ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر أحد عشر حديثا، منها واحد مرسل وعشرة متصلة مسندة
٣١٩ فقرة، ج ٦ ص ٩٦
الصفحة ٨ من ٨
- ج ٦ ص ٢١٧
وأجمَع المسلمون على ذلك في كثيرِه (١) ، وإن اختلَفوا في معانٍ مِن قليلِه، وقد مضى القولُ واضحًا في الماء في بابِ إسحاقَ بنِ أبي طَلْحةَ عندَ ذكرِ حديثِ وُلوغ الهِرّةِ في الإناء (٢) ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه هاهنا.
قال أبو عُمر: أجمَع المسلمون على أنَّ بَولَ كلِّ آدميٍّ يأكلُ الطعامَ نَجِسٌ (٣) .
-
واختلَف العلماءُ في بَولِ الصبيِّ والصبيةِ إذا كانا مُرضَعين لا يأكلان الطعامَ:
فقال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأصحابُهما (٤) : بَولُ الصبيِّ والصبيةِ كبَولِ الرجلِ، وهو قولُ الثوريِّ والحسنِ بنِ حيٍّ.
وقال الأوزاعيُّ: لا بأسَ ببَولِ الصبيِّ ما دام يشرَبُ اللبنَ، ولا يأكلُ الطعامَ. وهو قولُ عبدِ الله بنِ وَهْبٍ صاحبِ مالكٍ.
وقال الشافعيُّ (٥) : بَولُ الصبيِّ ليس بنَجِسٍ حتى يأكلَ الطعامَ، ولا يَبينُ لي فرقُ ما بينَه وبينَ الصبيةِ، ولو غُسِل كان أحبَّ إلي.
وقال الطبريُّ: بولُ الصبيِّ يُتبعُ ماءً، وبولُ الصبيةِ يُغسلُ غَسلًا. وهو قولُ الحسنِ البصريِّ.
ج ٦ ص ٢١٨وقال سعيدُ بنُ المسيِّب: الرشُّ بالرشِّ، والصبُّ بالصبِّ من الأبوالِ كلِّها (١) .
قال أبو عُمر: احتجَّ مَن ذهَب مذهبَ الأوزاعيِّ والشافعيِّ بهذا الحديثِ، ولا حجةَ فيه؛ لأنَّ النضحَ يحتملُ أن يكونَ أراد به صبَّ الماءِ، ولم يُردْ به الرشَّ، وهو الظاهرُ من معنَى الحديثِ؛ لأنَّ الرشَّ لا يَزيدُ النجاسةَ إلا شَرًّا (٢) .
-
ومن الدليلِ على أنَّ النَّضْحَ قد يكونُ صبَّ الماء والغَسلَ من غيرِ عَرْكٍ، قولُ العربِ: غسَلتْني السماءُ، وما رُوي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إني لأعلمُ أرضًا يُقالُ لها: عُمانُ، يَنضحُ بناحيتِها البحرُ، بها حيٌّ من العربِ، لو أتاهم رسُولي ما رمَوه بسهم ولا حجرٍ" (٣) .
- ج ٦ ص ٢١٩
وقد جاءتْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أحاديثُ فيها التفرقةُ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ؛ منها: ما روَاه قتادةُ، عن أبي حربِ بنِ أبي الأسودِ، عن أبيه، عن عليٍّ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: "يُغسلُ بولُ الجاريةِ، ويُنضحُ على بولِ الغلام" (١) . قال قتادةُ: ما لم يَطعَما الطعامَ، فإذا أُطعِما الطعامَ غُسِلا جميعًا.
- ج ٦ ص ٢٢٠
ومنها: ما روَاه سِماكُ بنُ حربٍ، عن قابوس بنِ أبي المُخارقِ، عن لُبابةَ بنتِ الحارثِ، أنَّ الحسنَ بنَ عليِّ بال على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقلتُ: أعطني ثوبَك أغسلْه. فقال: "إنما يُغسلُ من الأنثى، ويُنضحُ من بولِ الذَّكرِ" (١) .
-
وهذا عندَ جميعِهم ما لم يأكُلا (٢) الطعامَ، فقال جماعةٌ من أهلِ الحديثِ: فالتفرقةُ بينَ بولِ الغلامِ والجاريةِ، ما لم يأكلا الطعامَ، على هذه الآثارِ وما كان مثلَها. والنضحُ على بولِ الغلام عندَهم: الرشُّ.
-
ومن حجتِهم ما روَاه عبدُ الرحمن بنُ مهدي، قال: حدَّثنا يحيى بنُ الوليد، قال: حدَّثنا مُحلُّ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثني أبو السَّمْح خادمُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتي بحَسَنٍ أو حُسينٍ فبالَ عليه، قال: فجئتُ لأغسلَه، فقال: "يُغسلُ من بولِ الجاريةِ، ويُرشّ من بولِ الغلام" (٣) .
