أيوب السختياني، بصري

١٥٠ فقرة، ج ١ ص ٥٩٧

الصفحة ٢ من ٤

  1. وأجمَع المسلمون طُرًّا أنَّ الكلامَ عامدًا في الصلاةِ -إذا كان المصلِّي يعلمُ أنَّه في صلاةٍ، ولم يكنْ ذلك في إصلاح صلاتِه- يُفسِدُ الصلاةَ (٢) ، إلَّا ما رُويَ عن الأوزاعيِّ أنَّه مَن تكلَّم لإحياءِ نَفْسٍ، أو مثلِ ذلك من الأمورِ الجِسام، لم تَفسُدْ بذلك صلاتُه، وهو قولٌ ضعيفٌ في النَّظَرِ؛ لقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨] .

    قال زيدُ بنُ أرقمَ: كُنَّا نتكلمُ في الصلاةِ حتى نزلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} .

    ج ١ ص ٦١١
  2. فأُمِرْنا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام (١) . وقال ابنُ مسعود: سمِعْتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "إنَّ اللَّهَ قدْ أحدَث من أمرِه ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (٢) .

    وقال مُعاويةُ بنُ الحكم: سمِعتُ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: "إنَّ صلاتَنَا هذه لا يَصلُحُ فيها شيءٌ منْ كلام الناسِ" (٣) . وليس الحادثُ الجسيمُ الذي يَجِبُ له قطعُ الصلاةِ، ومن أجلِه يُمنَعُ منَ الاستئنافِ، فمن قطَع صلاتَه لِمَا يرَاه من الفضلِ في إحياءِ نَفْسٍ، أو ما كان بسبيلِ ذلك، استأنَفَ صلاتَه ولم يَبْنِ. هذا هو الصحيحُ إن شاء اللَّهُ. وأجمَعوا على (٤) أنَّ السلامَ فيها عامدًا قبلَ تمامِها يُفسِدُها.

    قال أبو عُمر: وأما العراقيون؛ أبو حنيفةَ وأصحابُه، والثورِيُّ، فذهَبوا إلى أنَّ الكلامَ في الصلاةِ يُفسِدُها، على أيِّ حالٍ كان؛ سهوًا أو عمدًا، لصلاح الصلاةِ كان أو لغيرِ ذلك (٥) .

    ج ١ ص ٦١٢
  3. واختلَف أصحابُ أبي حنيفةَ في السلام فيها ساهيًا قبلَ تمامِها؛ فبعضهم أفسَد صلاةَ المسَلِّم ساهيًا، وجعَله كالمتكلم ساهيًا، وبعضُهم لم يُفسِدْها بالسلام فيها ساهيًا، وكلُّهم يُفسِدُها بالكلام ساهيًا وعامدًا، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وحمَّادِ بنِ أبي سُليمانَ، وقتادةَ (٦) .

  4. وزعَم أصحابُ أبي حنيفةَ أنَّ حديثَ أبي هريرةَ هذا في قصةِ ذي اليدَيْنِ منسوخٌ بحديثِ ابنِ مسعودٍ وحديثِ زيدِ بنِ أرقمَ اللذين ذكرْنا. قالوا: وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بيانُ أنَّ الكلامَ كان مُباحًا في الصلاةِ ثم نُسِخَ. قالوا: فحديثُ ابنِ مسعودٍ ناسخٌ لحديثِ أبي هريرةَ في قصةِ ذي اليدينِ. قالوا: وإن كان أبو هريرةَ مُتأخرَ الإسلام فإنَّه أرسَل حديثَ ذي اليدَيْنِ كما أرسَل حديثَ: "منْ أدركَهُ الفجرُ جُنبًا فلا صومَ له" (١) ، ثم أضافَه إلى مَن حدَّثَه به إذ سُئلَ عنه. قالوا: وكان كثيرَ الإرسالِ، وجائزٌ للصاحبِ إذا أخبرَه الصحابةُ بشيءٍ أن يُحدِّثَ به عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا لم يقلْ: سمِعتُ. ألا ترَى أنَّ ابنَ عباسٍ حدَّث عن رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بما لا يَكادُ يُحصَى كثرةً من الحديثِ، ومعلومٌ أنَّه لم يَسمعْ منه إلا أحاديثَ يسيرةً؟

    وقالوا: ألا ترَى إلى أنسِ بنِ مالكٍ، يقولُ: ما كُلُّ ما نُحدِّثُكُم سمِعناه من رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكنْ منه ما سمِعْنا ومنه ما أخبَرَنا أصحابُنا (٢) . وكلُّ حديثِ الصحابةِ مقبولٌ عندَ جماعةِ العلماءِ على كُلِّ حالٍ.

