ابن شهاب، عن أبي أكيمة الليثي حديث واحد
١٣١ فقرة، ج ٧ ص ١٥٥
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٧ ص ١٨٠
وأمّا مالك، فأنكَرَ السَّكْتتينِ ولم يَعْرفهما، وقال: لا يَقْرأ أحدٌ مع الإمام إذا جهَرَ قبل قِراءتهِ، ولا بعدها (٢) .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابه: ليسَ على الإمام أن يَسْكُتَ إذا كبَّرَ، ولا إذا فرَغَ من قِراءةِ أُمِّ القُرآنِ، ولا يَقْرأ أحدٌ خلفَ إمامِهِ (٣) .
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذَهَبَ مذهبَ الأوْزاعيِّ في هذا البابِ، ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٤) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، قال: سمِعتُ محمُود بن الرَّبيع، يُحدِّثُ، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا صَلاةَ لمنْ لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتاب" .
قالوا: فهذا (٥) على عُمُومهِ في الإمام والمأمُوم، لأنَّه لم يخُصَّ إمامًا من مأموم، ولا مُنْفردٍ.
قالوا: ولمّا لم يَنُب ركُوعُ الإمام، ولا قيامُهُ، ولا إحرامُهُ، ولا سُجودُه، ولا تَسْليمُه، عن ركُوع المأموم، ولا عن قيامِهِ، ولا عن سُجُودهِ، ولا عن إحرامهِ، ولا عن تَسْليمِهِ، فكذلكَ لا تنُوب قِراءتُهُ في أُمِّ القُرآنِ عن قراءتِهِ.
ج ٧ ص ١٨١وقالوا: إن كانَ الزُّهريُّ قد روى هذا الحديث مُجْملًا، مُحْتملًا للتَّأويلِ، فقد رواه مَكْحولٌ مُفَسَّرًا.
-
وذكرُوا ما حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ، وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن نُميرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن مكحُولٍ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ قال: صلَّى بنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - العِشاءَ، فثَقُلتْ عليه القِراءةُ، فلمّا انصرفَ قال: "لعلَّكُم تَقْرؤُونَ خلفَ إمامِكُم؟ " قال: قُلنا: أجَلْ يا رسُولَ الله، إنّا لنَفْعلُ، قال: "لا تفعلُوا، إلّا بأُمِّ القُرآنِ، فإنَّهُ لا صَلاةَ إلّا بها" .
-
حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى (٢) ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَعْفرِ بن الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الله المدنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن مكحُولٍ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: صلَّى بنا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلاةَ الغَداةِ، فثَقُلَتْ عليه القِراءةُ، فلمّا انصرَفَ، قال: "إنِّي لأراكُم تَقْرؤُونَ وراءَ الإمام" . قُلنا: نَعَم يا رسُولَ الله. قال: "فلا، إلّا بأُمِّ القُرآنِ، فإنَّهُ لا صَلاةَ لمنْ لم يَقْرأ بها" (٣) .
- ج ٧ ص ١٨٢
وحدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ (١) بن عَمرٍو البزّارُ، قال (٢) : حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن هشام، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، وهُو ابن عُليَّةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن مكحُولٍ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكَرَ نحوهُ.
-
وحدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا أبو عُثمان النَّهديُّ، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ رجُلًا يُنادي في النّاس: "أن لا صلاةَ إلّا بقِراءةِ فاتحةِ الكِتابِ، فما زادَ" (٣) .
-
وحدَّثناهُ أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال (٤) : حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن
ج ٧ ص ١٨٣سعيدٍ، عن جَعْفرِ بن ميمُونٍ، عن أبي عُثمانَ، عن أبي هُريرةَ قال: أمرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُناديًا يُنادي: "ألا لا صلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ" .
قالوا: وهذا على عُمُومِهِ في كلِّ أحَدٍ، مأمُومًا كانَ، أو إمامًا، أو مُنْفرِدًا.
-
وذكرُوا ما حدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن محمدِ بن أبي عائشةَ، عمَّن شهِدَ ذلكَ قال: صلَّى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا قَضَى صلاتهُ، قال: "أتقْرؤُونَ والإمامُ يَقْرأُ؟ " فسكتُوا. قال: "أتقْرؤُونَ والإمامُ يَقْرأُ؟ " قالوا: إنّا لنفعلُ. قال: "فلا تَفْعلُوا، إلّا أن يَقْرأ أحدُكُم بأُمِّ القُرآنِ في نفسِهِ" (١) .
