ابن شهاب، عن سليمان بن يسار حديثان، أحدهما مرسل
٦٣ فقرة، ج ٦ ص ٢٣٠
الصفحة ١ من ٢
- ج ٦ ص ٢٣٠
وسليمانُ بن يَسار (١) يُكنَى أبا عبد الرَّحمن، مَوْلى مَيْمونةَ الهِلاليّة زَوْج النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعتقَتْه، وأعتقَت إخوتَه: عطاءً، وعبدَ الملك، وعبدَ الله، بني يَسارٍ مَواليَها، فولاؤهم لها.
-
وكان سُليمانُ أحدَ الفقهاءِ الذين عليهم مدارُ الفتوى بالمدينة (٢) ، وقد قيل: إنه يُكنَى أبا أيّوب، والأكثرُ على أنَّ كُنيتَه أبو عبدِ الرَّحمن.
وقال مُصعَبُ بن عبد الله الزُّبَيري (٣) : كان سُليمانُ بن يَسار مُقدَّمًا في الفقه والعلم، فكان نظيرًا لسعيد بن المسيِّب، وكان مُكاتَبًا لميمونةَ بنت الحارث بن حَزْن زَوْج النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فأدَّى فعَتَق، ووَهَبت مَيْمونةُ ولاءه لعبد الله بن عبّاس، وكانت خالتَه.
قال أبو عُمر: قد ذَكَر ابنُ عُيَينة أيضًا عن عَمْرو بن دينار، أنَّ مَيْمونةَ وَهَبت ولاءَ سليمانَ بن يَسار لابن عبّاس، وهذا مشهورٌ عندَ العلماء مِن فعلِها، لكنه مردودٌ عندَهم بنَهْي رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بَيعْ الولاءِ وعن هبتِه (٤) ، وبقولِه عليه
ج ٦ ص ٢٣١السلام: "الولاءُ كالنَّسَب؛ لا يُباعُ، ولا يوهَب" (١) .
قال مُصعَبٌ الزُّبَيْريّ: ووَلِيَ سليمانُ بن يَسار سُوقَ المدينة لعُمرَ بن عبد العزيز سنةً واحدة (٢) ، في زمان الوليد بن عبد الملك.
-
ورُوي عن الحَسن بن محمد بن عليِّ بن أبي طالب، أنه قال (٣) : سُليمانُ بن يَسار أفهَمُ عندَنا من سعيد بن المسيِّب.
قال أبو عُمر: هذا إسرافٌ وإفراطٌ، وليس سُليمانُ كسعيد بن المسيِّب في الفقه (٤) عندَ أهل العلم بالفقه والسِّيَر، ولم يقُلْ هذا القولَ غيرُ الحَسن بن محمد، وأصحُّ مِن هذا قولُ مَيْمون بن مِهْران (٥) : قدِمتُ المدينةَ، فسألتُ عن أفقه أهلِها،
ج ٦ ص ٢٣٢فقيل: سعيدُ بن المسيِّب. وقيل للزُّهْريِّ ومكحُول (١) : مَن أفقهُ من أدركتُما؟ فقالا: سعيدُ بن المسيِّب. وقد كان سُليمانُ بن يَسار يسألُ سعيدَ بن المسيِّب.
-
ورَوى الحارثُ بن مِسكين، عن ابنِ وَهْب، عن مالك، أنَّه سمِعَه يقول: كان سُليمانُ بن يَسار من أعلم الناس عندَنا بعد سعيد بن المسيِّب.
-
ورَوى أشهبُ، عن مالك، قال: كان سُليمانُ بن يَسار أفقهَ رجُل، كان مُلزمًا بعدَ سعيد بن المسيِّب، وكثيرًا ما كان يتّفقانِ في القول، وكان إذا ارتفعَ الصوتُ في مجلسِه، أو سَمِعَ فيه سُوءًا قامَ عنه.
-
ذَكَر الحُلْوانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عارِمٌ، قال: حَدَّثَنَا حمادُ بنُ زيد، عن يزيدَ بن حازم، قال: اختَلف سُليمانُ بن يَسار وعليُّ بن حُسين في بيع الثمرة (٢) ، فقال لي: قُمْ فسَلْ سعيدَ بن المسيِّب عنها، فأتيتُه، فقلت: يا أبا محمد، أرسَلَني إليك سُليمانُ بن يَسار يسألُك: متى تُباعُ الثمرةُ؟ قال: إذا تَبَيَّن صَلاحُها، فأتيتُ سليمان، فأخبرتُه، فقال: ائْتِهِ فاسألْه: متى يتبيّنُ صلاحُها؟ فأتيتُه، فقلت: قال سُليمانُ: متى يتبيَّنُ صلاحُها؟ قال: إذا سَنْبلَ الزَّرع، واحمَرَّ الزهر.
