ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، حديثان

٥٩ فقرة، ج ٧ ص ١٣٤

الصفحة ١ من ٢

  1. واسمُ أبي إدريس (١) هذا: عائذُ الله (٢) بن عبدِ الله، لا يختلِفُونَ في ذلكَ، وهُو مشهُورٌ بكُنيتِهِ، من أهلِ الشّام، من ساكِني دِمشقَ، من كِبارِ التّابِعين بها.

    قال أبو (٣) مُسهِر: كان من أرفَع التّابِعينَ في العِلم بدِمشقَ، مِمَّن صحِبَ أبا الدَّرداء: أبو إدريس الخَوْلانيُّ.

    قال: وكان عالِمَ أهلِ الشّام بعد أبي الدَّرداءِ.

    ج ٧ ص ١٣٤
  2. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ عائذِ الله بن عبدِ الله الخَوْلانيِّ.

  3. وذكَرَ ابنُ أبي خَيْثمةَ أيضًا، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، قال: أدركتُ عُبادةَ بنَ الصّامت، ووَعَيتُ عنهُ، وأدركتُ أبا الدَّرداء ووَعَيتُ عنه، وأدركتُ (٤) شدّادَ بن أوسٍ، وفاتني مُعاذٌ (٥) .

  4. وحدَّثني خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُمرَ الدِّمشقيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٦) : حدَّثنا الوليدُ بن عُتْبةَ، قال: حدَّثنا ابن أبي السّائبِ، عن أبيه، عن مكحُول، قال: ما رأيتُ مِثلَ أبي إدريسَ.

    ج ٧ ص ١٣٥وقال أبو زُرعةَ (١) : قلتُ لعبدِ (٢) الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، يعني دُحَيمًا: أيُّ الرَّجُلينِ عِندكَ أعلمُ: جُبيرُ بن نُفَيرٍ الحَضْرميُّ، أو (٣) أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ؟ قال: أبو إدريسَ عِندي المُقدَّمُ. ورفَعَ من شأنِ جُبيرٍ لإسنادِهِ وأحاديثه، ثُمَّ ذكرَ أبا إدريسَ فقال: لهُ من الحديثِ ما لهُ، ومِن اللِّقاءِ، واستِعمالِ عبدِ الملكِ إيّاهُ على القَضاءِ بدِمشقَ.

  5. حديثٌ أوَّلُ لابنِ شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ

    مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشَنيِّ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أكلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حَرامٌ" .

    ج ٧ ص ١٣٦
  6. هكَذا قال يحيى في هذا الحديثِ، بهذا الإسْناد: "أكْلُ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حَرامٌ" ، ولم يُتابِعهُ على هذا أحَدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" في هذا الإسنادِ خاصَّةً، وإنَّما لفظُ حديثِ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن أبي إدريسَ، عن أبي ثَعْلبةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع.

  7. وأمّا اللَّفظُ الذي جاءَ به يحيى في هذا الإسْنادِ، فإنَّما هُو لفظُ حديثِ مالكٍ، عن إسماعيلَ بن أبي حَكيم، عن عَبيد بن (٢) سُفيانَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرناهُ في بابِ إسماعيل من هذا الكِتابِ، وذكَرْنا الحُكمَ في التَّحريم والنَّهي، وما جاءَ في ذلكَ من افْتِراقِ المعاني واجْتِماعِها، وما للعُلَماءِ في ذلكَ من المذاهِبِ هُناكَ، والحمدُ لله.

  8. وأبو ثعلبةَ الخُشنيُّ: قد ذَكَرناهُ في كِتابِنا في الصَّحابةِ (٣) بما يُغني عن ذكرِهِ هاهُنا.

  9. وهذا الحديثُ رواهُ جَماعةُ أصحابِ ابن شِهابٍ عنهُ، فيما عَلِمتُ، بمِثلِ رِوايةِ مالكٍ سواءً في إسنادِهِ ومتنِه: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي

    ج ٧ ص ١٣٧نابٍ من السِّباع، إلّا أبا أُوَيسٍ (١) ، فإنَّهُ وافَقَهُم في الإسنادِ، وخالَفهُم في المتنِ، فزادَ فيه ألفاظًا سنذكُرُها هاهُنا إن شاءَ الله.