ج ٧ ص ١٨٤قال أبو عُمر: أمّا حديثُ محمدِ بن إسحاق، وزيادتهُ على الزُّهريِّ، فإنَّها غيرُ مقبُولةِ، لأنَّهُ ممَّنَ لا يُحتجُّ به جُملةُ عندَ جماعةِ أهلِ العلم بالحديثِ، منهم: أحمدُ بن حَنْبل، ويحيى بن سعيدٍ القَطّان، وكان عليُّ بن المدينيِّ وشُعبةُ وابن عُيَينةُ يحتَجُّونَ بحديثهِ جُملةً، وأمّا هذا الحديثُ فقد خُولِفَ فيه محمدُ بن إسحاقَ (١) ، فرواهُ الأوزاعيُّ، عن مكحُولٍ، عن رَجاءِ بن حيوةَ، عن عبدِ الله بن عَمرٍو، قال: صلَّينا مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا انصرفَ، قال لنا: "هَلْ تَقْرؤون القُرآنَ إذا كُنتُم مَعِي في الصَّلاةِ؟ " قُلنا: نعم. قال: "فلا تَفْعلُوا إلا بأُمِّ القُرآنِ" (٢) .
-
ورواهُ زيدُ بن واقدٍ (٣) ، عن مكحُول، عن نافع بن (٤) محمُودٍ، عن عُبادةَ (٥) .
-
ونافِع هذا مجهُولٌ، ومثلُ هذا الاضْطِرابِ لا يثْبُتُ بهِ (٦) عند أهلِ العلم بالحديثِ شيءٌ.
-
وليسَ في هذا البابِ ما لا مَطْعنَ فيه من جهَةِ الإسنادِ غير حديث الزُّهريِّ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ، وهو مُحتَملٌ للتَّاويلِ.
-
وأمّا حديثُ محمدِ بن أبي (٧) عائشةَ، فإنَّما فيه: "إلّا أن يَقْرأ أحدُكُم بأُمِّ القُرآنِ في نَفْسهِ" . ومعلُومٌ أنَّ القِراءةَ في النَّفسِ ما لم يُحرَّك بها اللِّسانُ، فلَيْست
ج ٧ ص ١٨٥بقراءةٍ، وإنَّما هي حديثُ النَّفْس بالذِّكرِ، وحديثُ النَّفْسِ مُتجاوَزٌ عنهُ، لأنَّهُ ليسَ بعمَلٍ يُؤاخَذُ عليه فيما نُهِي أن يعملَهُ، أو يُؤدِّي عنهُ فرضًا فيما أُمِرَ بعَمَلهِ.
وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ القاضي: إن كانت قِراءةُ الإمام بغيرِ أُمِّ القُرآنِ، قِراءةً لمن خلفَهُ، فيَنْبغي أن تكونَ أُمُّ القرآنِ كذلكَ، وإن كانت لا تكونُ قِراءةً لمن خلفَهُ، فقد نقَصَ من خلفَ الإمام عمّا سُنَّ من القِراءةِ للمُصلِّينَ، وحُرِمَ من ثوابِ القِراءةِ بغير أُمِّ الكتابِ، ما لا يعلمُ مَبْلغهُ إلّا الله عزَّ وجَلَّ.
قال: والذي يُصلِّي خلفَ الإمام، حُكمُه في القِراءةِ حُكمُ من قَرَأ، إلّا أنَّ الله عزَّ وجَلَّ قد أشركَ بين القارئ وبينَ المُسْتمِع المُنْصتِ، فهُما شريكانِ في الأجرِ، وكذلكَ الذي يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ والمُسْتمعُ لخُطْبتهِ. قال: وكذلكَ جاء عن عُثمانَ.
وقال آخرُونَ، منهم: سُفيان الثَّوريُّ، وابن عُيَينةَ، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيّ: لا يَقْرأ مع الإمام، لا فيما أسَرَّ، ولا فيما جهَرَ (١) . وهو قولُ جابرِ بن عبدِ الله، وجماعةٍ من التّابعينَ بالعراقِ.
