ابن شهاب، عن أبي أكيمة الليثي حديث واحد

١٣١ فقرة، ج ٧ ص ١٥٥

الصفحة ١ من ٤

  1. اختُلِف في اسْم ابن أُكيمةَ هذا، فقيل: عُمارةُ (١) بن أُكَيمةَ. وقيلَ: عُمرُ بن أُكَيمةَ. وقيل: عَمرٌو. وقيلَ: عامرٌ. وقيلَ: عمّارٌ. ذكر ذلكَ كلَّهُ البُخاريُّ في كِتابِهِ (٢) ، وهُو من بني ليثٍ، من أنفُسِهِم، يُكنَّى أبا الوليدِ، تُوُفِّي سنةَ إحْدَى ومئةٍ، وهُو ابن تِسْع وسَبْعينَ سنةً، فيما ذكَرَ الواقِديُّ (٣) .

    قال ابن مَعِين (٤) : حَسْبُكَ برِوايةِ ابن شِهابٍ عنهُ. وقال: زعَمَ مالكٌ، أنَّ ابن أُكَيمةَ اسمُهُ عُمرُ بن مُسلِم بن أُكَيمةَ، روى عنهُ الزُّهْريُّ حديثًا واحِدًا. قال يحيى بن مَعِين: وقد رَوَى عنهُ محمدُ بن عَمرٍو، وغيرُهُ، وقد رَوَى عن مالكٍ في حديثهِ هذا، عبّادُ بن أُكَيْمةَ، فإن صحَّ، فحسبُكَ به.

    قال أبو عُمر: الدَّليلُ على جَلالتِهِ، أنَّهُ كان يُحدِّثُ في مَجْلِسِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، وسعيدٌ يُصغي إلى حديثهِ، عن أبي هُريرةَ، وسعيدٌ أجلُّ أصحابِ أبي هُريرةَ، وذلكَ موجُودٌ في حَديثهِ هذا، من رِوايةِ ابن عُيَينةَ، وغيرِهِ، وإلى حديثِهِ ذهَبَ سعيدُ بن المُسيِّبِ في القِراءةِ خلفَ الإمام فيما يَجْهرُ فيه، وبه قال ابن شِهاب، وذلكَ كلُّهُ دليلٌ واضِحٌ على جَلالتِهِ عِندهُم، وثقتِهِ، وباللّه التَّوفيقُ.

    ج ٧ ص ١٥٥
  2. مالكٌ (١) ، عن ابن شِهاب، عن ابن أُكَيمةَ اللَّيثيِّ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - انصرفَ من صَلاةٍ جهَرَ فيها بالقِراءةِ، فقال: "هَلْ قَرَأ مَعِي أحدٌ منكُم آنِفًا؟ " فقال رَجُلٌ: نعم يا رسُولَ الله، فقال: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" قال: فانْتهَى النّاسُ عن القِراءةِ معَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جَهَرَ فيه رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من القِراءةِ في الصَّلواتِ، حينَ سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٧ ص ١٥٦
  3. هكذا روى هذا الحديث جماعةُ أصحابِ مالك (٢) .

  4. وقد أخبرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر الحافِظُ (٣) ، قال: حدَّثني عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الواثِقُ بالله، قال: حدَّثنا القاسمُ بن زكريّا المقرئُ، قال: حدَّثنا الحسنُ (٤) بنُ محمد الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهّابِ الخفّافُ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، عن عبّادِ بن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فذكر نحوهُ. قال أبو الحسن: لا أعلمُ أحدًا سمّاهُ في حديثِ مالكٍ، ولا في حديثِ ابن شِهاب،

    ج ٧ ص ١٥٧إلّا في هذه الرِّوايةِ، ورواهُ جماعةُ أصحابِ ابن شِهاب عنهُ: عن ابن أُكيمةَ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.

    قال أبو عُمر: لم يَخْتلِف رُواةُ "المُوطَّأ" فيما علِمتُ في هذا الحديثِ من أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ. وزادَ فيه روحُ بن عُبادةَ، عن مالكٍ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: لا قِراءةَ خلفَ الإمام فيما يجهَرُ فيه الإمامُ.

