ابن شهاب، عن عروة بن الزبير بن العوام خمسة عشر حديثا، منها واحد مرسل
٨٢٢ فقرة، ج ٥ ص ٣٠١
الصفحة ٩ من ٢١
- ج ٥ ص ٤٤٥
ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن ابنِ جُريج، قال: أخبرني عطاءٌ، أنَّ أبا هُريرةَ، قال: ثلاثٌ لا أدعُهُنَّ حتى أَلقَى أبا القاسم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أن أبِيتَ على وترٍ، وأنْ أصومَ مِن كُلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ، وصلاةُ الضُّحَى.
قال (٢) : وأخبرنا عُمرُ بنُ ذرٍّ، قال: سمِعتُ مُجاهدًا يقولُ: كانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصلِّي الضُّحَى ركعتَين، وأربعًا، وستًّا، وثمانيًا. وهذا حديثٌ مُرسلٌ.
-
وكان سعيدُ بنُ جبيرٍ ومجاهدٌ يُصلِّيانِ الضُّحَى ويرغِّبانِ فيها (٣) .
-
وروَى ابنُ وَهْبٍ، عن يحيى بن أيُّوبَ، عن زبَّانَ بنِ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أَنَسٍ الجُهنيِّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يه قال: "منْ قعَدَ في مُصلَّاه
ج ٥ ص ٤٤٦حينَ ينصرفُ من الصُّبحِ حتَّى يُسبِّحَ ركعتي الضُّحَى، لا يقولُ إلَّا خيرًا، غُفرَ لَه خطايَاهُ، وإنْ كانَتْ أكثرَ منْ زَبَدِ البَحْرِ " (١) .
-
وهذا الإسنادُ عندَهم ليِّنٌ ضعيفٌ، إلَّا أنَّ الفضائلَ يروُونَها عن كُلِّ مَن روَاها ولا يردُّونَها.
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ، قال (٢) : حَدَّثَنَا داودُ بنُ رُشَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن كثيرِ بنِ مُرَّةَ، عن نُعيم بنِ همَّارٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "يا ابنَ آدمَ، لا تُعجِزْني من أربع ركَعاتٍ في أوَّلِ النَّهارِ أكفِكَ آخرَهُ".
- ج ٥ ص ٤٤٧
فهؤلاءِ كلُّهم قد عرفوا من صلاةِ الضُّحَى ما لَمْ يعلمْه (١) غيرُهم.
-
وأخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عُثمانَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عُثمانَ وسعيدُ بنُ خُمَيْر (٢) ، قالا: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ صالح، قال: حَدَّثَنَا عُثمانَ بنُ عُمرَ، قال: حَدَّثَنَا يُونسُ، عن الزُّهريِّ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع، عن عِتبانَ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلَّى في بيتِه سُبحةَ الضُّحَى، فقاموا وراءَه فصلَّوا (٣) .
-
وهذا حديثٌ إنَّما حدَّثَ به عُثمانُ بنُ عُمَر بنِ فارسٍ أو يُونسُ بنُ يزيدَ، على المعنَي، بتأويلٍ تأوَّلَه، وإنَّما الحديثُ على حسبِ ما روَاه مالكٌ وغيرُه، عن ابنِ شهابٍ، على ما مضَى في هذا الكتابِ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن محمودِ بنِ الرَّبيع (٤) . والدَّليلُ على أنَّه لا يُعرفُ في هذا الحديثِ ذكرُ صلاةِ الضُّحَى، إنكارُ ابنِ شهابٍ لصلاةِ الضُّحَى، فقد كانَ الزُّهريُّ يُفتي بحديثِ عائشةَ هذا. ويقولُ: إنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصلِّ الضُّحَى قطُّ. قال: وإنَّما كان أصحابُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ج ٥ ص ٤٤٨يُصلُّونَها بالهواجرِ. أو قال: بالهجيرِ (١) . ولم يكنْ عبدُ الرَّحمن بنُ عوفٍ، وعبدُ الله بنُ مسعودٍ، وعبدُ الله بنُ عُمرَ، يُصلُّونَ الضُّحَى ولا يعرفونَها (٢) .