قال أبو عُمر: وسُليمانُ فقيهٌ عالمٌ وَرعٌ نبيلٌ، كانت له جلالةٌ وقدْرٌ بالمدينة. ذَكَر ابنُ أبي خَيْثمة (٣) ، عن ابن الأصبهاني، عن ابن عُيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سُليمانَ بن يَسار، قال: أدركتُ بضعةَ عشَرَ من أصحاب النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولون: إنه لَمْ يروِه عن يحيى بن سعيد غيرُ ابنِ عُيينة.
ج ٦ ص ٢٣٣قال ابنُ أبي خيثمة (١) : وسمعتُ يحيى بنَ مَعِين يقول: مات سُليمان بن يَسار سنةَ سبع ومئةٍ، وقال غيرُه: سنةَ أربع وتسعين. قال: وأخبر في مصعبٌ الزُّبيريّ (٢) ، قال: مات سليمانُ بنُ يَسار سنةَ سبع ومئة وهُو ابنُ ثلاث وسبعين سنة.
-
وسُئل يحيى بنُ مَعين، عن حديث الزُّهري، عن أبي عبد الرَّحمن، عن زَيْد بن ثابت، في الذي يطلِّقُ امرأتَه ثلاثًا، ثم يشتريها. قال: لا تحِلُّ له حتى تَنكِحَ زوجًا غيرَه، فقال: يقال: أبو عبد الرَّحمن هذا سُليمانُ بن يسار (٣) .
قال أبو عُمر: قد قال غيرُه: إنه طاوسٌ، والأوّلُ أصحّ.
- ج ٦ ص ٢٣٤
حديثٌ أوّلُ لابن شِهاب، عن سُليمانَ بن يَسار
مالكٌ (١) ، عن ابن شهاب، عن سُليمانَ بن يسارٍ، عن عبد الله بن عبّاس، قال: كان الفضلُ رَدِيفَ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجاءتْه امرَأةٌ من خَثْعَمَ تَسْتَفْتيه، فجعَلَ الفضلُ يَنْظُر إليها، وتَنْظُر إليه، فجعَلَ رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصرِفُ وجْهَ الفضلِ إلى الشِّقِّ الآخَرَ، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فَريضَةَ الله على عِبَادِه في الحجِّ أدْرَكَتْ أبي شيخًا كبيرًا لا يستَطيعُ أن يَثْبُتَ على الراحلةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: "نعم" . وذلك في حَجَّةِ الودَاع (٢) .
-
هذا حديثٌ صحيحٌ ثابِتٌ، لَمْ يُختَلَف في إسْنادِه، وقد سَمِعَه سُليمانُ بن يسَارٍ من ابنِ عباسٍ، كذلك قال الأوزاعيُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سليمانَ بنِ يسَارٍ، أنَّ عبدَ الله بنَ عباسٍ، أخبرَه أنَّ امرأةً من خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حَجَّةِ الودَاع، والفضلُ بنُ عبّاسٍ رَديفُ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فريضَةَ الله. فذكَرَ الحديثَ (٣) . وكذلك رواه ابنُ عُيَينةَ، عن الزُّهريِّ.
-
حدَّثني سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثَنَا الحميدي (٤) . وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا
ج ٦ ص ٢٣٥قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ (١) ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حَدَّثَنَا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ يسَارٍ يقولُ: سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ يقولُ: إنَّ امرأةً من خَثْعَمَ سألتْ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَدَاةَ النَّحْرِ والفضلُ ردْفُه، فقالت: إنَّ فَريضةَ الله في الحجِّ على عبادِه أدْرَكَتْ أبي وهو شَيْخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ أن يَستمسِكَ على الراحلةِ، فهل ترَى أن أحُجَّ عنه؟ قال: "نعم" (٢) .