-
ورُوي ذلكَ أيضًا عن زيدِ بن ثابتٍ (٢) ، وعليٍّ (٣) ، وسعدٍ (٤) . وهؤلاء ثبتَ ذلك عنهُم من جِهةِ الإسنادِ. واحتَجَّ من ذهَبَ هذا المذهَبَ، بأنْ قال: قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ" . خاصٌّ واقِعٌ على من صلَّى وحدهُ، أو كان إمامًا، فأمّا من صلَّى وراءَ إمام، فإنَّ قِراءةَ الإمام لهُ قراءةٌ.
- ج ٧ ص ١٨٦
واسْتَدلُّوا على صِحَّة قولهم، بأنَّ الجمهُور قد أجمَعُوا على أنَّ الإمامَ إذا لم يَقْرأ، وقَرَأ (١) من خلفَهُ، لم تَنْفعهم قِراءتُهم، فدَلَّ على أنَّ قِراءةَ الإمام قراءةٌ لمن خلفَهُ (٢) .
-
ورَوَوا عن عُمرَ بن الخطّاب: أنَّهُ لم يَقْرأ في صَلاةٍ صلّاها، فأعادَ بهم الصَّلاةَ (٣) .
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤) : حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ وابن السَّرح، قالا (٥) : حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ (٦) ، عن محمُودِ بن الرَّبيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، يبلُغُ به النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "لا صَلاةَ لن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ فصاعِدًا" . قال سُفيانُ: لمن يُصلِّي وحدهُ.
-
واحتجُّوا: بحديثِ جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "من كانَ لهُ إمامٌ، فقِراءةُ الإمام لهُ قِراءةٌ" . وهذا حديثٌ رواهُ جابر الجُعفيُّ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (٧) ، وجابرٌ الجُعفيُّ ضعيفُ الحديثِ، مذمُومُ المذهبِ، لا يُحتجُّ بمِثلِهِ، وإن كان حافظًا (٨) .
-
وقد روى هذا الحديث أبو حنيفةَ (٩) ، عن مُوسى بن أبي عائشةَ، عن
ج ٧ ص ١٨٧عبدِ الله بن شدّادِ بن الهاد، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، لم يسندهُ غيرُ أبي حنيفةَ، وهو سيّئُ الحِفْظِ عِندَ أهلِ الحديثِ، وقد خالفَهُ الحُفّاظُ فيه: سُفيانُ الثَّوريُّ (١) ، وشُعبةُ (٢) ، وابن عُيَينةَ (٣) ، وجريرٌ (٤) ، فرَوَوهُ عن مُوسَى بن أبي عائشةَ، عن عبدِ الله بن شَدّادٍ مُرسلًا. والصَّحيحُ (٥) فيه الإرسالُ، وليسَ ممّا يُحتَجُّ به. وقد رواه اللَّيثُ بن سعدٍ، عن أبي يُوسُفَ، عن أبي حنيفةَ، عن مُوسى بن أبي عائشةَ، عن عبدِ الله بن شدّادٍ، عن أبي الوليدِ، عن جابرِ بن عبد الله (٦) .
-
فأدخَلَ بينَ عبدِ الله بن شدّادٍ وبينَ جابر: أبا الوليدِ هذا، وهو مجهُولٌ لا يُعرَفُ، وحديثُهُ هذا لا يَصِحُّ.
-
فإن قيلَ: قد رَوَى يحيى بن سلّام، عن مالكِ بن أنَسٍ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّهُ قال: "كلُّ رَكْعةٍ لم يُقْرأَ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فلا تُصلَّى إلّا وراءَ الإمام" .
قال أبو عُمر: لم يَرْو هذا الحديثَ أحدٌ من رُواةِ "الموطَّأ" مرفوعًا، وإنَّما هو في "الموطَّأ" (٧) موقوفٌ على جابرٍ من قولهِ.
-
وانفردَ يحيى بن سلّام برَفْعهِ عن مالكٍ، ولم يُتابَعْ على ذلك، والصحيحُ فيه أنَّهُ من قولِ جابرٍ.
- ج ٧ ص ١٨٨
ولسنا نذكُرُ الخِلافَ في هذهِ المسألةِ بين الصحابةِ ومن بعدهُم، ولكن الحُجَّةَ عندَ التَّنازُع: الكتابُ والسُّنةُ، لا ما سِواهما.
-
واحتجَّ أيضًا من ذهَبَ مذهَبَ الكُوفيينَ في هذا البابِ، بما حدَّثناهُ أحمدُ بن فتح بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن زكريّا النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالِقِ البزّارُ، قال (١) : حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ وعَمرُو بن عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن أبي (٢) إسحاقَ، عن أبيه، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ الله، قال: كانُوا يَقْرأُون خلفَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "خَلَّطتُم عليَّ القُرآنَ" .