ج ٦ ص ٢٢١قال أبو عُمر: القياسُ أنْ لا فرقَ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ، كما أنه لا فرقَ بينَ بولِ الرجلِ والمرأةِ (١) ، إلَّا أنَّ هذه الآثارَ إن صحَّت، ولم يعارضْها عنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلُها، وجَب القولُ بها، إلَّا أنَّ روايةَ مَن روَى الصبَّ على بولِ الصَّبيِّ وإتباعَه الماءَ أصحُّ وأولى، وأحسنُ شيءٍ عندي في هذا البابِ (٢) ما قالت أمُّ سَلَمة.
-
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى، قال: حدَّثني عُبيدُ الله (٣) بنُ حَبابةَ، قال: حَدَّثَنَا البغويُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجعدِ، قال (٤) : أخبَرني المباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ، قالت: بولُ الغلام يُصبُّ عليه الماءُ صبًّا، وبولُ الجاريةِ يُغسلُ؛ طعِمتْ أو لَمْ تطعَمْ (٥) .
-
وهذا حديثٌ مُفسِّرٌ للأحاديثِ كلِّها، مُستعملٌ لها، حاشا حديثَ المُحِلِّ
ج ٦ ص ٢٢٢ابنِ خليفةَ الذي ذكر فيه الرشَّ، وهو حديثٌ لا تقومُ به حجةٌ، والمُحِلُّ ضعيفٌ (١) .
-
وإذا صُبَّ على بولِ الغلام، وغُسِل بولُ الجاريةِ، وقد علِمنا أنَّ الصبَّ قد يُسمَّى نَضْحًا، كان الفرقُ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ الرَّضِيعين ما بينَ الصبِّ والعَرْكِ تعبُّدًا، وكان وجهًا حَسَنًا، وهو أولى ما قِيل به في هذا البابِ، على ما رُوي عن أمِّ سلمةَ، وباللّه التوفيق.
-
وقد كان الحَسنُ البَصْريُّ، لصحَّة هذا الحديثِ عندَه - وهو روايتَه (٢) - يعتمدُ عليه ويفتي به.
-
روى حُميدٌ الطويلُ، عن الحَسن، أنَّه قال في بول الصَّبية: يُغسَلُ غسلًا، وبولُ الصَّبي يُتبَعُ بالماء (٣) ، وهذا أولى ما قيل به في هذا الباب، واللّهُ الموفِّقُ للصَّواب.
- ج ٦ ص ٢٢٣
حديثٌ حاديَ عشَرَ لابن شِهاب، عن عُبيدِ الله
مالكٌ (١) ، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ بنِ مسعود، أنَّ رجلًا من الأنصارِ جاء إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجاريَةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمِنةً، فإن كُنْتَ تَراها مُؤْمنةً أعتَقْتُها، فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أَتَشْهَدِين أنْ لا إلهَ إلَّا الله؟ " ، قالت: نعم، قال: "فتَشْهَدِين أنَّ محمدًا رسولُ الله؟ " ، قالت: نعم، قال: "أتُوقِنِينَ (٢) بالبَعْثِ بعدَ الموت؟ " ، قالت: نعم، قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أعْتِقْهَا" (٣) .
-
هكذا روَى يحيى (٤) هذا الحديثَ، فجَوَّد لفظَه. ورواه ابنُ بُكيْرٍ وابنُ القاسم (٥) بإسنادهِ مثلَه، إلَّا أنَّهما لَمْ يَذْكُرا: فإن كُنْتَ تَراها مؤمنةً. قالا: يا رسولَ الله، عليَّ رقبةُ مؤمنةُ، أفأُعْتِقُ هذه؟
-
ورواه القَعْنَبيُّ (٦) بإسنادِه مثلَه، وحذَف منه: إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً. وقال: إنَّ رجلًا من الأنصارِ إلى رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجاريةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، أأعْتِقُها؟ فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أتشْهَدِين؟ " . وذكر الحديثَ. وفائدةُ الحديثِ قولُه: إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً. ولم يذكُرْه القَعْنَبيُّ.
- ج ٦ ص ٢٢٤
ورَواه ابنُ وَهْبٍ، عن يونُسَ بنِ يزيدَ ومالكِ بنِ أَنَسٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُبيدِ الله، أنَّ رجلًا من الأنصارِ أتَى إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجاريَةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، أفأُعْتِقُ هذه؟ وساق الحديثَ إلى آخِرِه مثلَ روايَة ابنِ القاسِم وابنِ بُكَيْرٍ سواءً، لَمْ يقلْ: فإنْ كنتَ تَراها مُؤْمِنةً أعْتَقتُها (١) .
