ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أحد عشر حديثا، منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة

٣١٩ فقرة، ج ٦ ص ٩٦

الصفحة ١ من ٨

  1. قد ذكرنا نسب عُبيد الله هذا عند ذكر نسب جدّه عُتبة بن مسعود، في كتابنا في "الصّحابة" (٢) . فأغنَى عن ذِكْره هاهنا.

    ج ٦ ص ٩٦
  2. وعُبيد الله هذا يُكْنَى أبا عبد الله. كان أحدَ الفقهاء العَشرة، ثمَّ السّبعة (٣) الذين عليهم كانت الفَتْوى تَدُورُ بالمدينة، وكان عالمًا فاضلًا، مُقَدّمًا في الفقه، شاعرًا مُحْسِنًا، لم يكن بعد الصحابة (٤) إلى يومنا هذا فيما علمتُ فقيهٌ أشعرَ منه، ولا شاعرٌ أفقهَ منه، ولا في الذين لا عِلْمَ لهم غيرَ الشّعر وصناعته من يُقدّم عليه فيه، وللزّبير بن بكّار (٥) القاضي في أشعاره كتابٌ مفردٌ (٦) .

  3. حدَّثنا عبد الوارث بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن (١) زهير، قال (٢) : حدَّثنا الزُّبير بن بكّار، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيينة، عن ابنِ شهاب، قال: سمعتُ من العِلْم شيئًا كثيرًا، حتى ظننتُ أنّي قد اكتفيتُ، فلمّا لقيت عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود فإذا ليس في يدي من العلم شيءٌ (٣) .

    ج ٦ ص ٩٧
  4. أخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدَّثنا إسماعيل بن محمد الصّفار وأحمد بن جعفر بن حَمْدان بن مالك، قالا: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حَنْبل (٤) ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يونس بن محمد، قال: حدَّثنا حمّاد بن زيد، عن مَعْمر (٥) ، عن الزُّهريّ، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله يَلطُفُ بابن عبّاس، فكان يعزّه عزًّا (٦) .

  5. حدَّثنا أحمد بن محمد، قال: حدَّثنا أحمد بن الفضل، قال: حدَّثنا محمد بن جرير، قال: حدَّثنا محمد بن حُميد، قال: حدَّثنا جرير، عن مُغيرة، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله من أعلم الناس. قال مُغيرة: وقال عُمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة: لو كانَ عُبيد الله حيًّا، لهان عليّ ما أنا فيه (٧) .

  6. وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمد بن أبي خَيْثمة، قال (٨) :

    ج ٦ ص ٩٨حدَّثنا أحمد بن حَنْبل، قال: حدَّثنا عبد الرزّاق، عن معمر (١) ، قال: سمعت الزُّهري يقول: أدركتُ أربعةَ بُحور؛ عُبيد الله بن عبد الله أحدُهم (٢) .

  7. وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيّ، في كتاب "المعرفة" له، قال: حدَّثنا عبد الرزّاق، عن مَعْمر، عن الزُّهري، قال: كان عُبيد الله بن عبد الله قد تفرَّس في عُمر بن عبد العزيز، فكان يحدّثه الحديثَ ويقول له: أنا أحدّثك لعلّ اللهَ ينفعُك به يومًا. فلمّا ولي عمرُ الخلافة، كان يقول: ودِدتُ أنّ لي مجلسًا من عُبيد الله بدية (٣) .

    قال: وحدَّثنا عليّ بن المدينيّ، قال: حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا علي بن زيد بن جُدْعان، أنَّه سَمِعَ عمرَ بنَ عبد العزيز يقول: ما أصبتُ من عُبيد الله مثل ما أصبتُ من جميع النّاس، فليت ليَ اليومَ مجلسًا منه بدية (٤) .

    قال: وحدَّثنا أحمد بنُ صالح، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عُبيد الله بن عبد الله، قال: ما سمعتُ حديثًا قط فأشاء أنْ أعيَه إلا وعيتُه (٥) .

