ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن، حديثان؛ أحدهما مرسل عند أكثر الرواة عن مالك
٥٩ فقرة، ج ٦ ص ٧١
الصفحة ١ من ٢
- ج ٦ ص ٧١
وهو أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرَّحمنِ (١) بنِ الحارثِ بنِ هشامِ بنِ المغير، قرشيٌّ، مخزوميٌّ، قد ذكرْنا نسَبَه عند ذِكْرِ الحارثِ بنِ هشامٍ، في كتابنا في "الصَّحابةِ" (٢) ، فأغنى عن ذِكْرِه هاهنا.
-
وأبو بكرٍ هذا أحدُ فقهاء التابعينَ بالمدينةِ العشَرةِ الذين كان عليهم مدارُ الفتوى في زمانِهم، وقد ذكَرْناهم.
-
وُلد في خلافة عمرَ بنِ الخطّابِ، وأمُّه فاختهُ بنتُ عَنَبةَ (٣) بنِ سُهَيل بن عَمْرٍو، قرشيّةٌ، عامريّةٌ. واسمُه كنيتُه، وقد قيل: إنّ اسمَه: المغيرةُ، ولا يصحُّ، والصَّحيحُ أنّ اسمَه كنيتُه. واستُصغِرَ يومَ الجمَل، فرُدَّ من الطّريقِ هو وعروةُ بنُ الزُّبير. وكان يُقال له: راهبُ قريشٍ، لكثرة صلاتِه وعبادتِه (٤) .
وقال مالكٌ رحمه الله: ما بلغني أنّ أحدًا من التابعينَ اعتكَف إلّا أبا بكر بنَ عبدِ الرَّحمنِ (٥) ، وذلك لشدَّة الاعتكافِ فيما أرى واللهُ أعلم.
-
وكان عبدُ الملكِ بن مروان مُكرِمًا لأبي بكرٍ هذا مُجلًّا له، وأوصى الوليدَ
ج ٦ ص ٧٢وسليمانَ بإكرامِه، وقال عبدُ الملك: إنِّي لأهُمُّ بالشيء أفعلُه بأهل المدينة لسُوءِ أثَرِهم عندنا، فأذكُر أبا بكرٍ، فأستحي منه، فأدَعُ ذلك الأمرَ (١) .
-
وكان موتُه فُجاءةً، ويقولون: إنَّه صلّى العصرَ ثم دخل مُغتَسَلَه، فسقطَ، وكان قد كُفَّ بصَرُه، فجعل يقول: والله ما أحدثتُ في صدْر نهاري شيئًا. فما غربتِ الشمسُ حتّى مات، وذلك سنةَ أربع وتسعينَ بالمدينة (٢) .
-
وفي هذه السَّنة توفِّي جماعةٌ منَ الفقهاء: منهم عليُّ بنُ حُسينٍ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمن، وعروةُ بنُ الزُّبير، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، ذكر هذه الجملةَ من خبرِه الواقديُّ (٣) ، والطبريُّ، ومصعبٌ الزُّبيريُّ.