قال أبو عُمر: هذا يحتملُ أن يكونَ هذا في صَلاةِ الجَهْرِ، وهو الظّاهرُ، لأنَّهم لا يُخلِّطُونَ إلّا برَفْع أصْواتهم. فلا حُجَّةَ فيه للكُوفيينَ (٣) .
-
وكذلكَ من قال: إنَّما نهاهُم عمّا عَدا فاتحةَ الكتابِ، بعيدٌ قوله، وغيرُ ظاهرٍ معناهُ في هذا الحديث.
-
واحتجَّ أيضًا من ذهبَ مذهَبَ الكُوفيِّينَ في تركِ القِراءة خلفَ الإمام، بما رواهُ وكيعٌ عن عليِّ بن صالح، عن ابن (٤) الأصْبَهانيِّ، عن المُختارِ بن عبد الله
ج ٧ ص ١٨٩ابن أبي ليلى، عن أبيه (١) ، عن علي، قال: من قَرَأ خلفَ الإمام، فقد أخْطَأ الفِطْرةَ (٢) .
قال أبو عُمر: هذا الخَبرُ لو صَحَّ، كان معناهُ: من قَرَأ مع الإمام فيما جهَرَ فيه بالقِراءةِ، فقد أخْطَأ الفِطْرةَ، لأنَّهُ حينَئذٍ خالفَ الكتابَ والسُّنَّة، فكيفَ وهو خبرٌ غيرٌ صحيح، لأنَّ المُختارَ وأباهُ مَجْهولانِ.
-
وقد عارَضَ هذا الخبرَ عن عليٍّ ما هو أثبتُ منهُ، وهو خبرُ الزُّهري، عن عُبيد الله (٣) بن أبي رافع، عن عليٍّ، وقد ذكَرناهُ في هذا البابِ.
-
واحتَجُّوا أيضًا بما رواه عبد الرزّاق (٤) وغيره، عن داود بن قَيْسٍ، قال: أخبرني عُمرَ بن محمدِ بن زيدِ بن عبد الله بن عُمرَ، قال: حدَّثني مُوسَى بن سَعْد (٥) بن زيد بن ثابت، أنَّ زيد بن ثابت، قال: من قَرَأ معَ الإمام، فلا صلاةَ لهُ.
-
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ من قرأ مع الإمام فيما جهَرَ فيه بالقِراءةِ، على أنَّهم قد أجمَعُوا أنَّهُ من قَرَأ مع الإمام على أيِّ حالٍ كانَ، فلا إعادَةَ عليه، فدَلَّ ذلكَ على فسادِ (٦) حديثِ زيدٍ هذا.
- ج ٧ ص ١٩٠
ورَوَى الثَّوريُّ، عن أبي الزِّنادِ، عن زيدِ بن ثابتٍ وابن عُمرَ: أنَّهما كانا لا يَقْرآن خلفَ الإمام (١) .
-
وهذا حديثٌ مُنقطعٌ، ويحتملُ أن يكونَ (٢) فيما جهَرَ فيه، دُونَ ما أسَرَّ، وقد ذَكَرنا ذلكَ عن ابن عُمرَ أيضًا، من أصحِّ الطُّرقِ عنهُ، والحمدُ لله.
-
وأمّا ما رُوِيَ عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، أنَّهُ قال: وَدِدتُ أنَّ الذي يَقْرأ خلفَ الإمام في فيه حَجَرٌ (٣) . فمُنقطعٌ لا يصحُّ، ولا نقلَهُ ثقةٌ.
-
وكذلكَ كلُّ ما رُوِيَ عن عليٍّ في هذا الباب، فمُنقطعٌ لا يثبُتُ، ولا يتَّصلُ، وليسَ عنه فيه حديثٌ مُتَّصلٌ غيرُ حديثِ عبدِ الله بن أبي ليلى، وهو مجهولٌ، وزعَمَ بعضُهم أنَّهُ أخُو عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، ولا يصحُّ حديثهُ.
-
ولا أعلمُ في هذا البابِ صاحبًا صَحَّ عنهُ بلا اختلافٍ، أنَّهُ قال مثلَ ما قال الكُوفيونَ، إلّا جابرَ بن عبد الله وحدَهُ، والله أعلم.
