ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك الأنصاري حديثان، أحدهما مرسل، وقد قيل: إنهما جميعا مرسلان
٦٨ فقرة، ج ٧ ص ١٩٥
الصفحة ٢ من ٢
- ج ٧ ص ٢٠٩
حدَّثني محمدُ بن عبدِ الله، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا ابن أبي حسّانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، عن كعبِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى الذين قَتَلُوا ابن أبي الحُقيقِ، حينَ خرجُوا إليهِ، عن قَتْلِ النِّساءِ والوِلدانِ (١) .
-
وحدَّثني محمدُ بن رَشِيقٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن محمدٍ اللَّوّازُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم. وحدَّثنا محمدُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافِظُ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ الله بن محمدِ بن زيادٍ النَّيسابُوريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الله بن مَيْمُونٍ بالإسكندريَّةِ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ، عن كعبِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى الذين قَتلُوا ابن أبي الحُقيقِ حينَ خَرَجُوا إليه عن قتلِ النِّساءِ والوِلْدانِ، وكانَ رَجُلٌ منهُم يقولُ: برَّحَتْ بنا امرأةُ ابن أبي الحُقيقِ بالصِّياح، فأرفَعُ السَّيفَ، ثُمَّ أذكُرُ نَهْيَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فأكُفُّ، ولو لا ذلكَ، اسْتَرحنا منها (٢) .
-
فهذا ما بَلَغنا من الاختِلافِ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ.
-
وأمّا اختِلافُ أصْحابِ الزُّهْريِّ عنهُ فيه، فرواهُ اللَّيثُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني يُونُسُ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، أنَّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - حينَ رجَعَ ابن عَتيكٍ وأصحابهُ، الذين قتلُوا ابن أبي الحُقَيقِ بخيبرَ.
قال اللَّيثُ: وحدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، قال: أخبرني عبدُ الله بن كعبٍ السَّلميُّ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى النَّفرَ الذينَ قتَلُوا ابن أبي الحُقَيقِ عن قتلِ النِّساءِ (٣) .
ج ٧ ص ٢١٠فقال اللَّيثُ، عن يُونُس: عبدُ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ (١) . وعن عُقيل: عبدُ الله بن كعبِ بن مالكٍ.
-
وقال محمدُ بن إسحاق، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ قال: كان مِمّا صنَعَ الله لرسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ هذينِ الحيَّينِ من الأنصارِ؛ وساقَ الحديثَ بطُولِهِ مُرسلًا. هكذا قال ابنُ إدريسَ، عن ابن إسحاقَ (٢) .
-
وقال يزيدُ بن هارُونَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن كَعْبِ بن مالك: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا بعَثَ النَّفرَ من الأنصارِ إلى ابن أبي الحُقَيقِ بخيبرَ ليقتُلُوهُ، قال لهم: "لا تَقْتُلُوا وليدًا ولا امرأةً" . كذا (٣) رواهُ يزيدُ بن هارُونَ، عن ابن إسحاقَ مُختصرًا. وقال: فيه عبدِ الله (٤) بن كعبٍ. وقال عنهُ ابن إدريسَ: عُبيدُ الله بن كعبٍ. واقتصَّ الحديثَ بطُولِهِ.
-
ورواهُ إسحاقُ بن راشِدٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن كعبٍ، عن أبيه، قال: نَهَى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن نِكاح المُتْعةِ في غَزْوةِ خَيْبرَ، ونَهَى أن يُقتَلَ وليدٌ صغيرٌ أوِ امرأةٌ (٥) .
وقال محمدُ بن يحيى: وقد أعضَلَ إسحاقُ بن راشِدٍ، وقلَبَ الإسنادَ والمتنَ، فإن كانَ أرادَ حديث عليٍّ في المُتْعَةِ (٦) فقد أخطَأ، وإن كانَ أرادَ حديثَ الرَّبيع بن سَبْرةَ (٧) فقد أخْطأ أيضًا في قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ، وأصابَ بعضَ الإسنادِ.
ج ٧ ص ٢١١قال محمدُ بن يحيى: وحدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن عَمِّه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ بعَثَ إلى ابن أبي الحُقَيقِ نهاهُم عن قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (١) .
