ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص حديث واحد

٦٨ فقرة، ج ٦ ص ٤٣

الصفحة ١ من ٢

  1. وهو عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاص (١) ، واسمُ أبي وقّاص: مالكُ بنُ أُهَيب بن عبدِ منافِ بنِ زُهْرةَ القرشيُّ الزُّهريُّ. قد ذكرنا أباه في كتابنا في "الصحابة" (٢) بما فيه كفاية.

    ج ٦ ص ٤٣
  2. وعامرٌ هذا أحدُ ثقاتِ التابعينَ، وهم خمسةُ إخوةٍ، كلُّهم قد روى الحديثَ: عامرُ بنُ سعدٍ هذا سكن المدينةَ، ومات بها سنة أربع ومئة (٣) ، وقيل: إنَّه توفِّي في خلافة الوليدِ بنِ عبدِ الملك.

  3. ومصعبُ بنُ سعدٍ سكَن الكوفةَ ومات بها، وروى عنه أهلها، وكانت وفاتُه سنة ثلاثٍ ومئة (٤) .

  4. ومحمدُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ، خرج مع ابنِ الأشعثِ (٥) ، وقتلَه الحجّاجُ، وابنُه إسماعيلُ بنُ محمّد، رُوِيَ عنه العلمُ، روى عنه مالكٌ وغيرُه (٦) .

  5. وموسى بنُ سعد، روَى عنه الحديثَ وعن ابنه مجاهدُ بنُ موسى.

  6. وعمرُ بن سعد (١) ، كان أميرَ الجيش في قتل الحُسين، ثم قتله المختار بنُ أبي عُبيدٍ، وقَتل معه ابنَه حفصَ بنَ عمر، وأبو بكر بنُ حفصِ (٢) بنِ عُمرَ أحدُ رُواةِ الحديثِ وثقاتهم وفقهائهم وأهلِ العلم بالسِّير والخبر منهم، وكلُّ بني سعدٍ من حملَة العلم مِن التابعين.

    ج ٦ ص ٤٤
  7. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنّ أيَّ واحدٍ منهم لم يُدركِ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لقوله فيه: "ولا يَرثُني إلا ابنةٌ لي. أو: إلّا ابنتي" على ما رُوي من اختلاف ألفاظ نقَلَة حديثه هذا، وذلك يومئذٍ؛ لأنَّه تُوفِّي وله بناتٌ، وكان مرضُهُ ذلك في حجّة الوداع، فيما ذَكَر أكثرُ أصحابِ ابنِ شهابٍ عنه في هذا الحديث، وقال فيه ابنُ عُيينةَ عنه: عامَ الفتح. ولا أعلمُ أحدًا من أصحاب الزُّهريِّ قال ذلك فيه عنه غيرَ ابنِ عُيينةَ، وسنذكُر روايتَه في ذلك، وقولَ مَنْ وافقَه عليه من غير روايةِ ابنِ شهابٍ بعدُ في هذا الباب إن شاء الله.

  8. مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعدِ بنِ أبي وقاص، عن أبيه، قال: جاءني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُني عامَ حَجَّةِ الوداع وبي وجَعٌ (٢) وقد اشْتَدَّ بي، فقلت: يا رسولَ الله، قد بلَغ منِّي الوَجَعُ ما ترَى، وأنا ذُو مالٍ، ولا يرثُني إلا ابنةٌ لي، أفأتَصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا" . قُلْتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: "لا" . قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ - أو: كبيرٌ (٣) -، أنْ تَذَرَ ورَثتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أنْ تَذَرَهم عَالةً يتكفَّفون الناسَ، وإن لن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْهَ الله إلا أُجِرْتَ فيها، حتى ما تجعَلُ في فيّ امرأتِكَ" . قال: قُلْتُ: يا رسولَ الله، أأُخَلَّفُ بعدَ أصحابي؟ قال: "إنَّك لن تُخلَّفَ فتَعْمَلَ عملًا صالحًا إلَّا ازْدَدْتَ به رفْعَةً ودَرَجة، ولعَلَّكَ أن تُخلَّفَ حتى يَنْتفِعَ بك أقْوَامٌ ويُضَرَّ بك آخَرُون، اللَّهُمَّ أمْضِ لأصحابي هِجْرَتَهم ولا تَرُدَّهم على أعقابِهم، لكنِ البائِسُ سعدُ بنُ خَوْلَةَ" ، يَرْثي له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن مات بمكة.