  10. ومِمَّن رَواهُ عن ابن شِهابٍ كرِوايةِ مالكٍ سواءً:
  11. معمرٌ (٢) ، وابنُ عُيينةَ، ويُونُسُ، وعُقيل، وعبدُ العزيزِ بن أبي سلَمةَ، وشُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ، واللَّيثُ بن سعدٍ، وزاد فيه صالحُ بن أبي الأخضِر، عن ابن شِهاب: وَطْءَ الحَبالَى، ولُحُومَ الحُمُرِ الأهليَّةِ، بإسْنادِهِ سَواءً. وسنذكُرُ أيضًا حديثَ صالح إن شاءَ الله.

  12. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣) : حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ، قال: حدَّثني أبو ثَعْلبةَ، وكان قد أدرَكَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وسمِعَ منهُ، قال: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع.

  13. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع.

  14. وكذلك رواهُ سائرُ من ذكَرْنا غيرَ أبي أُويسٍ، وصالح بن أبي الأخْضرِ.

  15. فأمّا حديثُ أبي أُوَيس: فحدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن مَسْلمةَ، قال: حدَّثنا أبو أُوَيس، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ،

    ج ٧ ص ١٣٨قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخَطْفةِ (١) ، والنُّهبةِ، والمُجثَّمةِ (٢) ، وعن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع (٣) .

  16. وهذا اللَّفظُ إنَّما يُحفَظُ من حديثِ أبي الدَّرداءِ، وهُو حديثٌ ليِّنُ الإسْنادِ؛ رواهُ عبدُ الرَّحيم بن سُليمانَ، عن أبي أيُّوبَ الإفْرِيقيِّ، عن صَفْوانَ بن سُلَيم، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّهُ نَهَى عن أكْلِ المُجثَّمةِ، والنُّهبةِ، والخَطْفةِ، وعن أكلِ كلِّ ذي نابِ من السِّباع. قال: والمُجَثَّمةُ: التي تُصبَرُ (٤) بالنَّبل (٥) .

  17. وقد رَوَى الثَّوريُّ، عن سُهَيلِ بن أبي صالح، عن عبدِ الله بن يزيد (٦) ، قال: أرسلُوني إلى سعيدِ بن المُسيِّبِ أسألُهُ عن لُحُوم السِّباع، فكرِهَها، فقال شيخٌ

    ج ٧ ص ١٣٩عِندهُ: سمِعتُ أبا الدَّرداءِ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلِّ ذي خَطْفةٍ، وعن كلِّ مُجثَّمةٍ، وعن كلِّ نُهْبةٍ، وعن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، فقال: سعيدٌ. صدَقَ (١) .

    قال أبو عُمر: ما أدري كيفَ مخرجُ هذا الحديثِ عن سعيدِ بن المُسيِّبِ؛ لأنَّ ابنَ شِهابٍ كان يقولُ: لم أسمَعْ بحديثِ النَّهيِ عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع حتَّى قدِمتُ الشّام.

  18. حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدٌ بن الصَّبَّاح، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيّ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. قال سُفيانُ: قال الزُّهْريُّ: ولم أسمَعْ هذا حتَّى أَتَيْتُ الشّامَ (٢) .

  19. وحدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُزيزٍ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سلامةُ بن رَوْح، عن عُقَيلِ بن خالدٍ، قال: قال ابن شِهاب: أخبر ني أبو إدريسَ الخولانيُّ، وهُو عائذُ الله بن عبدِ الله، أنَّهُ سمِعَ أبا ثَعْلبةَ الخُشنيَّ يقولُ: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع.

