ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل

٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١

الصفحة ٨ من ٢١

  1. ومِن أصحابِنَا مَن يقولُ: رَكْعتا الفجر (١) ليستا بسُنَّةٍ، وهما مِن الرَّغائبِ، والوَترُ سنةٌ مؤكَّدةٌ.

    وقال آخَرُون: ركعتَا الفجرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ كالوترِ.

    وقال آخَرُون: هما أوكدُ مِن الوترِ؛ لأنَّ الوترَ ليس بسُنَّةٍ إلَّا على أهلِ القرآنِ. ولكلِّ واحدٍ مِن هذه الطَّوائفِ حُجَّةٌ مِن جهةِ الأثرِ، سنذكرُها في أوْلَى المواضعِ بها مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ. ورُويَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "ركعَتا الفجرِ أحبُّ إليَّ مِن الدنيا وما فيها" (٢) . وفاتتا عبدَ الله بنَ أبي ربيعةَ فأعتقَ رقبةً (٣) . واحتجَّ بعضُ مَن ذهَب إلى أنَّ ركعَتَي الفجرِ أوكدُ مِن الوترِ بأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قضَاهما حين نام عن الصَّلاة في سَفَرِه، كما قضى الفريضةَ، وأنّ الوِتْرَ لا يُقضى بعدَ صلاةِ الصُّبح، ولا يُقضَى شيءٌ من السُّنَنِ والنّوافِلِ غيرَها، وبالله التَّوفيقُ.

    ج ٥ ص ٤٣٠
  2. حديثٌ خامسٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتَكَى يَقْرأ على نَفْسِه بالمُعوِّذات، وينفُثُ، قالت: فلمّا اشتدَّ وجعُهُ كنتُ أنا أقرأ عليه وأمسَحُ عليه بيمينه؛ رجاءَ بركتِها.

    ج ٥ ص ٤٣١
  3. هكذا في روايتنا ليحيى "وأمْسَحُ عليه" ، وتابَعَه قُتيبَةُ (٢) . وغيرُهما يقول (٣) تقولُ فيه: "وأمْسَحُ عنه" (٤) .

  4. وفيه: إثباتُ الرَّقْي، والرَّدُّ على مَن أنكَره من أهلِ الإسلام.

  5. وفيه: الرَّقْيُ بالقرآنِ، وفي معناه كلُّ ذكرٍ لله جائِزٌ الرُّقيَةُ به.

  6. وفيه: إباحَةُ النَّفْثِ في الرُّقَى، والتَّبرُّك به. والنَّفْثُ شِبْهُ البَصْقِ، ولا يُلقِي النَّافِثُ شيئًا من البُصَاقِ، وقيل: كما يَنفُثُ آكِلُ الزَّبيب.

  7. وفيه: المسحُ باليَدِ عندَ الرُّقْيَةِ، وفي معناه المسحُ باليَدِ على كلِّ ما تُرْجَى بَركتُه وشِفاؤُه وخيرُه، مِثلُ المسحِ على رأسِ اليَتيم وشِبْهِه.

  8. وفيه: التَّبرُّكُ بأيمانِ الصَّالحينَ، قِياسًا على ما صنَعتْ عائشةُ بيَدِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٥ ص ٤٣٢
  9. وفيه: التَّبرُّكُ باليُمْنَى دُونَ الشِّمالِ، وتَفْضِيلُها عليها، وفي ذلك معنَى الفَأْل.

  10. وأمَّا اختلافُ الألفاظِ في هذا الحديثِ عن مالك:

    فحدَّثنا خَلَفُ بنُ قاسِمٍ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحسينُ بنُ أحمدَ بنِ محمدٍ القُطْرُبُليُّ بمكةَ، قال: حدَّثنا إدرِيسُ بنُ عبدِ الكريم أبو الحسنِ الحَدَّادُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حاتمٍ أبو جَعفرٍ الطويلُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى قرَأ على نَفْسه بالمعوِّذات وتَفَل. أو قال: نَفَث.