    ج ٦ ص ٤٥
  9. هذا حديثٌ قد اتَّفَق أهلُ العلم على صحَّةِ إسنادِه، وجعَله (٤) جمهورُ الفقهاء أصلًا في مقدارِ الوصيةِ، وأنَّه لا يُتَجَاوَزُ بها الثُّلثُ، إلَّا أنَّ في بعضِ ألفاظِه اخْتِلافًا

    ج ٦ ص ٤٦عندَ نقَلَتِه، فمِن ذلك أنَّ (١) ابنَ عُيينةَ قال فيه: عن ابنِ شهاب، عن عامرِ بنِ سعد، عن أبيه: مَرِضْتُ عامَ الفتح. انْفَرَد بذلك عن ابنِ شهابٍ فيما عَلِمْتُ، وقد روينا هذا الحديثَ مِن طريقِ مَعْمَر (٢) ، ويونُسَ بنِ يزيد (٣) ، وعبدِ العزيزِ بنِ أبي سَلَمَةَ (٤) ، ويحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، وابنِ أبي عَتِيقٍ (٥) ، وإبراهيمَ بنِ سعدٍ (٦) ، فكلُّهم قال فيه، عن ابنِ شهابٍ: عامَ حجَّةِ الوَداع. كما قال مالِكٌ.

  10. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ وأحمدُ بنُ زُهَيْرٍ (٧) ، قالا:

    ج ٦ ص ٤٧حدَّثنا الحُمَيْديُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، قال: حدَّثنا الزهريُّ، قال: أخبرني عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبي وقَّاص، عن أبيه، قال: مَرِضْتُ بمكةَ عامَ الفتح مَرَضًا أشْفَيْتُ منه، فأتاني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُني، فقُلْتُ: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالًا كثيرًا، وليس يَرثُني إلَّا ابنتي، أفأتصَدَّقُ بمالي كُلِّه؟ قال: "لا" . قال: قُلْتُ: أفأتصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي؟ قال: "لا" . قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: "لا" . قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ" . وذكَرَ الحديثَ.

    قال يَعْقُوبُ بنُ شيبةَ: سمِعتُ عليَّ بنَ المدينيِّ، وذكر هذا الحديثَ فقال: قال مَعْمَرٌ، ويُونُسُ، ومالكٌ: حجَّةِ الوَداع. وقال ابنُ عيينةَ: عامَ الفَتْح. قال: والذين قالوا: حَجَّةِ الوَداع. أصْوَبُ.

    قال أبو عُمر: لم أجِدْ ذكْرَ عام الفتح إلَّا في روايَةِ ابنِ عيينةَ لهذا الحديث، وفي حديثِ عمرٍو القارِيِّ؛ رجلٌ مِن الصحابةِ، في هذا الحديثِ. روَاه عفَّانُ بنُ مسلم، عن وُهَيْب بنِ خالدٍ، عن عبدِ الله بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْم، عن عمرٍو القاريِّ، عن أبيه، عن جَدِّه عمرٍو القَاريِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَدِم مكةَ عامَ الفتح، فخَلَّف سعدًا مريضًا حينَ خرَجَ إلى حُنَين، فلمَّا قَدِم مِن الجِعِرَّانةِ مُعْتَمرًا، دخَل عليه وهو وجِعٌ مَغْلُوبٌ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله، إنَّ لي مالًا، وإنِّي أُورَثُ كلالةً، أفأُوصي بمالي كلِّه، أو أتصَدَّقُ بمالي كلِّه؟ قال: "لا" . وذكَرَ الحديثَ (١) .