    ج ١ ص ٦١٤قالوا: فغيرُ نكير أن يُحدِّثَ أبو هريرةَ بقصةِ ذي اليدين وإنْ لم يشهَدْها.

    قالوا: وممَّا يدلُّ على أنَّ حديثَ أبي هريرةَ منسوخ أنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ لا خلافَ بينَ أهلِ السيرِ في ذلك. قالوا: فيومُ ذي اليَدَيْنِ، كان قبلَ يوم بدرٍ. واحتَجُّوا بما روَاه ابنُ وَهْبٍ، عن العُمَريِّ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، أنَّ إسلامَ أبي هريرةَ كان بعدَ موتِ ذي اليَدَين (١) .

    قالوا: وهذا الزُّهرِيُّ مع علمِه بالأثرِ والسِّيرِ، وهو الذي لا نظيرَ له في ذلك، يقولُ: إنَّ قصةَ ذي اليَدَينِ كانت قبلَ بدرٍ. حكَاه معمرٌ وغيرُه عن الزُّهريِّ، قال الزُّهريُّ: ثم استحكمَتِ الأمورُ بعدُ (٢) . وهو قولُ (٣) أبي معشرٍ؛ أنّ ذا اليَدَيْنِ قُتِل يومَ بدرٍ. وهو قولُ ابنِ عمر وجماعةِ أهلِ السِّيرِ قالوا: وحديثَ ابنِ مسعودٍ (٤) كان بمكّةَ في حين مُنصَرَفِه من أرضِ الحبشةِ، وذلك قبلَ الهجرةِ، وحديثَ أبي هُريرةَ كان بالمدينةِ في قصةِ ذي اليدَينِ، هذا ما لا يدفعُه حاملُ أثرٍ ولا ناقلُ خبرٍ، وابنُ مسعودٍ شهدَ بعدَ قُدومِه من أرضِ الحبشةِ بدرًا، وأبو هريرةَ إنما كان إسلامُه عامَ خيبر (٥) .

    قال أبو عُمر: هو كما قالوا إلَّا أنَّ مَن ذكَر في حديثِ ابن مسعودٍ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في حين رُجوعِه من أرضِ الحبشةِ: "إنَّ اللَّهَ أحدَث ألَّا تَكَلَّمُوا

    ج ١ ص ٦١٥في الصلاةِ ". فقد وهِمَ ولم يَحفَظْ، ولم يَقُلْ ذلك غيرُ عاصم بنِ أبي النَّجودِ، وهو عندَهم سيِّئُ الحفظِ، كثيرُ الخطأ في الأحاديثِ، والصحيحُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّه لم يكنْ إلَّا بالمدينةِ، وبالمدينةِ نُهيَ عن الكلام في الصلاةِ، بدليلِ حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ الأنصاريِّ؛ أنَّهم كانوا يَتَكَلَّمونَ في الصلاةِ حتى نزَلتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} . فأُمِرُوا بالسكُوتِ في الصلاةِ، ونُهُوا عنِ الكلام فيها.

    ج ١ ص ٦١٣
  5. وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ بما يُوافقُ هذا ولا يدفعُه، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ سورةَ "البقرةِ" مدنيّةٌ، وتحريمُ الكلام في الصلاةِ كان بالمدينة.

  6. وأمَّا روايةُ عاصم في حديثِ ابنِ مسعودٍ، فأخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميديُّ، قال (١) : حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبي النَّجودِ، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، قال: كنا نُسلِّمُ على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاةِ، قبلَ أن نأتيَ أرضَ

    ج ١ ص ٦١٦الحبشةِ فيَرُدُّ علينا، فلمَّا رجَعْنا سلَّمْتُ عليه وهو يُصلِّي، فلم يَرُدَّ عليَّ، فأخَذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فجلسْتُ حتى قضَى النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الصلاةَ فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، سَلَّمْتُ عليكَ وأنتَ تُصلِّي فلمْ تَرُدَّ عليَّ؟ فقال: "إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ من أمرِهِ ما يشاءُ، وإنَّ مِمَّا أحدَثَ ألَّا تَكَلَّموا في الصلاةِ" .

    قال سُفيانُ: هذا أجودُ ما وجَدْنا عندَ عاصم في هذا الوجْهِ.

  7. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ الأعْنَاقيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيليُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبدِ اللَّه، قال: كنا نُسَلِّمُ على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ أن نأتيَ أرضَ الحبشةِ. فذكَر مثلَه سواء.

