ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني، حديثان

٥٩ فقرة، ج ٧ ص ١٣٤

الصفحة ٢ من ٢

  1. واختلَفَ العُلماءُ في إزالةِ الأذَى من المَخْرج بالماءِ، أو بالأحْجارِ، هل هُو فرضٌ واجِبٌ، أم سُنَّةٌ مسنُونةٌ (٤) ؟

    ج ٧ ص ١٤٧
  2. فذهَبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما، إلى أنَّ ذلكَ ليس بواجِبٍ فرضًا، وإنَّهُ سُنَّةٌ لا يَنْبغي تركُها، وتارِكُهُا عمدًا مُسيءٌ، فإن صلَّى كذلكَ، فلا

    ج ٧ ص ١٤٨إعادةَ عليه، إلّا أنَّ مالكًا يستحِبُّ لهُ الإعادةَ في الوقتِ، وعلى ذلكَ أصحابُهُ. والإعادةُ في الوقتِ لَيْستْ بواجِبةٍ عِندَهُ، ولا عِندَ كلِّ من قال كقولِهِ، وإنَّما هُو اسْتِدراكٌ لما فاتَهُ من السُّنَّةِ في الوقتِ، ولو وجَبَ في السُّنَنِ أن تُعاد بعد الوقتِ، لكانَتْ كالفرائضِ في وُجُوبِها.

    وقال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ، والطَّبَريُّ: الاسْتِنجاءُ واجِبٌ، لا تُجزِئُ صلاةُ من صلَّى دُونَ أن يَسْتنجي بالأحْجارِ أو بالماء (١) .

  3. ومَوْضِعُ المَخْرج مخصُوصٌ عِندَ الجميع بالأحجارِ، وأمّا سائرُ البَدَنِ والثِّيابُ، فلا مدخَلَ للأحجارِ فيها.

  4. ويجُوزُ عِندَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، الاسْتِنجاءُ بأقلَّ من ثلاثةِ أحْجارٍ، إذا ذهَبَ النَّجسُ، لأنَّ الوِتْرَ يَقَعُ على الواحِدِ فما فوقَهُ من الوتْرِ (٢) ، والوِترُ عِندهُم مُستحبٌ، وليسَ بواجِبٍ. وإذا كان الاسْتِنجاءُ عِندهُم ليسَ بواجِبٍ، فالوِترُ فيه أحْرَى بأن لا يكونَ واجِبًا وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلكَ: "من فعَلَ فقَدْ أحسَنَ، ومن لا، فلا حرَجَ" .

  5. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا إبراهيمُ بن مُوسَى، قال: حدَّثنا عيسَى بن يُونُسَ، عن ثَوْرِ بن يزيدَ،

    ج ٧ ص ١٤٩عن الحُصينِ الحبرانيِّ (١) ، عن أبي سعيدٍ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "منِ اسْتَجمَرَ فليُوتِرْ، من فعَلَ فقد أحسَنَ، ومن لا، فلا حرَجَ ... " الحديث.

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : لا يجُوزُ أن يُقتصَرَ على أقلِّ من ثلاثةِ أحجارٍ، وهُو قولُ أحمدَ بن حَنْبل، وإلى هذا ذهَبَ أبو الفرج المالكيُّ.

  6. ومن الحُجَّةِ لهذا القَوْل: ما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٣) : أخبرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن سَلْمانَ، قال: قال لهُ رَجُلٌ: إنَّ صاحِبكُم ليُعلِّمُكُم حتَّى الخِراءةِ. قال: أجَلْ، نهانا أن نَسْتقبِلَ القِبلَةَ لغائطٍ، أو بَوْلٍ، أو نَسْتنجي بأيمانِنا، أونكتفي (٤) بأقلَّ من ثلاثةِ أحْجار.

