ابن شهاب، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن القرشي العدوي الأعرج حديث واحد

٣٧ فقرة، ج ٦ ص ٣٠

  1. وهو عبد الحميدِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّابِ بنِ نُفَيلٍ، مدنيٌّ، ثقةٌ، مشهورٌ، وليَ الكوفةَ لعمرَ بنِ عبد العزيز، ولما ولّاه عمرُ بنُ عبدِ العزيز الكوفةَ، ضمَّ إليه أبا الزِّنادِ يَستكتبُه (٢) ، واستَقْضى عبدُ الحميدِ على الكوفة الشَّعبيَّ أيامَ إمارته، وكان فاضلًا، ناسكًا.

    ج ٦ ص ٣٠
  2. روى عنه ابنُ شهابٍ، والحكمُ بنُ عُتيبةَ، وابنُه زيدُ (٣) بنُ عبدِ الحميدِ، وعبدُ الرَّحمنِ (٤) بنُ يزيدَ بنِ جابر.

  3. وكان رحمةُ الله عليه أعرَجَ، وصاحبُ شُرطَتِه أعرجَ، فقال فيه الحكمُ بن عبْدلٍ الشاعرُ أبياتًا، منها قوله:

    وأميرُنا وأميرُ شُرطتِنَا معًا ... لكِلَيْهِما يا قومَنا رِجْلانِ (٥)

  4. مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطابِ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل، عن عبدِ الله بنِ عباس، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ خرَج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لَقِيَه أمراءُ الأجنادِ: أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح وأصحابُه، فأخْبَرُوه أنَّ الوبَاءَ قد وقَع بالشام. قال ابنُ عباس: فقال عمرُ: ادْعُ لي المهاجرِينَ. فدَعاهم، فاستشارَهم، وأخبَرهم أنَّ الوَباءَ قد وقَع بالشام، فاختَلَفوا عليه؛ فقال بعضُهم: قد خرَجتَ لأمرٍ، ولا نرَى أن تَرْجعَ عنه. وقال بعضُهم: معك بَقِيَّةُ الناسِ وأصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نرَى أن تُقْدِمَهم على هذا الوَبَاء. فقال: ارْتَفِعوا عنِّي، ثم قال: ادْعُوا لي الأنصارَ، فدَعَوْهم، فاستشارَهم، فسلكوا سَبِيلَ المهاجِرِينَ، واختلَفوا كاختِلافِهم، فقال: ارتَفِعوا عنِّي. ثم قال: ادْعُ لي مَن كان هاهنا مِن مَشْيَخَةِ قريشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفتح، فدَعَوْهم له، فلم يَختَلِفْ عليه منهم رجلانِ (٢) ، فقالوا: نرَى أن تَرْجعَ بالناس، ولا تُقْدِمَهم على هذا الوبَاء. فنادَى عمرُ في الناس: إنِّي مُصْبِح على ظَهْرٍ، فأصْبحُوا عليه. فقال أبو عبيدةَ: أفِرارًا مِن قَدَرِ الله؟ فقال عمرُ: لو غيرُكَ قالها يا أَبا عبيدَةَ؟ نعم، نَفِرُّ مِن قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، أرأيتَ لو كانت لك إبلٌ فهبَطتَ بها وادِيًا له عُدْوَتانِ؛ إحْداهما خَصْبَةٌ (٣) ، والأُخْرَى جَدْبَةٌ، أليس إن رَعَيتَ الخَصْبةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ الله، وإن رَعَيتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَها بقَدَرِ الله؟ قال: فجاء عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، وكان مُتغيِّبًا (٤) في بعضِ حاجتِه، فقال: إنَّ عِنْدِي مِن هذا عِلْمًا، سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إذا سَمِعتم به بأرضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنتم بها، فلا تَخرُجوا فِرارًا منه" ، قال: فحَمِد اللهَ عمرُ ثم انصَرَف.

    ج ٦ ص ٣١
  5. هكذا هذا الحديثُ في "الموطأ" (١) عندَ أكثرِ الرواةِ (٢) .

    ج ٦ ص ٣٢
  6. ورواه إبراهيمُ بنُ عمرَ بنِ أبي الوزِيرِ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَلٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٣) . وليس في "الموطأ" : عن أبيه.