  5. وقد رواهُ بعضُ أصْحابِ الأوزاعيِّ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (١) .

  6. جعَلَ في مَوْضِع ابن أُكيمةَ: سعيد بن المُسيِّبِ.

  7. وذلك وهمٌ وغلطٌ عِندَ جميع أهلِ العِلم بالحديثِ، والحديثُ محفُوظٌ لابنِ أُكيمةَ، وإنَّما دخلَ الوَهمُ فيه عليه، لأنَّ ابن شِهابٍ كان يقولُ في هذا الحديث: سمِعتُ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بنَ المُسيِّبِ (٢) ، عن أبي هُريرةَ. فتوهَّم أنَّهُ لابنِ شِهاب، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ. ولا يختلِفُ

    ج ٧ ص ١٥٨أهلُ العِلم بالحديثِ، أنَّ هذا الحديث لابنِ شِهاب، عن ابن أُكَيمةَ، عن أبي هُريرةَ، وأنَّ ذِكرَ سعيدِ بن المُسيِّبِ في إسنادِ هذا الحديثِ خَطَأٌ لا شَكَّ عِنْدهُم فيه، وإنَّما ذلكَ عِندهُم، لأنَّهُ كان في مجلِسِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، فهذا وجهُ ذِكرِ سعيدِ بن المُسيِّبِ، لا أنَّهُ في الإسنادِ.

  8. حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بن المُسيِّبِ قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: صلَّى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الصبح، فلمّا فرغَ من صِلاتِهِ قال: "هل قَرَأ مِنكُم مَعِي أحدٌ؟ " قال رجُلٌ: نعَمْ أنا. فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي أقولُ ما بالي أُنازَعُ القُرآنَ" (١) .

  9. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢) : قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، وأحمدُ بن محمدٍ المَرْوزيُّ، ومحمدُ بن أحمد بن أبي خَلَفٍ، وعبدُ الله بن محمدٍ الزُّهْريُّ، وابنُ السَّرَّح (٣) ، قالوا: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، عن الزُّهْريِّ (٤) ، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ سعيدَ بن المُسيِّبِ، قال: سمِعتُ أبا هُريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً، نظُن أنَّها الصُّبحُ. فذكَرَ مِثلهُ سواءً، إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" .

    ج ٧ ص ١٥٩قال أبو داود: قال مُسدَّدٌ في حديثهِ هذا: قال سُفيانُ: قال مَعْمرٌ: قال الزُّهْريُّ: فانْتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ فيما جهَرَ فيه رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن السَّرح في حديثه: قال مَعْمرٌ، عن الزُّهْريّ: قال أبو هُريرةَ: فانْتَهَى النّاسُ. وقال عبدُ الله بن محمدٍ من بينهِم: قال سُفيانُ: وتكلَّم الزُّهْريُّ بكَلِمةٍ لم أسْمَعَها، فقال مَعْمرٌ: إنَّهُ قال: فانتهَى النّاسُ.

    قال أبو داود: ورواهُ عبدُ الرَّحمنِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، وانتهى حديثُهُ إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآن" .

    قال: ورواهُ الأوزاعيُّ، عن أبي هُريرةَ، قال فيه: قال الزُّهْريُّ: واتَّعَظَ المُسلِمُونَ، فلم يكونُوا يَقْرؤُون مَعَهُ فيما جَهَرَ به.

    قال أبو داود: وسمِعتُ محمد بن يحيى بن فارِسٍ قال: قولُهُ: فانْتَهَى النّاسُ. من كلام الزُّهْريِّ.

    قال أبو عُمر: رواهُ ابن جُرَيج قال: أخبرني ابن شِهاب، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ، عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. مِثلَ حديثِ مالكٍ سواءً، إلى قولِه: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" (١) . لم يَزِدْ على ذلكَ.

  10. ورواهُ مَعْمرٌ، وأبو أُوَيسٍ، ويُونُسُ بن يزيد (٢) ، وأُسامةُ بن زيدٍ (٣) ، عن ابن شِهابٍ أنَّهُ سمِعَ ابن أُكيمةَ يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ بمِثلِ حديثِ مالكٍ سواءً.