  11. وحدَّثنا خلفٌ (١) ، قال: حدَّثنا أبو القاسِم عبدُ الوهَّابِ بنُ محمدِ بنِ الحجَّاج النَّصِيبيُّ، ومحمدُ بنُ أحمدَ بنُ موسى بنِ هارونَ الأنْماطِيُّ بمكةَ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ الحسنِ (٢) بنِ عَلّانَ، وأبو يوسفَ يعقوبُ بنُ مسدَّدِ بنِ يعقوبَ، وأبو الحسنِ عليُّ بنُ فارِسِ بنِ طَرْخَان، وثَوَابةُ بنُ أحمدَ بنِ ثَوَابةَ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المثنَّى، قال (٣) : حدَّثنا أحمدُ بنُ حاتِم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، فذكَر الحديثَ.

  12. وحَدَّثَنَا خَلَفٌ (١) ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ الخَضِرِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٢) . وحَدَّثَنَا خَلفٌ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جَعفرِ بنِ الوَرْدِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُبيدِ الله التُّستَرِيُّ، قالا: أخبرنا عليُّ بنُ خَشْرَم، قال: أخبرنا عيسى بنُ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أنس، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا اشْتَكى قرَأ على نفسِه بـ: "المعوِّذاتِ" ، ويَنفُث.

    ج ٥ ص ٤٣٣
  13. وحَدَّثَنَا خَلَف " (٣) ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ ابراهيمَ الدَّيبُليُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ (٤) الصَّائِغُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ عمرَ (٥) بنِ أبي الوزيرِ، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يرقي نَفْسَه بـ: " المعَوِّذتينِ"، ويَنفُث.

  14. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عمرَ (٦) ، قال: أخبرنا مالِكٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ شِهَابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: لما اشْتكَى رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَكاتَه (٧) التي تُوفِّي فيها، كان يقرَأُ على نفسِه بـ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} ،

    ج ٥ ص ٤٣٤و: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ، ويَمسَحُ بيَدِه على جَسَدِه، فلمَّا اشْتَّدَّ وجَعُه كنتُ أقرأُ عليه بهما، وأمسَحُ عليه بيَدِهِ رجاءَ بركةِ يَدِه (١) .

  15. وحَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا خالِدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُطَيْسٍ، قال: حَدَّثَنَا نَصْرُ بنُ مَرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح الحرَّانيُّ عبدُ الغَفَّارِ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ يُونُسَ، قال: حَدَّثَنَا مالِكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا اشْتكَى قرَأ على نفسِه بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، و: "المعَوِّذتَين" .

  16. فزاد عيسى بنُ يُونُسَ ذكرَ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . وقد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك معنَى روايةِ يحيى بـ: "المعوِّذاتِ" (٢) ، واللّهُ أعلم.

  17. وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ قاسِم وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قالا: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبَغَ (٣) ، قال: حَدَّثَنَا الحارِثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حَدَّثَنَا أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سلَّام، قال (٤) :

    ج ٥ ص ٤٣٥حَدَّثَنَا ابنُ مهدي، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا مَرِض يقرأُ على نفسِه بـ: "المُعوِّذات" ، ويَنفُث.

  18. وروَاه وكيعٌ عن مالكٍ فاختَصَره، وكان كثيرًا ما يختَصِرُ الأحاديثَ؛ حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصِر، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضَّاح (١) ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَنفُثُ في الرُّقية.

  19. وحَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسِم وعبدُ الرَّحمن بنُ يحيى، قالا: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ الخضِرِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٣) . وحَدَّثَنَا خَلَفٌ، قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ القاسِم بنِ يُوسُفَ الميَانجيُّ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ السَّرَّاجُ، قالا: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ راهُويَة، قال: حَدَّثَنَا وكيعُ بنُ الجرَّاح، قال: حَدَّثَنَا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينفُثُ في الرُّقية.

  20. وكذلك (٤) رَواه زيدُ بنُ أبي الزَّرقَاء، عن مالكٍ بإسنادِه هذا، بلفظِ وكِيع سواءً، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يَنفُثُ في الرُّقْيَة.

  21. ذكره النسائيُّ، عن عيسى، عن زَيدٍ؛ حَدَّثَنَاه خَلَفٌ وعبدُ الرَّحمن، عن الحسنِ بنِ الخَضرِ، عنه.