قال الحميديُّ: وحَدَّثَنَا سفيانُ، قال: كان عمرُو بنُ دينَارٍ حَدَّثَنَاه أوَّلًا عن الزُّهْريِّ، عن سليمانَ بنِ يسَارٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، وزادَ فيه: فقالت: يا رسولَ الله، أو ينفَعُه ذلك؟ قال: "نَعَمْ، كما لو كان على أحَدِكم دَيْنٌ فقَضَاه" . فلما جاءنَا الزهريُّ، تفقَّدْتُ هذا، فلم يَقُلْه (٣) .
-
واختَلَفَ العلماءُ في تأويلِ هذا الحديثِ ومعنَاه، ونحنُ نذكُرُ ذلك إنْ شاء اللهُ ونُبيِّنُه، ولا قُوَّةَ إلَّا باللّه.
- ج ٦ ص ٢٣٦
وفيه من الفِقْهِ: إباحَةُ ركوبِ نَفْسَيْن على دابّةٍ، وهذا ما لا خلافَ في جَوازِه، إذا أطاقَت الدّابّةُ ذلك (١) .
-
وفيه: إباحَةُ الارْتِدَافِ، وذلك من التواضُع، والجليلُ من الرِّجَال جمِيلٌ به الارتدَافُ، والأنَفَةُ منه تجبرٌ وتكبرٌ، حَبَّبَ اللهُ إلينا الطَّاعَةَ برحمَتِه.
-
وفيه: بيانُ ما رُكِّبَ في الآدَمِيِّين من شَهَواتِ النِّساء، وما يُخافُ من النَّظَرِ إليهنَّ (٢) ، وكان الفضلُ بنُ عبَّاسٍ من شُبَّانِ بني هاشم، بل كان أجمَلَ أهْلِ (٣) زمَانِه فيما ذكروا (٤) .
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ الإمَامَ يجبُ عليه أن يَحُولَ بينَ الرِّجال والنِّساء في التأمُّلِ والنَّظَرِ (٥) ، وفي معنى هذا مَنع النِّساء اللَّواتي لا يُؤمَنُ عليهنَّ ومنهنَّ الفِتْنةُ من الخُروج والمشي في الحواضِر والأسْوَاقِ، وحيثُ ينظُرْنَ إلى الرِّجال، قال - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساء" (٦) . وفي قولِ الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} الآيةَ [النور: ٣٠] ، ما يكفي لمن تَدَبَّر كتابَ الله ووفِّقَ للعَمَلِ به.
-
حَدَّثَنَا أحمدُ، قال: حَدَّثَنَا مَسْلمَةُ، قال: حَدَّثَنَا جعفرٌ، قال: حَدَّثَنَا يونسُ بنُ
ج ٦ ص ٢٣٧حبيبٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ الطَّيالسيُّ، قال (١) : حَدَّثَنَا سُكيْنُ بنُ عبدِ العزيز (٢) ، قال: حدَّثني أبي، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ الفضلَ كان رديفَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يومَ عَرَفَةَ، فجعَلَ يلحظُ إلى امرأةٍ، فقال النبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "مَهْ يا غُلامُ، فإنَّ هذا يوْمٌ من حَفِظَ فيه بصَرَه غُفِرَ له" (٣) .
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ إحرامَ المرأةِ في وجْهِها، وهذا ما لَمْ يختَلِفْ فيه الفقهاءُ (٤) .
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ المرأةَ تحُجُّ وإنْ لَمْ يكن معها ذُو محرم؛ لأنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للخَثْعَمِيَّة: "حُجِّي عن أبِيكِ" ، ولم يَقُلْ: إن كان معكِ ذُو محرَم.
-
وفي ذلك: دليلٌ على أنَّ المحرَمَ ليس من السَّبِيل، واللّهُ أعلمُ، وستأتي هذه المسألةُ واختلافُ العُلماء فيها في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ (٥) إن شاء الله.