    قال: وحدَّثنا عبد الله بن صالح، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عُبيد الله مثله. وزاد: قال يعقوب: وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عُبيد الله حيًّا،

    ج ٦ ص ٩٩ما صدرتُ إلا عن رأيه، ولوددتُ أنَّ عليّ بيوم من عُبيد الله غرمًا. قال ذلك في خلافته (١) .

    قال: وحدَّثنا أحمد بن صالح، قال: حدَّثنا ابن وَهْب، عن يونس، عن ابن شِهاب، قال: صحبت عُبيد الله بن عبد الله، فما رأيتُ أعربَ حديثًا منه.

  8. حدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٢) : حدَّثنا الزبير بن بكّار وإبراهيم بن حمزة الزُّبيري، عن سُفيانَ (٣) بن عُيينة، قال: قيل لعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: تقول الشّعر وأنت فقيهٌ؟ قال: هل يستطيع الذي به الصدر إلا أن ينفُثَ (٤) !

  9. حدَّثني أحمد بن محمد وعبد الرحمن بن يحيى، قالا: حدَّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابيّ، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن القاسم بن حُبيش بن سُليمان بن بُرد، قال: حدَّثنا أحمد بن سعيد الفِهْريّ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المنذر الحِزَاميّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن يعقوب التَّيْميّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، قال: قَدِمَت امرأةٌ من هُذَيْل من ناحية مكة المدينة، وكانت جميلةً، فخطبها جماعةٌ من أشراف أهل المدينة، فأبت أن تتزوج، وكان معها بُنَيٌّ لها، فبلغ عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة امتناعها، فعرّض للقوم، فقال:

    ج ٦ ص ١٠٠أحبُّكِ حُبًّا لا يُحبُّكِ مثلَهُ ... قريبٌ ولا في العاشقين (١) بعيدُ

    أُحبُّكِ حبًّا لو شعرتِ ببعضِه ... لجُدْتِ ولم يصعُبْ عليكِ شديدُ

    وحُبُّكِ يا أمَّ الصّبيِّ مُدَلِّهي (٢) ... شهيدي أبو بكر فنِعْمَ شهيدُ

    ويَعْلم وَجْدي القاسمُ بنُ محمد ... وعُرْوةُ ما ألقَى وسَعِيدُ (٣)

    ويعلم ما أُخفي سليمانُ عِلمُه ... وخارجة يُبدي بهِ (٤) ويعيدُ

    متى تسألي عما أقولُ فتُخبَري ... فللهِ (٥) عندي طارفٌ وتليدُ (٦)

  10. وحدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٧) : حدَّثنا الزُّبير بن بكار، قال: حدَّثنا سليمان بن داودَ المخزوميّ، عن أبيه، عن إسماعيل بن يعقوب التّيميّ، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، قال: قدمت امرأةٌ المدينة من ناحية مكّة، وكانت من هُذيل، وكانت جميلةً، فرغِب الناس فيها فخطبوها، وكادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال عُبيد الله بن عبد الله فيها: أحبّك حبًّا - فذكر الأبيات سواءً إلى آخرها. وزاد: فقال سعيد بن المسيِّب: أما - والله - لقد أمنت أن تسألنا، وما رجوت إنْ سألتنا أن نشهد لك بزُور (٨) .

    ج ٦ ص ١٠١قال أبو عُمر: يريد أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيِّب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، وهؤلاء الستة هم فقهاء وقتهم بالمدينة، وهو سابعهم (١) .

  11. وذكر محمد بن خلف المعروف بوكيع (٢) ، صاحب التاريخ والأخبار (٣) ، قال: حدَّثنا عليّ بن حَرْب المَوْصليّ، قال: حدَّثنا إسماعيل بن ريّان الطّائيّ، قال: سمعتُ ابنَ إدريس يقول: كان عِراك بن مالك وأبو بكر بن حَزم وعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة يتجالسون بالمدينة زمانًا، ثم إنّ ابنَ حَزْم صار إلى الإمارة فمرّا بعُبيد الله ولم يسلّما، ولم يقفا به، وكان ضريرًا، فأُخْبِرَ بذلك، فأنشأ يقول:

    ألا ابلغا عنّي عِراكَ بن مالكٍ ... ولا تدعا أنْ تُثْنيا بأبي بكرِ

    لقد جعلت تبدو شواكلُ مِنكما ... كأنّكما بي موقران من الصّخرِ

    فكيف تريدان ابنَ ستّينَ حِجّةً ... على ما أتى وهو ابنُ عشرين أو عشرِ

    فمُسّا تُرابَ الأرضِ منها خُلقتما ... وفيها المَعَادُ والمصيرُ إلى الحَشْرِ

    ولا تَعْجبا أنْ تُؤتَيا وتُكلَّما ... فما حُشِيَ (٤) الأقوامُ شرًّا من الكِبرِ

    لقد علِقتْ دلْواكُما دلوَ حُوّلٍ ... من القوم لا وَغْل المِراس ولا مُزْرِ

    فطاوعتما بي عاذلًا ذا مَعاكةٍ ... لعَمْري لقد أورى وما مثلُه يُوري

    فلولا اتّقاءُ الله من قبْل فيكما ... لَلُمتُكُما لومًا أحرّ من الجَمْرِ (٥)

  12. يقال: أورى عليه صدره بالحقد (١) . وهي أبياتٌ أكثر من هذه، منهم من يجعلها كلّها له في أبي بكر بن حَزْم وعِراك بن مالك، ومنهم من يجعل منها أربعة أبيات أو خمسة في عُمر بن عبد العزيز وعبد الله بن عمرو بن عثمان، كذلك ذكرها أبو زيد عُمر بن شَبّة، عن إبراهيم بن المنذر، وقال: إنما أُدخِلتْ معها لاتّفاق القافية، وإنّها لرجل واحد.

    وقال عُمر بن شَبّة: حدَّثنا إبراهيم بن المُنْذر، قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز، عن أبيه، عن ابن شِهاب، قال: أتيت عُبيد الله بن عبد الله يومًا، فوجدتُه ينفخ وهو مغتاظٌ، فقلت: ما لك؟ فقال: جئتُ أميرَكُم آنفًا - يعني عُمر بنَ عبد العزيز - فسلَّمتُ عليه، وعلى عبد الله بن عَمْرو بن عُثمان، فلم يردّا عليّ، فقلت:

    فمسّا تراب الأرض منها خُلِقْتُما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحَشْرِ

    ولا تأنفا أن تؤتَيا فتُكلَّما ... فما حُشِيَ الأقوام شرًّا من الكبرِ

    فلو شئت أن ألقى عدوًّا وطاعنًا ... للاقيته أو قال عندي في السرِّ

    فإن أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ عنكما ... ضحِكتُ له حتى يلجَّ ويستشري (٢)

    قال: فقلتُ له: تقول الشعر في فَضْلك ونُسكك؟ فقال: إنّ المصدور إذا نَفَث برأ.

    قال أبو عُمر: هكذا في خبر وكيع: أبو بكر بن حَزْم. وهو غلطٌ، والله أعلم. وهذه القصّة لم تكن إلا في إمارة عمر، لا في خلافته، وأبو بكر المذكور في هذه الأبيات في قوله: ولا تدعا أن تُثْنيا بأبي بكر، هو: أبو بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمة.

    ج ٦ ص ١٠٢
  13. وما ذكره أيضًا عُمر بن شَبّة في خبره، أنّ عُبيد الله مرّ بعمر وعبد الله بن عَمْرو بن عثمان، فسلّم عليهما، فلم يردّا عليه، محال ألا يردا عليه! والصّحيح في ذلك ما حدَّثناه عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمد بن زُهير، قال (١) : حدَّثنا الزُّبير بن بكّار، قال: حدَّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدَّثني بكار بن محمد بن جارست، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن هشام بن عُروة، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، أنه جاء إلى عُمر بن عبد العزيز يستأذنُ عليه في إمْرته، قال: وكان عُمر يجلّه إجلالًا شديدًا، فردّه الحاجب، (٢) وكان عنده عبد الله بن عَمْرو بن عثمان مختليًا به، قال: فانصرف عُبيد الله غَضْبان، وكان في صلاحه ربما قال الأبيات، فأُخبِر عمر بأبياته، فبعثَ أبا بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمة وعِراك بن مالك يُعذرانِه عنه، ويقولان: إنَّ عُمرَ يقسمُ بالله ما عَلِمَ بإتيانك، ولا بردّ الحاجب إياكَ، فقال لعَمْرو وصاحبه:

    إلا أبلغا عنّي عراكَ بنَ مالكٍ ... ولا تَدَعا أن تُثْنيا بأبي بكرِ (٣)

    قال أحمد بن زهير (٤) : فأخبرنا إبراهيم بن عبد الله، قال: حدَّثنا ابن إدريس، قال: أنشدني القاسم بن مَعْن وابن أبي الزِّناد لعُبيد الله بن عبد الله يعاتب رَجُلين مرّا به:

    ألا أبلغا عَنّي عِراك بنَ مالكٍ ... ولا تدعا أن تُثْنيا بأبي بكرِ

    ج ٦ ص ١٠٤فذكر الأبيات - كما تقدم نسقًا - حرفًا بحرفٍ، وزاد (١) :

    ولو شئتُ أدلَى فيكما غيرُ واحدٍ ... علانيَةً أو قال عندي في السّرِّ

    فإنْ أنا لم آمُرْ ولم أنْهَ عنكما ... ضحِكتُ له حتى يلجَّ ويَسْتَشري

    قال أبو عُمر: أشعارُه كثيرةٌ جدًّا في غير ما معنى، منها في الغزل بزوجته عَثْمة، أظن أكثرَه بعد طلاقه إياها.

    ج ٦ ص ١٠٣
  14. ذكر إبراهيم بن المنذر، عن عبد الملك بن الماجِشون، قال أبياتُ عبيد الله بن عبد الله التي أوّلها:

    لعمري لئن شطّت بعثمةَ دارُها ... لقد كِدتُ من وَشْك الفراقِ أليحُ

    أروحُ بهمّ ثم أغدو بمثلِهِ ... ويحسَبُ أنّي في الثّيابِ صحيحُ (٢)

  15. قالها في زوجة كانت له تسمى عَثْمة، عَتِب عليها في بعض الأيام فطلّقها، وله فيها أشعارٌ كثيرةٌ، منها قوله:

    كتمتَ الهوى حتى أضَرَّ بك الكتمُ

    ج ٦ ص ١٠٥ذكر الزُّبير بن بكّار، قال: حدَّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشُون، قال: أنشدني خالي يوسف بن الماجشون لعُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة:

    كتمتَ الهوى حتَّى أضرَّ بك الكتْمُ ... ولامكَ أقوامٌ ولومُهمُ ظُلمُ

    ونَمَّ عليك الكاشِحُون وقَبْلَهم ... عليك الهوى قد نَمَّ لو ينفعُ النَّمُّ

    وزادَكَ إغراءً بها طولُ هجرِها ... قديمًا وأبْلَى لحمَ أعظُمك الهَمُّ

    فأصبحتَ كالنَّهْدِيِّ (١) إذْ ماتَ حَسْرةً ... على إثْرِ هندٍ أو كمن سُقيَ السُّمُّ

    ألا من لنفسٍ لا تموتُ فينقَضي ... عناها ولا تحيا حياةً لها طعمُ

    تَجنَّبتَ إتيانَ الحبيب تَأثُّمًا ... ألا إنّ هِجْران الحبيب هو الإثمُ

    فذُقْ هَجْرها قد كنتَ تَزعُم أنّه ... رشادٌ ألا يا رُبّما كَذَب الزَّعْمُ (٢)

  16. ومن أشعاره في عَثْمة:

    عَفَت أطلالُ عَثْمةَ بالغَمِيمِ ... فأضْحَت وهي مُوحِشةُ الرُّسومِ (٣)

  17. وهي أبياتٌ ذوات عدد.