-
وذكَر الحسنُ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيد، أنّ عروةَ بنَ الزُّبير كان يستودِعُ أبا بكرٍ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، وأنّه استَودعَه عشرينَ ألفَ دينارٍ، فسُرقتْ، فاتَّهم بها أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمنِ امرأةً منَ العربِ كانت عندَهم، فحذَّرها، واشتدَّ عليها، وخوَّفها، فاعترفَتْ بأنّها أخذَتْها، وأنّها عندَها، وأنّها تؤدِّيها، فأرسل أبو بكرٍ بنُ عبدِ الرحمن إلى مشايخَ من قريشٍ، فأشهَدَهُم على اعترافها، وفيهم القاسمُ بنُ محمّدٍ، وهو يومئذٍ من أحدَثِهم سِنًّا، فخلّى سبيلَها، فلمّا خرجَتْ من داره، وأمِنَتْ، قالت: ما أخذتُ من ذلك قليلًا ولا كثيرًا. فخاصَمَها إلى أبانَ بنِ عثمانَ، وهو أميرُ المدينة، فسأل الشُّهودَ عن شهادَتِهم، فشهِدُوا أنّها اعترفتْ بعشرينَ ألفَ دينار، وأنّها مؤدِّيتُها، فسألهم رجلًا رجلًا حتّى بلغَ القاسمَ بنَ محمّدٍ، فقال: ماذا تشهدُ به يا قاسمُ؟
ج ٦ ص ٧٣فقال: أشهدُ أنّ أبا بكرٍ دعانا لِنَشْهدَ على هذه المرأةِ، وهي في الحديد، ظاهرٌ عليها الضَّربُ، فاعترفَتْ بأنّها أخذتْ العشرينَ ألفًا. فأقبَلَ أبانُ على المشايخ، فقال: أكانَ أمرُها على ما ذكَر القاسمُ؟ قالوا: نعم. قال: فما منعَكُم أنْ تقولوا كما قال؟ فلولا مكانُه لقضَيتُ عليها بعشرينَ ألفَ دينارٍ. يا قاسمُ: جئتَ والله بالشهادةِ على وَجْهِها كما قال الله عزَّ وجلَّ. قال: فارتفَع أمرُ القاسم من يومئذٍ عند الناس، وفطِنُوا لفضْلِه، وكان المالُ لوَلدِ مُصعبِ بنِ الزُّبير، فباع أبو بكرٍ مالَه بعشرينَ ألفًا، حتى أدّاها إلى عروةَ، فقال له عروةُ: والله ما عليكَ منها شيءٌ، إنما أنتَ مُستَودعٌ، فأبى أبو بكرٍ إلّا أن يَغرَمَها.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال (١) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا وُهيبُ بنُ خالد، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، عن عمرَ بنِ عبدِ الرحمن: أنّ أخاه أبا بكرٍ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ كان يصومُ الدَّهرَ لا يُفطرُ.
قال (٢) : وحدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ أسامةَ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيهِ، قال: رُدِدتُ أنا وأبو بكرٍ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام منَ الطّريقِ يومَ الجَمَلِ؛ استُصْغِرْنا.
-
وإيّاه عنى عبيدُ الله بنُ عبدِ الله بقوله:
شهيدي أبو بكرٍ فنِعْمَ شهيدُ
في أبيات أذكُرها في باب عُبيدِ الله (٣) إن شاء الله تعالى.
- ج ٦ ص ٧٤
حديثٌ أوّلُ لابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ مسنَدٌ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمن بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قال: نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثَمَنِ الكَلب، ومَهْرِ البغِيِّ، وحُلْوانِ الكَاهِنِ.
-
وقَع في نُسخةِ "موطأ يحيى" : وعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ. وهذا مِن الوَهَم البيِّنِ والغَلَطِ الواضِح الذي لا يُعَرَّجُ على مثلِه، والحديثُ محفوظٌ في جميع "الموطَّآتِ" (٢) وعندَ رُوَاةِ ابنِ شهابٍ كلِّهم لأبي بكرٍ، عن أبي مسعودٍ، وأمَّا لابنِ شهابٍ، عن أبي مسعودٍ فلا، ولا يُلتَفَتُ إلى مثلِ هذا؛ لأنّه مِن خطأ اليَدِ وسُوءِ النَّقْلِ (٣) .
-
وأبو مسعودٍ هذا اسمُه عُقبَةُ بنُ عمرٍو، ويُكْنَى أبا مسعودٍ الأنصاريَّ، يُعرَفُ بالبدرِيِّ؛ لأنّه كان يسكُنُ بدرًا، واختُلِف في شُهودِه بدرًا، وقد ذكرناه في كتابِنا في "الصحابةِ" (٤) بما فيه كفايةٌ.
-
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ كامل، وعمرُ بنُ
ج ٦ ص ٧٥محمدِ بنِ القاسم، ومحمدُ بنُ أحمدَ بن المِسوَرِ، قالوا: حدَّثنا بكرُ بنُ سَهلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهاب، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارِثِ بنِ هشام، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن ثَمَنِ الكلب، ومَهْرِ البَغيِّ، وحُلْوانِ الكَاهِنِ (١) .
قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ ما اتُّفِقَ عليه، وفيه ما اختُلِف فيه.
-
فأمَّا مَهرُ البَغِيِّ - والبَغِيُّ: الزَّانيةُ، ومَهرُها ما تأخُذُه على زِنَاها - فمُجتَمَعٌ على تحريمِه، تقولُ العربُ: بَغَتِ المرأةُ: إذا زَنَت، تَبغي بِغَاءً، فهي بَغيٌّ، وهُنَّ البَغَايَا. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} [مريم: ٢٨] ، يعني زانِيَةً. وقال: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور: ٣٣] ، يعني الزِّنى، وهو مصدَرٌ (٢) .
-
وأمَّا حُلْوَانُ الكاهِن فمُجتمَعٌ أيضًا على تحريمِه. قال مالكٌ (٣) : وهو ما يُعطَى الكاهِنُ على كهانَتِه. والحُلْوَانُ في كلام العربِ: الرِّشوةُ والعَطِيَّةُ، تقولُ منه: حَلَوْتُ الرجلَ حُلْوانًا: إذا رَشَوتَه بشيءٍ. قال أوسُ بنُ حُجْر (٤) :
كأنِّي حَلَوْتُ الشِّعْرَ يومَ مدَحتُه ... صَفَا صَخرةٍ صَمَّاءَ يَبْسٍ بِلالُها
ج ٦ ص ٧٦وقال علقمةُ (١) :
فمَن رجلٌ أحْلُوه رَحلي وناقَتي ... يُبلِّغُ عنِّي الشِّعرَ إذْ مات قائِلُهْ
وأمَّا ثَمَنُ الكلبِ فمُخْتَلَفٌ فيه، فظاهِرُ الحديثِ يشهَدُ لصِحَّةِ قول مَن نَهى عنه وحَرَّمَه. وأمَّا اختلافُ العلماءِ في ذلك، فقال مالك في "موطئِه" (٢) : أكرَهُ ثَمَنَ الكلبِ الضَّاري وغيرِ الضَّاري لنَهْي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثَمَنِ الكلب.
قال أبو عُمر: رُوِي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نَهى عن ثَمَنِ الكلبِ مِن خمسةِ أوجُهٍ، مِن حديثِ عليِّ بنِ أبي طالب (٣) ، وابنِ عباس، وأبي مسعود، وأبي هريرة،
ج ٦ ص ٧٧وأبي جُحَيْفَةَ (١) .
قال مالكٌ (٢) : لا يجوزُ بيعُ شيءٍ مِن الكلاب، ويجوزُ أن يُقتَنَى كلبُ الصَّيْدِ والماشيةِ والزرع (٣) . وقد رُويَ عن مالِكٍ إجازةُ بَيع كلبِ الصَّيدِ والزَّرع والماشيةِ (٤) . فوجهُ إجازَةِ بَيع كلبِ الصيدِ وما أُبِيح اتِّخاذُه مِن الكلابِ، أنَّه لما قُرِن ثمَنُها في الحديثِ مع مَهْرِ البغيِّ وحُلْوانِ الكاهنِ، وهذا لا إباحَةَ في شيءٍ منه، فدَلَّ على أنَّ الكلبَ الذي نُهِي عن ثمَنِه: ما لم يُبَح اتِّخاذُه، ولم يدخُلْ في ذلك ما أُبِيحَ اتِّخاذُه، واللهُ أعلم.
-
ووَجْهُ النهي عن ثَمَنِ الضَّارِي وغيرِ الضَّارِي مِن الكلابِ، عُمُومُ وُرُودِ النهي عن ثَمَنِها، وأنَّ ما أُمِر بقَتْلِه مَعْدُومٌ وُجُودُه منها، ولا خلافَ عن مالكٍ أنَّ مَن قتَل كلبَ صيدٍ، أو ماشيةٍ، أو زرعٍ، فعليه القِيمَةُ، وأنَّ مَن قتَل كلبًا ليسَ بكلبِ صيدٍ، ولا زَرْع، ولا ماشيةٍ، فلا شيءَ عليه.