    ج ٥ ص ٤٣٦
  22. وأمَّا (١) روايةُ ابنِ بُكير، والقَعنَبيِّ (٢) ، وقُتيبةَ (٣) ، والتِّنيسيِّ (٤) ، وابنِ القاسِم (٥) ، وأبي المصعَبِ (٦) ، وسائرِ رُواةِ "الموطأ" (٧) ، فألفاظُهم في هذا الحديثِ مثلُ لفظِ يحيى سواءً إلى آخِرِه.

    قال أبو عُمر: أجاز أكثرُ العلماءِ النَّفْثَ عندَ الرَّقْي؛ أخْذًا بهذا الحديثِ وما كان مثلَه، وكرِهَته طائِفَةٌ، منهم الأسودُ بنُ يزيدَ؛ روَاه جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، أنَّه كان يكرَه النَّفثَ، ولا يرَى بالنَّفْخ بَأسًا. وروَى الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: إذا دعوتَ بما في القرآنِ فلا تنفُثْ. وهذا شيءٌ لا يجبُ الالتِفَاتُ إليه، إلَّا أنَّ مَن جَهِل الحديثَ ولم يسمَعْ، وسبَقَ إليه من الأُصُولِ ما نزَعَ به، فلا حرَجَ عليه، ولكنَّه لا يُلتفَتُ مع السُّنةِ إليه، وأظُنُّ الشُّبهةَ التي لها كَرِه النَّفْثَ مَن كَرِهه، ظاهِرَ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: ٤] . وهذا نَفْثُ سِحْرٍ، والسِّحرُ باطِلٌ مُحَرَّمٌ. وما جاءَ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ففيه الخيرُ والبَركةُ، وباللّه التوفيق.

  23. حديثٌ سادسٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ، قالت: ما سَبَّحَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبْحةَ الضُّحَى قطُّ، وإنِّي لأسبِّحُها، وإن كانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليدَعُ العَمَلَ وهو يُحبُّ أن يعملَ به، خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ به الناسُ فيُفرضَ عليهم.

    ج ٥ ص ٤٣٧
  24. أمَّا قولُها: سبَّحَ سُبحةَ الضُّحَى. فمعنَاه: صلَّى صلاةَ الضُّحَى. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: ١٤٣] . قال المُفسِّرُون: مِن المصلِّينَ. إلَّا أنَّ أهلَ العلم لا يُوقعونَ اسمَ سُبحةٍ إلَّا على النافلةِ دُونَ الفريضةِ؛ لقولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "واجعَلُوا صَلاتَكم معَهم سُبحةً" (٢) ، أي: نافلة.

  25. وفي هذا الحديثِ مِن الفقْهِ: معرفةُ رأفةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأمَّتِه ورحمتِه بهم، صلواتُ الله عليه وسلامُه، كما قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) } [التوبة: ١٢٨] .

  26. وأما قولُ عائشةَ: ما سبَّحَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبحةَ الضُّحَى قطُّ. فهو مما قلتُ لك، أنَّ مِن علم السُّننِ كثيرًا يُوجدُ عندَ بعضِ أهلِ العلم دونَ بعضٍ. فليس أحدٌ مِن الصحابةِ إلَّا وقد فاتَه مِن الحديثِ ما أحصَاه غيرُه، والإحاطةُ مُمتنعة،

    ج ٥ ص ٤٣٨وهذا ما لا يجهلُه إلَّا مَن لا عنايةَ له بالعلم، وإنَّما حصلَ المتأخِّرونَ على علم ذلك مُذْ صار العلمُ في الكتبِ، لكنَّهم بذلك دخلَتْ عليهم الدواخلُ في حفظِهم، فليسوا في الحفظِ كالمتقدِّمينَ وإن كان قد حصلَ في كُتبِ المُقِلِّ منهم علمُ جماعةٍ مِن العلماءِ، واللّهُ يُنوِّرُ بالعلم قلبَ مَن يشاءُ.

  27. وقد رُويَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آثارٌ كثيرةٌ حسانٌ في صلاةِ الضُّحَى؛ منها: حديث أُمِّ هانئ وغيرِها. فحديثُ أُمِّ هانئ مِن روايةِ مالكٍ سيأتي في موضعِه مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ (١) .