  7. ورواه ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن (٤) عبد الله بنِ الحارثِ بنِ نَوْفَل، عن ابنِ عباس (٥) ، ولم يقلْ: عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله، والذي في "الموطأ" : عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِث.

  8. وروايةُ يُونُسَ، عن ابنِ شهابٍ كما قال ابنُ وَهْبٍ (١) ، وأظُنُّه دخَلَ عليه لفظُ حديثِ أحَدِهما في الآخَر.

    ج ٦ ص ٣٣
  9. وروايةُ صالح بنِ نصرٍ لهذا الحديثِ عن مالك كما روى ابنُ وَهْب (٢) .

  10. وأمَّا عبدُ الحميد (٣) ، فقد تقَدَّمَ القولُ فيه.

  11. وأمَّا عبدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفَل، فمَشْهُورٌ، روَى عنه ابنُ شهابٍ أحاديثَ؛ منها حديثُ الصدَقَة، الحديثُ الطويلُ الذي فيه: "إنَّما الصدقةُ

    ج ٦ ص ٣٤أوساخُ الناسِ"؛ يَرْويه مالِكٌ (١) ، وصالِحُ بنُ كَيْسان (٢) ، وغيرُهما، عن ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ بنِ نَوْفلٍ هذا، عن عبدِ المطَّلِبِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المطَّلِب.

  12. ويروي عبدُ الله بنُ عبدِ الله هذا أيضًا عن أبيه المعروفِ بِبَبَّةَ، قال: سألتُ في إمارةِ عثمانَ وأصحابُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُتَوافِرُون، عن صلاةِ الضُّحَى. روى هذا الخبرَ أيضًا الزهريُّ، عنه، عن أبيه. وقد اختُلِف عليه فيه، فقيل: عن عبدِ الله، عن أبيه، وقيل: عن عبيدِ الله، عن أبيه. والصوابُ فيه إن شاء اللهُ: عبدُ الله. وكذلك قال عبدُ الكرِيم أبو أُمَيَّةَ، وَيزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ، عنه في حديثِ صلاةِ الضُّحَى، فابنُ شهابٍ يَروي عن عبدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ الحارِثِ نَفْسِه، ويروي عن عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنه (٣) ، فاللهُ أعلم.

  13. وأمَّا محمدُ بنُ عبدِ الله أخو عبدِ الله بنِ عبدِ الله هذا، فقد تقَدَّمَ ذكرُه في البابِ الذي قبلَ هذا (٤) .

  14. وأمَّا أخُوهما عُبيدُ الله، فمعروفٌ أيضًا عندَ أهلِ الأثَرِ وأهلِ النَّسَبِ، وله ابنٌ يُسمَّى العباسَ، ولهم عندَ أهلِ النَّسَبِ أخَوَانِ؛ أحَدُهما: الصَّلتُ بنُ عبدِ الله بنِ

    ج ٦ ص ٣٥الحارِثِ بن نَوْفَل، كان مِن رجالِ قريش، وكان عندَه بِنتانِ لعَليِّ بنِ أبي طالب، قال العَدَويُّ: وكان فَقِيهًا.

    قال أبو عُمر: أظُنُّه كان له حظٌّ مِن العِلْم، ولا أحفَظُ له رِوايَةً (١) . وعونُ بنُ عبدِ الله بنِ الحارِثِ، وابنُه الحارِثُ بنُ عَوْنٍ كان جوَادًا، وفيه يقولُ الشاعِرُ:

    لولا نَدَى الحارِثِ مات النَّدَى ... وانقَطَع المسؤولُ والسائِلُ

    وأمَّا قولُ الذُّهليِّ بأنَّ بَبَّةَ كان له ثلاثةُ بَنِينَ، فإنَّهُ أخَذه مِن الأحاديث، ولم يُطالِعْ ما قالَه أهلُ النَّسَب (٢) ، واللهُ أعلم.