-
ذكر عبد الرزّاق (٤) ، عن داودَ بن قَيْسٍ، عن عُبيد (٥) الله بن مِقْسم، قال: سألتُ جابرَ بن عبدِ الله، أتَقْرأ خلفَ الإمام في الظُّهرِ والعصرِ؟ قال: لا.
-
وأمّا ما رُوِيَ عن عَلْقمةَ والأسود، أنَّهما قالا: وَدِدنا أنَّ الذي يَقْرأ خلفَ الإمام، مُليء فُوه تُرابًا (٦) . فهو صحيحٌ عنهما، لكنهُ يحتملُ أن يكونا أرادا في الجهرِ، دونَ السِّرِّ، فإن صَحَّ عنهما أنَّهما أرادا السِّرَّ والجهرَ، فقد خالفهُما في ذلك من هو فوقهُما ومثلهما، وعندَ الاختلافِ يجبُ الرَّدُّ إلى كتابِ الله، وسُنَّة رَسُولهِ.
- ج ٧ ص ١٩١
وقد بَيَّنا وأوضَحْنا ما صَحَّ من السُّنَّةِ، وما وردَ به الكتاب في أوَّلِ هذا البابِ، والحمدُ لله.
-
واحتَجَّ أيضًا من ذهَبَ مذهَبَ الكُوفيِّينَ في هذا البابِ بحديثِ عِمْران بن حُصين: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بأصحابِهِ الظُّهرَ، فلمّا قَضَى صلاتَهُ قال: "أيُّكُم قَرَأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} ؟ " فقال بعضُ القوم: أنا يا رَسُولَ الله. قال: "قد عَرفتُ أنَّ بعضكُم خالَجَنيها" . رواهُ معمرٌ، وغيرُهُ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عِمران بن حُصين (١) .
قالوا: ففي هذا الحديثِ، وهو حديثٌ صحيحٌ، أنَّ القِراءة خلفَ الإمام فيما يُسِرُّ به تُكرَهُ، ولا تَجُوزُ.
-
ومعنى قوله: "خالَجَنيها" أي: نازَعَنيها، والمُخالَجة هُنا عندهُم كالمُنازعة.
-
فحديثُ عِمْرانَ هذا، كحديثِ ابن أُكَيمة، عن أبي هُريرةَ، ولا تكونُ المُنازَعةُ إلّا فيما جهَرَ فيه المأمُومُ وراءَ الإمام، ويَدُلكَ على ذلكَ، قولِ أبي هُريرة، وهو راوي الحديث في ذلك: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارسيُّ (٢) . قاله في حديثِ العَلاءِ.
قال أبو عُمر: ليسَ في هذا الحديثِ دليلٌ على كَراهيةِ ذلك، لأنَّهُ لو كَرِههُ، لنَهَى عنه.
-
وإنَّما كرِهَ رفعَ صوتَ الرَّجُلِ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} في صلاةٍ سُنَّتها الإسرارُ بالقِراءة.
-
حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكر بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا سُلَيمانُ بن الأشعثِ، قال (٣) : حدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسيُّ،
ج ٧ ص ١٩٢ومحمدُ بن كثيرٍ العبديُّ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن زُرارةَ بن أوْفَى، عن عِمْرانَ بن حُصين: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهر، فجاءَ رجُل فقَرَأ خلفهُ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} فلمّا فرغَ، قال: "أيُّكُم قَرَأ؟ " قالوا: رَجُلٌ. قال: "قد عَرفتُ أنَّ بعضَكُم خالَجَنيها" . قال أبو الوليدِ في حديثه: قال شُعبةُ: قلتُ لقتادَةَ: أليسَ يقولُ سعدٌ: أنْصِت للقُرآن؟ قال: ذلك إذا جهَرَ به. وقال ابن كئيرٍ في حديثه: قال شُعبةُ: قلتُ لقتادَةَ: كأنَّهُ كرِهَهُ؟ قال: لو كَرِهَهُ، نَهَى عنهُ.
قال أبو عُمر: في قولِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابن شِهاب، عن ابن أُكَيْمةَ، عن أبي هُريرةَ: "ما لي أُنازَعُ القُرآن" دليلٌ على أنَّ القِراءةَ خلفَ الإمام إذا أسرَّ الإمامُ في صلاتِهِ بالقِراءةِ جائزةٌ، لأنَّ المُنازَعةَ في القُرآنِ، إنَّما تَكُونُ مع الجَهْرِ، لا مع السِّرِّ.