  11. وذلكَ دليلٌ على ما قال محمدُ بن يحيى الذُّهليُّ، أنَّ قولهُ: "فانتهى النّاسُ" إلى آخِرِ الكلام، من كلام الزُّهْريِّ.

    ج ٧ ص ١٦٠
  12. وذكر عبدُ الرّازِقِ (١) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، قال: سمِعتُ ابن أُكَيْمةَ يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاةً جَهَرَ فيها بالقِراءةِ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ بعدَ ما سلَّمَ، فقال لهم: "هَلْ قَرَأ مَعِي أحد مِنكُم آنِفًا؟ " قالوا: نعَمْ يا رسُولَ الله. قال: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ (٢) " . فانتَهَى النّاسُ عن القِراءةِ مع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يَجْهرُ به من القُرآنِ، حين سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

  13. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن أبي العبّاسِ، قال: حدَّثنا أبو أُويسٍ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن أُكَيْمةَ الكِنانيِّ، ثُمَّ اللَّيثيِّ، عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى صلاةً جهَرَ فيها بالقِراءةِ، ثُمَّ أقبلَ على النّاسِ بعدَ ما سلَّمَ، فقال: "هَلْ قَرَأ أحدٌ مِنكُم معي آنِفًا؟ " قالوا: نعَمْ يا رسُولَ الله. فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنِّي أقولُ ما لي أُنازَعُ القُرآنَ؟ " . فانتَهَى النّاسُ عن قِراءةِ القُرآنِ مع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهَرَ به من القِراءةِ في الصَّلاةِ، حين سمِعُوا ذلكَ من رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    قال أبو عُمر: يقولُونَ: إنَّ سماعَ أبي أُوَيسٍ ومالكِ بن أنَسٍ من الزُّهْريِّ كان واحِدًا، بعرضٍ واحِدٍ، كذلكَ قال محمدُ بن يحيى النيسابُوريُّ وغيرُهُ، والله أعلمُ.

  14. وفِقهُ هذا الحديثِ الذي من أجلِهِ نُقِلَ، وجاءَ النّاسُ به: تَرْكُ القِراءةِ مع الإمام، في كلِّ صَلاةٍ يجهَرُ فيها الإمامُ بالقِراءةِ.

    ج ٧ ص ١٦١
  15. ففي هذا الحديثِ دليلٌ واضِحٌ على أنَّهُ لا يجُوزُ للمأمُوم، فيما جهَرَ فيه إمامُهُ بالقِراءةِ من الصَّلواتِ، أن يَقْرأ مَعَهُ، لا بأُمِّ القُرآنِ، ولا بغيرِها، لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَسْتثنِ فيه شيئًا من القُرآنِ.

  16. وهذا موضُوعٌ اختلَفَتْ فيه الآثارُ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، واختلَفَ فيه العُلماءُ، من الصَّحابةِ، والتّابِعين، وفُقهاءِ المُسلِمينَ، على ثلاثةِ أقوالٍ نذكُرُها، ونُبيِّنُ وُجُوهها بعَونِ الله إن شاءَ الله (١) .

    فقال منهُم قائلُون: لا يقرأُ لا فيما أسرَّ، ولا فيما جهَرَ.

    وقال آخرُونَ: يقرأُ مَعهُ فيما أسرَّ فيه، ولا يقرأُ معهُ (٢) فيما جهَرَ فيه إلّا بأُمِّ القُرآنِ خاصَّةً، دُونَ غيرِها.

  17. وسنُبيِّنُ أقوالهُم، واعْتِلالهُم في هذا البابِ إن شاءَ الله، ونُبيِّنُ الحُجَّةَ لكِلا الفَرِيقينِ، وعليهِم بما يحضُرُنا ذِكر بعَوْنِ الله.

    وقال آخرُونَ: يقرأُ مع الإمام فيما أسرَّ فيه، ولا يقرأُ فيما (٣) جهَرَ فيه. وهُو قولُ سعيدِ بن المُسيِّبِ، وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، وسالم بن عبدِ الله بن عُمَرَ، وابنِ شِهابٍ وقتادةَ (٤) .