  15. وفي هذا الحديثِ مِن المعاني: خُروجُ الخليفةِ إلى أعمالِه يُطالِعُها، وينظُرُ إليها، ويعرِفُ أحوالَ أهلِها. وكان عمرُ رضي اللهُ عنه قد خرَج إلى الشام مرَّتَين في قولِ بعضِهم، ومنهم مَن يقول: لم يخرُجْ إلَّا مرَّةً واحدةً، وهي هذه. والمعروفُ عندَ أهلِ السِّيَرِ أنَّه خَرَج إليها مرَّتَيْن.

  16. ذكرَ خَلِيفَةُ (٣) ، عن ابنِ الكلبيِّ، قال: لما صالَح أبو عبيدةَ أهلَ حَلَب، شَخَصَ وعلى مُقدَّمَتِه خالدُ بنُ الوليد، محاصرًا أهلَ إيليَّا، فسَألوه الصُّلحَ على أن يكونَ عمرُ هو يُعْطِيهم ذلك، ويكتُبُ لهم أمانًا. فكتَبَ أبو عُبيد إلى عمرَ، فقَدِمَ عمرُ فصالحَهم، وأقَام أيَّامًا، ثم شَخَصَ إلى المدينَةِ، وذلك في سنَة سِتَّ عشْرة.

    ج ٦ ص ٣٦قال أبو عُمر: وكان خُروجُه المذكورُ في هذا الحديثِ سنةَ سبعَ عشْرَة.

    قال خليفَةُ بنُ خياط (١) : فيها خرَجَ عمرُ بنُ الخطابِ إلى الشام، واستَخْلَفَ على المدينَةِ زيدَ بنَ ثابت، وانصَرَفَ مِن سَرْغَ وبها الطَّاعُونُ.

  17. وقد تقدَّمَ في بابِ ابنِ شهاب، عن عبدِ الله بنِ عامرِ بنِ رَبِيعَةَ: في ذِكْرِ سَرْغَ، ومَعْنَى الطَّاعُون، وأخبارِ الفِرارِ (٢) منه، ما يُغْني عن تكرِيرِه هاهنا.

  18. حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بَقيٌّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي شيبةَ، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ رُويم، عن القاسم، عن عبدِ الله بنِ عمرَ (٤) ، قال: جِئْتُ عمرَ حينَ قَدِم الشامَ، فوجَدتُه قائِلًا في خِبَائِه، فانتظَرتُه في فَيْءِ الخِبَاء، فسَمِعتُه حينَ تَضَوَّرَ مِن نَومِه وهو يقول: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي رُجُوعي مِن غزوةِ سَرْغَ. يَعْني حينَ رجَعَ مِن أجْلِ الوَبَاء.

  19. وفيه: استعمالُ الخليفةِ أُمراءَ عدَدًا في موضِع واحِدٍ لوُجوهٍ يَصْرِفُهم فيها، وكان عمرُ قد قَسَمَ الشامَ على أربعةِ أُمراء، تحتَ كلِّ واحِدٍ منهم جُنْدٌ وناحِيةٌ مِن الشام؛ منهم أبو عبيدةَ بنُ الجرَّاح، وشُرَحْبِيلُ بنُ حسَنةَ، وَيزيدُ بنُ أبي سفيان، وأحْسَبُ الرابعَ معاذَ بنَ جبل، كلُّ واحِدٍ منهم على ناحِيةٍ مِن الشامات، ثم لم يَمُتْ عمرُ حتى جمَع الشامَ لمعاويةَ، وقد استَخْلَف زيدَ بنَ ثابتٍ مرّاتٍ على المدينة في خُروجِه إلى الحجِّ، وما أظُنُّه استَخلَفَ غيرَ زيدِ بنِ ثابتٍ قطُّ في خروجِه

    ج ٦ ص ٣٧مِنَ المدينةِ، إلَّا ما حُكِي عن أبي المَليح (١) ، أنَّ عمرَ اسْتَخْلَفَ خالًا له مرَّةً واحدةً على المدينة يقالُ له: عبدُ الله. وأمَّا عُمَّالُه في أقطارِ الأرضِ فكثير، وكان يَعْزِلُ ويُولِّي كثيرًا، لا حاجَةَ بنا إلى ذكْرِهم هاهنا، وإنَّما ذكرنا هذا لما في الحديثِ مِن ذكْرِ أُمراءِ الأجْنَادِ؛ أبي عُبيدَةَ وأصحابِه.