    ج ٧ ص ١٤٠قال ابن شِهاب: ولم أسْمَعْ ذلكَ من عُلمائنا بالحِجازِ، حتَّى حدَّثني به أبو إدريسَ الخولانيُّ، وكان من فُقهاءِ أهلِ الشّام (١) .

  20. وحدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن مُغيثٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدِ بن المُسْتَفاضِ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن مُوسى الأنْصاريُّ، قال: حدَّثني أنسُ بن عِياضٍ، قال: حدَّثني يُونُسُ بن يزيدَ الأيليُّ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ سُئلَ عن ألبانِ الأُتُنِ، وأبْوالِ الإبِلِ، ومَرار السَّبُع، فقال: أمّا أبوالُ الإبِلِ، فقد كانَ المُسلِمُونَ يَتَداوَونَ بها ولا يرونَ بها بأسًا، وأمّا ألبانُ الأُتُنِ، فقد بَلَغنا: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن لُحُومِها، ولا أرَى (٢) ألبانَها التي تخرُجُ من لُحُومِها ودِمائها إلّا نَحْوَها، والله أعلمُ. وأمّا مَرارةُ السَّبُع، فإنَّهُ أخبرني أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، أنَّ أبا ثَعْلبةَ الخُشنيَّ أخبرهُ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع. ولم أسْمَعْ ذلكَ عن أحدٍ من عُلمائنا، فإن كانَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنها، فلا خيرَ في مَرارتها (٣) .

  21. وحدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بكرٍ العبديُّ، عن صالح، وهُو ابن أبي الأخْضَرِ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيّ: أنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى يومَ خَيْبرَ عن المُتْعةِ، وأن تُوطَأ الحَبالَى، وعن لُحُوم

    ج ٧ ص ١٤١الحُمُرِ الأهليَّةِ، وعن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ (١) .

  22. ورواهُ صالحُ بن كَيْسانَ، عن ابن شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي ثَعْلبةَ الخُشنيِّ، قال: حرَّمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لُحُومَ الحُمُرِ الأهليَّةِ (٢) . لم يَزِد على ذلكَ.

  23. ورَواهُ صالحُ بن أبي الأخْضرِ، وليسَ مِمَّن يُحتجُّ به في الزُّهْريِّ، وصالحُ بن كَيْسانَ، وإن كان ثِقةً، فإنَّهُ أخْطَأ في هذا، لأنَّ أصْحابَ الزُّهْريِّ الثِّقات: مالكًا، وابنَ عُيينةَ، ومَعْمرًا، ويونُسَ، وعُقيلًا، لم يذكُرُوا في هذا الإسنادِ غيرَ النَّهيِ عن أكْلِ كلِّ ذي النّابِ من السِّباع.

  24. وأمّا تحريمُ الحُمُرِ الأهليَّةِ، فإسنادُهُ قد تقدَّم لابنِ شِهاب، عن عبدِ الله والحسنِ ابْنَيْ محمدِ بن عليٍّ، عن أبيهما، عن عليٍّ، من رِوايةِ مالكٍ (٣) وغيرِهِ، ولا يصِحُّ فيه عنهُ غيرُ ما ذكَرْنا هُناكَ.

  25. وكذلكَ لا يصِحُّ عن ابن شِهاب بإسنادِهِ المذكُورِ في هذا البابِ، إلّا ما قالَهُ مالكٌ ومن تابَعهُ، من النَّهي عن أكْلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، دُونَ ذِكْرِ (٤) تَحْريم الحُمُرِ الأهليَّةِ، وإنَّمَا يُوجَدُ لفظُ حديثِ صالح بن أبي الأخْضَرِ، من مُرسَلِ سعيدِ بن جُبَيرٍ (٥) ، ومِن مُرسلِ مَكْحُول (٦) (٧) .