-
وأمَّا اختلافُ أهلِ العِلْم في معنَى هذا الحديثِ، فإنَّ جماعةً منهم ذهبُوا إلى أنَّ هذا الحديثَ مخصوصٌ به أبو الخثْعَمِيَّة، لا يجوزُ أنْ يُتَعَدَّى به إلى غيرِه،
ج ٦ ص ٢٣٨بدليلِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: ٩٧] . وكان أبو الخثْعَمِيَّة ممن لا يستَطيعُ، فلم يكن عليه الحجُّ، فلما لَمْ يكُنْ ذلك عليه لعَدَم استطاعتِه، كانت ابنتُه مخصوصةً بذلك الجوابِ. وممن قال ذلك: مالِكُ بنُ أَنَسٍ وأصحابُه، وجعلوا أبا الخثْعَمِيَّة مخصوصًا بالحجِّ عنه، كما كان سالمٌ مولى أبي حُذيفةَ عندَهم وعندَ من خالفَهم في هذه المسألةِ مخصوصًا برضَاعِه في حالِ الكبرِ، مع اشتراطِ الله عزَّ وجلَّ تمامَ الرَّضاعةِ في الحولين، فكذلك أبو الخثْعَميَّة مع شَرْطِ الله في وجُوبِ الحجِّ الاستِطاعَةَ؛ وهي القُدْرَةُ (١) .
-
وذهبَ آخرون إلى أنّ الاستطاعةَ تكونُ بالبَدَنِ والقُدْرَة، وتكونُ أيضًا في المالِ لمن لَمْ يستَطِعْ ببدَنِه، واستَدَلُّوا بهذا الحديثِ ومثْلِه، وممن قال ذلك الشافعيُّ (٢) .
-
واختلَفَ العلماءُ في الاستطاعةِ التي عنَى اللهُ عزَّ وجلَّ بقوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . فرُويَ عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال: "السَّبِيلُ: الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" . وهذا الحديثُ لو صحَّ لكان فَرْضُ الحجِّ في المالِ والبَدَنِ نصًّا، كما قال الشافعيُّ ومن تابَعَه، ولكنَّه حديثٌ انْفَرَدَ به إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخُوزيُّ، وهو ضعيف.
- ج ٦ ص ٢٣٩
روى عبدُ الرَّزّاقِ (١) وغيرُه، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ يزيدَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبّادِ بنِ جعْفَرٍ يُحدِّثُ عن ابنِ عُمَرَ، قال: قامَ رجلٌ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: من الحاجُّ يا رسولَ الله؟ قال: "الشَّعِثُ التَّفِلُ" (٢) ، فقامَ رجلٌ آخَرُ، فقال: أيُّ الحجِّ أفضَلُ يا رسولَ الله؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ" (٣) ، فقام رجلٌ آخَرُ، فقال: ما السَّبِيلُ يا رسولَ الله؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَةُ" (٤) .
- ج ٦ ص ٢٤٠
ورُويَ عن عمرَ بنِ الخطّابِ (١) وعبدِ الله بنِ عبّاسٍ (٢) ، أنَّهما قالا: السَّبِيلُ: الزّادُ والراحلةُ.
-
وروى معاويةُ بنُ صالح، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ في قوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، قال: السَّبِيلُ: أن يَصِحَّ بَدَنُ العَبْدِ، ويكونَ له ثَمَنُ زادٍ وراحِلَة من غيرِ أنْ يُجحِفَ به (٣) . وبه قال الحَسَن البَصْريُّ (٤) ، وسعيدُ بنُ جُبَير (٥) ، ومُجاهِدٌ (٦) . وإليه ذهَب الشَّافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، وأحمدُ بنُ حَنْبَل، وإسحاقُ بنُ راهُويَة.
وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: لا يجبُ الحجُّ إلَّا على من مَلَكَ زادًا وراحلةً من الأحْرارِ البالِغين.
-
وعندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وأحمدَ، وطائفةٍ: ذُو المحرَم في المرأةِ من السَّبِيل.
-
وسَنُبيِّنُ هذا في بابِ سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ إن شاءَ اللهُ.
- ج ٦ ص ٢٤١
والذي عوَّلَ عليه الشافعيُّ وأصحابُه في هذا البابِ، حديثُ ابنِ عبّاسٍ في قصَّةِ الخَثْعَميَّة، وبه استدَلوا على أنَّ الحجَّ فَرْضٌ واجِبٌ في المالِ، قالوا: وأمَّا البَدَنُ فمُجْتَمَع عليه. والنكتَةُ التي بها استَدَلوا، وعليها عوَّلُوا، قولُ المرأةِ في هذا الحديثِ: إنَّ فَرِيضَةَ الله في الحجِّ على عِبَادِه أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا لا يستَطِيعُ أن يَثْبُتَ على الراحلةِ. فأخبرَتْه أنَّ الحجَّ إذا (١) فُرِضَ على المسلمين، كان أبوها في حالٍ لا يَسْتَطيعُه ببَدَنِه، فأخبرَها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّه يُجزئُه أن تحُجَّ عنه، وأعْلَمَها أنَّ ذلك كالدَّيْنِ تَقْضِيه عنه، فكان في هذا الكلام مَعَانٍ؛ منها: أنَّ الحجَّ وجَبَ عليه كوُجُوبِ الدَّيْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الدَّيْنَ واجبٌ في المالِ لا في البَدَنِ، ومنها: أنَّ عَمَلَها في ذلك يُجزِئ عنه، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس كالصلاةِ التي لا يعْمَلُها أحَدٌ عن أحَدٍ. ومنها: أنَّ الاستطاعَةَ تكونُ بالمالِ، كما تكونُ بالبَدَنِ. واحتَجُّوا مِن الآثارِ بكُلِّ ما ذُكِرَ فيه تَشْبِيهُ الحجِّ بالدَّيْنِ، وسنَذْكُرُها في هذا البابِ إن شاء الله.