  8. وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِي، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن عاصم، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: أتيْتُ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُصلِّي فسلمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: "إنَّ اللَّهَ يُحدِثُ لنبيِّهِ ما شاءَ، وإنَّ ممَّا أحدَثَ له ألَّا تَكَلَّمُوا في الصلاةِ" (١) .

  9. فلم يَقُلْ شُعبةُ في هذا الحديثِ عن عاصم: إنَّ ذلك كان في حينِ انصرافِ

    ج ١ ص ٦١٧ابنِ مسعودٍ من أرضِ الحبشةِ (١) . وقد رُويَ حديثُ ابنِ مسعودٍ من غيرِ طريقِ عاصم، وليسَ فيه المعنَى الذي ذكَره ابنُ عُيينةَ (٢) وغيرُه عن عاصم، بل فيه ما يدل على أنَّ معناه ومعنَى حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ سواء.

  10. أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ الجهنيُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ الكنانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ النَّسائيُّ، قال (١) : أخبَرنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ عمَّارٍ الموصِليُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي غَنِيَّةَ والقاسمُ -يعني ابنَ يزيدَ الجَرْمِيَّ- عن سفيانَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن كُلثوم، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ -وهذا حديثُ القاسم- قال: كنتُ آتي النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يُصلِّي، فأُسَلِّمُ عليه، فيَرُدُّ عليَّ، فأتيتُه، فسلمْتُ عليه وهو يُصلِّي فلم يَرُدَّ عليَّ شيئًا، فلمَّا سلَّم أشارَ إلى القوم، فقال: "إنَّ اللَّهَ أحدَثَ في الصلاةِ ألَّا تكَلَّمُوا إلَّا بذكْرِ اللَّه وما ينبغي لكمْ، وأنْ تَقوموا للَّه قانتين" .

    ج ١ ص ٦١٨
  11. وأما حديثُ زَيْد بنِ أرقمَ فليسَ فيه بيان أنّه قبل حديث أبي هريرة ولا بَعْدَهُ، والنظرُ يشهدُ أنّه قبله إن شاء اللَّه على ما نبينُه في هذا الباب.

  12. والحديثُ حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٣) : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا يحيَى بنُ سعيدٍ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٤) ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥) : حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى، قال: حدَّثنا هُشيمٌ،

    ج ١ ص ٦١٩قالا جميعًا: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ. قال أحمدُ بنُ شُعيبٍ في حديثِه: حدَّثني الحارثُ بنُ شُبَيْلٍ. وقال أبو داودَ في حديثِه: عن الحارثِ بنِ شُبيلٍ، عن أبي عمرٍو الشيبانيِّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال: كان أحدُنا يُكلِّمُ الرجلَ إلى جنبِه في الصلاةِ فنزَلتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ، فأُمِرْنَا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام. اللَّفظُ لحديثِ أبي داودَ. ففي هذا الحديثِ، وحديثِ ابنِ مسعودٍ، دليلٌ على أنَّ المنعَ من الكلام كان بعدَ إباحتِه في الصلاةِ، وأنَّ الكلامَ فيها منسوخٌ بالنهي عنه والمنع منه.

  13. وأمَّا قولُهم: إنَّ أبا هريرةَ لم يَشهدْ ذلك لأنَّه كان قبلَ بدرٍ، وإسلامُ أبي هريرةَ كان عامَ خيبرَ. فليسَ كما ذكَروا؛ بلَى إنَّ أبا هريرةَ أسلَمَ عامَ خيبرَ، وقدِم المدينةَ في ذلك العام، وصحِب النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَ أربعةِ أعوام، ولكنَّه قد شهِد هذه القصةَ وحضَرها، لأنَّها لم تكنْ قبلَ بدرٍ، وحضورُ أبي هريرةَ يومَ ذي اليدَينِ محفوظٌ من روايةِ الحفاظِ الثقَاتِ، وليسَ تقصيرُ مَن قصَّرَ عن ذلك بحُجةٍ على من عَلِمَ ذلك وحفِظَه وذكَره، فهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد ذكَر في "موطَّئِه" (١) عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن أبي سُفيانَ، مولى ابنِ أبي أحمدَ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، وذكَر الحديثَ.

