ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر تسعة أحاديث
٤٦٦ فقرة، ج ٦ ص ٣٣٥
الصفحة ١٢ من ١٢
- ج ٦ ص ٥١٠
وذَهَبت طائفةٌ من أهلِ العِلم، إلى أنَّ الغُسلَ يومَ الجُمُعةِ ليس بواجِبٍ وُجُوبَ سُنَّة، وليس بسُنَّة، وأنَّ الطِّيبَ يُغني عنهُ، وأنَّ الأمرَ به إنَّما كان لعِلَّةٍ قد زالت. واحتجُّوا بأنَّ ابنَ عُمرَ روى هذا الحديث في الأمرِ بغُسلِ الجُمُعةِ، وفسَّرهُ بهذا التَّفسيرِ.
-
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالِبٍ التَّمْتامُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عبدِ الواحِدِ المَوْصِليُّ بالموصِل، قال: حدَّثنا يحيى بن سُليم، عن إسماعيلَ بن أُميَّةَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، قال: كان النّاسُ يغدُونَ في أعمالِهِم، فإذا كانتِ الجُمُعةُ جاؤُوا وعليهم ثياب رَدِيئةٌ، وألوانُها مُتغيِّرة. قال: فشَكَوْا ذلك إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من جاءَ مِنكُم الجُمُعةَ فليَغْتسِلْ، وليتَّخِذ ثوبَيْنِ سِوى ثَوْبَيْ مِهْنتِه" (٢) .
- ج ٦ ص ٥١١
وذَكَر مالكٌ (١) ، عن نافِع، عن ابنِ عُمر: أنَّهُ كان لا يرُوحُ إلى الجُمُعةِ إلّا ادَّهنَ وتَطيَّبَ، إلّا أن يكونَ حرامًا (٢) . ولم يذكُرِ الغُسلَ.
-
وهذه عائشةُ رضي اللهُ عنها رَوَت في ذلك ما ذكرنا عنها، ورُوي عنها أيضًا، أنَّها قالت: يُغتسلُ من أربع: من الجَنابةِ، والجُمُعةِ، والحِجامةِ، وغُسلِ الميِّتِ. وهُو حديثٌ ليس بالقويِّ (٣) .
-
وكانت تذهبُ في غُسلِ الجُمُعةِ إلى أنَّهُ ليس بواجِب، وتذكُرُ في العِلَّةِ ما ذَكَر ابنُ عُمر.
-
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ،
ج ٦ ص ٥١٢عن عائشةَ، قالت: كان النّاسُ مُهّانَ (١) أنفُسِهِم، فيرُوحُون إلى الجُمُعةِ بهيئتِهم، فقيلَ لهم: لوِ اغْتَسلتُم (٢) .
-
وذكر الشّافِعيُّ (٣) وعبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن ابنِ عُيينةَ، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: إنَّما كان النّاسُ عُمّالَ أنفُسِهِم، وكانوا يرُوحُون بهيئتِهم، فقيلَ لهُم: لَوِ اغْتَسلتُم (٥) .
-
وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامة، قال: حدَّثنا الفَضْلُ بن دُكين، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، مِثلَهُ سواءً (٦) .
-
وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب (٧) ، قال: أخبرنا محمُودُ بن خالد، عن الوليدِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن العلاءِ بن زَبْر، أنَّهُ سمِعَ (٨) القاسمَ بنَ محمدِ بن أبي بكر، أنَّهُم ذَكَرُوا غُسْلَ يوم الجُمُعةِ عندَ عائشةَ، فقالت: إنَّما كان النّاسُ يسكُنُون العاليةَ، فيَحْضُرُونَ الجُمُعةَ وبهم وَسَخٌ، فإذا أصابهُمُ الرَّوحُ (٩) سطَعت أرواحُهُم، فيتأذَّى بهِمُ النّاسُ، فذُكِرَ ذلك لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أولا يَغْتسِلُون؟ " .