-
وأجمَعَ علماءُ المسلمين أنَّ الحجَّ غيرُ واجِبٍ على من لَمْ يَبْلُغ مِنَ الرجالِ والنساء (٢) . وقال داودُ: الحجُّ واجِبٌ على العَبْدِ. وقال سائِرُ الفقهاء: لا حَجَّ عليه (٣) .
وقال الشافعيُّ (٤) : "الاسْتِطاعَةُ على وجهين، أحدُهما: أن يكونَ مُستَطيعًا ببَدَنِه، واجِدًا من مَالِه ما يُبَلِّغُه الحجَّ بزادٍ وراحِلَةٍ. واحتَجَّ بحديثِ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المذكُور. قال: والوجْهُ الآخَرُ، أن يكونَ مَعْضُوبًا ببَدَنِه لا يَقْدِرُ أن يَثْبُتَ على
ج ٦ ص ٢٤٢مَرْكَبٍ (١) بحالٍ، وهو قادرٌ على من يُطِيعُه إذا أمَرَه أن يحُجَّ عنه بطاعَتِه له، أو مَن يَسْتَأجِرُه، فيكونُ هذا ممن لزِمَه فَرْضُ الحجِّ؛ لأنَّه قادِرٌ بهذا الوجْهِ. قال: ومعرُوفٌ مِن لسانِ العربِ أن يقُولَ الرجلُ: أنا مُستَطِيعٌ أنْ أبْنيَ دارًا، أو أخيطَ ثَوْبًا، يعني: بالإجارَةِ، أو بِمَنْ أطاعه". واحتَجَّ بحديثِ الخثْعَمِيَّة؛ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ هذا المذكُورِ في هذا البابِ.
وقال مالكٌ (٢) : كلُّ من قَدَرَ على التَّوَصُّلِ إلى البَيْتِ، وإقامَةِ المناسِكِ بأيِّ وجْهٍ قَدَرَ، بزادٍ وراحِلَةٍ، أو ماشِيًا على رجْلَيْه، فقد لزمَه فَرْضُ الحجِّ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ بمَرَضٍ أو زَمَانَة، فليس بمُخَاطَبٍ في الحجِّ. هذا مَذْهَبُ مالكٍ وأصْحابِه.
-
واتَّفَقَ مالكٌ (٣) وأبو حنيفةَ (٤) أن المعضُوبَ الذي لا يَسْتَمْسِكُ على الراحلةِ ليس عليه الحجُّ. وممن رُويَ عنه مثلُ قولِ مالكٍ: عكرمةُ، والضَّحّاكُ بنُ مُزاحِم.
-
والمعضُوبُ: الضَّعِيفُ الهَرِمُ، الذي لا يَقْدِرُ على النُّهُوضِ (٥) ، وقال الخليلُ (٦) : رجُلٌ مَعْصُوبٌ (٧) كأنما لويَ ليًّا، والمعْصُوبُ الذي كادَتْ أمعاؤه (٨) تنتشرُ (٩) جوعًا.
- ج ٦ ص ٢٤٣
أخبرني أبو عبدِ الله محمدُ بنُ خَليفَة، قال: حَدَّثَنَا أبو الحَسَن محمدُ بنُ نافِع المكيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزاعِيُّ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المُقريّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا حيوةُ وابنُ لهيعَةَ، قالا: حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بنُ شَريكٍ، قال: سَمِعْتُ عكرمةَ مَوْلى ابنِ عباسٍ يقولُ في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} ، قال: السَّبِيلُ: الصِّحَّةُ (١) .
