18. حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال (٣) : حدَّثنا الحَسنُ بنُ مُوسى، قال: حدَّثنا

    ج ٥ ص ٣٥٠عبدُ الله بنُ لهيعةَ، قال: حدَّثنا عُقيلُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، عن أبيه زيدِ بنِ حارثةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في أوَّلِ ما أُوحيَ إليه، أتاهُ جبريلُ عليه السلامُ فعلَّمَه الوُضُوءَ، فلمَّا فرَغ من الوُضُوء أخَذ غَرفةً من ماءٍ فنضَح بها فرجَه.

  19. وأمَّا قولُه في الحديثِ: إنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أخَّر الصَّلاةَ يومًا. فمعناه، واللهُ أعلمُ (١) ، أنَّه أخَّرها حتى خرَج الوقتُ المستحبُّ المرغُوبُ فيه، ولم يؤخِّرْها حتى غرَبتِ الشمسُ. وقولُه: أخَّر الصَّلاة يومًا، الأغلبُ فيه، واللهُ أعلمُ، أنَّه لم يكنْ ذلك كثيرًا منه، ولو كان ذلك ما قيل: يومًا. وإن كانت مُلوكُ بني أميَّةَ على تأخيرِ الصَّلاةِ، كان ذلك شأنَهم قديمًا من زمنِ عثمانَ، وقد كان الوليدُ بنُ عقبَةَ يؤخِّرُها في زمن عثمانَ، وكان ابنُ مسعودٍ يُنكِرُ ذلك عليه، ومن أجلِه حدَّث ابنُ مسعودٍ بالحديثِ في ذلك. وكانت وفَاةُ ابنِ مسعودٍ في خِلافَةِ عُثمانَ.

  20. أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحسنِ الحربيُّ، قال: حدَّثنا أبو طالب الهرويُّ، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ

    ج ٥ ص ٣٥١عيَّاش، قال: حدَّثنا عاصمٌ، قال زرٌّ: قال عبدُ الله: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لعلَّكُم تُدركُون أقوامًا يُؤخِّرون الصَّلاةَ، فإن أدرَكتُموهم فصلُّوا في بُيوتِكم الوقتَ الذي تَعرفُون، وصلُّوا معَهم واجعلُوها سُبحةً" (١) .

  21. وبهذا الإسنادِ عن أبي بكر بنِ عيَّاش، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيع، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

  22. أخبرنا محمدُ بنُ زكريَّا قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ عبدِ المَلكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ الأشَجُّ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن عُبيدةَ - يعني ابنَ مُعتِّب - قال: كنا نُصلِّي مع الحجَّاج الجُمُعةَ، ثم ننصَرِفُ فنُبادِرُ مسجدَ سِماكٍ (٣) نُصلِّي المغربَ.

  23. وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمر، عن عبدِ الرَّحمن بنِ (٢) عبدِ الله المسعوديِّ، عن القاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: أخَّر الوليدُ بنُ عُقبةَ الصَّلاةَ مرَّةً، فأمَر ابنُ مسعودٍ المُؤذِّنَ فثوَّب بالصَّلاةِ، ثم تقدَّمَ فصلَّى بالنالس (٣) ، فأرسَل إليه الوليدُ: ما صنَعتَ؟ أجاءَكَ من أميرِ المُؤمنينَ حَدَثٌ أم ابتَدعْتَ؟ فقال ابنُ مسعودٍ: كلُّ ذلك لم يكنْ، ولكنْ أبى اللهُ ورسولُه أن ننتظِرَك بصلاتِنا وأنتَ في حاجتِك.

    ج ٥ ص ٣٥٢
  24. وذكر معمرٌ (٤) أيضًا، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ خُثيم، عن القاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، عن ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال له: "كيفَ بك يا أبا عبدِ الرَّحمن إذا كان عليك أُمراءُ يُطفئُون السُّنَّة، ويُؤخِّرونَ الصلاةَ عن مِيقاتِها؟ قال: فكيفَ

    ج ٥ ص ٣٥٣تأمرُني يا رسولَ الله؟ فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "يَسألُني ابنُ أمِّ عبدٍ: كيفَ يفعلُ! لا طاعةَ لمخلُوقٍ في معصيةِ الله" .

