ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث
٤٦٦ فقرة، ج ٦ ص ٣٣٥
الصفحة ١١ من ١٢
- ج ٦ ص ٤٩٩
ورَوَى هذا الحديثَ جَماعةٌ من أصْحابِ ابن شِهاب، عن ابن شِهاب (٢) ، عن سالم، عن ابن عُمرَ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنما هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يَخْطُبُ. الحديث سواءً؛ منهُم: مَعْمر وأبو أُوَيس، وغيرُهُما، ويقولُون: إنَّ سماعَ أبي أُوَيسٍ من ابن شِهابٍ مع مالكٍ واحِدٌ (٣) ، وإنَّ عَرْضَهُما كان على ابن شِهابٍ واحِدًا.
-
فأمّا حديثُ مَعْمر، فذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن مَعْمر.
-
وأمّا حديثُ أبي أُويسٍ: فحدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ الشّاميُّ، قال: حدَّثنا أبو أُويس، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بَيْنا هُو قائمٌ للخُطبةِ يومَ الجُمُعةِ، فذكر الحديث.
-
وعندَ ابن شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ حديثٌ آخرُ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ
ج ٦ ص ٥٠٠رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل" ؛ رواهُ جماعةٌ، عن ابن شِهاب، منهُم: مَعْمرٌ (١) ، وابنُ عُيينة (٢) .
-
ورواهُ الزُّبيديُّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل" (٣) .
-
وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ في المُوطَّأ بهذا الإسنادِ، وهُو عِندهُ (٤) ، عن نافع، عن ابن عُمرَ.
-
وهذا الحديثُ أيضًا عِند الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من جاء مِنكُمُ الجُمُعةَ فلْيغتسِل" (٥) ، وليس عِندهُ حديثُ ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بينما هُو يخطُبُ. وقد يُمكِنُ أن يكونَ ذلك كلُّهُ حديثًا واحِدًا، واللهُ أعلمُ.
-
وعِند الأوزاعيِّ في هذه القِصَّةِ حديثُ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ؛ حدَّثناهُ محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن أبي حسّان، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن حبيب، قال: حدَّثنا الأوزاعيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: حدَّثنا أبو سَلمةَ،
ج ٦ ص ٥٠١عن أبي هُرَيرةَ، قال: بينا عُمرُ بن الخطّابِ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فدخلَ عُثمانُ بن عفّان المسجِدَ، فعرَّضَ به عُمرُ، فقال: ما بالُ رِجال يتأخَّرُونَ بعد النِّداءِ؟ فقال عُثمانُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، ما زِدتُ حينَ سمِعتُ النِّداء، أن توضَّأتُ ثُمَّ أقبلتُ، فقال عُمرُ: والوُضُوءَ أيضًا؟ أوَلَمْ تَسمعُوا أنّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إذا أرادَ أحدُكُمُ الجُمُعةَ فليَغْتسِل" (١) ؟
-
ففي هذا الحديثِ: أنَّ الرَّجُلَ: عُثمانُ بن عفّان، ولا أعلمُ خِلافًا بين أهلِ الحديثِ (٢) والسِّيرِ في ذلك، أنَّهُ عُثمانُ بن عفّان، وكذلك قال مالكٌ في سماع ابن القاسم منهُ.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن مَعْمر، عن الزُّهْريِّ، عن سالم، عن أبيهِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينا هُو قائمٌ يومَ الجُمُعةِ يخطُبُ، فدخلَ رجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فناداهُ عُمرُ: أيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: إنِّي شُغِلتُ اليومَ، فلَمْ أنْقلِب إلى أهلي. حتّى سمِعتُ النِّداء، فلم أزِدْ أن توضَّأتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءَ أيضًا؟ وقد علِمتَ أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمُرُ بالغُسل. قال مَعْمرٌ: الرَّجُلُ هُو عُثمانُ بن عفّان.