-
وروَى القاسمُ بنُ عوفٍ الشَّيبانيُّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "صلاةُ الأوَّابينَ إذا رمِضَتِ الفِصَالُ" (٣) .
-
وروى بكرٌ (٤) الأعنقُ، عن ثابِتٍ، عن أَنَسٍ، أنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: "يَا أنسُ، وصلِّ صلاةَ الضُّحَى؛ فإنَّها صلاةُ الأوَّابينَ" (٥) . والأوَّلُ أثبَتُ.
-
روَاه مُسدَّدٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حَدَّثَنَا هشامٌ الدَّستُوائيُّ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ عوفٍ (٦) .
وقال طاووسٌ: أوَّلُ مَن صلَّاها الأعرابُ (٧) .
- ج ٥ ص ٤٤٩
وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن ابنِ عُيينةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: ما صلَّيْتُ الضُّحَى منذُ أسلمْتُ.
-
وروَى معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لقد قُتِلَ عُثمانُ وما أحدٌ يُسبِّحُها، وما أحدثَ الناسُ شيئًا أحبَّ إليَّ منها (٢) .
-
وهذا نحوُ قولِ عائشةَ: إني لأُسبِّحُها (٣) . وقولِها: لو نُشرَ لي أبوايَ ما تركتُها.
-
أخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ (٤) بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن ابنِ (٥) المنكدرِ، عن ابنِ (٦) رُميثَةَ، عن أُمِّه، قالت: دخلْتُ على عائشةَ فصلَّتْ ثمانيَ ركَعاتٍ مِن الضُّحَى، فسألتها أُمِّي: أخْبرِيني عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذه الصلاةِ بشيءٍ. قالت: ما أنا بمخبرتكِ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في فيها بشيءٍ، ولكنْ لو نُشرَ لي أبي على أنَّ أدَعَهُنَّ ما تركتُهُنَّ.
-
وقد رُويَ عن عائشةَ في صلاةِ الضُّحَى حديثٌ مُنكرٌ، روَاه معمرٌ، عن قتادةَ، عن مُعاذةَ العدويَّةِ، عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصلِّي صلاةَ
ج ٥ ص ٤٥٠الضُّحَى أربعَ ركعاتٍ، ويزيدُ ما شاء (١) . وهذا عندي غيرُ صحيحٍ، وهو مردودٌ بحديثِ ابنِ شهابٍ المذكورِ في هذا الباب.
- ج ٥ ص ٤٥١
حديثٌ سابعٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: ما خُيِّر رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في أمرَينِ قَطُّ إلَّا أخَذ أيسرَهُما ما لَمْ يكنْ إثْمًا، فإن كان إثْمًا، كان أبعدَ الناس منه، وما انتقَم رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنفسِه قَطّ (٢) ، إلَّا أن تُنتهَكَ حُرمةٌ للّه، فينتقِمَ للّه بها.
-
في هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ المرءَ ينبغِي له تركُ ما عَسُرَ عليه مِن أمورِ الدنيا والآخرةِ، وتركُ الإلحاح فيه إذا لَمْ يُضطرَّ إليه، والميلُ إلى اليُسرِ أبدًا، فإنَّ اليُسرَ في الأُمورِ كلِّها أحبُّ إلى الله وإلى رسولِه، قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] .
-
وفي معنَى هذا الحديثِ: الأخذُ برُخَصِ الله تعالى، ورُخَصِ رسولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والأخذُ برُخَصِ العلماءِ ما لَمْ يكنِ القولُ خطأ بيِّنًا، وقد تقَدَّمَ مِن القولِ في هذا المعنَى في بابِ الفِطْرِ في السَّفرِ في حديثِ حُميدٍ الطويلِ (٣) ، وفي بابِ القُبلةِ للصائمِ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كتابِنا هذا ما فيه كفايةٌ (٤) .
- ج ٥ ص ٤٥٢
رَوَيْنا عن محمدِ بنِ يحيى بنِ سَلَّامٍ، عن أبيه، قال: ينبغِي للعالم أن يحمِلَ الناسَ على الرُّخصةِ والسَّعَةِ، ما لَمْ يَخفِ المأثَمَ.