  18. وفيها يقول أيضًا (٤) :
  19. تَغَلْغلَ حبُّ عَثْمةَ في فُؤادي ... فبَادِيه مع الخافِي يَسيرُ

    تَغَلْغَلَ حيثُ لم يَبْلُغ شرابٌ ... ولا حُزنٌ ولم يبلُغ سُرورُ

    أكادُ إذا ذكرتُ العَهْدَ مِنها ... أطيرُ لوَ انَّ إنْسانًا يَطِيرُ

    وهي أبياتٌ أيضًا ذوات عدد، أنشدها ابن أبي الزّناد وغيرُه، وقيل له: تقول مثل هذا؟ فقال: في اللّدود راحة المَفؤود.

    ج ٦ ص ١٠٦
  20. وهو القائل أيضًا في قصّة جَرَت بين عُمر بن عبد العزيز وعُروة بن الزُّبير، وهي أبياتٌ، منها (١) :

    وما الحقُّ أن تهوى فتُسعَفَ في الذي ... هَوِيتَ إذا ما كان ليس بأعدلِ

    أبى الله والأحسابُ أن يحمِلَ القَذَى ... جفونُ عيونٍ بالقذى لم توكَّلِ

    ومن شعره أيضًا يخاطب عمر بن عبد العزيز (٢) :

    أبن لي فكن مثلي أو ابتغِ صاحبًا ... كمثلِكَ (٣) إنِّي مبتغ صاحبًا مثلي

    عزيزٌ إخائي ما يَنالُ مودّتي ... من الناس إلا مسلمٌ كاملُ العقلِ

    وما يلبَثُ الإخوانُ أن يتفرّقوا ... إذا لم يؤلَّفْ رُوحُ شكل إلى شكلِ

    ج ٦ ص ١٠٧وهي أبياتٌ كثيرةٌ، ومن قوله أيضًا يخاطب ابن شهاب (١) :

    إذا شئت أن تلقى خليلًا مصافيًا ... لقيت وإخوانُ الثّقات قليلُ

    ومن جيِّد شِعْرِه أيضًا قوله:

    أعاذلُ عاجلُ ما أشْتهي ... أحبُّ إليَّ من الرائثِ

    سأُنفقُ ماليَ في حَقِّهِ ... وأُوثرُ نفسي على الوارثِ (٢)

    وقال عُبيد الله أيضًا:

    إذا كان لي سِرٌّ فحدثتُه العِدَا ... وضاقَ به صَدْري فللنَّاس أعذَرُ

    هو السِّرُّ ما استودعتُه وكتمتُهُ ... وليس بسِرٍّ حين يَفْشُو وَيظْهرُ (٣)

  21. حدَّثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٤) : حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال (٥) : حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن حمزة أبي عمارة، قال: قال عمر بن عبد العزيز لعُبيد الله بن عبد الله: ما لكَ وللشعر؟ فقال: وهل يستطيع المصدُور إلا إن ينفثَ؟

  22. حدَّثنا عبد الوارث، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمد بن زهير، قال (٦) : سمعت يحيى بن معين، يقول: مات عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود سنة اثنتين ومئة، ويُقال: سنة تسع وتسعين.

    قال أبو عُمر: وقد قيل: سنة ثمان وتسعين، قاله الواقدي (٧) .

  23. حديثٌ أولُ لابن شهاب، عن عُبيد الله مُسندٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عُبَيْدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ بنِ مَسْعُود، عن عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: أقْبَلْتُ راكبًا على أتان، وأنا يومئذٍ قد ناهزْتُ الاحْتِلام، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي (٢) بِمِنًى، فمَرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنزَلْتُ وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ، ودَخَلْتُ في الصَّفِّ، فلم يُنْكِرْ ذلك عليَّ أحَد (٣) .

    ج ٦ ص ١٠٨
  24. هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ رُواةِ "الموطَّأ" فيما عَلِمْتُ. وقال فيه الواقديُّ، عن مالك: وذلك في حَجَّةِ الوَداع، وأنا قد راهَقْتُ الاحْتِلام (٤) .

    وقال فيه ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ: فلم يقُلْ لنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا.

  25. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملك، قال: حدَّثنا أبو سعيد بنُ الأعْرابيِّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بنُ محمد الزَّعْفَرانيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزُّهرِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، سَمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: جِئْتُ والفضلُ بنُ عباسٍ يومَ عرفةَ ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي بالناسِ، ونحن على أتانٍ لنا، فمَرَرْنا ببعضِ الصفِّ فنَزلْنا عنها وتَرَكْناها تَرْتَعُ، فلم يقل لنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا (٥) .