قال محمدُ بن يحيى: هكذا حدَّثنا به عبدُ الرَّزّاقِ مُختصرًا، في عَقِبِ حديثِ الصَّعبِ بن جثّامةَ.
-
وحدَّثنا مرَّةً أُخرى، فقال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ قال: إنَّ كانَ مِمّا صنَعَ الله لنبيِّهِ أنَّ هذينِ الحيَّين: الأوسَ والخَزْرجَ، كانا يَتَصاولانِ في الإسْلام كتَصاوُلِ الفَحْلينِ (٢) . واقتصَّ الحديث، ولم يذكُر عمَّهُ.
قال أبو عُمر: أمّا الدَّبَريُّ (٣) ، فرواهُ عن عبدِ الرَّزّاقِ (٤) ، عن مَعْمرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ. كرِوايةِ يُونُس بن يزيدَ، بإسنادِهِ سواءً، وهُو خِلافُ ما ذكَرهُ محمدُ بن يحيى.
-
ورواهُ ابن عُيَينةَ، عن الزُّهْريِّ، عن ابنٍ لكعبِ بن مالكٍ، عن عمِّهِ. كما ذكر محمدُ بن يحيى، عن عبدِ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ.
-
وذكرَهُ ابن أبي شَيْبةَ، عن ابن عُيَينةَ، فقال: فيه عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ.
-
حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح،
ج ٧ ص ٢١٢قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كَعْبِ بن مالكٍ، عن عمِّهِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: لمّا بعَثَ إلى ابن أبي الحُقَيقِ، نَهَى عن قتلِ النِّساءِ، والصِّبْيانِ.
-
ورواهُ الشّافِعيُّ (٢) ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن شِهاب، عن ابن كعبِ بن مالكٍ، عن عَمِّهِ مِثلهُ.
-
ورواهُ يحيى بن أبي أُنَيسَةَ (٣) ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبيه كَعب: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى زمَنَ خَيْبرَ عن أن يُقتلَ وليدٌ صغيرٌ أوِ امرأةٌ (٤) .
-
ورواهُ إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، أنَّ الرَّهْطَ. هكذا مُرسلًا (٥) .
-
ورواهُ إبراهيمُ بن إسماعيلَ بن مُجمِّع، عن ابن شِهاب، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، عن أبيه: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نَهَى الرَّهطَ الذينَ بعثهُم إلى ابن أبي الحُقيقِ ليَقتُلُوهُ عن قَتْلِ النِّساءِ، والوِلْدانِ (٦) .
- ج ٧ ص ٢١٣
فاتَّفقَ إبراهيمُ بن سعدٍ، وإبراهيمُ بن إسْماعيلَ (١) بن مُجمِّع، عن ابن شِهاب، على عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، إلّا أنَّ ابن مُجمِّع قال فيه: عن أبيه. ولم يَقُل فيه ابن سعد: عن أبيه.
قال محمدُ بن يحيى: والقولُ عِندَنا في هذا الحديثِ، قولُ إبراهيمَ بن إسماعيلَ بن مُجمِّع، وإبراهيم بن سعدٍ، والحديثُ، واللهُ أعلمُ، لعبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، وهُو المحفُوظُ عِندَنا، لأنَّ مَعْمرًا، وابن عُيينةَ لم يُسمِّياهُ، وابنُ إسحاقَ قدِ اختُلِف عنهُ فيه، وشَكَّ مالكٌ في اسمِهِ، فقال: أحسبُ. وقال يُونُسُ: عبدُ الرَّحمنِ بن كعبٍ، من غيرِ شكَّ، وقال عُقَيلٌ: عبدُ الله بن كعبٍ. واتَّفقَ إبراهيمُ بن سعدٍ، وإبراهيمُ بن إسماعيلَ بن مُجمِّع، على: عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله بن كعبٍ، وهُو المحفُوظُ عِندَنا.
قال أبو عُمر: ابن أبي الحُقَيقِ هذا رجُلٌ من يَهُودِ خيبرَ، يُسمَّى سلّامًا، ويُكنى أبا رافع، وكان يُؤذي رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بقَتلِهِ، على نحوِ قِصَّةِ كَعْبِ بن الأشرفِ. وفي قِصَّتِهِ، وقِصَّةِ كعبِ بن الأشْرَفِ، إباحَةُ الفَتْكِ بأعْداءِ الله، وأنَّ من يُؤذي رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا ذِمَّةَ لهُ، ودَمُهُ هدرٌ.