  26. ولا يختلِفُ أهلُ العِلم بالحديثِ، أنَّ حديثَ صالح بن أبي الأخْضَرِ هذا خطَأٌ مقلُوبُ الإسنادِ والمتنِ، مُنكرٌ؛ لأنَّهُ جمَعَ فيه عن ابن شِهابٍ أحاديثَ ثلاثةً، ولا يَصِحُّ عن ابن شِهابٍ في تحريم الحُمُرِ الأهليَّةِ إسنادٌ، إلّا إسنادَ مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الله والحسنِ ابني محمدِ بن عليِّ بن أبي طالبٍ، عن أبيهما، عن عليٍّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، على ما مَضى من ذلكَ في كِتابِنا هذا، وكذلك رواهُ الحُفّاظُ الأثباتُ من أصحابِ ابن شِهابٍ عنهُ.

    ج ٧ ص ١٤٢
  27. وعِندَ ابن شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ من غيرِ رِوايَةِ مالكٍ، حديثُ الرَّبيع بن سَبْرةَ (١) ، عن أبيه، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكَرْنا ذلكَ فيما مَضَى من كِتابِنا هذا (٢) .

  28. وأمّا ما ذكرهُ ابن عُيينةَ، ويُونُسُ، وعُقيلٌ، من كلام ابن شِهاب، أنَّهُ لم يَسْمع هذا الحديثَ حتَّى دخَلَ الشّامَ، فصحيحٌ ثابتٌ وقبولٌ عِندَ أهلِ العِلْم.

  29. فهذا تهذيبُ ما في هذا الحديثِ من جِهَةِ الإسنادِ، والألْفاظِ، وتمهيدُهُ. وأمّا القولُ في مَعانيهِ، فقد مَضَى مُسْتَوعبًا مبسُوطًا مُمهَّدًا، في بابِ إسماعيل بن حَكيم، والحمدُ لله.

  30. حديثٌ ثانٍ لابنِ شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ

    مالكٌ (١) ، عن أبن شِهاب، عن أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تَوَضَّأ فَلْيَسْتنثِرْ، ومنِ اسْتَجمَرَ فَلْيُوتِرْ" .

    قال أبو عُمر: لا يَصِحُّ عن مالكٍ، ولا عن ابن شِهابٍ في هذا الحديثِ غيرُ هذا الإسْنادِ، وقد وهِمَ فيه عُثمانُ الطَّرائفيُّ، عن مالكٍ.

    ج ٧ ص ١٤٣
  31. أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ الحُسينُ بن أحمدَ بن صالح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن ناجيةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن المُفضَّلِ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهاب، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من تَوَضَّأ فَلْيَسْتنثِرْ، ومنِ اسْتَجمَرَ فليُوتِرْ" .

    قال أبو الحسنِ عليُّ بن عُمَرَ (٢) : هذا وَهَمٌ، ولا يصِحُّ فيه عن مالكٍ ولا عن الزُّهْريِّ، غيرُ حديثِ أبي إدريسَ الخَوْلانيِّ، وقد رواهُ أَسِيد بن عاصِم (٣) ، عن بشْرِ بن عُمرَ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن حُميدِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وذلكَ أيضًا خَطأٌ، والصوابُ ما في "المُوطَّأ" .

  32. وقد مَضَى القَوْلُ في الاسْتِنثارِ، وحُكمِهِ، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الأقوالِ، في بابِ حديثِ زيدِ بن أسْلَمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن الصُّنابِحيِّ.

  33. وأمّا الاسْتِجمارُ، فهُو: الاسْتِطابةُ بالأحْجارِ، ومعناهُ: إزالَةُ الأذَى من المَخْرج بالأحْجار. قال ابن الأنباريّ: معنى الاسْتِجمار: التَّمسُّحُ بالأحْجارِ، والجِمارُ عِندَ العرب: الحِجارةُ الصِّغارُ، وبه سُمِّيت جِمارُ مكَّةَ. قال: ومنهُ الحديثُ الذي يُروَى: "إذا توضَّأتَ فانْثُرْ، وإذا اسْتَجمَرْتَ فأوتِرْ" .