  25. فإن ظنَّ ظانٌّ أنَّ في هذا الخبَرِ دليلًا على أنَّهم كانُوا يؤخِّرونَها حتى يخرُجَ الوقتُ كلُّه، ولهذا استحقُّوا اسمَ العِصيانِ للّه، قيلَ له: يَحتَمِلُ أن يكونَ قولُه خرَج على جُملةِ طاعَةِ الله وعِصيانِه في سائرِ الأُمورِ، وعلى أنَّه لا يُؤمَنُ على مَن كان شأنُه تأخيرَها أبدًا أن يَفُوتَه الوَقتُ.

  26. وأمَّا الآثارُ عنهم فتدُلُّ على ما ذكَرنا.

  27. وروَى معمرٌ (١) ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قال لأصحابِه يومًا: إنِّي لا آلُوكُم عن الوَقتِ. فصلَّى بهم الظُّهرَ - حسِبتُه قال: حينَ زالتِ الشمسُ - ثم قال: إنَّه سيكونُ عليكم (٢) أمراءُ يُؤخِّرون الصَّلاةَ، فصلُّوا الصَّلاةَ لوَقتِها، فإن أدرَكَتْكُم معهم فصلُّوا.

  28. ومعمرٌ (٣) ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إنَّكم في زمانٍ قليلٍ خُطباؤُه، كثيرٍ علماؤه، يُطيلُونَ الصَّلاةَ، ويُقصِّرونَ الخُطبَةَ، وإنَّه سيأتي عليكم زَمانٌ كثيرٌ خُطباؤُه، قليلٌ عُلماؤُه، يُطيلُون الخُطبَةَ، ويُؤَخِّرون الصَّلاةَ، حتى يُقال: هذا شَرَقُ الموتَى. قلتُ (٤) : ما شَرَقُ المَوتَى؟ قال: إذا

    ج ٥ ص ٣٥٤اصفَرَّتِ الشَّمسُ جدًّا (١) ، فمن أدرَكَ ذلك فليصلِّ الصَّلاةَ لوقتها، فإنِ احتُبِس فليصلِّ معَهم، وليجعَلْ صَلاتَه وحدَه الفَريضَةَ، وصَلاتَه معَهم تطَوُّعًا.

  29. وممَّا يدُلُّ على ذلك أنَّ الفُقهاءَ في ذلك الزَّمانِ كانُوا يُصلُّون معهم، ويأمُرون بذلك.

  30. وروَى معمرٌ، عن رجُل، عن الحسن، وعن الزُّهريِّ، وعن قتادةَ، أنَّهم كانوا يصلُّون مع الأمراءِ وإن أخَّروا (٢) .

  31. ومعمرٌ، عن ثابتٍ، قال: خطَب الحجَّاجُ يومَ الجُمُعةِ فأخَّرَ الصَّلاةَ، فجعَل إنسانٌ يُريدُ أن يثِبَ إليه، ويحبِسُه الناسُ (٣) .

  32. وذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) ، عن ابنِ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ إمامًا يُؤخِّرُ الصَّلاةَ حتى يُصلِّيَها مُفرِّطًا فيها؟ فقال: صلِّ معهم، الجماعَةُ أحبُّ إليَّ (٥) . قلتُ له: فما لك لا تنتَهِي إلى قولِ ابنِ مسعودٍ في ذلك؟ قال: الجماعةُ أحبُّ إليَّ ما لم تَفُتْ. قلتُ: وإنِ اصفرَّتِ الشمسُ للغُرُوبِ ولحِقَت برُءوسِ الجبالِ؟ قال: نعم، ما لم تغِبْ.

  33. وعن الثَّوريِّ، عن الأعمشِ، عن النَّخعيِّ وخَيثمَةَ، قال (١) : كانا يُصلِّيانِ الظُّهرَ والعصرَ مع الحجَّاج، وكان يُمسي (٢) .

    ج ٥ ص ٣٥٥
  34. وعن ابنِ جُريج، عن عطاءٍ، قال: أخَّر الوليدُ مرَّةً الجُمُعةَ حتى أمسى. قال: فصلَّيتُ الظُّهرَ قبلَ أن أجلسَ، ثم صلَّيتُ العصرَ وأنا جالسٌ وهو يخطُبُ. قال: أضعُ يديَّ على رُكبتيَّ، وأُومئُ برأسِي (٣) .