  11. هكذا في حديثِ عمرٍو القاريِّ: أفأُوصي؟ على الشَّكِّ أيضًا. وأمَّا حديثُ ابنِ شهابٍ، فلم يَختَلِفْ عنه أصْحابُه، لا ابنُ عيينةَ ولا غيرُه، أنَّه قال فيه: أفأتصَدَّقُ بمالي، أو بثُلُثَيْ مالي؟ ولم يَقُلْ: أفأُوصي (١) ؟ فإن صَحَّتْ هذه اللفظةُ؛ قولُه: أفأتصدَّقُ؟ كان في ذلك حُجَّةٌ قاطِعَةٌ لما ذهَب إليه جمهورُ أهلِ العلم في هِباتِ المريضِ وصَدَقاتِه وعِتْقِه؛ أنَّ ذلك مِن ثُلُثِه لا مِن جميع مالِه (٢) . وهو قولُ مالكٍ، والليثِ، والأوزاعيِّ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه، وأحمدَ، وعامةِ أهلِ الحديثِ والرأي (٣) . وحُجَّتُهم حديثُ عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ في الذي أعْتَقَ سِتّةَ أعْبُدٍ في مَرَضِه لا مالَ له غيرُهم، ثم تُوُفِّي، فأعْتَق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منهم اثْنين، وأرَقَّ أرْبَعةً (٤) .

    ج ٦ ص ٤٨
  12. وقالت فِرْقَةٌ مِن أهلِ النَّظَرِ وأهلِ الظاهِر (١) ؛ منهم داودُ، في هِبَةِ المريض: أنَّها مِن جميع مالِه. والحُجَّةُ عليهم شُذوذُهم عن السَّلَفِ، ومُخالفةُ الجمهورِ، وما ذكَرْنا في هذا البابِ مِن حديثِ سعدٍ وعمرانَ بنِ حُصيْن (٢) .

    ج ٦ ص ٤٩
  13. وقد قال بعضُ أهلِ العلم: إنَّ عامِرَ بنَ سعدٍ هو الذي قال في حديث سعدٍ: أفأتصَدَّقُ بثُلُثَيْ مالي، أو بمالي؟ وأمَّا مصعَبُ بنُ سعدٍ فإنَّما قال: أفأُوصِي؟ ولم يَقُلْ: أفأتصدَّقُ؟ والذي أقولُه: إنَّ ابنَ شهابٍ هو الذي قال عن عامِرِ بنِ سعدٍ في هذا الحديثِ: أفأتَصدَّقُ؟ لأنَّ غيرَ ابنِ شهابٍ روَاه عن عامرٍ، فقال فيه: أفأُوصِي (٣) ؟ كما قال مصعبُ بنُ سعدٍ، وهو الصحيحُ إن شاء الله.

  14. روى شعبةُ والثوريُّ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: جاء النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُني وأنا بمكَّةَ، وهو يكرَهُ أنْ يَمُوتَ بالأرضِ التي هاجَر منها، قال: "يَرْحَمُ اللهُ سعدَ ابنَ عَفْرَاء" . قلتُ: يا رسولَ الله، أفأُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" . قلتُ: فالشَطرُ؟ قال: "لا" . قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ" . وذكر تمامَ الحديث (٤) .

  15. حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا حُسَيْنُ بنُ عليٍّ، عن زائِدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيرٍ، عن مُصْعَبِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: عادني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقُلْتُ له: أُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: "لا" . قلتُ: فالنِّصفُ؟ قال: "لا" . قلتُ: فالثُّلثُ؟ قال: "نعم، والثُّلثُ كثيرٌ" (١) .

    ج ٦ ص ٥٠
  16. فهذه الآثارُ في الوصيَّةِ في الثُّلُث.

  17. وأجمَع علماءُ المسلمين على أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ أن يُوصِيَ بأكثرَ مِن ثُلُثِه إذا تَرَك وَرَثَةً مِن بَنينَ، أو عَصَبةً (٢) .