-
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ ربِّه وأحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قالا: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن معمرٍ، قال: إنَّما العلمُ أن تسمَعَ بالرُّخصةِ مِن ثِقَةٍ، فأمَّا التَّشديدُ فيُحسِنُه كلُّ أحدٍ (١) .
-
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ للعالمِ (٢) أن يتجافَى عن الانتقامِ لنَفسِه ويَعفوَ ويأخُذَ بالفضلِ، إن أحَبَّ أن يتَأسَّى بنبيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وإن لَمْ يُطِقْ كُلًّا فبعضًا، وكذلك السلطانُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ لنبِيِّه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤] . قال المفسِّرون: كان خُلقُه ما قال اللهُ تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: ١٩٩] . وعلى العالِم أن يغضَبَ عندَ المُنكرِ ويغيِّره، إذا لَمْ يكنْ لنفسِه.
-
وفي معنَى هذا الحديثِ: ألَّا يَقضِيَ الإنسانُ لنفسِه ولا يحكُمَ لها، ولا لمَن في ولايَتِه. وهذا ما لا خِلافَ فيه، واللّهُ أعلم.
-
وهذا الحديثُ ممَّا روَاه منصورُ بنُ المعتمِرِ، عن ابنِ شهابٍ:
أخبرني عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ بنُ بَحْرٍ، قال: حَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ،
ج ٥ ص ٤٥٣قال: حَدَّثَنَا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن محمدِ بنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنتصِرًا مِن ظُلامَةٍ ظُلِمَها قَطُّ، إلَّا أن يُنتَهكَ شيءٌ مِن مَحارمِ الله، فإذا انتُهِكَ مِن مَحارم الله شيءٌ، كان أشَدَّهُم في ذلك، وما خُيِّر بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا اختار أيسرَهُما (١) .
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحميديُّ، قال (٢) : حَدَّثَنَا الفُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورِ بنِ المعتمِرِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنتصِرًا (٣) مِن مَظلِمةٍ قَطُّ، ما لَمْ تُنْتَهكْ مِن مَحارمِ الله شيءٌ، فإذا انتُهِكَ مِن مَحارمِ الله شيءٌ، كان أشدَّهم في ذلكَ غضبًا، وما خُيِّر بينَ أمرَينِ إلَّا اختارَ أيسرَهما، ما لَمْ يكنْ إثمًا.
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغ، قال: حَدَّثَنَا أبو الأحوصِ محمدُ بنُ الهيثم، قال: حَدَّثَنَا دُحَيمٌ الدِّمشقيُّ، قال: حَدَّثَنَا مُؤمَّلٌ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن منصورٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما رأيتُ
ج ٥ ص ٤٥٤رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنتصِرُ لنفسِه مِن مَظلِمةٍ ظُلِمَها، إلَّا أن تُنتَهكَ محارمُ الله فيكونَ للّه يَنتَصرُ، وما خُيِّر بينَ أمرَين إلَّا اختارَ أيسرَهما ما لَمْ يكنْ إثمًا.
-
وأمَّا روايةُ ابنِ إسحاقَ، فحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا مُضَرُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ أحمدَ بنِ أبي شُعيبٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سلَمةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينَ أمرَينِ قَطُّ إلَّا اختار أيسرَهما ما لَمْ يكنْ حرامًا، فإن كان حرامًا، كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتقَم رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لنفسِه مِن شيءٍ يُصابُ منه، إلَّا أن تُصَابَ حُرمةُ الله فيَنتقِمَ للّه.
- ج ٥ ص ٤٥٥
حديثٌ ثامنٌ لابنِ شهابٍ، عن عُروةَ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أنَّها قالت: إنَّ أزواجَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين تُوفي رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أردْنَ أن يَبْعثنَ عثمانَ بنَ عفَّان إلى أبي بكرٍ الصِّديقِ رضي اللهُ عنهما، فيسألنَه ميراثَهُنَّ مِن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت لهنَّ عائشةُ: أليسَ قد قالَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ" ؟
-
هكذا روَى هذا الحديثَ مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. لَمْ يجعَلْه عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكلُّ أصحابِ مالكٍ روَوه عنه كذلك (٢) ، إلَّا إسحاقَ بنَ محمدٍ الفَرْويَّ، فإنَّه قال فيه: عن أبي بكرٍ الصدِّيقِ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٣) .