-
ولهذا رأى مالكٌ رحِمهُ الله، قتلَ الذِّمِّيِّ إذا لسَبَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وآذاهُ (٢) . ومن لم يَرَ من العُلماءِ قتلَ الذِّمِّيِّ بذلكَ، يقولُ: إنَّ ابن أبي الحُقَيقِ، وكَعْب بن الأشرفِ كانا حربًا، ولم تَكُن لهما ذِمَّةٌ.
-
وأمّا قِصَّةٌ ابن أبي الحُقَيقِ، فحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن إسحاق.
- ج ٧ ص ٢١٤
وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الجبّارِ العُطارِديُّ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن بُكيرٍ، قال: حدثنا محمدُ بن إسحاقَ.
-
وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الرَّحيم.
-
ووجدتُ في أصلِ سماع أبي بخطِّهِ، أنَّ محمد بن أحمد بن قاسم حدَّثهُم، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمانَ الأعناقيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن خالدٍ (١) ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بن هشام، قال (٢) : حدَّثنا زيادُ بن عبدِ الله البكّائيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُسلِم الزُّهْريُّ، عن عبدِ الله بن كعبِ بن مالكٍ، دخلَ حديثُ بعضِهِم في بعضٍ، والمعنى واحِدٌ.
-
وحدَّثنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ (٣) ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهْريِّ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن كعبِ بن مالكٍ، قال: إنَّ مِمّا صنَعَ الله لنبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ هَذَينِ الحيَّينِ من الأنصارِ الأوْسَ، والخَزْرجَ كانا يَتَصاولانِ في الإسْلام كتَصاوُلِ الفَحْلينِ، لا تَصْنعُ الأوسُ شيئًا، إلّا قالتِ الخزرجُ: والله لا تَذْهبُونَ به
ج ٧ ص ٢١٥أبدًا فَضْلًا علينا في الإسلام. زاد ابن إسحاق: وعِندَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - (١) . فإذا صَنَعتِ الخَزْرجُ شيئًا، قالتِ الأوسُ مِثلَ ذلكَ.
-
فلمّا أصابَتِ الأوسُ كعبَ بن الأشْرَفِ - زاد ابن إسحاق (٢) : في عَداوتهِ لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - - قالتِ الخَزْرجُ: والله لا نَنْتهي حتَّى نُجْزئَ عن رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - مِثلَ الذي أجزؤوا. فتَذاكرُوا رَجُلًا من اليهُودِ - وقال ابن إسحاق: مَنْ رجُلٌ لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في العَداوةِ كابنِ الأشرفِ. فذكرُوا ابن أبي الحُقَيقِ، وهُو بخَيْبرَ - ثمَّ اتَّفَقا (٣) فاسْتَأذنُوا رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في قتلِهِ، فأذِنَ لهم. وفي حديثِ مَعْمر: وهُو سَلّامُ بن أبي الحُقَيقِ الأعْورُ أبو رافع بخيبَرَ، فأذِنَ لهم في قَتلِهِ، وقال لهم: "لا تَقْتُلُوا وليدًا، ولا امْرَأةً" .
-
فخرَجَ إليه من الخَزْرج رَهْطٌ من بني سَلِمةَ، منهُم عبدُ الله (٤) بن عَتِيكٍ، أحدُ بني سلِمةَ، وكان أميرَ القوم، أمَّرَهُ عليهم رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، وعبدُ الله بن أُنَيسٍ، ومسعُودُ بن سِنانٍ، وأبو قَتادةَ بن رِبْعيٍّ، وخُزاعيُّ بن أسودٍ، رَجُلٌ من أسْلَمَ حليفٌ لهم، يعني الخَزْرجَ، حتَّى أتوا خَيْبرَ.