  14. هكذا حدَّثَ به ابنُ القاسم (٢) ، وابنُ وَهْبٍ (٣) ، وابنُ بُكيرٍ (٤) ، والقَعْنبِيُّ (٥) ،

    ج ١ ص ٦٢٠والشافعِيُّ (١) ، وقتيبةُ بنُ سعيدٍ (٢) ، عن مالكٍ، عن داودَ بالإسنادِ المذكورِ، ولم يقلْ يحيَى: "صلَّى لنا" في حديثِ مالكٍ عن داودَ هذا، وإنما قال: صلَّى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وسقَط أيضًا عن بعضِهم قولُه: "لنا" . وشهودُ أبي هريرةَ لذلك، وقولُه: صلَّى لنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. و: صلَّى بنا رسولُ اللَّه. و: بَيْنا نحنُ مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. كُلُّ ذلك في قصةِ ذي اليدين، محفوظٌ عندَ أهلِ الإتقان.

  15. أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال: حدَّثنا شيبانُ، عن يحيَى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: بينَما أنا مع رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في صلاةِ الظهرِ، فسلَّم رسولُ اللَّه من الرَّكْعتينِ، فقامَ رجلٌ من بني سُليم، فقال: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللَّه: "لم تَقصُرْ ولم أنْسَه" . قال: يا رسولَ اللَّه، إنما صلَّيْتَ رَكْعتينِ. فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أكما يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: نعم. فصلَّى بهم رَكْعتين أُخريين. قال يحيَى: وحدَّثني ضَمْضَمُ، أنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: ثم سجَد رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سجدتين (٣) .

  16. وذكره أحمدُ بنُ شُعيبٍ (٤) ، عن إبراهيمَ بنِ يعقوبَ، عنِ الحسنِ بنِ موسَى، عن شيبانَ، بإسنادِه مثلَه سواءً.

  17. وحدثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّه (٥) ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا

    ج ١ ص ٦٢١الفضلُ بنُ الحُبابِ القاضِي بالبصرةِ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسِيُّ، قال: حدَّثني عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حدَّثني ضَمْضمُ بنُ جَوْسٍ الهِفَّانيُّ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدَى صلاتي العَشِيِّ، وذكَر الحديثَ (١) .

  18. حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيم (٢) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ (٣) ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى، قال: قال مَن سمِع أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدَى صلاتي العَشِيِّ، وذكَر الحديثَ (٤) .

  19. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال (٥) : أخبَرنا حُميدُ بنُ مَسْعَد، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدَى صلاتي العَشِيِّ، قال: قال أبو هريرةَ: ولكنِّي نسِيتُ. قال: فصلَّى بنا رَكْعتين ثم سلَّم، فانطلَق إلى خشبةٍ معروضةٍ في المسجدِ، فقال بيدِه عليها كأنَّه

    ج ١ ص ٦٢٢غضبانُ، وخرجَتِ السَّرَعَانُ (١) من أبوابِ المسجدِ، فقالوا: قَصُرتِ الصلاةُ. وفي القوم أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، وفي القوم رجلٌ في يده طُولٌ، وكان يُسمَّى ذا اليدين، فقال: يا رسولَ اللَّه أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؟ قال: "لمْ أنسَ ولمْ تُقْصَر الصلاةُ" . قال: "أكمَا يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: نعم! فجاءَ فصلَّى الذي كان ترَك، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه، أو أطولَ، ثم رفَع رأسَه وكبَّر، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع رأسَه فكبَّر.

  20. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ (٢) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيوبَ السَّختيانيّ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن أبي هريرة، قال: صلّى بنا رسُولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدى صلاتي العَشِي؛ الظُّهرِ أو العَصْرِ. قال: فصلَّى بنا رَكْعتَينِ، ثمّ سلّمَ، ثم قامَ إلى خشبةٍ في مُقَدَّم المسجدِ، فوضَع يديْهِ عليها، إحداهمَا على الأخرى، وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، وقالوا: أُقْصِرَت الصلاةُ، أُقْصِرَت الصلاةُ، وفي الناسِ أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، فقامَ رجلٌ، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسميه ذا اليدينِ، فقال: يا رسولَ اللَّه، أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؛ فقال: "لمْ أنسَ ولم تَقْصُرِ الصلاةُ" . قال: بل نسِيتَ يا رسولَ اللَّه. فأقبَل رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على القوم، فقال: "أصدَق ذو اليدين؟ " فأومَئوا أن نعم. فرجَع رسولُ اللَّه إلى مَقامِه، فصلَّى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَّر

    ج ١ ص ٦٢٣فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع وكبَّر، وسجَد مثلَ سجودِه أو أطولَ، ثم رفَع وكبَّر. قال: فقيل لمحمدٍ: سلَّم في السهوِ؟ قال: لم أحفظْ من أبي هريرةَ، ولكنْ نُبِّئْتُ أنَّ عِمرانَ بنَ حُصينٍ، قال: ثم سلَّم.