-
وأخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، عن حُسينٍ. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ داسَةَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن
ج ٦ ص ٥٠٢الأشْعَثِ، قال (١) : حدَّثنا أبو تَوْبةَ الرَّبيعُ بن نافِع، قال: حدَّثنا مُعاويةُ. جميعًا عن يحيى - يعني: ابنَ أبي كثر - قال: أخبرني أبو سَلَمةَ، أنَّ أبا هُرَيرةَ أخبرهُ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينما هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذ دخلَ رجُلٌ، فقال عُمرُ: أتَحْتَبِسُون عن الصَّلاةِ؟ فقال الرَّجُلُ: ما هُو إلّا أن سَمِعتُ النِّداء، فتَوضَّأتُ. فقال عُمرُ: والوُضُوءَ أيضًا؟ ألم تسمعُوا أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إذا أتَى أحدُكُمُ الجُمُعةَ فلْيَغتسِل" ؟
-
وقرأتُ على سَعيدِ بن نصر وعبدِ الوارِثِ بن سُفيان، أنَّ قاسم بن أصْبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سابِق، قال: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن أبي هُريرة، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ بينا هُو يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، إذ دخلَ عُثمانُ بن عفّان. فذكر الحديث (٢) .
-
وقد روى هذا الخبرَ: ابنُ عبّاس، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ أخبرنا إسماعيلُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن العبّاسِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الحميدِ الغَضائريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أبي عُمر العَدَنيُّ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بن السَّريِّ، عن عُمرَ بن الوليدِ الشَّنِّيِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاس، قال: جاء رجُلٌ والنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "يَلْهُو أحدُكُم، حتّى إذا كادتِ الجُمُعةُ تفُوتُهُ، جاءَ يَتَخطَّى رِقاب النّاسِ يُؤذيهِم" . فقال: ما فَعَلتُ يا رسُولَ الله، ولكن كُنتُ راقِدًا، ثُمَّ اسْتَيقظتُ، فقُمتُ وتوضَّأتُ، ثُمَّ أقبلتُ. فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -:
ج ٦ ص ٥٠٣"أو يومَ الجُمُعةِ وُضُوءٌ! " (١) . هكذا حُدِّثتُ (٢) به مرفُوعًا، وهُو عِندي وهمٌ، لا أدري مِمَّن، واللهُ أعلمُ. وإنَّما القِصَّةُ محفُوظةٌ لعُمر، لا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن ابن جُريج، قال: أخبَرني عَمرُو بن دينارٍ، أنَّ عِكْرِمةَ مولى ابن عبّاسٍ أخبرهُ: أنَّ عُثمان بن عفّان جاءَ وعُمرُ يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ. فذكر الحديثينِ، كحديثِ ابن عُمر وأبي هُريرة، بمعنًى واحِدٍ.
قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: "أيَّةُ ساعةٍ هذه" فلم يُرِدِ الاسْتِفهامَ، وإنَّما هُو توبيخٌ في لفظِ الاسْتِفهام، معرُوفٌ في لسانِ العربِ، تقُولُ إذا أنْكَرتَ القولَ أوِ الفِعلَ: أيُّ شيءٍ هذا؟ ومنهُ قولُ عُمر أيضًا لعبدِ الله بن عيّاشِ بن أبي رَبِيعةَ: أنتَ قائل: لمكَّةُ خير من المدينة (٤) !
-
وأمّا قولُهُ: "يا أميرَ المُؤمِنين انْقَلبتُ من السُّوقِ" فإنَّ عُمرَ بن الخطّابِ رضي اللهُ عنهُ أوَّلُ من دُعي بأميرِ المُؤمِنين، وإنَّما كانَ يُقالُ لأبي بكرٍ رضي اللهُ عنهُ: خَلِيفةُ رسُولِ الله، وكان يُقالُ لعُمرَ: خَلِيفةُ أبي بكرٍ، حتّى تَسمَّى بهذا الاسم.