    قال أبو عُمر: هذا اللَّفظُ يَرويهِ منصورٌ، عن هِلالِ بن يِسَافٍ، عن سلَمَةَ بن قَيْسٍ الأشْجَعيِّ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

    قال ابن الأنْباريّ: ومعنى الوِتْرِ عِندهُم: أن يُوتِرَ من الجِمارِ، وهِيَ الحِجارةُ الصِّغارُ، يُقالُ: قد جمَّرَ الرَّجُلُ يُجمّرُ تَجْميرًا، إذا رَمَى جِمارَ مكَّةَ، قال عُمرُ بن أبي رَبِيعةَ (٢) :

    فلم أرَ كالتَّجميرِ مَنْظَرَ ناظِرٍ ... ولا كلَيالي الحجِّ أقلَتنَ (٣) ذا هَوَى

    أقلتنَ: يعني أهلَكْنَ، والقَلَتُ بفتح اللّام: الهلاكُ، ومنهُ قيل: المُسافِرُ على قَلَتٍ، إلّا ما وَقَى الله منهُ.

    قال أبو عُمر: ويُروى: أفتَنَّ ذا هوًى (٤) ، ويُفتِنَّ ذا هوًى.

    ج ٧ ص ١٤٤
  34. وهذا شِعرٌ عَرَضتْ فيه قِصَّةٌ طريفةٌ لعُمر بن أبي رَبِيعةَ مع سُليمان بن عبدِ الملكِ (١) ، وهي حِكايةٌ عَجِيبةٌ، حدَّثنيها عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُف، قال: أخبرنا العائذيُّ (٢) قال: أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ الله بن أحمد بن جعفرٍ الفَرَغانيُّ، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ أحمدُ بن عبدِ الله بن بكرِ بن عمّارٍ الثَّقفيُّ البَغْداديُّ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ الله الكُوفيُّ، عن مُصعبٍ الزُّبيريِّ، عن الضَّحّاكِ بن عُثمانَ: أنَّ سُلَيمان بن عبدِ اللكِ حجَّ في خِلافتِهِ، فأرسَلَ إلى عُمرَ بن أبي رَبِيعةَ، فأتاهُ، فقال لهُ: أنتَ القائلُ:

    وكم من قَتيلٍ لا يُباءُ به دمٌ ... ومن غَلِقٍ رهنًا إذا ضمَّهُ مِنَى

    ومِن مالِئ عينيهِ من شيءِ غيرِهِ ... إذا راح نحو الجمرةِ البيضُ كالدُّمَى

    يُسحِّبنَ أذيالَ المُرُوطِ بأسؤقٍ ... خدالٍ (٣) إذا ولَّينَ أعْجازُها رِوى

    أوانِسُ يسلُبنَ الحليمَ فُؤادهُ ... فيا طُول ما شَوْقٍ ويا حُسن مُجتلى

    فلم أُرِ كالتَّجميرِ منظرَ ناظِرٍ ... ولا كلَيالي الحجِّ أقْلَتنَ ذاهوى

    قال: نعم. قال: لا جرَمَ، والله لا تَشْهدُ الحجَّ مع النّاسِ العام. وأخرجهُ إلى الطّائفِ.

    ج ٧ ص ١٤٥
  35. وذكَرَ هذا الخبرَ محمدُ بن خَلَفٍ (٤) وكيع، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ،

    ج ٧ ص ١٤٦قال: حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ الله، قال: حَجَّ سُلَيمانُ بن عبدِ الملكِ، وهُو خَلِيفةٌ، فأرسَلَ إلى عُمَر بن أبي رَبِيعةَ، فقال لهُ: ألَسْتَ القائل:

    فكَمْ من قَتِيلٍ لا يُباءُ به دَمٌ ... ومن غَلِقٍ رهنًا إذا ضمَّهُ مِنَى

  36. فذكر الأبيات، والخبر سَواءً، إلّا أنَّهُ قال:
  37. يُسحِّبنَ أذيالَ المُرُوطِ بأسؤقٍ ... خِدالٍ وأعجازٍ مآكِمُها (١) رِوى

    ولم يذكُرِ الضَّحّاكَ بن عُثمان.