وقال الضَّحّاكُ: إذا كان شابًّا فليُؤاجِرْ نَفْسَه بأكْلِه وعَقبِه حتى يَقْضيَ نُسُكَه (٢) .
-
ومن حُجَّةِ مالكٍ أيضًا ومَنْ ذهَبَ مَذْهَبَه: عُمومُ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} . فبأيِّ وجْهٍ استطَاعَ ذلك بنَفْسِه وقَدَرَ، فقد لزِمَه الحجُّ، وليس استطاعةُ غيرِه استطاعةً له، والحجُّ عندَه وعندَ أصْحابِه من عَمَلِ الأبْدَانِ، فلا ينُوبُ فيه أحَدٌ عن أحَدٍ، قيَاسًا على الصَّلاةِ، وحَمَلَ بعضهم حديثَ الخثْعَميَّة على أنَّ ذلك على الاستحبَابِ لمن شاء، لا على أداء واجِبٍ (٣) . واحتَجُّوا بحديثِ عبدِ الرَّزَّاقِ (٤) ، عن الثوريِّ، عن سليمانَ الشيبانيِّ (٥) ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رجلًا سألَ النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: أحُجُّ عن أبي؟ قال: "نَعَمْ، إن لَمْ تَزدْه خيرًا، لَمْ تزدْه شرًّا" (٦) .
ج ٦ ص ٢٤٤قال أبو عُمر: أمَّا هذا الحديثُ، فقد حملُوا فيه على عبدِ الرَّزَّاقِ لانفِرَادِه به عن الثَّورِيِّ من بينِ سائرِ أصْحابِه، وقالوا: هذا حديثٌ لا يوجدُ في الدُّنْيا عندَ أحدٍ بهذا الإسنادِ، إلَّا في كتابِ عبدِ الرَّزاقِ (١) ، أو في كتابِ مَن أخرَجَه من كتابِ عبدِ الرَّزاقِ، ولم يَرْوِه أحَدٌ عن الثَّوْريِّ غيرُه (٢) ، وقد خطَّئُوه فيه، وهو عندَهم خطأٌ (٣) . وقالوا: هذا لفْظٌ مُنكَرٌ لا يُشْبِهُ ألفَاظَ النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ أن يأمُرَه بما لا يَدْري هل يَنْفَعُ أو لا يَنْفَعُ.
-
حدَّثني خَلَفُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدٍ (٤) ، قال: حَدَّثَنَا
ج ٦ ص ٢٤٥أحمدُ بنُ خالدٍ (١) ، قال: حَدَّثَنَا عُبيْدُ بنُ محمدٍ الكشْوَرِيُّ، قال: لَمْ يَرْو حديثَ الشيبانيِّ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أحدٌ غيرُ عبدِ الرَّزاق، عن الثَّوْريِّ، ولم يَرْوه عن الثَّوْريِّ لا كُوفي ولا بَصْريٌّ ولا أحَدٌ.
قال أبو عُمر: أمَّا ظاهِرُ إسْنادِ هذا الحديثِ فظاهِرٌ جميلٌ، لأنَّ الشيبانيَّ ثقةٌ، وهو سليمانُ بنُ أبي سليمانَ، ورَوى عنه شُعْبة، والثَّوريُّ، وهُشَيْم. وكذلك يَزيدُ بنُ الأصَمِّ ثِقَةٌ، ولكنَّه حديثٌ لا يُوجَدُ عندَ أصحابِ الثَّوْريِّ الذين هم أعْلَمُ بالثَّوْريِّ من عبدِ الرَّزّاق، مثلَ: القطّانِ، وابنِ مَهديٍّ، وابنِ المُبارَكِ، ووكيع، وأبي نُعَيْم، وهؤلاء جِلَّةُ أصحابِ الثَّوْريِّ في الحديثِ، وعبدُ الرَّزَّاقِ ثقةٌ، فإنْ صَحَّ هذا الخبَرُ، ففيه حُجَّةٌ لمالكٍ وأصحابِه فيما تأوَّلُوه في حديثِ الخثْعَمِيَّة (٢) ، وَيُدخَلُ عليهم منه، لأنَّهم لَمْ يجعَلُوه أصلًا يَقِيسُون (٣) عليه، ولا يُجيزُون صَلاةَ أحَدٍ عن (٤) أحَدٍ، ولا يقُولون فيها: إنَّها إنْ لَمْ تَزِد المُصَلَّى عنه خيرًا، لَمْ تَزِدْه شرًّا. كما في هذا الخبَرِ في الحجِّ.