-
وكان السَّببُ في ذلك، ما حدَّثناهُ أبو القاسم خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو أحمد الحُسينُ بن جعفرٍ الزِّيّاتُ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو زكريّا يحيى بن أيُّوب بن بادي (٥) العلّافُ. وحدَّثنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عُثمان، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن صالح، قالا: حدَّثنا عَمرُو بن خالد، قال: حدَّثنا يَعقُوبُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن مُوسى بن عُقبةَ،
ج ٦ ص ٥٠٤عن الزُّهْريِّ: أنَّ عُمر بن عبدِ العزيزِ سألَ أبا بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمَةَ (١) : لأيِّ شيءٍ كان أبو بكرٍ يكتُبُ: من خَلِيفةِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -. وكان عُمرُ يكتُبُ: من خَلِيفةِ أبي بكرٍ. ومن أوَّلُ من كتبَ: عبدُ الله أميرُ المُؤمِنين؟ فقال: حدَّثتني الشِّفاءُ - وكانت من المُهاجِراتِ الأُوَلِ: أنَّ عُمرَ بن الخطّاب كتب إلى عامِلِ العِراقِ: ابْعَث إليَّ برجُلينِ جَلْدَينِ نَبِيلينِ، أسألهُما عن العِراقِ وَأهلِهِ. فبعثَ إليه عامِلُ العِراقِ بلَبيدِ بن رَبِيعةَ وعديِّ بن حاتِم، فلمّا قَدِما المدينةَ أناخا راحِلتَيْهِما بفِناءِ المسجِدِ، ثُمَّ دخلا المَسْجِد، فإذا هُما بعَمرِو بن العاصِ، فقالا لهُ: استأذِن لنا يا عَمرُو على أميرِ المُؤمِنين. فقال عَمرٌو: أنتُما أصبتُما اسمهُ، نحنُ المُؤمِنُون، وهُو أميرُنا. فوثَبَ عَمرٌو، فدخلَ فقال: السَّلامُ عليكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ، فقال عُمرُ: وما بَدا لك يا ابنَ العاص في هذا الاسم، ربِّي يعلمُ، لتخرُجَنَّ مِمّا قُلتَ. فقال: إنَّ لبيدَ بن ربيعةَ وعَدِيَّ بن حاتِم قَدِما، فأناخا راحِلتَيْهِما بفِناءِ المَسجِدِ، ثُمَّ دَخَلا المَسْجِدَ، فقالا لي: اسْتَأذِنْ لنا يا عَمرُو على أميرِ المُؤمِنين، فهُما والله أصابا اسْمَكَ، أنتَ الأميرُ، ونحنُ المُؤمِنُونَ. قال: فجَرَى الكِتابُ من يَومِئذٍ. قال يعقُوبُ: وكانتِ الشِّفاءُ جدَّة أبي بكر بن سُليمان (٢) .
-
وفي الحديثِ في هذا البابِ أيضًا: شُهُودُ الخيارِ والفُضلاءِ السُّوقَ ومُعاناة التَّجْرِ فيه، وهكذا كان المُهاجِرُون يُعانُون المُتاجِر؛ لأنَّهُ لم يكُن لهُم حِيطانٌ ولا غَلّاتٌ يَعْتمِرُونها، إلّا بعد حين، وكانتِ الأنصارُ ينظُرُونَ في أموالهِم ويَعْتمِرُونها.
- ج ٦ ص ٥٠٥
وفي هذا كلِّهِ دليلٌ على طلبِ الرِّزقِ، والتَّعرُّضِ لهُ والتَّحرُّفِ.
-
وفيه: أنَّ السُّوقَ يومَ الجُمُعةِ لم يكُنِ النّاسُ يُمنَعُونَه، ومن تَجرَ فيه إلى وقتِ النِّداءِ، فإنَّ ذلك مُباحٌ إلى ذلك الوقتِ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أمرَ بتركِ البَيْع وبُطلانِ المتاجِرِ بعدَ سماع النِّداءِ، للسَّعيِ إلى ذِكرِ الله، لا لغيرِ ذلك.
قال ابنُ القاسم: قال مالكٌ (١) : لا أرى أن يُمنَعَ أحدٌ الأسواقَ يومَ الجُمُعةِ؛ لأنَّها كانت قائمةً في زَمنِ عُمرَ بن الخطّابِ في ذلك الوقتِ. قال: والذّاهِبُ إلى السُّوقِ عُثمانُ. قيل لهُ: أيُمنعُ النّاسُ السُّوقَ قبلَ الأذانِ يومَ الجُمُعةِ؟ قال: لا.