-
فلمّا دخلُوا الدّارَ، عَمدُوا إلى كلِّ بيتٍ منها فَغلَّقُوهُ من خارِجٍ على أهلِهِ، ثُمَّ أسْنَدُوا (٥) . هكذا قال عبدُ الرَّزّاقِ، عن معمرٍ. وقال ابن إسحاقَ: فخَرَجُوا حتَّى إذا قَدِمُوا خَيْبرَ، أتوا دارَ ابن أبي الحُقيقِ ليلًا، فلم يَدَعُوا بيتًا في الدّارِ إلّا
ج ٧ ص ٢١٦أغْلقُوهُ من خارِجٍ على أهلِهِ. قال: وكان في عُلِّيَّةٍ (١) لهُ، إليها عَجَلةٌ (٢) قال: فأسْنَدُوا فيها، حتَّى قامُوا على بابِهِ، فاسْتَأذنُوا، فخَرَجت إليهِمُ امرأتُهُ، فقالت: من أنتُم؟ قالوا: ناسٌ، أو نفرٌ، من العَربِ أرْدَنا الميرَةَ. فقالت: هذا الرَّجُلُ صاحِبُكُم، فادخُلُوا عليه، فلمّا دَخلُوا عليه، أغْلقُوا عليه وعليها (٣) وعليهم الباب، ثُمَّ ابْتَدرُوهُ بأسيافِهِم. قال: يقولُ قائلُهُم: والله ما دَلَّنا عليه إلّا بياضُهُ على الفِراشِ في سَوادِ اللَّيلِ، كأنَّهُ قُبطيَّةٌ (٤) مُلقاةٌ. قال: وصاحَتْ بنا امرأتُهُ، قال: فرفَعَ رجُلٌ (٥) مِنّا السَّيف ليضرِبها، ثُمَّ يذكُرُ نَهْيَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فيَكُفُّ يدَهُ. قال: ولولا ذلكَ، لفَرَغنا منها بلَيلٍ. قال: فلمّا ضَرَبناهُ بأسْيافِنا، تحامَلَ عبدُ الله بن أُنَيسٍ بسَيفهِ في بَطْنِهِ، حتَّى أنْفَذهُ (٦) ، فجعل يقولُ: قَطِي قَطِي، أي: حَسْبي حَسْبي. هكذا قال ابن إسحاق. وقال مَعْمرٌ: فجعل يقولُ: بَطْني بَطْني، ثلاثًا. ثمَّ اتَّفقا، قال: ثُمَّ خَرَجنا. وكان عبدُ الله بن عَتِيكٍ سيِّئَ البصرِ، فوقَعَ من فوقِ العَجَلةِ، فوثِئَت رِجلُهُ وثئًا (٧) مُنكرًا، فنَزَلنا واحتملناهُ. هكذا قال مَعْمرٌ، وقال ابن إسحاق: سيِّئَ البَصرِ، فوُثِئَت يدُهُ وثئًا شديدًا، فاحْتَملناهُ. ثمَّ اتَّفقا بمعنًى واحِدٍ، فانطلقنا به، حتَّى أتينا مَنْهَرَ (٨) عينٍ من عُيُونِهِم، فدخلنا فيه.
ج ٧ ص ٢١٧قال: وأوقَدُوا النِّيران، وأشعلُوها في السَّعفِ (١) ، وجعلُوا يَلْتمِسُونَ ويَشْتدُّون في كلِّ وَجْهٍ، ويطلُبُون، وأخْفَى الله عليهِم مكاننا، فلمّا يَئسُوا رَجَعُوا إلى صاحبِهِم فاكْتَنَفُوهُ، فقال بعضُ أصحابِنا: أنذهبُ ولا نَدْري أماتَ عدُوُّ الله أم لا؟ فخرجَ رجُلٌ مِنَّا، فانطلَقَ حتَّى دخَلَ في النّاسِ، فوجَدَ امرأتهُ تَبْكيهِ، وفي يَدِها المِصباحُ، وحَوْلهُ رِجالٌ يهودٌ، فقال قائل منهُم: أما واللّه لَقَد سَمِعتُ صوتَ ابن عَتِيكٍ. وقال ابن إسحاقَ: وفي يَدِها المِصباحُ تَنْظُرُ في وجهِهِ، وتُحدِّثُهُم، وتقولُ أما واللّه لقَدْ سمِعتُ صوتَ ابن عَتيكٍ. ثُمَّ اتَّفقا، ثُمَّ أكذبتُ نَفْسي وقلتُ: وأَنَّى ابن عَتِيكٍ بهذه البِلادِ؟ ثُمَّ أقْبَلَتْ عليه تنظُرُ في وجهِهِ، ثُمَّ قالت: فاظَ (٢) وإلَهِ يهودَ. قال: فما سَمِعتُ كَلِمةً كانت ألَذَّ إلى نَفْسي منها. قال مَعْمرٌ في حديثِه: ثُمَّ جِئتُ فأخبرتُ أصحابي أنَّهُ قد ماتَ، فاحْتَملنا صاحِبنا، فَجِئنا النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخْبَرناهُ بذلكَ - وقال ابن إسحاقَ: ثُمَّ جاءَنا فأخْبَرنا الخبَرَ، فاحتمَلْنا صاحِبنا، فقَدِمنا على رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبرناهُ بقَتْلِ عدُوِّ الله - واخْتَلَفنا عِندهُ في قَتْلِهِ، كلُّنا يَدَّعيهِ، فقال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "هاتُوا أسْيافكُم" قال: فَجِئناهُ بها، فنظَرَ إليها، فقال: لسَيفِ عبدِ الله بن أُنيس: "هذا قَتَلهُ" رأى فيه أثرَ الطَّعام. قال معمر: جاؤُوهُ يوم الجُمُعةِ، والنَّبيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على المِنبرِ يخطُبُ، فلمّا رآهُم قال: "أفْلَحتِ الوُجُوهُ" .
وقال ابن إسحاقَ: فقال حسّانُ بن ثابتٍ، يذكُرُ قتلَ ابن الأشرَفِ وقتلَ سلّام بن أبي الحُقيق:
للّه دُرُّ عِصابةٍ لاقيتَهُم ... يا ابن الحُقيقِ وأنتَ يا ابن الأشْرفِ
يَسرُون بالبيضِ الخِفافِ إليكُمُ ... مَرَحًا كأُسْدٍ في عَرينٍ مُغرفِ (٣)
ج ٧ ص ٢١٨حتَّى أتوكُم في محلِّ بلادِكُم ... فسَقَوكُم حَتْفًا ببيضٍ ذُفَّفِ (١)
مُسْتَنصِرين لنَصْرِ دينِ محمدٍ ... مُسْتَصغِرين لكلِّ أمْرٍ مُجحِفِ
قال ابن هشام: قوله: ذُفَّف (٢) ، من غيرِ ابن إسحاق. والذُّففُ: الخِفافُ.
-
حَدَّثَنَا خلفُ بن القاسم بن سَهْلٍ الحافِظُ، قال: حَدَّثَنَا أبو القاسم بُكيرُ بن الحسنِ بن عبدِ الله بن سلمةَ الرّازِّيُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن أبي مَرْيمَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يُوسُف، قال: حَدَّثَنَا ابن ثَوْبان، عن حسّانِ بن عطيَّةَ، عن أبي مُنيبٍ الجُرَشيِّ، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "بُعِثتُ بين يَدَي السّاعةِ بالسَّيفِ، حتَّى يُعْبدَ الله وَحْدهُ لا شريكَ لهُ، وجُعِلَ رِزْقي تحتَ ظِلِّ رُمْحِي، وجُعِلَ الصَّغارُ والذِّلَّةُ على من خالَفَ أمْرِي" (٣) .
- ج ٧ ص ٢١٩
أبو المُنيبِ الجُرشيُّ يُعدُّ في الشَّاميِّين، وأصلُهُ من المدينةِ، يروي عن ابن عُمرَ، وسعيدِ بن المُسيِّبِ، روى عنهُ: زيدُ بن واقِدٍ الشّاميُّ، وحسّانُ بن عطيَّةَ، وأبو اليمانِ، ومُجاهِدُ بن فَرْقدٍ الصَّنعانيُّ، ليس به بأسٌ.
قال أبو عُمر: فهذه قِصَّةُ ابن أبي الحُقيقِ.
-
وأخَّرنا القولَ في حُكم قَتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ، وما كان في مَعْناهُم، وما للعُلماءِ في ذلكَ من الاختِلافِ والاتِّفاقِ، إلى آخِرِ بابِ حديثِ نافع (١) ، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله تعالى.