ج ٦ ص ٧٨قال مالكٌ: وإذا لم يُسرَّحْ كلبُ الدَّارِ مع الماشيةِ، فلا شيءَ على قاتلِه (١) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: بيعُ الكلابِ جائِزٌ إذا كانت لصيدٍ أو ماشيةٍ، كما يجوزُ بَيْعُ الهِرِّ.
-
وذكَر محمدُ بنُ الحسنِ، عن أسَدِ بنِ عمرٍو، عن أبي حنيفةَ، فيمَن قتَل كلبًا ليس بكلبِ صيدٍ ولا ماشية، قال: عليه قيمتُه، وكذلك السِّباعُ كلُّها إذا استَأْنْسَت وانتُفِع بها، وكذلك كلُّ ذي مِخلَبٍ مِن الطيرِ (٢) .
وقال الشافعيُّ (٣) : لا يجوزُ بيعُ الكلابِ كلِّها ولا شيءٍ منها على حالٍ؛ كان لصيدٍ أو لغيرِ صيدٍ، ولا شيءَ على مَن قتَل كلبًا مِن قيمةٍ ولا ثَمَنٍ، سواءٌ كان كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ أو زرعٍ، أو لم يكنْ. وحُجَّتُه نَهيُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمنِ الكلبِ. قال: وما لا ثمَنَ له فلا قيمةَ فيه إذا قُتِل. واحتجَّ بأمرِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلِ الكلاب (٤) ، وقال: ولو كانتِ الكِلابُ مالًا يَجُوزُ تَمَوُّلُه ومِلْكُه والانتفاعُ به، لم يأمُرْ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلِها؛ لأنَّ في ذلك إضاعةَ الأموالِ وتلَفَها، وهذا لا يجُوزُ أن يُضافَ إليه - صلى الله عليه وسلم -.
-
روَى مالكٌ (٥) ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر بقتلِ الكِلابِ.
-
وروَى عُبيدُ الله بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قال: أمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -
ج ٦ ص ٧٩بقتلِ الكلابِ، وأرسَل في أقطارِ المدينةِ لتُقتَلَ (١) ؛ ذكره ابنُ أبي شيبةَ (٢) ، عن أبي أسامةَ، عن عبيدِ الله بنِ عمرَ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمرَ بقتلِ الكلابِ، حتى إنَّ المرأةَ لتَدخُلُ بالكلبِ، فما تخرُجُ حتى يُقتَلَ (٣) .
-
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا الربيعُ بنُ نافع أبو تَوبةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله، يعني ابنَ عمرٍو، عن عبدِ الكريم (٦) ، عن قيسِ بنِ حَبْتَرٍ (٧) ، عن عبدِ الله بنِ عباس، قال: نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثَمَنِ الكلبِ، قال: "إنْ جاء يطلُبُ ثَمَنَ الكلبِ، فامْلأ كَفَّه تُرابًا" .
- ج ٦ ص ٨٠
وأخبرنا عبدُ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (١) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثنا معروفٌ الجُذامِيُّ، أنَّ عُليَّ بنَ ربَاحٍ اللَّخمِيَّ حدَّثه، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحِلُّ ثمَنُ الكلبِ، ولا مهرُ البغيِّ" .
-
وقد روَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهى عن ثمَنِ الكلبِ والسِّنَّوْرِ (٣) .
- ج ٦ ص ٨١
وهذا لم يَرْوِه عن أبي الزُّبَيْرِ غيرُ حمَّادِ بنِ سَلَمَة (١) .
-
وروَى الأعمشُ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلَه، قال: نهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمَنِ الكلبِ والسِّنَّوْرِ (٢) . وحديثُ أبي سفيانَ عن جابرٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها صَحِيفَةٌ، وروايةُ الأعمشِ في ذلك عندَهم ضعيفةٌ.