  20. وفيه: دليلٌ على إباحةِ العملِ والولاية، وأنْ لا بأسَ بها للصَّالحينَ والعلماء، إذا كان الخليفَةُ فاضِلًا عالمًا، يأْمُرُ بالحقِّ ويعدِل.

  21. وفيه (٢) : دليل على استعمالِ مَشُورَةِ مَن يُوثَقُ بفَهْمِه وعَقْلِه عندَ نُزُولِ الأمرِ المعضِل.

  22. وفيه: دليلٌ على أنَّ المسألةَ إذا كان سبيلُها الاجتهادَ، ووقَع فيها الاختِلافُ، لم يجُزْ لأحَدِ القائِلينَ فيها عَيْبُ مخُالِفِه، ولا الطَّعْنُ عليه، ألا تَرَى أنهم اختَلَفوا، وهم القُدوَةُ، فلم يعِبْ أحَدٌ منهم على صاحبِه اجتِهادَه، ولا وجَدَ عليه في نَفْسِه؟ إلى الله الشَّكْوَى وهو المستعانُ، على أُمَّةٍ نحن بينَ أظْهُرِها، تَسْتَحِلُّ الأعرَاضَ والدماء، إذا خُولِفَتْ فيما تجيءُ به مِن الخطأ.

  23. وفيه: دليلٌ على أنَّ المجتهِدَ إذا قادَه اجتِهادُه إلى شيءٍ خالفَه فيه صاحِبُه، لم يَجُزْ له الميلُ إلى قولِ صاحِبه إذا لم يَبِنْ له موضِعُ (٣) الصَّوابِ فيه، ولا قام له الدليلُ عليه.

  24. وفيه: دليلٌ على أنَّ الإمامَ والحاكِمَ إذا نزَلت به نازلَةٌ لا أصلَ لها في الكِتابِ ولا في السُّنَّةِ، كان عليه أن يجمَعَ العلماءَ وذَوي الرَّأي ويُشاوِرَهم، فإن لم يأْتِ واحِدٌ منهم بدليلِ كتابٍ ولا سُنَّةٍ غيرَ اجتِهادِه، كان عليه الميلُ إلى الأصلَح، والأخْذُ بما يَرَاه.

  25. وفيه: دليلٌ على أنَّ الاختِلافَ لا يُوجِبُ حُكمًا، وإنَّما يوجِبُ النَّظَر، وأنَّ الإجماعَ يُوجِبُ الحُكمَ والعمَلَ.

    ج ٦ ص ٣٨
  26. وفيه: دليلٌ على إثباتِ المناظَرَةِ والمجادلةِ عندَ الخِلافِ في النَّوَازِلِ والأحْكام، ألا تَرَى إلى قولِ أبي عُبيدةَ لعمرَ رحِمَهما اللهُ تعالى: "تَفِرُّ مِن قَدَرِ الله؟ فقال: نعم، نفِرُّ مِن قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله. ثم قال له: أرَأيتَ؟ " فقايَسَه وناظَرَه بما يُشْبِهُ في مسألتِه.

  27. وفيه: دليلٌ على أنَّ الاخْتِلافَ إذا نزَلَ، وقامَ الحجَاجُ، فالحُجَّةُ والفَلْجُ (١) بيَدِ مَن أدْلى بالسُّنةِ، إذا لم يكنْ مِن الكتابِ نَصٌّ لا يُختَلَفُ في تَأويله. وبهذا أمَرَ اللهُ عبادَه عندَ التنازُع، أن يَرُدُّوا ما تَنازَعُوا فيه إلى كتابِ الله وسنةِ نَبِيِّه - صلى الله عليه وسلم -، فمن كان عندَه فيه عِلْمٌ (٢) ، وجَبَ الانقيادُ إليه.

  28. وفيه: دليلٌ على أنَّ الحديثَ يُسَمَّى عِلْمًا، ويُطْلَقُ ذلك عليه، ألا ترَى إلى قولِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوف: عندي مِن هذا عِلْمٌ؟

  29. وفيه: دليلٌ على أنَّ الخلْقَ يَجرُونَ في قَدَرِ الله وعِلْمِه، وأنَّ أحدًا منهم أو شيئًا لا يخرُجُ عن حُكمِه وإرادَتِه ومَشِيئَتِه، لا شريكَ له.