-
ومن حُجَّةِ مالِكٍ وأصْحابِه أيضًا: الإجماعُ على أنَّ الفقيرَ إذا وصَلَ إلى البَيْتِ بخِدْمَةِ الناسِ، أو بالسُّؤالِ، أو بأيِّ وجْهٍ وصَلَ إليه، فقد تعيَّنَ عليه الفَرْضُ، ووجَبَ عليه الحجُّ، وأنَّه إذا أيْسَرَ، فلا قَضَاء عليه.
-
ومِن قولِ مالكٍ وأصْحابِه أيضًا: أنَّ الذي لا زادَ له ليس عليه الحجُّ،
ج ٦ ص ٢٤٦وإن كان قادرًا على المشي (١) ، إذا لَمْ يكُنْ مِن عَادَتِه السُّؤالُ والتَّبذُّلُ، فإن حَجَّ أجْزَأه. فإن قيل: إنَّ الفَقِيرَ إذا وصَلَ إلى البَيْتِ فقد تعيَّنَ عليهِ الفَرْضُ ولزِمَه؛ لأنَّه مُسْتَطيعٌ حينَئذٍ. قيل له: لو كان الحجُّ لا يَجبُ فَرْضًا إلَّا على مَنْ مَلَكَ زادًا وراحلةً لما تَعيَّن فَرْضُه على الفقيرِ بدُخُولِه مكَّةَ، كما لا يتعيَّنُ فَرْضُه على العَبْدِ بدُخُولِه مكَّةَ، ولو كان الزَّادُ والراحلةُ مِنْ شَرائِطِ الوجُوبِ لاسْتَوى فيه حَاضِرُو المسجدِ الحرام وغيرُهم، كما استَوَوا في الحريةِ والبُلُوغ الذي لا يجُوزُ الحجُّ إلَّا بهما. ويُدْخَلُ على قائلي هذا القولِ أنَّ العِلَّةَ في العبيدِ باقيةٌ لَمْ تَزُلْ؛ وهي الرِّقُ، وعِلَّةُ الذي لَمْ يَسْتَطِعْ ثم اسْتَطاعَ قد زالَتْ.
-
ومِن حُجَّةِ الشافعيِّ ومَنْ قال بقولِه: حديثُ شُعْبَة، عن النُّعمانِ بنِ سالم، عن عَمْرِو بنِ أوسٍ، عن أبي رَزِينٍ العامِريِّ، أنَّه قال: يا رسولَ الله، إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستَطِيعُ الحجَّ والعُمْرَةَ، قال: "احْجُجُ عن أبِيكَ واعْتَمِرْ" (٢) .
-
ورَوى مَعْمَرٌ، عن الحكِم بنِ أبان، عن عكرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رجلٌ: يا نَبِيَّ الله، إنَّ أبي ماتَ ولم يحُجَّ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: "أرأيْتَ لو كان على أبِيكَ دَيْنٌ، أكُنْتَ قاضِيَه؟ " ، قال: نعم، قال: "فدَيْنُ الله أحَقُّ" (٣) .
-
وأخبرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ أسَدٍ، قال: حَدَّثَنَا حمزَةُ بنُ محمدٍ، قال: حَدَّثَنَا
ج ٦ ص ٢٤٧أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال (١) : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا جَريرٌ، عن مَنْصور، عن مجاهدٍ، عن يوسُفَ بنِ الزبيرِ، عن عبدِ الله بنِ الزبيرِ، قال: جاء رجلٌ من خَثْعَمَ إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: إنَّ أبي شَيْخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الرُّكوبَ، وأدْرَكَتْه فَريضَةُ الله في الحجِّ (٢) ، فهل يُجزئُ أن أحُجَّ عنه؟ قال: "أنتَ أكبرُ ولَدِه؟ " ، قال: نعم، قال: "أرأيْتَ لو كان عليه دَيْنٌ، أكُنْتَ تَقْضِيه؟ " ، قال: نعم، قال: "فحُجَّ عنه" (٣) .
-
ورَوى هُشَيْمٌ، عن يحيى بنِ أبي إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَ حديثِ ابنِ الزبيرِ هذا سواءً.