-
وفيه دليلٌ على أنَّ من أوامِرِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ما يَكُونُ على غيرِ الوُجُوبِ فرضًا، وهذا معرُوفٌ في القُرآنِ والسُّنَّةِ في أوامِرِ الله وأوامِرِ رسُولِهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقد أكثرَ النّاسُ في كُتُبِ الأُصُولِ من إيضاح ذلك، فكرِهتُ ذِكرَهُ هاهُنا.
-
ومن الدَّليلِ على أنَّ أمرَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بالغُسلِ يومَ الجُمُعةِ ليس بفَرْضٍ واجِب: أنَّ عُمرَ في هذا الحديثِ لم يأمُرْ عُثمانَ بالانصِرافِ للغُسلِ، ولا انصرَفَ عُثمانُ حين ذكَّرهُ عُمرُ بذلك، ولو كان الغُسلُ واجِبًا فرضًا للجُمُعةِ، ما أجْزَأتِ الجُمُعةُ إلّا بهِ، كما لا تُجزِئُ الصَّلاةُ إلّا بوُضُوءٍ للمُحدِثِ، أو بالغُسلِ للجُنُبِ، ولو كان كذلكَ، ما جَهِلهُ عُمرُ ولا عُثمان.
-
وفي هذا كلِّهِ (٢) ما يُوضِّحُ لكَ أنَّ قولَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ، وحديثِ أبي هُريرة: "غُسْلُ الجُمُعةِ واجِبٌ على كلِّ مُحتلِم، كغُسلِ الجنابة" (٣) .
- ج ٦ ص ٥٠٦
وتفسيرُهُ: أنَّهُ وُجُوبُ سُنَّة واسْتِحباب، وفَضِيلة، وأنَّ قولَهُ: "كغُسلِ الجنابةِ" أرادَ به الهيئةَ والحالَ (١) والكيفيَّةَ، فمِن هذا الوجهِ وقعَ التَّشبيهُ بغُسلِ الجنابةِ، لا من جِهَةِ الوُجُوبِ، فافهَمْ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا هُدْبةُ، قال: حدَّثنا همّامٌ، عن قَتادةَ، عن الحَسنِ، عن سَمُرةَ بن جُندُب، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضَّأ يومَ للجُمُعةِ فبِها ونِعْمَت، ومنِ اغْتَسلَ، فالغُسلُ أفضلُ" (٢) ، وقد ذكَرْنا شَرْحَ لفظِ هذا الحديثِ عن أهلِ اللُّغةِ في بابِ صفوانَ بن سُلَيْم.
-
وقد أجمعَ المُسلِمُونَ قديمًا وحديثًا على أنَّ غُسلَ الجُمُعةِ ليس بفَرْضٍ واجِب، وفي ذلك ما يَكْفي ويُغني عن الإكثارِ.
-
ولا يجُوزُ على الأُمَّةِ بأسرِها جَهلُ معنى السُّنَّةِ ومعنى الكِتاب، وهذا مفهُومٌ عِند ذوي الألباب، إلّا أنَّ العُلماءَ معَ إجماعِهِم على أنَّ غُسلَ الجُمُعةِ ليس بفرضٍ واجِب، اختلفُوا فيه: هل هُو سُنّةٌ مسنُونةٌ للأُمَّة أم هُو اسْتِحبابٌ وفضل، أو كان لعِلَّةٍ فارْتَفعت، وليس بسُنَّة؟ فذهب مالكٌ والثَّوريُّ وجماعةٌ
ج ٦ ص ٥٠٧من أهلِ العِلم (١) : أنَّ غُسِلَ الجُمُعةِ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ؛ لأنَّها قد عَمِلَ بها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والخُلفاءُ بعدهُ والمُسلِمُون، فاسْتَحبُّوها (٢) ونَدبُوا إليها.
-
وهذا سبيلُ السُّنَنِ المُؤكَّدة (٣) .
-
فمن حُجَّةِ مَن ذهبَ هذا المَذْهبَ: حديثُ ابنِ عُمر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "مَن جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِلْ" ، رواهُ سالمٌ (٤) ونافِعٌ (٥) ، عن ابن عُمر.
-
وهذا الأمرُ عندَهُم على النَّدبِ كما ذكرنا، ومِمّا يدُلُّ على أنَّهُ على النَّدبِ: حديثُ سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "منِ اغتسلَ يومَ الجُمُعةِ غُسلَ الجَنابةِ ثُمَّ راحَ، فكأنَّما قَرَّب بَدَنةً" (٦) .