  28. وأمَّا غيرُ روايةِ مالكٍ، في حديث أُمِّ هانيء، وغيرُ إسنادِه، فقَرأتُ على سعيدِ بنِ نصرٍ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ شاكرٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ طَهمانَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن أُمِّ هانئ بنتِ أبي طالبٍ، أنَّها قالت: قَدِم رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الفتح، فتح مكَّةَ، فنزلَ بأعلَى مكَّةَ، فصلَّى ثمانيَ رَكَعاتٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، ما هذه الصلاةُ؟ قال: "صَلاةُ الضُّحَى" (٢) .

  29. ألا ترى أنَّ أُمَّ هانئ قد علِمت من صلاةِ الضُّحى ما خفِيَ على (٣) عائشةَ،

    ج ٥ ص ٤٣٩وأينَ أُمُّ هانئ في الفقْهِ والعلم مِن عائشةَ؟ وبالأغلبِ مِن الأمورِ يُقضَي، وعليه المدارُ، وهو الأصلُ.

  30. وقد روَى إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي صالح، عن أُمِّ هانئ قالت: لما كان يومُ الفتح اغتسلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وصلَّى ثمانيَ ركعاتٍ، فلم يَره أحدٌ صلَّاهُنَّ بعدُ (١) . فهذه أُمُّ هانئ لَمْ تعلمْ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّاهُنَّ بعدُ.

  31. وروَى شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلَي، قال: ما خبَّرنا أحدٌ أنَّه رأى رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، صلَّى صلاةَ الضُّحَى غيرَ أُمِّ هانئ؛ فإنَّها ذكرَتْ أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومَ فتح مكّةَ اغتسلَ في بيتِها، وصلَّى ثَمانيَ ركعاتٍ، فلمْ يرَهُ أحدٌ صلَّاهُنَّ بعدُ (٢) . وابنُ أبي ليلَى مِن كبار التَّابعين (٣) .

  32. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضرُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ حفصٍ الحرَّانيُّ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ أعيَنَ، عن إسحاقَ بنِ راشدٍ، عن الزُّهريِّ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارثِ، عن أبيه قال: سمعتُه يقولُ: سألتُ وحرصْتُ على أحدٍ يُحدِّثُني أنَّه رأى رسولَ

    ج ٥ ص ٤٤٠الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصلِّي (١) الضُّحَى، فلم أجدْ غيرَ أُمِّ هانئ بنتِ أبي طالبٍ، حدَّثتني أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دخلَ عليها يومَ فتح مكَّةَ، فأمَرَ بماءٍ فوُضِعَ له، فاغْتَسَل ثم صلَّى في بيتِها ثمانيَ ركَعاتِ، تقولُ أُمُّ هانئ: لا أدري، أقيامُه أطولُ أم رُكوعُه؟ ولا أدري، أركوعُه أطولُ أم سُجودُه؟ غيرَ أنَّ ذلك مقاربٌ يُشبِهُ بعضُه بعضًا (٢) .

  33. وروَى سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عبدِ الكريم أبي أُميَّةَ ويزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ الله بنِ الحارثِ، قال: سألتُ عن صلاةِ الضُّحَى في إمارَةِ عثمانَ (٣) وأصحابُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتوافرونَ، فلم أجدْ أحدًا أثبتَ لي صلاةَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضُّحَى إلَّا أمَّ هانئ. فذكَر الحديثَ. قال عبدُ الله بنُ الحارثِ: فحَدَّثْتُ به ابنَ عباسٍ فقال: إنْ كنتُ لأمرُّ على هذه الآيةِ: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: ١٨] . فهذه صلاةُ الإشراق (٤) .

  34. قولُ ابنِ شهابٍ في هذا الحديثِ: عن أبيه. هو الصوابُ، لا ما قال عبدُ الكريم ويزيدُ بنُ أبي زيادٍ (١) ، واللّهُ أعلمُ.

    ج ٥ ص ٤٤١
  35. فهذه الآثارُ كلُّها حُجَّةٌ لعائشةَ في قولها: ما سبَّحَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُبحةَ الضُّحَى قطُّ؛ لأنَّ كثيرًا مِن الصحابةِ قد شَرِكَها في أنَّها لَمْ تَعْلَمْ (٢) ذلك. وممَّا يُؤيِّدُ ذلك أيضًا حديثُ جابرِ بنِ سمرةَ، قال سماكُ بنُ حربٍ: قلتُ لجابرِ بنِ سمرةَ: أكُنْتَ تُجالسُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قال: نعمْ، كثيرًا، فكانَ لا يقومُ مِن مُصلَّاه الذي صلَّى فيه الغداةَ حتى تطلُعَ الشمسُ، فإذا طلعَتْ قام. وهذا حديثٌ صحيحٌ، روَاه الثوريُّ وغيرُه جماعةٌ، عن سماكٍ (٣) .