  35. وعن الثَّوريِّ، عن محمدِ بنِ أبي إسماعيلَ (٤) ، قال: رأيتُ سعيدَ بنَ جُبير وعطاءَ بنَ أبي رباح، وأخَّرَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ الصَّلاةَ، فرأيتُهما يُومئانِ إيماءً وهما قاعِدانِ (٥) .

  36. وعن الثَّوريِّ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ وأبي عُبيدَةَ، أنَّهما كانا يُصلِّيان الظُّهرَ إذا حانتِ الظُّهرُ، وإذا حانتِ العَصرُ صلَّيا العصرَ في المَسجدِ مكانَهما، وكان ابنُ زِيادِ يُؤخِّرُ الظُّهرَ والعصرَ (٦) .

  37. وعن إسرائيلَ، عن عامرِ بنِ شقيق، عن شقيق، قال: كان يأمرُنا أن نُصلِّيَ الجُمُعةَ في بيُوتِنا، ثم نأتيَ المسجِدَ، وذلك أنَّ الحجَّاجَ كان يُؤخِّرُ الصَّلاةَ (٧) .

  38. وذكَر سُنيدٌ: حدَّثنا أبو مُعاويَةَ، عن الأعمَشِ، عن مُسلِم بنِ صُبيح أبي الضُّحَى، قال: رأيتُ مسرُوقًا وأبا عُبيد لنَ عبدِ الله مع بعضِ الأُمراءِ وأخَّرَ الوقت، فأوْمآ في وقتِ الصَّلاةِ، ثم جَلسَا حتى صلَّيا معه تلك الصَّلاةَ. قال: فرأيتُهما فعَلا ذلك مِرارًا (١) .

    قال: وحدَّثنا أبو مُعاويَةَ، عن محمدِ بنِ أبي إسماعيلَ، قال: رأيتُ سعيدَ بنَ جُبير وعطاءَ بنَ أبي رباح وأخَّرَ الوَليدُ بنُ عبدِ الملكِ الصَّلاةَ عن وقتِها، فرأيتُهما يُومئانِ في وقتِ الصَّلاةِ، ثم جَلَسا حتى صلَّيا معه (٢) .

    ج ٥ ص ٣٥٦
  39. وروى محمدُ بنُ الصَّبَّاح الدُّولابيُّ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن أبي فروَةَ عُروةَ بنِ الحارثِ الهمْدَانيِّ، عن أبي إياس، قال: تذاكَرنا الجُمُعةَ، فاجتمَعَ قُرَّاءُ أهلِ الكُوفةِ أن (٣) يدَعُوا الصَّلاةَ مع الحجَّاج؛ لأنَّه كان يُؤخِّرُها حتى تكادَ تغيبُ الشمسُ، فتذَاكَرُوا ذلك، وهمُّوا أن يُجمِعُوا عليه، فقال شابٌّ منهم: ما أرَى ما تَفعَلُون شيئًا، ما للحجَّاج تُصلُّونَ، إنَّما تُصلُّونَ لله عزَّ وجلَّ. واجتمَعَ رأيُهم على أن يُصلُّوا معه (٤) .

    قال أبو عُمر: إنَّما صلَّى من صلَّى إيماءً وقاعدًا لخَوفِ خُروج الوَقتِ، وللخَوفِ على نَفسِه القَتلَ والضَّربَ، واللهُ أعلمُ. ومَنْ كان شأنُه التَّأخيرَ لم يُؤمَنْ عليه فَواتُ الوقْتِ وخُروجُه، عصَمَنا اللهُ برَحمَتِه.

  40. وحدَّثنا خَلفُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ عمرَ بنِ راشدٍ بدمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو مُسهِر، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: كانُوا يُؤخِّرونَ الصَّلاةَ في أيّام الوَليدِ بنِ عبدِ الملكِ، ويستحلِفُونَ الناسَ أنَّهم ما صلَّوا، فأتَى عبدُ الله بنُ أبي زكريّا، فاستُحلفَ أنَّه ما صلَّى، فحَلفَ أنَّه ما صلَّى، وقد كان صلَّى، وأتى مكحُولٌ، فقال: فلِمَ جئنَا إذَن؟ فتُركَ.

    ج ٥ ص ٣٥٧