    قال (٥) : وأخبرنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن

    ج ٧ ص ١٥٠محمدِ بن عَجْلانَ، قال: أخبرنا القَعْقاعُ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا لكُم مِثلُ الوالِدِ أُعلِّمُكُم، فإذا ذهَبَ أحدُكُم إلى الخَلاءِ، فلا يَسْتقبِلِ القِبلةَ، ولا يَسْتدبِرْها، ولا يَسْتنجي بيمينِهِ، وكان يأمُرُ بثلاثةِ أحْجارٍ، ويَنْهَى عن الرَّوثِ، والرِّمَّة" .

    وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم: كلُّ ما قامَ مَقامَ الأحْجارِ من سائرِ الأشياءِ الطّاهِرةِ، فجائز أن يُسْتنجى به، ما لم يكُن مأكُولًا (١) .

    وقال الطَّبَريُّ: كلُّ طاهِرٍ، وكلُّ نَجِسٍ أزالَ النَّجسَ (٢) أجْزَأ.

    وقال داودُ وأهلُ الظّاهِر: لا يجُوزُ الاستِنجاءُ بغيرِ الأحْجارِ الطّاهِرة (٣) .

  7. والأحجارُ عِندهُم مخصُوصةٌ بتَطْهيرِ المَخْرج، كما أنَّ المَخْرجَ مخصُوصٌ بأن يُطهَّرَ بالأحجارِ، فتُجزِئُ فيه عن الماءِ دُون ما عداهُ.

    وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: إنِ اسْتَنجى بعَظْم أجزأهُ، وبِئسَ ما صنَعَ (١) .

    وقال الشّافِعيُّ (٢) : لا يُجزِئُ، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الرَّوثِ، والرِّمَّةِ، ونَهَى أن يُسْتَنجَى بعَظْم، والرِّمَّةُ العِظامُ، فلمّا طابَقَ النَّهي، لم يَجُزْ.

    ج ٧ ص ١٥١
  8. وذكر أبو داود (٣) ، عن أحمد بن حنبل، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا زكريّا بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو الزُّبيرِ، أنَّهُ سمِعَ جابر بن عبدِ الله يقولُ: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُتَمسَّح بعَظْم أو بَعْرٍ.

  9. ولا فرقَ عِند مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِما في مَخْرج البَوْلِ والغائطِ بين المُعتاداتِ، وغيرِ المُعتاداتِ، أنَّ الحِجارةَ تُجزِئُ فيها في السَّبيلينِ جميعًا. وهُو المشهُورُ من قولِ الشّافِعيِّ (٤) .

  10. وقد رُوي عن الشّافِعيِّ (٥) : أنَّهُ لا يُجزِئُ فيما عَدا الغائطَ والبولَ إلّا الماءُ. قال: وكذلك ما عَدا المَخْرجَ وما حولَهُ، ممّا يُمكِنُ التَّحفُّظُ منهُ، فإنَّهُ لا يُجزِئُ

    ج ٧ ص ١٥٢فيه الأحجارُ، ولا يُجزِئُ فيه إلّا الماءُ، وسيأتي القولُ في المَذْيِ، وحُكم غَسْلِ الذَّكرِ منهُ، في بابِ أبي النَّضرِ إن شاءَ الله.

  11. وعِندَ أصحابِ مالك: أنَّ ما حولَ المَخْرج مِمّا لا بُدَّ منهُ في الأغلَبِ والعادَةِ، لا يُجزِئُ فيه إلّا الماءُ، وهكذا حَكَى ابن خُوَيْزمَنداد عنهُم، وقد قالت طائفةٌ: إنَّ الأحجار تُجزِئُ في مِثلِ ذلكَ، لأنَّ ما لا يُمكِنُ التَّحفُّظُ منهُ من الشَّرج، حُكمُهُ حُكمُ المَخْرج (١) .