  30. وفيه: أنَّ العالم قد يُوجَدُ عندَ مَن هو في العِلْم دُونَه ما لا يُوجَدُ منه عندَه؛ لأنَّه معْلُومٌ أنَّ مَوْضِعَ عمرَ مِن العِلْم، ومكانَه مِن الفهم، ودُنُوَّه مِن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في المدْخَلِ والمخْرَج، فوقَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، وقد كان في هذا البابِ عندَ عبدِ الرحمنِ عنه عليه السَّلامُ ما لم يكنْ عند عمرَ (٣) . وهذا واضِحٌ يُغني عن القولِ فيه. وقد جَهِل محمدُ بنُ سيرينَ حديثَ رُجوع عمرَ مِن أجْلِ الطَّاعُون.

  31. ذكر ابنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: ذُكِر له أنَّ عمرَ رجَع مِن الشام حينَ سَمِع أن بها وبَاءً، فلم يعرِفْه، وقال: إنَّما أُخبِر أنَّ (٢) الصائفَةَ لا تخرُجُ العامَ فرَجَع.

    ج ٦ ص ٣٩
  32. وفيه: أنَّ القاضِيَ والإمامَ والحاكِمَ لا يُنْفِذُ قَضاء ولا يفْصِلُه إلَّا عن مشُورَةِ مَن بحَضرتِه وَيصِلُ إليه وَيقْدِرُ عليه مِن علماءِ موضعِه. وهذا مشهورٌ مِن مذهَبِ عمرَ رضي اللهُ عنه.

  33. ذكر سيفُ بنُ عمر (٣) ، عن عبدِ الله بنِ المستَوْرِد، عن محمدِ بنِ سيرين، قال: عهِدَ عمرُ إلى القُضاةِ ألَّا يَصْرِمُوا القَضاء (٤) إلَّا عن مَشُورَةٍ، وعن ملأٍ وتَشَاوُر، فإنَّه لم يَبلُغْ مِن علْم عالِم أن يجتزئَ به حتى يجمَعَ بينَ علْمِه وعلم غيرِه. وتمَثَّل:

    خَليليَّ ليس الرَّأيُ في صَدْرِ واحدٍ ... أشِيرا عليَّ اليومَ ما تَرَيانِ (٥)

    ج ٦ ص ٤٠قال سيفٌ: حدَّثنا سهلُ بنُ يوسُفَ بنِ سَهْلِ بنِ مالكٍ الأنصاريُّ، عن أبيه، عن عُبيدِ بنِ صَخْرِ بنِ لُوذَانَ الأنصاريِّ، قال: بعَث رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - معاذَ بنَ جبلٍ معلِّما لأهلِ اليمنِ وحضرَمَوْتَ، فقال: "يا معاذُ، إنَّك تَقدَمُ على أهلِ كتاب، وإنَّهم سائلُوكَ" . وذكَرَ الحديثَ، وفيه: "ولا تَقْضِينَّ إلَّا بعِلْم، وإن أشكَلَ عليكَ أمرٌ، فسَلْ، واستَشِرْ، فإنَّ المستَشِيرَ مُعان، والمستشَارَ مُؤتَمَن، وإن الْتُبِس عليكَ فقِفْ حتى تَتبيَّن، أو تكتُبَ إليَّ، ولا تَصْرِمَنَّ قضاءً فيما لم تَجدْه في كتاب الله أو سُنَّتي إلَّا عن ملأ" . وذكَر تمامَ الخبَر (١) .

  34. وفيه: دليلٌ على عَظِيم ما كان عليه القومُ مِن الإنصافِ للعِلْم، والانقيادِ إليه، وكيف لا يكونون كذلك وهم خيرُ الأمم رضي اللهُ عنهم؟

  35. وفيه: دليلٌ على استِعمالِ خبَرِ الواحِدِ وقَبولِه، وإيجابِ العمَلِ به، وهذا أوضَحُ وأقوَى ما يُرْوَى (٢) مِن جِهَةِ الأثَرِ (٣) في قبولِ خبَرِ الواحِدِ؛ لأنَّ ذلك كان في جماعةِ الصحابةِ وبمَحضَرِهم، في أمرٍ قد أشكَلَ عليهم، فلم يقولوا لعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ: أنت واحِدٌ، والواحِدُ لا يجبُ قبولُ خبَره، إنَّما يجبُ قبولُ خبَرِ الكافَّةِ. ما أعظَمَ ضلالَ مَن قال بهذا! واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}