  26. وفي هذا الحديثِ من الفِقْهِ: أنَّ المُرُورَ بين يَدَي المُصَلِّي إذا كان وراءَ الإمام لا يَضُرُّ المُصَلِّي، ولا حرَجَ فيه على المارِّ أيضًا، وقد تقَدَّمَ في بابِ زيدِ بنِ أسْلَم (١) ، مِن حُكْمِ السُّتْرَة، وحُكْم المارِّ بين يَدَي المُصَلِّي، وأنّ الصلاةَ لا يقطَعُها شيءٌ. ومضَى هناك من الآثارِ في ذلك ما فيه غنًى وكفايةٌ، فلا وجهَ لإعادَة ذلك هاهنا.

    ج ٦ ص ١٠٩
  27. وفي الحديثِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ الإمامَ سُتْرَةٌ لمن خلفَه، فلا حرجَ على من مرَّ وراءه بين أيدي الصُّفُوف، وقد استدلَّ قومٌ بأن هذا الحديثَ دليلٌ على أنَّ الحمارَ لا يقطعُ الصَّلاة مرورُه بين يدي المُصَلِّي، وردُّوا به قولَ مَن زَعم أنَّ الحمارَ يقْطَعُ الصَّلاة. وانفصَلَ منهم مخالِفُهم بأنّ مرُورَ الأتانِ كان خلفَ الإمام بين يدي الصفِّ، فلا دليلَ فيه من روايَة مالك هذه وما كان مثلَها.

  28. وقد رُويَ حديثُ ابنِ عباسٍ هذا بلفْظٍ هو حجَّةٌ لمن قال: الحمارُ لا يقطَعُ الصلاة (٢) .

  29. أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أيوبَ بنِ حَبِيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البزَّار، قال (٣) : حدَّثنا بِشْرُ بنُ آدمَ، قال: حدَّثنا أبو عاصم (٤) ، عن ابنِ جريج، قال: أخبرنا عبدُ الكريم (٥) ،

    ج ٦ ص ١١٠أنَّ مجاهدًا أخبره، عن ابن عباسٍ، قال: أتيْتُ أنا والفَضْلُ على أتان، فمرَرْنا بين يدي رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بعَرَفة (١) .

  30. وفيه: إجازةُ شهادَةِ (٢) مَن علِم الشيءَ صغيرًا وأداهُ كبيرًا، وهو (٣) أمرٌ لا خلافَ فيه (٤) ، وقياسُه: العبدُ يشهدُ في عبوديَّته على ما يؤدِّي الشَّهادةَ فيه بعد عِتقِه. وكذلك الكافرُ والفاسقُ إذا أداها كل واحدٍ منهم في حالٍ تجوزُ الشَّهادةُ فيه، وهذا كلُّه مجتمعٌ عليه عند العُلماء، إلا أنهم اختلفُوا في هؤلاء لو شهدُوا بها، فرُدَّتْ لأحوالهم الناقصة، ثم شهدُوا بها في حالِ تمام شروطِ الشهادَة، على ما قد أوضحناهُ في موضعِه من هذا الكتاب.

  31. حديثٌ ثانٍ لابن شهاب، عن عُبيد الله مسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابنِ عباس، أنَّه قال: إنّ أُمَّ الفضلِ بنتَ الحارثِ سمِعتْه وهو يقرأُ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} . فقالت: يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني بقراءتِك هذه السورةَ؛ إنها لَآخرُ ما سمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب (٢) .

    ج ٦ ص ١١١
  32. أمُّ الفَضْل هذه هي أمُّ ابن عباس، واسمها لُبابة، تُكْنَى أم الفَضْل بابنها الفَضْل بن عباس، وهي أخت مَيْمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، قد أتينا من نَسَبها وأحوالها في كتاب النِّساء من (٣) كتاب الصحابة (٤) بما فيه كفاية.