-
ولم يختَلِفْ رواةُ "المُوطَّأ" في إرسالِ هذا الحديث، ورَواه الحُسَيْنُ (٢) بنُ الوليد، عن مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بلفظِ حديثِ "الموطأ" سواءً. وجعَلَه مُتَّصِلًا عن أبي هريرةَ مُسندًا (٣) .
-
ورَواه الحُسَينُ هذا أيضًا، عن المسعوديِّ (٤) ، عن عونِ بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتبةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مثلَه. إلَّا أنَّه زاد في حديث المسعوديِّ: فقال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أعْتِقْهَا، فإنَّها مؤمنةٌ" (٥) ، وليس في "الموطأ" : "فإنَّها مؤمنةٌ" .
- ج ٦ ص ٢٢٥
وهذا الحديثُ وإن كان ظاهِرُه الانقِطاعَ في روايةِ مالكٍ، فإنَّه محمُولٌ على الاتِّصالِ؛ للقاء عُبيْدِ الله جماعَةً من الصحابَةِ (١) .
-
وقد رَواه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله، عن رجلٍ من الأنصارِ، أنَّه جاء بأمَةٍ له سوداء، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، فإن كُنْتَ تَرى هذه مؤمنةً أعْتَقْتُها (٢) . وساقَ الحديثَ بمثلِ روايَةِ يَحيى إلى آخرِها، وروايَةُ معمَرٍ ظاهِرُها الاتِّصالُ.
-
ورَوى هذا الحديثَ عن عُبيدِ الله: عَوْنُ بنُ عبدِ الله أخُوه، فجَعَله عن أبي هريرةَ، وخالَفَ في لفظِه وفي مَعْناه.
-
حدَّثني أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرَّحمن، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال (٣) : حَدَّثَنَا عاصمُ بنُ عليٍّ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا أبو بكرٍ محمدُ بنُ أبي (٤) العوَّام،
ج ٦ ص ٢٢٦قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالا (١) : أخبرنا المسعوديُّ، عن عونِ بنِ عبدِ الله، عن عبُيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عتبةَ، عن أبي هريرةَ، قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بجاريَةٍ أعْجَميَّةٍ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عليَّ رقبةً مؤمنةً، أفأُعْتِقُ هذه؟ فقال لها رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أين اللهُ؟ " ، فأشارَتْ إلى السَّماء، فقال لها: "فمَن أنا؟ " ، فأشارَت إليه وإلى السَّماء، أي: أنت رسولُ الله، قال: "أعْتِقْها، فإنَّها مؤمنةٌ" .
-
وهذا المعنى رَواه مالكٌ (٢) ، عن هلالِ بنِ أسامةَ، وسيأتي القولُ فيه في بابِ هِلالٍ (٣) إن شاء الله.
-
وفي حديثِ مالكٍ هذا من الفقهِ: أنَّ من شرطِ الشهادةِ التي بها يُخرَجُ من الكفرِ إلى الإيمانِ، مع الإقرارِ بأنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله، الإقرارَ بالبعثِ بعدَ الموتِ، وقد أجْمَع المسلمون على أنَّ من أنْكَر البعثَ فلا إيمانَ له ولا شَهادَةَ (٤) ، وفي ذلك ما يُغْني ويكْفي، مع ما في القرآنِ من تأكيدِ الإقرارِ بالبعثِ بعدَ الموتِ، فلا وجْهَ للإكثارِ في ذلك.
-
وفيه: أنَّ من جعَلَ على نفسِه رقبةً مؤمنةً نَذَرَ أن يُعْتِقَها، أو وجَبَتْ عليه من كفارَةِ قتل، لَمْ يُجزِئْه غيرُ مؤمنةٍ، وإنَّما قُلْنا: من نذرٍ أو كفارَةِ قتل؛ لأنَّ كفَّارَةَ الظِّهارِ والأيْمانِ قد اختُلِف في ذلك، فقيل: إنَّه يُجزئ فيها غيرُ مؤمنةٍ. وللكلام في ذلك موضعٌ غيرُ هذا.
-
وروَى يزيدُ بنُ هارونَ، عن هشام، عن الحسنِ، قال: كلُّ شيءٍ في كتابِ الله:
ج ٦ ص ٢٢٧{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: ٩٢] ، فمَن قد صام وصلَّى وعقَل، وإذا قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} فما شاء (١) .
-
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ من شَهِد أن لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فهو مؤمنٌ إذا كان قلبُه مُصَدِّقًا لما يَنْطِقُ به لسانُه.
-
وفيه: دليلٌ على أنَّ من شَهِد بهذه الشهادةِ، جاز عتقُه عمَّن عليه رقبةٌ مؤمِنةٌ، وإن لَمْ يكنْ صام وصلَّى، وكذلك الطفلُ بينَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْن؛ لأنَّ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يسألِ الجاريَة عن غيرِ الشهادةِ، كما في الحديث (٢) .