  36. [الحجرات: ٦] ، وقُرِئَتْ: (فتَثبَّتوا) (١) . فلو كان العَدْلُ إذا جاءَ بنَبأ يُتَثبَّتُ في خبرِه ولم يُنَفَّذ، لاسْتَوى الفاسِقُ والعَدْلُ، وهذا خِلافُ القرآنِ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: ٢٨] . والقولُ في خَبَرِ العدْلِ مِن جِهَةِ النظرِ له موضعٌ غيرُ هذا، وما التوفيقُ إلَّا بالله (٢) .

    ج ٦ ص ٤١
  37. وقد مَضَى في معنَى الطَّاعُونِ أخبارٌ وتفسِيرٌ في بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبدِ الله بنِ عامِر (٣) ، لا معنَى لتكْرَارِها هاهنا، والعربُ تزعُمُ أنَّ الطاعونَ طَعْنٌ مِن الشيطان، وتُسَمِّيه رِمَاحَ الجِنِّ. ولهم في ذلك أشعارٌ لم أرَ ذكرها (٤) ؛ لأنِّي على غيرِ يَقِينٍ منها. وقد رُويَ أنَّ عمرَو بنَ العاص قام في الناسِ في طاعُونِ عَمَوَاسٍ في الشَّام، فقال: هذا الطَّاعُون قد ظهَرَ، وإنَّما هو رِجْزٌ مِن الشيطانِ، ففِرُّوا منه في هذه الشِّعاب. فأنكَرَ ذلك عليه معاذُ بنُ جبلٍ:

    حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح (٥) ، قال: حدَّثنا دُحَيْمٌ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسْلِم، عن الوليدِ بنِ محمدٍ، عن الزُّهريِّ، قال: أصاب الناسَ طاعُونٌ بالجابِية (٦) ، فقام عمرُو بنُ العاص فقال: تفَرَّقوا عنه، فإنَّما هو بمنزِلةِ نارٍ. فقام معاذُ بنُ جبل، فقال: لقد كنتَ فينا

    ج ٦ ص ٤٢ولأنت أضَلُّ مِن حمارِ أهلِكَ، سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "هو رحمةٌ لهذه الأُمَّةِ" . اللهمَّ فاذكُرْ معاذًا وآلَ معاذٍ فيمَن تذكُرُ بهذه الرحمة (١) .

    قال دُحَيْم: وحدَّثنا عفانُ، عن شعبةَ، عن يزيدَ بنِ خُمَيْرٍ، قال: سمِعتُ شُرَحْبِيلَ بنَ شُفْعَةَ (٢) يُحدِّثُ، عن عمرِو بنِ العاص، قال: وقَع الطاعونُ بالشام، فقال عمرٌو: إنَّه رِجْسٌ، فتَفَرَّقُوا عنه. فقال شُرَحْبِيل (٣) : سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنَّهُ رحمةُ ربِّكم، ودعوةُ نَبِيِّكم، وموتُ الصالحين قبلَكم، فاجتَمِعوا ولا تفرَّقوا عنه" (٤) .

    قال أبو عُمر: أظُنُّه أرادَ بقوله: "ودعوةُ نبيِّكم" قولَه - صلى الله عليه وسلم -: "اللهمَّ اجعَلْ فناءَ أُمَّتي بالطَّعْنِ والطاعونِ" . وقد ذكَرْنَا هذا الخبرَ في مواضِعَ مِن هذا الكتابِ (٥) ، ورَوَينا عن ابن مسعود أنَّه قال: الطَّاعونُ فِتنةٌ على المُقِيم وعلى الفَارِّ؛ أمَّا الفارُّ فيقول: فرَرْتُ فنجَوْتُ. وأمَّا المقيمُ فيقول: أقَمتُ فمِتُّ. وكَذَبَا؛ فَرَّ مَن لم يجِئْ أجَلُه، وأقام مَن جاء أجَله (٦) .