- ج ٦ ص ٥١٣
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن رَوْح المدائنيُّ، قال: أخبرنا شَبابةُ بن سَوّارٍ، قال: حدَّثنا أبو زَبْرٍ (١) ، قال: حدَّثنا القاسمُ بن محمد، عن عائشةَ، أنَّهُ ذُكِر عندَها غُسلُ الجُمُعة، فقالت: سُبحانَ الله! إنَّما كان النّاسُ يَسْكُنُون العاليةَ. فذكَرَ مِثلَهُ.
-
وجاء عن ابنِ عبّاسٍ في ذلك كالذي جاء عن ابنِ عُمرَ وعائشةَ: أخبرني عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمد، عن عَمْرو بن أبي عَمْرٍو (٣) ، عن عِكرِمةَ: أنَّ ناسًا من أهل العِراقِ جاؤُوا فقالوا: يا ابن عبّاس، الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ واجِب؟ قال: لا، ولكِنَّهُ أطهرُ وخَيْرٌ لمنِ اغتسلَ، ومن لم يَغْتسِلْ فليسَ عليه بواجِب، وسأُخبِرُكَ كيف كان بَدْءُ الغُسل: كان النّاسُ مَجْهُودينَ يَلْبَسُون الصُّوفَ، ويعمَلُونَ على ظُهُورِهِم، وكان مَسْجِدُهُم ضيِّقًا مُتقارِبَ السَّقْفِ، إنَّما هُو عَرِيشٌ، فخرجَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم حارٍّ وعَرِقَ النّاسُ في ذلكَ الصُّوفِ، حتّى ثارت منهُم رياحٌ، آذَى بذلكَ بعضُهُم بعضًا، فلمّا وجدَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تِلكَ الرِّيحَ، قال: "أيُّها النّاسُ، إذا كان هذا اليومُ فاغْتَسِلُوا" .
- ج ٦ ص ٥١٤
ثُمَّ جاء اللهُ بالخيرِ، ولبِسُوا غيرَ الصُّوفِ، وكُفُوُا العملَ، ووُسِّعَ مسجِدُهُم، وذهبَ بعضُ (١) الذي كان يُؤذي بعضُهُم بعضًا من العَرَق.
-
وحدَّثنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن سعدٍ (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمْرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثني سُليمانُ بن بلال، قال: حدَّثني عَمْرُو بن أبي عَمرٍو، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عبّاس، قال: الغُسلُ يومَ الجُمُعةِ ليس بواجِب، ومنِ اغتسلَ فهُو خيرٌ وأطهرُ. ثُمَّ قال: كان النّاسُ على عهدِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يَلْبَسُون الصُّوفَ، وكان المسجِدُ ضيِّقًا مُتقارِبَ السَّقفِ، فخرجَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم صائفٍ شديدِ الحرِّ، ومِنبرُهُ صغيرٌ، إنَّما هُو ثَلاثُ دَرَجات، فخطَبَ النّاسَ، فعَرِقَ النّاسُ في الصُّوفِ فصارَ يُؤذي بَعضُهُم بعضًا، حتّى بلَغَت أرواحُهُم رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهُو على المِنْبرِ، فقال: "يا أيُّها النّاسُ، إذا كانَ هذا اليومُ فاغْتَسِلُوا، ولْيَمَسَّ أحدُكُم أطيبَ ما يجِدُ من طيبِه، أو دُهنِه" (٣) .
-
وأبو سعيدٍ الخُدريُّ رَوى وُجُوبَ غُسلِ الجُمُعة (٤) ، وقد رَوَينا عنهُ ما يدُلُّ على أنَّهُ ليس بواجِب.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٥) ، عن عُمر (٦) بن راشِد، عن يحيى بن أبي كثير، عن
ج ٦ ص ٥١٥أبي سلَمةَ، قال: سمِعتُ أبا سعيدٍ يقولُ: ثَلاثٌ هُنَّ على كلِّ مُسلِم في يوم الجُمُعةِ: الغُسلُ، والسَّواكُ، ويَمَسُّ طيبًا إن وَجَدَ.