  38. وعَرَضت لهُ فيه أيضًا مع عُمر بن عبدِ العزيزِ قِصَّةٌ، يَلِيقُ بأهلِ الدِّينِ الوُقُوفُ عليها.

  39. ذكر الزُّبيرُ بن بكّارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن كُناسةَ، عن أبي بكر بن عيّاشٍ، أنَّ عُمَر بن أبي رَبيعةَ قال هذا الشِّعر في أُمِّ عُمَر بنتِ مَرْوان، في خبرٍ ذَكَرهُ.

    قال الزُّبيرُ: وحدَّثني مُصعبُ بن عُثمانَ، أنَّ عُمر بن عبدِ العزيزِ لمّا ولي الخِلافةَ، لم يَكُن لهُ همٌّ إلّا عُمرَ بن أبي ربيعةَ، والأحْوَصَ، فكتَبَ إلى عامِلِهِ بالمدينة: إنِّي قد عَرَفتُ عُمَرَ والأحْوَصَ بالخُبثِ والشَّرِّ، فإذا أتاكَ كِتابي هذا، فاشْدُدْهُما، واحمِلهُما إليَّ، فلمّا أتاهُ الكِتابُ، حَمَلهُما إليه، فأقبَلَ على عُمَرَ، ثُمَّ قال: هيهِ!

    فلم أُرَ كالتَّجميرِ منظرَ ناظِرٍ ... ولا كلَيالي الحجِّ أقلَتنَ ذا هوى

    ومِن مالِئ عَيْنيهِ من شيءِ غيرِهِ ... إذا راح نحوَ الجَمْرةِ البيضُ كالدُّمى

    أما والله، لوِ اهتَمَمتَ بحَجِّكَ لم تنظُر إلى شيءِ غيرِكَ، فإذا لم يفلتِ النّاسُ مِنكَ في هذه الأيام، فمَتَى يفلِتُونَ. ثُمَّ أمر بنَفيِهِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أو خيرٌ

    ج ٧ ص ١٤٧من ذلكَ؟ قال: ما هُو؟ قال: أُعاهِدُ الله عزَّ وجلَّ على أن لا أعُودَ لمِثْلِ هذا الشِّعرِ، ولا أذكُر النِّساءَ في شِعرٍ أبدًا، وأُجدِّدُ تَوْبةً على يدَيكَ. قال: أوتفعلُ؟ قال: نعم. فعاهَدَ الله على تَوْبتِهِ، وخلّاهُ. ثُمَّ دَعا الأحوصَ، فقال: هيهِ!

    اللهُ بَيْني وبين قيِّمِها ... يهرُبُ مِنِّي بها وأتَّبِعُ

    بلِ اللهُ بين قيِّمِها، وبينكَ. ثُمَّ أمَر بنفيِهِ، فكلَّمهُ فيه رِجالٌ من الأنْصارِ، فأبى، وقال: والله لا أرُدُّهُ ما دامَ لي سُلطانٌ، فإنَّهُ فاسِقٌ مجُاهِرٌ (١) .

  40. والتجميرُ أيضًا في لسانِ العرب: أن يُرمَى بالجُندِ في ثَغْرٍ من ثُغُورِ المُسلِمينَ، ثُمَّ لا يُؤذنُ لهم في الرُّجُوع، قال حُميدٌ الأرقطُ:

    فاليومَ لا ظُلمٌ ولا تَجْميرُ ... ولا لغازٍ إن غَزا تجميرُ (٢)

    وقال بعضُ الغُزاةِ المُجمَّرين:

    مُعاويَ إمّا أن تُجمِّر أهْلَنا ... إلينا وإمّا أن نؤُب مُعاويا

    أجمَّرتنا إجمارَ كِسْرَى جُنُودهُ ... ومَنَّيتنا حتَّى مَلِلنا الأمانيا (٣)