-
وفي معنى حديثِ سُميٍّ في هذا الحديثِ، حديثُ أوس بن أوسٍ الثَّقفيِّ (٧) ، وحديثُ عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاص (٨) ، وآثارٌ كثيرةٌ تدُلُّ على فضلِهِ وتندُبُ إليه.
- ج ٦ ص ٥٠٨
ومِثلُ حديثِ ابن عُمر: "من جاءَ مِنكُمُ الجُمُعة فلْيغتسِل" حديثُ ابن شِهاب، عن عُبيدِ بن السَّبّاقِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال في جُمُعةٍ من الجُمَع وهُو على المِنْبرِ: "يا مَعْشرَ المُسلِمينَ، إنَّ هذا يومٌ جَعلهُ اللهُ عيدًا للمُسلِمين فاغْتَسِلُوا، ومَن كان عندَهُ طِيبٌ فلا يَضُر أن يَمَسَّ منهُ، وعليكُم بالسِّواك" (١) .
-
فقد أمَرَهُم في هذا الحديثِ بالغُسلِ، وأخْذِ الطِّيبِ، والسِّواكِ، وليس واحِدٌ منهُما واجِبًا فِعلُهُ فرضًا، وكلُّ ذلك حسنٌ معرُوفٌ، مرغُوب فيه، مندُوبٌ إليه.
-
وقدِ اختُلِف عن مالكٍ في هذا الحديثِ، وسنذكُرُ ذلك في مَوْضِعِهِ، من كِتابِنا هذا إن شاء اللهُ.
-
ومثلُ ذلك من الآثارِ في غُسلِ الجُمُعةِ: ما رواهُ ابنُ وهب، عن عَمْرو بن الحارِثِ، عن سعيدِ بن أبي هِلال وبُكيْرِ بن الأشجِّ، عن أبي بكر بن المُنكدِرِ، عن عَمرو بن سُليم، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ على كلِّ مُحتلِم، والسَّواكُ، ويَمَسُّ من الطِّيبِ ما قدرَ عليه" .
-
ذكرهُ النَّسائيُّ (٢) وأبو داود (٣) ، جميعًا عن محمدِ بن سلَمةَ المُراديِّ، عن ابن وهبٍ.
-
ومِثلُهُ أيضًا: حديثُ بُكيْرِ بن الأشجِّ، عن نافِع، عن ابن عُمر، عن حَفْصةَ،
ج ٦ ص ٥٠٩عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "على كلِّ مُحتلِم رَواحٌ إلى الجُمُعةِ، وعلى من راح إلى الجُمُعةِ الغُسلُ" . ذكرهُ أبو داود (١) .
-
ومِثلُهُ أيضًا: ما رواهُ مُفضَّلُ بن فَضالَةَ، عن يحيى بن أيُّوب، عن خالدِ بن يزيدَ، عن عبدِ الله بن مَسْرُوح (٢) ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "على من راحَ إلى الجُمُعةِ الغُسلُ، كما يغتسِلُ من الجَنابة" (٣) ، حدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا فَضالةُ بن مُفضَّلِ بن فَضالةَ، قال: حدَّثني أبي، فذكرهُ.
-
وحديثُ أبي الزُّبيرِ، عن جابر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَر نحوَ ذلك أيضًا، حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤) : حدَّثنا حُميدُ بن مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا بِشر، قال: حدَّثنا داودُ
ج ٦ ص ٥١٠- وهُو ابنُ أبي هِندٍ - عن أبي الزُّبيرِ، عن جابر، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "على كلِّ رجُلٍ مُسلِم في كلِّ سَبْعةِ أيّام غُسلُ يوم، وهُو يومُ الجُمُعة" .
-
فهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على وُجُوبِ سُنَّة، لما قدَّمنا من دليلِ حديثِ عُمر وعُثمانَ المذكُورِ في هذا البابِ، ودليلِ الإجماع، وغيرِ ذلك ممّا ذكرنا.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (١) ، عن ابن جُريج، قال: سألتُ عطاءً فقلتُ لهُ: الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ واجِبٌ؟ قال: نعم، ومَن تركهُ فليس بآثِم.