  36. وأمَّا الآثارُ المرويَّةُ في صلاةِ الضُّحَي، فحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ (٤) . وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسم،

    ج ٥ ص ٤٤٢قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّاد، قالا: حَدَّثَنَا مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن واصل، عن يحيى بن عُقيل، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يُصبحُ ابنُ آدَمَ وعلى كُلِّ سُلامَى منه صدقةٌ؛ فإماطتُه الأذَى عنِ الطَّريقِ صدقةٌ، وتَسْلِيمُه على مَن لقيَ صدقةٌ، وأمْرُه بالمعروفِ صدقة، ونَهْيُه عن المُنكَرِ صَدَقَةً؟ ومُجامعَتُه أهلَه صدقةٌ" . قالوا: يا رسولَ الله، أحدُنا يضعُ شهوتَه فتكونُ له صدقةً؟ قال: "أرأيْتُم لو وضعَها في غيرِ حلٍّ، ألم يكنْ يأْثَمُ؟ " قال: "ورَكْعَتا الضُّحَى تُجزئان من ذلك كُلِّه" .

    قال أبو داودَ (١) : وحَدَّثَنَا وَهْبُ بنُ بقيَّة (٢) ، قال: حَدَّثَنَا خالدٌ، عن واصلٍ، عن يحيى بنِ عُقيلٍ، عن يحيَى بنِ يَعْمَرَ، عن أبي الأسودِ الدِّيليِّ، قال: بينَما نحن عندَ أبي ذرٍّ. فذكرَ نحوَه، وفيه ذكرُ الصلاةِ، والصوم، والحجِّ، والتَّسبيح، والتَّكبير، والتَّحميدِ؛ كُلُّ ذلك صدقةٌ. وقال: فعدَّ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِن هذه الأعمالِ الصَّالحةِ، ثم قال: "يُجزئُ أحدَكم مِن ذلك رَكْعَتا الضُّحَى" .

  37. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرتيُّ، قال: حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ عليٍّ. وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ،

    ج ٥ ص ٤٤٣قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (١) : أخبرنا عليُّ بنُ حُجرٍ، قالا: أخبرنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرني محمدُ بنُ أبي حرملةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبي ذرٍّ، قال: أوصاني حبيبي (٢) بثلاثٍ لا أدَعُهُنَّ إن شاء اللهُ أبدًا؛ أوصاني بصلاةِ الضُّحَي، وبالوترِ قبلَ النَّوم، وبصيام ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهر.

  38. وقد روَى أبو الدَّرداءِ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه: حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ القرشيُّ بدِمَشْقَ، قال: حَدَّثَنَا أبو النَّضرِ إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يزيدَ القرشيُّ (٣) ، قال: حدَّثثا خالدُ بنُ يزيدَ بنِ صالح بنِ صبيح، عن العلاءِ، عن مكحولٍ، عن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يَا عُويمرُ، لا تَبِتْ إلَّا على وترٍ، وصلِّ ركعتي الضُّحَى مُقيمًا أو مُسافرًا، وصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ من كُلِّ شهرٍ، تستكملِ الزَّمانَ كُلَّه - أو قال: الدَّهرَ كُلَّه" (٤) .

  39. وروَى أبو هُريرةَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه:

    حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ غالبٍ، قال: حَدَّثَنَا بكَّارُ بنُ محمدٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ عونٍ، عن محمدٍ، عن أبي هُريرةَ، قال: أمرني رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ أصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهرٍ، وأَلَّا أنامَ إلَّا على وترٍ، وبركعتي الضُّحَى (١) .

    ج ٥ ص ٤٤٤
  40. ورُوِيَ هذا عن أبي هُريرةَ مِن وُجُوهٍ. فهذا أبو ذرٍّ، وأبو الدَّرداءِ، وأبو هُريرةَ، قد رووْا عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه أوصاهُم بركعتي الضُّحَى، أو صلاةِ الضُّحَى.

    ج ٥ ص ٤٤٥