- ج ٥ ص ٤٥٦
والصَّوابُ عن مالكٍ ما في "الموطَّأ" : عن عائشةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد تابَعَه على ذلك يونُسُ بنُ يزيدَ، فجعَلَه أيضًا عن عائشةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كرواية مالكٍ سواءً، إلَّا أنَّ في روايَةِ مالكٍ: أرَدْنَ أن يَبْعَثْنَ. وفي روايةِ يُونسَ، قالت: أرسَل إلى أبي بكرٍ الصديقِ أزواجُ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسألنَه ميراثَهُنَّ ما أفاء اللهُ على رسولِه. قالت عائشةُ: حتى كنتُ أنا التي أرُدُّهنَّ عن ذلك، فقلتُ لهنَّ: ألا تتَّقينَ اللهَ؟ ألم تَسمَعْنَ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هذا المالِ" ؟ هذا لفظُ حديثِ يُونُسَ؛ روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: أرسَلَ. وساقَ الحديثَ (١) .
-
وروَاه معمرٌ، وعبيدُ الله بنُ عمرَ، وعُقَيلٌ، وأُسامةُ بنُ زيدٍ، كلُّهم عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ الصَّدِّيقِ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. والحديث لأبي بكْرٍ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صحيحٌ.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّي، قال: حدَّثنا صَفْوانُ بنُ عيسى، قال: حَدَّثَنَا أسامَةُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، أنَّ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكنا صدقةٌ" (٢) .
- ج ٥ ص ٤٥٧
وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الفَضْلِ بنِ العباسِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ مالكٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (١) .
-
وأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُمَيرٍ وأبو أُسامةَ، عن عُبيْدِ الله بنِ عُمرَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، عن أبي بكرٍ، قال: سمِعتُ رسولَ الله يقولُ: "لا نُورَثُ، ما تَركْنا صدَقَةٌ" (٢) .
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمن بنُ عبدِ الله بنِ خالدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ تَمِيم، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حَدَّثَنَا سحنُونٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقيْلِ بنِ خالدٍ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ. وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا المطَّلِبُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: أخبرني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزبيرِ، عن عائشةَ، أنَّها أخبرَتْه، أنَّ فاطمةَ أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تسألُه ميراثَها مِن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ممَّا أفاء اللهُ عليه بالمدينَةِ وفدَكَ، وخُمُسِ خيْبرَ، فقال أبو بكرٍ لها:
ج ٥ ص ٤٥٨إنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ، إنَّما يأكُلُ آلُ محمدٍ في هذا المالِ" . وإنِّي واللّه لا أُغيِّرُ شيئًا مِن صدقةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن حالها التي كانت عليها في حياةِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولأعْمَلنَّ فيها بما عَمِل به رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (١) .
-
ففي روايَةِ عُقَيْل هذه أنَّ فاطِمةَ أرسَلَتْ إلى أبي بكرٍ تَسْألُه مِيراثَها، وفي روايةِ مالِكٍ ويونسَ (٢) أنَّ أزْواجَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلْنَ ذلك، والقَلْبُ إلى روايَةِ مالكٍ أمْيَلُ؛ لأنَّه أثْبَتُ في الزهريِّ، وقد تابَعَه يونسُ، وإن كان عُقَيلٌ قد جوَّدَ هذا الحديث.