-
ومعلُومٌ أنَّ الطِّيبَ والسَّواكَ ليَسا بواجِبينِ، فكذلك الغُسلُ.
-
ورَوَينا عنهُ مرفُوعًا أيضًا، ما حدَّثناه عبدُ الوارِثِ بن سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم (١) ، قال: حدَّثنا صالحُ بن مالكٍ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن بَدْر، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيد، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أتى الجُمُعةَ فتوضَّأَ فبها ونِعْمَتْ، ومنِ اغتسلَ فالغُسلُ أفضلُ" (٢) .
-
وهذا الحديثُ ذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٣) ، عن الثَّوريِّ، عن رجُل، عن أبي نَضْرةَ، عن جابر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَهُ.
-
وقد روى يزيدُ بنُ أبانَ الرَّقاشيُّ، عن أنس، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِثلَهُ (٤) .
-
ورواهُ قَتادةُ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٥) ، وحديثُ الحَسنِ
ج ٦ ص ٥١٦عن سَمُرةَ، وإن كان الحسنُ لم يَسْمع من سَمُرةَ - فيما يقولُون، إلّا حديثَ العَقِيقةِ - أحسنُها إسنادًا، وقد قِيلَ (١) : إنَّهُ سمِعَ من سمُرةَ غيرَ حديثِ العَقِيقةِ، وإلى هذا ذهبَ البُخاريُّ.
-
وقولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "من توضَّأ يومَ الجُمُعةِ، فبها ونعْمَتْ، ومنِ اغتسَلَ فالغُسلُ أفضلُ" بيانٌ واضِحٌ على سُقُوطِ وُجُوبِهِ، وأنَّهُ فضيلةٌ وسُنّةٌ مُستحبَّة.
-
وكان الشّافِعيُّ (٢) يقولُ: إنَّهُ سُنَّةٌ، ويَحْتجُّ بحديثِ سَمُرةَ ومن تابعهُ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، في تفسيرِ وُجُوبِهِ، وبقولِ عائشةَ وما أشبههُ.
-
ومِن أثبتِ حديثٍ في سُقُوطِ غُسلِ الجُمُعةِ، وهُو حديثٌ لم يَخْتلِفُوا في صِحَّةِ إسناده: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من توضَّأ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الجُمُعةَ، واستمعَ وأنْصَتَ، غُفِر لهُ ما بين الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، وزيادةُ ثلاثةِ أيّام، ومن مسَّ الحَصا فقد لَغا" .
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤) ، عن الثَّوريِّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كانوا يَروْنَ غُسلًا واجِبًا إلّا غُسلَ الجَنابة، وكانوا يَسْتحِبُّون غُسلَ الجُمعة.
ج ٦ ص ٥١٧قال عبدُ الرَّزّاق (١) : وأخبرنا الثَّوريُّ، عن سعدِ بن إبراهيم، عن عُمر بن عبدِ العزيزِ، عن رجُل من أصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، قال: حقُّ الله على كلِّ مُسلِم أن يَغْتسِلَ في كلِّ سبعةِ أيّام يومَ الجُمُعةِ، وأن يَسْتَنَّ، وأن يُصيبَ من طيبِ أهلِهِ. قال عبدُ الرَّزّاقِ: وهُو أحبُّ القولينِ إلى سُفيان، يقولُ: هُو واجِبٌ، يعني: وُجُوبَ سُنَّة.
-
وذكر عبدُ الرَّزّاق (٢) ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن مِسْعَر، عن (٣) وبَرَةَ، عن همّام بن الحارِثِ، عن ابنِ مسعُودٍ: أنَّ الغُسلَ يومَ الجُمُعةِ سُنّةٌ.
-
وهذا أوْلى ما قيلَ به في هذا البابِ، وبالله التَّوفيقُ، وهُو المُسْتعانُ.