  18. واخْتَلفُوا إذا لم يَتْرُكْ بَنِينَ ولا عَصَبةً، ولا وارِثًا بنسبٍ أو نكاح؛ فقال ابنُ مَسعودٍ: إذا كان كذلك، جاز له أن يُوصِيَ بمالِه كُلِّه. وعن أبي موسى الأشعريِّ مثلَه. وقال بقولهما قومٌ؛ منهم مسروق، وعَبيدَةُ السَّلْمَانيُّ (٣) . وبه قال إسحاقُ بنُ راهُويَة (٤) .

  19. واخْتَلَف في ذلك قولُ أحمدَ (٥) . وذهَب إليه جماعَةٌ مِن المتأخِّرينَ ممَّن

    ج ٦ ص ٥١يقولُ بقولِ زيدِ بنِ ثابِتٍ في هذه المسألة. ومن حُجَّتِهم أنَّ الاقْتِصارَ على الثُّلثِ في الوصيَّةِ إنَّما كان مِن أجلِ أن يَدَعَ ورَثَتَه أغْنِياءَ، وهذا لا وارثَ (١) له، فليس ممَّن عُنيَ بالحديثِ، واللهُ أعلم.

  20. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن مَعْمَر، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرينَ: أنَّ أبا موسى أجاز وصِيَّةَ امرأةٍ بمالها كلِّه لم يكنْ لها وارِثٌ.

  21. وعن الثَّوريِّ (٣) ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي مَيْسَرَةَ، قال: قال لي ابنُ مسعودٍ: إنكم مِن أحْرَى (٤) حيٍّ بالكوفةِ أن يموتَ ولا يَدَعَ عَصَبةً ولا رَحمًا، فما يَمْنَعُه إذا كان ذلك أن يَضَعَ مالَه في الفقراءِ والمساكِين؟

  22. وعن مَعْمَرٍ (٥) ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبِيد، قال: إذا مات الرجلُ وليس عليه عَقْدٌ لأحدٍ، ولا عَصَبةَ يَرثُونَه، فإنَّه يُوصي بمالِه كلِّه حيثُ شاء.

  23. وعن ابنِ عيينةَ (٦) ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ مثلَه.

    ج ٦ ص ٥٢وقال زيدُ بنُ ثابِتٍ: لا يجوزُ لأحدٍ أن يُوصِيَ بأكثَرَ من ثُلُثِه؛ كان له بَنُونَ، أو وُرِثَ كَلالَةً، أو وَرِثَه جماعَةُ المسلمينَ؛ لأنَّ بقية (١) مالهم عَصبةُ مَن لا عَصَبةَ له (٢) . وبهذا القولِ قال جمهورُ أهلِ العلم، وإليه ذهَب جماعةُ فقهاء الأمصارِ، إلَّا ما ذُكِرَ (٣) عن طوائفَ مِن المتأخرين مِن أصحابِهم.

  24. وفي هذا الحديثِ تَخصِيصٌ للقرآنِ؛ لأنَّه أطْلَقَ الوصيةَ ولم يُقَيِّدْها بمقدار لا يُتَعَدَّى، وكان مرادُه عزَّ وجلَّ مِن كلامِه ما بيَّنه عنه رسولُه - صلى الله عليه وسلم -، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: ٤٤] ، يعني: لتُبيِّنَ لهم مُرادَ ربِّهم فيما احْتَمَله التأويلُ مِن كتابِهم الذي نُزِّلَ عليهم.

  25. وسيأتي القولُ في حكم الوصيةِ لغيرِ الوالدين والأقربينَ، في بابِ نافِع (٤) ، وبابِ يحيى بنِ سعيدٍ (٥) ، إنْ شاءَ الله.

  26. وأجمَع فقهاءُ الأمصارِ أنَّ الوصيَّة بأكثرَ مِن الثُّلثِ إذا أجازها الورثةُ جازَتْ، وإنْ لم يُجزْها الوَرَثةُ لم يجزْ منها إلَّا الثُّلثُ.