  18. وبه قال مالكٌ، وأصحابُهُ، وعبدُ الله بن المُباركِ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبريُّ، إلّا أنَّ أحمد بن حَنْبل قال: إن سمِعَ لم يقرأ، وإن لم يسمع قَرَأ (١) .

    ج ٧ ص ١٦٢
  19. ومن أصحابِ داود من قال: لا يقرأُ فيما قَرَأ إمامُهُ وجهَرَ. ومنهُم من قال: يقرأُ. وأوجبُوا كلُّهُمُ القِراءةَ فيما (٢) أسرَّ الإمامُ (٣) .

  20. ورُوي عن عُمرَ بن الخطّاب، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وابنِ مسعُودٍ، على اختِلافٍ عنهُم: القِراءةُ في ما أسرَّ الإمامُ، دُونَ ما جهَرَ. وعن عُثمانَ بن عفّانَ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وعبدِ الله بن عُمرَ، مِثلُ ذلكَ (٤) .

  21. وهُو أحدُ قَوْلي الشّافِعيِّ، كان يقولُهُ بالعِراقِ (٥) . وهذا هُو القولُ المُختارُ عِندَنا، وبالله توفيقُنا.

  22. فمِن الحُجَّةِ لمن ذهَبَ هذا المَذهَبَ، قولُ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: ٢٠٤] . وهذا عِندَ أهلِ العِلم، عِندَ سماع القُرآنِ في الصلاةِ، فأوجَبَ تباركَ وتعالى الاسْتِماع، والإنصاتَ على كلِّ مُصلٍّ، جهَرَ إمامُهُ بالقِراءةِ ليسمَعَ القِراءةَ.

  23. ومعلُومٌ أنَّ هذا في صَلاةِ الجَهْرِ، دُون صلاةِ السِّرِّ، لأنَّهُ مُسْتحيلٌ أن يُريدَ بالإنْصاتِ والاسْتِماع من لا يجهرُ إمامُهُ، وكذلكَ مُستحيلٌ أن تَكُون مُنازَعةُ القُرآنِ

    ج ٧ ص ١٦٣في صلاةِ السِّرِّ، لأنَّ المُسِرَّ إنَّما يُسْمِعُ نفسهُ، دُون غيرِهِ، فقولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي أُنازَعُ القرآنَ (١) " . يُضاهي ويُطابِقُ قولَ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} .

  24. وحدَّثني خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن عُبيدِ بن آدمَ بن أبي إياسٍ، قال: أخبرنا أبو مَعْنٍ ثابتُ بن نُعيم، قال: حدَّثنا آدمُ بن أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا بكرُ بن خُنيسٍ، عن إبراهيم بن مُسلِم الهَجَري (٢) ، عن أبي عياضٍ، عن أبي هُريرةَ قال: كانُوا يَتكلَّمُونَ في الصَّلاةِ، حتَّى نزلت هذه الآيةُ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . قال إبراهيمُ بن مُسلِم: فقلتُ لأبي عياض: لقد كُنتُ أظُنُّ أنَّهُ لا يَنْبغي لأحدٍ يَسْمعُ القُرآنَ، ألّا يَسْتمِع، قال: لا، إنَّما ذلكَ في الصلاةِ المكتُوبةِ، فأمّا في غيرِ الصَّلاةِ، فإن شِئتَ اسْتَمعتَ وأنصَتَّ، وإن شِئتَ مَضَيتَ ولم تَسْمَعْ (٣) .

  25. وذكر الحسنُ بن عليٍّ الحُلوانيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن إبراهيمَ بن مَيْسَرةَ، قال: سمِعتُ مُجاهِدًا يقولُ: ما رأيتُ أحدًا بعد ابن عبّاسٍ أفقَهَ من أبي عِياض (٤) .

  26. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحيم، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمّادِ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عمِّي إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حيّانَ الأحمرُ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي هِندٍ،

    ج ٧ ص ١٦٤عن أبي نَضْرةَ، عن أُسَيرِ (١) بن جابرٍ قال: قال عبدُ الله بن مسعُود: أتقرؤُونَ خلفَ الإمام؟ قُلنا: نعم. قال: ألا تَفْقهُونَ؟ ما لكُم لا تعقِلُونَ؟ {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (٢) .