  33. وليس في هذا الحديث أكثرُ من أنّ القراءةَ في الصلاةِ ليس فيها توقيتٌ، وأنَّ قراءةَ: {وَالْمُرْسَلَاتِ} ومثلها جائزٌ في صلاةِ المغرب. وسيأتي القول فيما يُستحَبُّ من القراءة، وما يجبُ منها في المغربِ وغيرها، في أوْلى المواضع بذلك من كتابِنا هذا إن شاء الله.

  34. حدَّثني خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا موسى بنُ داودَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بنُ أبي سلمةَ، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسٍ، عن أُمِّ الفضلِ بنتِ الحارث، قالت: صلَّى بنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، في بيته في مرضِه (١) مُتَوشِّحًا في ثوبٍ، المغرب، فقرأ بـ: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} ، فلم يُصلِّ صلاةً بعدها حتى قُبِضَ - صلى الله عليه وسلم - (٢) .

    ج ٦ ص ١١٢
  35. حديثٌ ثالثٌ لابن شهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة مسنَدٌ

    مالكٌ (١) ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن ابن عباسٍ، أنَّ سعدَ بنَ عُبادَةَ استفتَى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنّ أُمي ماتت وعليها نَذْرٌ لم تَقْضهِ، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقْضِه عنها" (٢) .

    ج ٦ ص ١١٣
  36. ليس عن مالكٍ، ولا عن ابنِ شهابٍ، اختلافٌ في إسناد هذا الحديثِ فيما علِمْتُ.

  37. وقد أخبرني محمدٌ (٣) ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عمرَ الحافظ (٤) ، قال: حدَّثني أبو محمدٍ عبدُ العزيز بنُ محمدِ بنِ الواثقِ بالله، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا شُجَاعُ بنُ مخلَدٍ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن ابنِ عباس، أنَّ سعدًا قال: يا رسولَ الله، أينفَعُ أمي أن أتصدَّقَ عنها وقد ماتت؟ قال: "نعم" . قال: فما تأمرُني؟ قال: "اسقِ الماء" (٥) .

    ج ٦ ص ١١٤قال ابنُ منيع: الصحيحُ في هذا الإسنادِ حديثُ النذرِ (١) ، وحمادُ بنُ خالدٍ ثقةٌ، ولكنَّه كان أميًّا (٢) .

    قال عليُّ بنُ عمرَ: لا أعلمُ روى هذا غيرَ شجاعِ بنِ مخلَدٍ، عن حمادِ بنِ خالد.

    قال أبو عُمر: قد روى هذا الحديثَ هشامُ بنُ عروةَ، عن ابنِ شهابٍ؛ حدَّث به الدَّراورديُّ، عن هشام بنِ عروةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن ابن عباس، أنَّ سعدَ بنَ عُبادةَ سألَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنّ أمّي هلَكَت وعليها نذْرٌ لم تقْضِه، أفأقضِيه عنها؟ قال: "نعم" (٣) .

  38. وروى عَبْدةُ بنُ سليمانَ هذا الحديثَ عن هشام بنِ عروةَ، عن بكرِ بنِ وائلِ بنِ داودَ، عن الزهريِّ، بإسنادِه مثلَه (٤) .

  39. واختلفَ أهلُ العلم في النَّذْرِ، وفي حُكمِه؛ فقال أهلُ الظَّاهِر (٥) : كُلُّ من كان عليه نَذْرٌ، وتوفِّي ولم يقضِه، كان على أقْعَدِ (٦) أوليائِه قضَاؤُه عنه واجِبًا، بظاهرِ هذا الحديث، وسواءٌ كان في بَدَنٍ أو مال.

    وقال فقهاءُ الأمصار: ليس ذلك على وليِّه إلا أن يُوصيَ به. ومحَمَلُ هذا الحديث عندَهم على النَّدْبِ لا على الإيجاب.

  40. واختلفُوا في النَّذْر الذي كان على أمِّ سَعْدِ بنِ عبادةَ المذكورِ في هذا الحديث؛ فقالت فِرْقَةٌ: كان ذلك صِيَامًا نذَرَتْه، فأمرَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يَقْضِيَه عنها.