    ج ٦ ص ٥٣وقال أهلُ الظاهر: إنَّ الوصيةَ بأكثرَ مِن الثُّلثِ لا تجوزُ، أجازها الورثةُ أو لم يُجيزُوها. وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ كيْسَانَ (١) . وإلى هذا ذهَب المزنيُّ (٢) ؛ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لسعدٍ حينَ قال له: أُوصِي بشَطْرِ مالي؟ قال: "لا" . ولم يَقُلْ له: إن أجازه ورثتُك جاز. وبذلك قالوا: إنَّ الوصيةَ للوارثِ لا تجوزُ، أجازها الورثةُ أو لم يُجيزُوها؛ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصِيَّةَ لوَارِث" (٣) . وسائرُ الفقهاءِ يُجيزُون ذلك إذا أجازها الورثةُ، ويجعَلُونها هِبةً مُسْتأْنفَةً مِن قِبَلِ الوَرثَةِ (٤)

  27. في الوَجْهَين جميعًا؛ منهم: مالِكٌ، والليثُ، والأوزاعيُّ، والثوريُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وأصحابُهم (١) .

    ج ٦ ص ٥٤
  28. وفي قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الثُّلثُ كثيرٌ" دليلٌ على أنَّه الغايةُ التي إليها تَنْتهي الوصيةُ، وأنَّ ذلك كثيرٌ في الوصيةِ، وأنَّ التَّقْصيرَ عنه أفضلُ، ألا تَرَى إلى قولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَقِبِ قوله: "الثُّلثُ كثيرٌ" : "ولأن تَدَعَ ورَثَتك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَدَعَهم عالةً يتكفَّفُون الناسَ" ؟ فاسْتَحَبَّ له الإبقاءَ لورَثَتِه، وكَرِه جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْم الوَصِيَّة بجميع الثُّلثِ.

  29. ذكر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، قال: إذا كان ورَثَتُه قليلًا ومالُه كثيرًا، فلا بأْسَ أن يَبْلُغَ الثُّلثَ في وصِيَّتِه.

  30. واسْتَحَبَّ طائفةٌ منهم الوصِيَّة بالرُّبُع. رُويَ ذلك عن ابنِ عباسٍ وغيرِه (٣) .

    وقال إسحاقُ بنُ راهُويَةَ: السُّنَّةُ في الوصيَّةِ الرُّبُعُ؛ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "الثُّلثُ كثيرٌ" ، إلَّا أن يكونَ رجلٌ يَعْرِفُ في مالِه شُبُهاتٍ، فيجوزُ له الثُّلثُ، لا يجوزُ له غيرُه (٤) .

    قال أبو عُمر: لا أعلَمُ لإسحاقَ حُجَّةً في قولِه: السُّنةُ في الوصيةِ الرُّبُعُ (٥) .

  31. وهذا الذي نزَع به ليسَ بحُجَّةٍ في تَسْمِيتِه ذلك سُنَّة. وقد رُويَ عن أبي بكر الصِّدِّيقِ أنَّه كان يُفَضِّلُ الوصِيَّة بالخُمُسِ، وبذلك أوْصَى، وقال: رَضِيتُ لنفسي بما رضِيَ اللهُ لنفسِه (١) ، كأنَّه يَعْني خُمسَ المغانم (٢) .

    ج ٦ ص ٥٥
  32. واسْتَحَبَّ جماعةٌ الوصيّةَ بالثُّلثِ، واحتَجُّوا بحديثٍ ضعيفٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: "جعَل اللهُ لكم في الوصيةِ ثُلُثَ أموالِكم، زيادةً في أعمالِكم" . وهو حديثٌ انفَرَد به طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن أبي هريرةَ، وطلحةُ ضعيفٌ، روَى عنه هذا الخبَرَ وكِيعٌ، وابنُ وَهْبٍ، وغيرُهما (٣) ، ولا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين أنَّ الوصيةَ بأكثرَ مِن الثُّلثِ لا تجوزُ، على حسَب ما قدَّمْنا ذكرَه.

  33. وقد روى مَعمَرٌ، عن أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: الثُّلثُ وسَط، لا بَخْسٌ (٤) ولا شطَط (٥) .