    قال إسماعيلُ: حدَّثنا حَفْصُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن منصُورٍ، عن أبي وائل، قال: سُئل عبدُ الله عن القِراءةِ خلفَ الإمام، قال: أنصتْ للقُرآنِ، فإنَّ في الصَّلاةِ شُغلًا، وسَيَكفيكَ ذلكَ الإمامُ (٣) .

  27. قولُهُ: أنصِتْ للقُرآنِ، يدُلُّ على أنَّ ذلكَ في الجَهْرِ، دُونَ السِّرِّ.

    قال إسماعيلُ: وحدَّثنا حجّاجُ بن مِنهالٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سلمةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، في قولِه: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قال: في الصَّلاةِ (٤) .

  28. وذُكرَ عن أبي العاليةِ، والزُّهْريِّ، وزيدِ بن أسلَمَ، والشَّعبيِّ، وإبراهيمَ النَّخعيِّ، والحسنِ البَصْريِّ، ومُجاهِدٍ مِثلُهُ (٥) . إلّا أنَّ مُجاهِدًا زادَ: في الصلاةِ، والخُطبةِ يومَ الجُمُعةِ.

  29. ذكَرَ وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن جابرٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: وجَبَ الإنصاتُ في اثْنَتينِ، في الصَّلاةِ والإمامُ يَقْرأُ، وفي الخُطبةِ والإمامُ يخطُبُ (١) .

    ج ٧ ص ١٦٥
  30. وسُفيانُ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قال: إنَّما ذلكَ في الصَّلاةِ (٢) ، وأمّا في غيرِ الصَّلاةِ، فلا (٣) . وعن عطاءٍ مِثلُهُ سواءً (٤) .

  31. وذكر سُنيدٌ، عن هُشَيم، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن إبراهيم. وحدَّثنا جُوَيبرٌ، عن الضَّحّاكِ، في قولِه: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} قالا: في الصَّلواتِ المكتُوبةِ (٥) .

    قال قتادةُ: الإنصاتُ باللِّسانِ، والاسْتِماعُ بالأُذُنينِ، عَلِمَ أن لن يفقهُوهُ حتَّى يُنصِتُوا.

    قال أبو عُمر: في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} مع إجماع أهلِ العِلم، أنَّ مُرادَ الله من ذلكَ في الصَّلواتُ المكتُوبةِ، أوضَحُ الدَّلائلِ على أنَّ المأمُوم إذا جهَرَ إمامُهُ في الصلاةِ، أنَّهُ لا يَقْرأُ معهُ بشيءٍ، وأن يَسْتمِعَ لهُ، ويُنصِتَ.

  32. وفي ذلكَ دليلٌ، على أنَّ قولَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صَلاةَ لمنْ لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ" . مخصُوصٌ في هذا الموضِعَ (٦) وحدهُ، إذا جهَرَ الإمامُ بالقِراءةِ،

    ج ٧ ص ١٦٦لقولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . وما عدا هذا الموضِعَ وحدهُ، فعلى عُمُوم الحديثِ وتقديرِه: لا صلاةَ، يعني لا ركعةَ، لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، إلّا لمن صلَّى خلفَ إمام يَجْهرُ بالقِراءةِ، فإنَّهُ يَسْتمِعُ، ويُنصِتُ.

  33. وهذا الحديثُ رواهُ ابن شِهاب، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "لا صلاةَ لمَنْ لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتاب" .

  34. ورواهُ عن ابن شِهابٍ جماعةٌ من أصحابِهِ، منهُم: مَعْمرٌ (١) ، ويُونُسُ (٢) ، وعُقيلٌ (٣) ، وابنُ عُيينةَ (٤) ، وشُعَيبٌ (٥) ، وإبراهيمُ بن سعدٍ (٦) . وليس عِندَ مالكٍ (٧) ، عن ابن شِهاب.