- ج ٦ ص ٨٢
وكلُّ ما أُبِيح اتِّخاذُه، والانتِفاعُ به، وفيه مَنفَعَةٌ، فثمَنُه جائزٌ في النَّظَرِ، إلَّا أن يَمنَعَ مِن ذلك شيءٌ يجبُ التسليمُ له ممَّا لا مُعارِضَ له فيه، وليس في السِّنَّوْرِ شيءٌ صحيحٌ، وهو على أصلِ الإباحةِ، وبالله التوفيق.
-
وأجاز الشافعيُّ بيعَ كلِّ ما فيه مَنفَعَةٌ في حياتِه، مثلَ الفَهْدِ والجوارِحِ المعَلَّمَةِ، حاشَا الكلبَ (١) .
وقال ابنُ القاسم: يجوزُ بيعُ الفُهودِ، والنُّمورِ، والذِّئابِ، إذا كانت تُذكَّى لجُلُودِها؛ لأنَّ مالكًا يُجِيزُ الصلاةَ عليها إذا ذُكِّيت (٢) .
وقال الحسنُ بنُ حيٍّ: مَن قتَل كلبًا أو بازِيًّا فعليه القيمة (٣) .
-
رُوِي عن جابرِ بنِ عبدِ الله أنَّه جعَل في كلبِ الصيدِ القِيمَةَ. وعن عطاءٍ مثلَه (٤) ،
ج ٦ ص ٨٣وعن ابنِ عمرٍو (١) أنَّه أوجَبَ فيه أربعين درهمًا، وأوجَب في كلبِ ماشيةٍ فَرَقًا (٢) مِن طَعام (٣) . وعن عثمانَ أنَّه أجاز الكلبَ الضَّاريَ في المهْرِ، وجعَل على قاتِلِه عَشْرًا مِن الإبلِ.
قال أبو عُمر: احتَجَّ مَن أجاز بيعَ الكلابِ بحديثِ عبدِ الله بنِ المغَفَّلِ قال: أمَر رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلِ الكلابِ، ثم قال: "ما لي وللكِلابِ؟ " (٤) . ثم رخَّص في كلب الصيدِ وكلبٍ آخَرَ، فجعلوا نَهيَه في ذلكَ منسوخًا بإباحتِه، وقالوا في هذا الحديثِ: إنَّ كلبَ الصيدِ وغيرَه كان ممَّا أُمِر بقتلِه، فكان بيعُه (٥) والانتفاعُ به حرامًا، وكان قاتِلُه مُؤدِّيًا لفرضٍ عليه، فلمَّا نُسِخ ذلك وأُبِيح الاصطِيادُ به، كان كسائرِ الجوارحِ في جوازِ بيعِه.
-
وزعَموا أنَّ مِن هذا البابِ نهيَه - صلى الله عليه وسلم - عن كَسبِ الحجَّام، وقولَه: "إنَّه خَبيثٌ" .
- ج ٦ ص ٨٤
ثم لما أعطَى الحجَّامَ أجرَه، كان ناسخًا لمنعِه. وقد ذكرنا القولَ في كَسبِ الحجَّام في بابِ حُميدٍ الطَّويلِ مِن كتابِنا هذا، وبالله التوفيق (١) .
-
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي التَّياح، عن مطرِّفِ بنِ عبدِ الله بنِ الشِّخِّيرِ، عن عبدِ الله بنِ مغفَّل، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر بقتلِ الكلابِ، ورخَّصَ في كلبِ الزَّرع وكلبِ العِينِ. وقال: "إذا ولَغ الكلبُ في الإناءِ فاغْسِلوه سبعَ مَرَّاتٍ، واعْفِرُوه الثامنةَ (٢) بالترابِ" (٣) .
-
وذكَر ابنُ وَهْبٍ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رافِعًا صوتَه يأمُرُ بقتلِ الكلابِ، فكانتِ الكلابُ تُقتَلُ إلَّا كلبَ صيدٍ أو ماشيةٍ (٤) .
-
ففي هذه الأحاديثِ ما يَدُلُّ على أن الكلابَ التي أُذِن في اتِّخاذِها لم يُؤذَنْ في قَتْلِها. وقد قيل: إنَّ قتلَ الكلابِ كُلِّها منسوخٌ. وسيأتي القولُ في ذلك في بابِ نافع مِن هذا الكتابِ إن شاء الله تعالى (٥) .