  34. وهذا لا نَدْري ما هو؛ لأنَّ الغايةَ ليست بوسَطٍ، إلا أنْ يكونَ أراد: حكمُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وسَطٌ عَدْلٌ، والوَسَطُ: العَدْلُ.

    ج ٦ ص ٥٦
  35. وروَى هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباس، قال: لو أنَّ الناسَ غَضُّوا مِن الثُّلثِ؛ فإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كثيرٌ" . فلَيْتَهم نَقَصُوا إلى الرُبُع (١) .

    قال قتادَةُ: الثلثُ كثيرٌ، والقضاةُ يُجيزُونَه، والرُّبُعُ قَصْدٌ، وأوصَى أبو بكرٍ بالخُمُس (٢) .

  36. وذكر عبدُ الرزاقِ (٣) ، عن معمر، عن أيُّوبَ، عن ابنِ سيرينَ، [عن شُريح] (٤) ، قال: الثُّلثُ جَهْدٌ، وهو جائز.

  37. وعن مَعْمَر (٥) ، عن قتادةَ، قال: أوصَى عمرُ رضي اللهُ عنه بالرُّبُع، وأوْصَى أبو بكرٍ بالخُمُس، وهو أحَبُّ إليَّ.

  38. وعن الثوريِّ (١) ، عن الأعمشِ، عن إبرهيمَ، قال: كان الخُمُسُ أحَبَّ إليهم مِن الرُّبُع، والرُّبُعُ أحَبَّ إليهم مِن الثُّلث.

    قال الثوريُّ (٢) : وأخبَرني مَن سَمِع الحسنَ وأبا قِلابةَ يقولان: أوْصَى أبو بكرٍ بالخُمُس.

    ج ٦ ص ٥٧
  39. أخبرنا محمدُ بنُ خَليفَة، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحُسَيْن، قال: حدَّثنا ابنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ أيوب، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّة (٣) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن العلاءِ بنِ زيادٍ، قال: أوصَى أبي أن أسْألَ العلماءَ: أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟ فما تَتابَعُوا عليه فهي وصِيتُه، فسألْتُ، فتَتابَعُوا على الخُمُس (٤) .

    قال: وأخبَرني ابنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سِنانٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبُع أفْضَلُ مِن صاحبِ الثُّلثِ، وصاحبُ الخُصسِ أفْضَلُ مِن صاحبِ الرُّبُع. يَعْني في الوَصِيَّة (٥) .

  40. وأجمعَوا أنَّ الوَصِيَّة ليست بواجبةٍ إلَّا على مَن كانت عليه حُقُوقٌ بغيرِ بيِّنةٍ، أو كانت عندَه أمانَةٌ بغيرِ إشهاد، فإن كان ذلك فواجِبٌ عليه الوصِيَّةُ فَرْضًا، لا يَحِلُّ له أنْ يَبيتَ ليْلتَين إلَّا وقد أشْهَدَ بذلك، وأمَّا التَّطوُّعُ فليس على أحَدٍ أنْ يُوصِيَ به، إلَّا فِرْقَةً شذَّتْ فأوْجَبَتْ ذلك، والآيَةُ بإيجابِ الوصيةِ للوالدَينِ والأقْرَبينَ مَنْسُوخةٌ (١) ، وسنُبيِّنُ ذلك في بابِ نافِع، عن ابنِ عمرَ، مِن كتابِنا هذا إن شاء الله (٢) . ولم يُوصِ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو كانَتِ الوَصِيَّةُ واجِبَةً، كان أبْدَرَ الناسِ إليها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، بل قال عليه السَّلامُ: "أفْضَلُ الصدقةِ أن تُعْطِيَ وأنت صَحِيحٌ شَحِيحٌ تأْمُلُ الغِنَى وتَخشَى الفقرَ، ولا تُمْهِلْ حتى إذا بلَغَتِ النَّفْسُ الحُلقُومَ، قُلْتَ: هذا لفلانٍ، وهذا لفلانٍ" (٣) .

    ج ٦ ص ٥٨