  35. وسنذكُرُ الدَّلائلَ على أنَّ قولهُ: "لا صَلاةَ لمَنْ لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ" ، أنَّ معناهُ لا رَكْعةَ، في بابِ العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ من كِتابِنا هذا، عِندَ قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرأُ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ" (١) . إن شاءَ الله، وبه العَوْنُ، لا شريكَ لهُ.

    ج ٧ ص ١٦٧
  36. والدَّليلُ أيضًا على خُصُوصِ الآيةِ في هذا الموضُوع، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي أُنازَعُ القُرآنَ" . وقولُهُ: "إذا قَرَأ الإمامُ فأنصِتُوا" . رواهُ أبو مُوسى، وأبو هُريرةَ. وقولُهُ في حديثِ ابن مسعُودٍ، لقَوْم جَهَرُوا بالقِراءةِ، وهُو يَقْرأُ: "خَلَّطتُم عليَّ القِراءةَ، أنصِتُوا للقُرآنِ" . وقولُهُ: "أنصِتُوا للقرآنِ" دليلٌ على أنَّ ذلكَ كان في حالِ الجَهْرِ.

  37. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢) : حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله الأسَدِيُّ، قال: حدَّثنا يُونُس بن أبي إسحاقَ (٣) ، عن أبي إسحاقَ،

    ج ٧ ص ١٦٨[عن أبي الأحْوَصِ] (١) ، عن عبد الله، قال: كُنّا نَقْرأ خلفَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "خَلَّطتُم عليَّ القُرآنَ (٢) " .

  38. وحدَّثنا عبد الوارثِ بن سُفيانَ وسعيد بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (٣) . وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيبٍ، قال (٤) : أخبرنا الجارُودُ بن (٥) مُعاذٍ التِّرمذيِّ، قالا: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسْلَمَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" . زاد الجارُودُ: "وإذا قال: سمِعَ الله لمن حَمِدَهُ، فقُولُوا: اللَّهُمَّ ربَّنا ولكَ الحمدُ" .

    قال أحمدُ بن شُعيب (٦) : أخبرنا محمدُ (٧) بن عبدِ الله، قال: أخبرنا محمدُ بن سعِدٍ (٨) الأنصاريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسلَمَ، عن أبي

    ج ٧ ص ١٦٩صالح، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قَرَأ فأنصتُوا" . قال أحمدُ بن شُعيب: لا نعلمُ أحدًا تابَعَ ابن عَجْلانَ على قولِه: "وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" .

    قال أبو عُمر: بعضُهُم يقولُ: أبو خالدٍ الأحمرُ انفردَ بهذا اللَّفظِ، في هذا الحديثِ. وبعضهُم يقولُ: إنَّ ابن عجلانَ انفرَدَ به، وقد ذكرهُ النَّسائيُّ من غيرِ حديثِ أبي خالدٍ الأحمر:

    حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله المُخرِّميُّ. قال: أخبرنا محمدُ بن سعدٍ الأشهليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جريرٍ. وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ. جميعًا عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسلَمَ، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ به، فإذا كبَّرَ فكبِّرُوا، وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" (١) .

  39. وروى جريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن سُليمان التَّيميِّ، عن قَتادةَ، عن أبي غَلّابٍ يُونُس بن جُبيرٍ، عن حِطّانَ الرَّقاشيِّ، عن أبي مُوسى الأشعَريِّ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قَرَأ الإمامُ فأنصتُوا" (٢) .

  40. فإن قال قائلٌ: إنَّ قولهُ: "وإذا قَرَأ فأنصِتُوا" لم يَقُلهُ أحدٌ في حديثِ أبي هُريرةَ غيرُ ابن عَجْلانَ، ولا قالهُ أحدٌ في حديثِ أبي مُوسى غيرُ جريرٍ، عن

    ج ٧ ص ١٧٠التَّيميِّ، قيل لهُ: لم يُخالِفهُما من هُو أحفظُ منهُما، فوجَبَ قبُولُ زيادتهِما، وقد صحَّحَ هذينِ الحَدِيثينِ أحمدُ بن حَنْبل، وحسبُكَ به إمامةً وعِلمًا بهذا الشَّأنِ.