- ج ٦ ص ٨٥
حديثٌ ثانٍ لابن شهابٍ عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ مرسَلٌ يتَّصلُ من وُجُوهٍ
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال " " أيُّما رجُلٍ باع متاعًا، فأفلَس الذي ابْتَاعه، ولم يَقبِضِ الذي باعه مِن ثمنِه شيئًا، فوجَده بعَينِه؛ فهو أحَقُّ به، وإن ماتَ الذي ابْتَاعه فصاحبُ المتاع فيه أُسْوةُ الغُرماءِ ".
-
هكذا هو في جميع "الموطَّآتِ " التي رأينا، وكذلك روَاه جميعُ الرواةِ عن مالكٍ فيما عَلِمتُ مُرسَلًا (٢) ، إلَّا عبدَ الرزاقِ؛ فإنَّه روَاه عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فأسنَده، وقد اختُلِف في ذلك عن عبدِ الرزاق:
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ عيسى (٣) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ برَكَةَ الصَّنعانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أيُّما رجلٍ باع مَتاعًا، فأفلَس المُبتاعُ، ولم يَقبِضْ مِن الثمنِ شيئًا، فإن وجدَ البائعُ سلعتَه بعينِها فهو أحَقُّ بها، وإن مات المشتري، فهو أُسوةُ الغُرماءِ" (٤) .
- ج ٦ ص ٨٦
وكذلك روَاه محمدُ بنُ عليٍّ وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ جُوتَى الصنعانيّان (١) ، عن عبدِ الرزاقِ، عن مالكٍ بهذا الإسنادِ مسندًا، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وروَاه محمدُ بنُ يوسفَ الحُذَاقيُّ (٢) وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الدَّبَريُّ، عن عبدِ الرزاق، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٣) مرسلًا كما في "الموطَّأ" ، ليحيى وغيرِه.
-
وذكر الدارقطنيُّ أنَّه قد تابَع عبدَ الرزاقِ على إسنادِه عن مالكٍ: أحمدُ بنُ موسى وأحمدُ بنُ أبي طَيْبةَ، وإنَّما هو في "الموطَّأ" مرسَلٌ (٤) .
قال أبو عُمر: واختلَف أصحابُ ابنِ شهابٍ عليه في هذا الحديثِ أيضًا نحوَ الاختلافِ على مالك:
فروَاه صالحُ بنُ كَيْسانَ، ويونسُ بنُ يزيدَ (٥) ، ومعمرُ بنُ راشدٍ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٦) مُرْسَلًا كما في "الموطَّأ" .
- ج ٦ ص ٨٧
وروَاه موسى بنُ عقبةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مسندًا؛ حدَّث به هشامُ بنُ عمَّارٍ، عن إسماعيلَ بنِ عيَّاشٍ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكرٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أيُّما رجلٍ باع سلعةً، فوَجَدها بعينِها عندَ رجلٍ قد أفْلَسَ، ولم يكنْ قبَض مِن ثمنِها شيئًا، فهي له، وإن كان قبَض مِن ثمنِها شيئًا، فهو أُسوةُ الغُرماءِ" . ذكَره بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ، ومحمدُ بنُ يحيى النيسابوريُّ (١) ، وغيرُهما، عن هشام هكذا. وإسماعيلُ بنُ عياشٍ فيما روَى عن أهلِ المدينةِ ليس بالقويِّ.
-
وروَاه الزُّبَيْدِيُّ - واسمُه محمدُ بنُ الوليدِ، حِمْصِيٌّ يُكْنَى أبا الهُذَيْلِ - عن الزهريِّ، عن أبي بكرٍ، عن أبي هريرة، مسندًا، كما روَاه موسى بنُ عقبةَ؛ حدَّث به عبدُ الله بنُ عبدِ الجبارِ الخَبَائِرِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن الزُّبَيْديِّ؛ وذَكَرهُ أبو داودَ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ الطائيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ عبدِ الجبَّارِ الخبائرِيُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن الزُّبَيْديِّ، فذكَره.