-
وقد احتَجَّ بهذا الحديثِ من قال: إنَّ الإيمانَ قولٌ وإقرارٌ دُونَ عَمَل (٣) . وظاهِرُه فيه دَليلٌ على ذلك، لكن هاهنا دلائِلُ غيرُ هذا الحديثِ تَدُلُّ على أنَّ الإيمانَ قولٌ وعَمَلٌ، يأتي ذكرُها في بابِ ابنِ شهابٍ، عن سالم (٤) إن شاء الله.
-
وأمَّا قولُ من قال من أهلِ العلم: إنَّ من كانت عليه رقبةٌ مؤمنةٌ من كفارَةِ قتلٍ أو غيرِ ذلك، فإنَّه لا يُجزِئ فيه إلَّا من صامَ وصَلَّى وعقَل الإيمانَ. فمَحْمَلُ ذلك عندَ أهلِ العلم مُدافَعَةُ جَوازِ عتقِ الطفلِ في كفارَةِ القتل (٥) .
-
وممن رُوي عنه أنَّه لا يُجزئ في كفارةِ القتلِ إلَّا من صام وصلَّى وعَقَل الإيمانَ، وأنَّه لا يُجزئ الطفلُ وإن كان أبوَاه مؤمِنَين: ابنُ عباسٍ (٦) ، والشعبيُّ (٧) ،
ج ٦ ص ٢٢٨والحسنُ (١) ، والنَّخعيُّ (٢) ، وقتادة (٣) .
-
ورُوي عن عطاءٍ قال: كلُّ رقبةٍ وُلِدَت في الإسلام فهي تُجزئ (٤) . وهو قولُ الزهريِّ فيمَن أحَدُ أبوَيْهِ مسلمٌ.
قال الأوزاعيُّ: سألتُ الزهريَّ: أيجزئُ عتقُ الصَّبيِّ المرضَع في كفارةِ الدم؟
قال: نعم؛ لأنَّه وُلِد على الفِطْرَةِ (٥) . وهو قولُ الأوزاعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كان أحَدُ أبوَيْهِ مؤمنًا، جاز عِتْقُه في كفارَةِ القتل (٦) .
-
وهو قولُ الشافعيِّ (٧) ، إلَّا أنَّ الشافعيَّ يَسْتَحِبُّ ألا يُعتِقَ إلَّا من يتكلَّمُ بالإيمانِ.
-
واخْتَلَف قولُ مالِكٍ وأصحابِه على هذين القولَيْن (٨) ، إلَّا أنَّ مالِكًا يُراعى إسْلامَ الأبِ، ولا يَلْتَفِتُ إلى الأُمِّ.
-
وأمَّا الصبيُّ من السَّبْي، فسنذْكُرُ حُكْمَه في الصلاةِ عليه إذا مات، في بابِ أبي الزِّنَادِ (٩) إن شاء الله.
وقال سفيانُ الثوريُّ فيما روى عنه الأشْجَعيُّ، قال: لا يُجزئ في كفارةِ القتلِ الصبيُّ، ولا يُجزئ إلَّا رقبةٌ مسلمةٌ؛ من صام وصلَّى.
ج ٦ ص ٢٢٩قال أبو عُمر (١) : وأجمَع علماءُ المسلمين أنَّ من وُلد بينَ أبوَيْنِ مُسْلِمَيْن وإن لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الاخْتيارِ والتَّمْييزِ، فحُكْمُه حُكْمُ الإيمانِ في الموارَثَةِ والصلاةِ عليه إن مات، وما يَجِبُ له وعليه في الجناياتِ والمناكَحاتِ (٢) .
-
حدَّثني خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ جعفرِ بنِ الوردِ وعُمرُ بنُ محمدِ بنِ القاسِم، قالا: حَدَّثَنَا بكرُ بنُ سَهْلٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ صالح، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} . قال: من قد عَقَل الإيمانَ وصامَ وصلَّى (٣) .
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سليمانَ وموسى بنُ معاويةَ، قالا: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان في القرآنِ من رقبةٍ مؤمنةٍ، فلا يُجزئ إلَّا من صام وصلَّى، وما كان في القرآنِ رقبةً ليست بمُؤمِنةٍ، فالصبيُّ يُجزئ (٤) .
-
وعبد الرَّزاق (٥) عن الثَّوري، عن الأعمش، عن إبراهيم مثلَه، إلَّا أنه قال: قد صلّى، وما لَمْ تكن مؤمنةً فيُجزئُ من لَمْ يُصلِّ، لَمْ يذكر الصِّيام.
-
والذي عليه الفقهاء: أنَّ عِتقَ الصَّبيِّ الذي أبواه مؤمنانِ يُجزئُ وإنِ استَحَبُّوا البالغَ.