-
وسُؤالُ فاطمةَ أبا بكرٍ ذلك مَشهُورٌ معْلُومٌ مِن غيرِ هذا الحديثِ، وغيرُ نكيرٍ أنْ يكنَّ كلُّهُنَّ يسْألنَ ذلك، ولم يكنْ عنْدَهُنَّ عِلْمٌ مِن قولِ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك، فلمَّا أعلمَهُنَّ أبو بكر سكتْنَ وسلَّمْنَ، وهذا ممَّا أخبَرتُكَ أنَّ هذا مِن عِلْمِ الخاصَّةِ، لا يُنكَرُ جَهْلُ مثلِه مِن أخبارِ الآحَادِ على أحَدٍ، ألا تَرى أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ لَمْ يَعْلَم (٣) مِن هذا البابِ ما عَلِمَه حمَلُ بنُ مالكِ بنِ النابغةِ - رجلٌ مِن
ج ٥ ص ٤٥٩الأعرابِ مِن هُذَيْلٍ - في ديَةِ الجنينِ؟ ولم يَعْلَم (١) مِن ذلك أيضًا ما عَلِمَه الضَّحَّاكُ بنُ سفيانَ الكلابيُّ في ميراثِ المرأةِ مِن ديَةِ زَوْجِها (٢) ؟ ولم يَعْلَم (٣) مِن ذلك أيضًا ما عَلِمَه أبو موسى الأشْعَريُّ في الاستِئْذانِ (٤) ؟ ومَوْضِعُ عمرَ مِن العِلْمِ الموضِعُ الذي لا يجهَلُه أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: لو أنَّ عِلْمَ أهْلِ الأرضِ جُعِلَ في كِفَّةٍ، وجُعِل عِلْمُ عمرَ في كِفَّةٍ، لرَجَح عِلْمُ عمرَ (٥) . فإذا جاز مثلُ هذا على عمرَ، فغيرُ نكيرٍ أن يخفى (٦) على أزواجِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وابنتِهِ رضيَ اللهُ عنهنَّ ما عَلِمَه أبو بكرٍ رضِي الله عنه مِن قولِه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنَا صدقة" . وقد عَلِمه جماعَةٌ مِن أصحابِهِ، وذلك موجودٌ في حديثِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدَثَان، وسنذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى بعدُ في هذا الباب (٧) . وقد خَفِيَ على أبي بكرٍ وعُمرَ ما عَلِم المغيرَةُ ومحمدُ بنُ مسلَمَة مِن توْرِيثِ الجَدَّةِ (٨) ، وخَفِيَ على ابنِ مسعودٍ (٩) ما عَلِم مَعْقِلُ بنُ سِنَانٍ الأشْجعِيُّ مِن صَداقِ المُتوفَّى
ج ٥ ص ٤٦٠عنها التي لَمْ يُدْخَلْ بها ولم يُسَمَّ لها (١) ، وقد خَفِيَ على الأنصار وعلى أبي موسى (٢) حديثُ التقاءِ الختَانَيْن، وعَلِمَتْه عائشةُ (٣) ، وخَفِيَ على ابنِ عمرَ (٤) حديثُ القُنُوتِ وعَلِمه أبو هريرةَ وغيرُه (٥) ، ومثلُ هذا كثيرٌ عن الصحابَةِ يطُولُ ذكرُه، مِثْلُهُ حديثُ: "لا نُورَثُ، ما تركْنَا صَدقَةٌ" ، غيرُ نكيرٍ أنْ يَخْفَى عليهن وأن يَخْفَى أيضًا عن عليٍّ (٦) والعبَّاسِ حتى عَلِموه على لسانِ مَن حَفِظَه.
-
وفي هذا الحديث: قبُولُ خبَرِ الواحِدِ العَدْلِ؛ لأنَّهم لَمْ يرُدُّوا على أبي بكرٍ قولَه، ولا ردَّ أزواجُ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على عائشةَ قولَها ذلك، وحكايتَها لهُنَّ عن رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل قَبِلوا ذلك وسلَّمُوا.
-
وفي هذا الحديثِ عندَ مالكٍ إسنادٌ آخَرُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسٍ، عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق. وليس في "الموطَأ" بهذا الإسناد، وهو مأخُوذٌ مِن حديثه الطويل.
- ج ٥ ص ٤٦١
حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ قاسم، قال: حَدَّثَنَا أبو محمدٍ بكرُ بنُ عبدِ الرَّحمن بنِ عبدِ الله الخلَّالُ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ بنِ سُفيانَ المكِّي، قال: حَدَّثَنَا عمْرُو بنُ مرزُوق، قال: حَدَّثَنَا مالكُ بنُ أَنَسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن مالكِ بنِ أوْسِ بنِ الحدثَانِ، عن عمرَ بن الخطَّابِ، قال: قال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ" (١) . هكذا حَدَّثَنَاه.