    قال: واختلَفَ أصحابُ الشّافِعيِّ، فقالوا مرَّةً: يُجزِئُ فيه الأحْجارُ. ومَرَّةً مِثل قولِنا، وأمّا أبو حنيفةَ، وأصحابُهُ، فعَلَى أصلِهِم: أنَّ النَّجاسةَ إذا لم تَكُن رَطْبةً، تزُولُ بكلِّ ما أزالَ عَيْنها وأذْهَبها غير الماءِ، وقَدْرُ الدِّرهم، معفُوٌّ عنهُ أصلًا عِندَ جميع العِراقيِّين (٢) .

    وقال داودُ (٣) : النَّجاسةُ لا يُزيلُها غيرُ الماءُ، وإذا زالت بأيِّ وَجْهٍ زالت أجزأ، ولا يُحدُّ قدرُ الدِّرهم.

    قال مالكٌ: تجُوزُ الصَّلاةُ بالاسْتِنجاءِ بالأحْجارِ، والماءُ أحبُّ إليهِ، ويَغْسِلُ ما هُنالكَ فيما يَسْتقبِلُ (٤) .

    وقال أبو حَنِيفةَ، وأصحابُهُ (٥) : يَسْتنجي بثلاثةِ أحجارٍ، فإن لم تُنقِ زادَ، حتَّى يُنْقِيَ، وإن أنقاهُ حجرٌ واحِدٌ أجْزَأهُ، وكذلكَ غَسْلُهُ بالماءِ، إن أنقاهُ بغَسْلةٍ

    ج ٧ ص ١٥٣واحِدةٍ، وذلكَ في المَخْرج، وما عَدا المَخْرج، فإنَّما يُغسلُ بالماءِ. وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ، وأصحابِهِ. وقال الأوزاعيُّ: تجُوزُ ثلاثةُ أحْجارٍ، والماءُ أطهرُ.

    وقال الشّافِعيُّ (١) : يجُوزُ بالأحجارِ ما لم يعدُ المخرج، فإن عدا المخرج لم يجُز إلّا الماءُ.

  12. والمُهاجِرُونَ كانُوا لا يَسْتنجُون بالماءِ، وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّب (٢) .

  13. ورُوي عن حُذَيفةَ، أنَّهُ سُئلَ عن الاسْتِنجاءِ بالماءِ، فقال: إذًا لا تزالُ يدي في نَتْن (٣) .

  14. وأمّا الأنصارُ، فكانُوا يُتبِعُون الأحْجار بالماءِ، وأثْنَى الله عزَّ وجلَّ بذلكَ على أهلِ قُباءٍ.

  15. والماءُ عِندَ فُقهاءِ الأمْصارِ (٤) أطْهَرُ، وأطيبُ، والأحْجارُ رُخْصةٌ تُجزِئُ.

  16. ومِن العُلماءِ من جعَلَ الاسْتِنجاءَ واجِبًا، وسائرُ العُلماءِ يَسْتحِبُّون الوِتْرَ.

  17. وقد رَوَى ثورُ بن يزيد الشّاميُّ، عن الحُصينِ الحُبْرانيِّ (٥) ، عن أبي سعيدٍ (٦) ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنِ اكْتَحلَ فليُوتِرْ، من فعَلَ فقد

    ج ٧ ص ١٥٤أحسَنَ، ومن لا فلا حرَجَ، ومنِ اسْتَجمرَ فليُوتِرْ، ومن فعَلَ فقد أحسنَ، ومن لا، فلا حرَجَ" (١) .

  18. وذكر الحديث، وهُو حديثٌ ليس بالقويِّ، لأنَّ إسنادَهُ ليس بالقائم، فيه مجهُولُونَ، ذكرَهُ أبو داود (٢) ، عن إبراهيمَ بن مُوسى الرّازيِّ، عن عيسى بن يُونُسَ، عن ثورٍ.

  19. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ التَّمّارُ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بن العَلاءِ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن هشام، عن يُونُس بن الحارِثِ، عن إبراهيمَ بن أبي ميمُونةَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٤) : نزلَتْ هذه الآيةُ في أهْلِ قُباء: {فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: ١٠٨] . قال: وكانُوا يَسْتنجُون بالماءِ.