    قال أبو داودَ (١) : كلُّ مَن روَى هذا الحديثَ، لم يَقُلْ: فأومَئوا، إلَّا حمَّادَ بنَ زيد.

    قال أبو عُمر: وهكذا رواه هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إحدَى صلاتي العَشِيِّ. ثم ذكَر مثلَ حديثِ حمّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ سواءً، ولم يَقُلْ: فأومَئوا؛ أخبرنِيه عبدُ اللَّه بنُ محمدٍ (٢) ، قال: أخبَرنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ بكرٍ السَّهْمِيُّ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، فذكره (٣) .

    قال أبو عُمر: فحصَل محمدُ بنُ سيرينَ، وأبو سفيانَ مولَى ابنِ أبي أحمدَ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وضَمْضَمُ بنُ جَوْسٍ، كلُّهم يروي عن أبي هريرةَ في هذا الحديثِ: صلَّى بنا رسولُ اللَّه.

  21. وكذلكَ روَاه العلاءُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، وابنُ أبي ذئبٍ، عن المَقْبُريِّ، عن أبي هريرةَ (٤) .

  22. وقد رُويَ هذا الحديثُ أيضًا عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن رجلٍ من الصحابةِ يقالُ له: أبو العُريانِ بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ومعناه؛ ذكَره أبو جعفرٍ العُقيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ أسباطٍ، قال: أخبَرنا أبو نعيم، قال: أخبَرنا أبو خَلْدَة (١) ، قال: سألْتُ محمدَ بنَ سيرينَ فقلتُ: أُصلِّي وما أدري أركعتينِ صليْتُ أم أربعًا؟ فقال: حدَّثني أبو العُريانِ أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى يومًا ودخلَ البيْتَ، وكان في البيْتِ رجلٌ طويلُ اليدين، وكان رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسميه ذا اليدَيْنِ، فقال ذو اليَدَيْنِ: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ قال: "لم تَقْصُرْ ولم أنسَ" . قال: بل نسِيتَ الصلاةَ. قال: فتقدَّمَ فصلَّى بهم رَكْعتينِ، ثم سلَّم، ثم كبَّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبَّر ورفَع رأسَه، ثم كبَّر وسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبَّر ورفَع رأسَه. ولم يَحْفَظْ لي أحدٌ سلَّم بعدُ أم لا (٢) .

    ج ١ ص ٦٢٤
  23. وقد قيلَ: إنَّ أبا العُرْيانِ المذكورَ في هذا الحديثِ هو أبو هريرة (٣) .

  24. وقد روَى قصةَ ذي اليدين عبدُ اللَّه بنُ عمرَ، ومعاويةُ بنُ حُديج، وعِمرانُ بنُ حُصينٍ، وابنُ مَسْعَدَةَ، رجل من الصحابةِ، وكلُّهم لم يَحْفَظْ عنِ النبيِّ عليه السلامُ، ولا صَحِبَه إلَّا بالمدينةِ مُتأخرًا.

  25. فأما حديثُ ابنِ عمرَ فذكَره أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه، عن نافع، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، صلَّى بالناسِ ركعتينِ، فسَهَا، فسلَّم، فقال له رجلٌ يُقالُ له: ذو اليدين، وذكَر الحديثَ.

    ج ١ ص ٦٢٥
  26. وأمَّا حديثُ مُعاويةَ بنِ حُديج، فروَاه الليثُ بنُ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، أنَّ سُويدَ بنَ قيسٍ أخبَره عن مُعاويةَ بنِ حُديج، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى يومًا، فسلَّم وانصرَف، وقد بَقِيَ عليه من الصلاةِ رَكْعةٌ، فأدرَكه رجل، فقال: نسِيتَ من الصلاةِ رَكْعةً. فرجَع، فدخَل المسجدَ، وأمَر بلالًا، فأقامَ الصلاةَ، فصلَّى بالناسِ رَكْعةً، فأخبرتُ بذلك الناسَ، فقالوا: أتعرِفُ الرجُلَ؟ قلتُ: لا، إلَّا أن أرَاه، فمرَّ بي، فقلْتُ: ها هو هذا. فقالوا: طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه (٢) .

  27. وأمَّا حديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ، فروَاه شُعبةُ (٣) ، وعبدُ الوهابِ الثقفِيُّ (٤) ، وابنُ عُلَيّةَ، ويزيدُ بنُ زُريع، وحمادُ بنُ زيدٍ، كلُّهم عن خالدٍ الحذَّاءٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المهلبِ، عن عِمْرانَ بنِ حُصينٍ.

  28. أخبَرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بنُ أبي شيبةَ، قال (١) : حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، عن أبي المهلبِ (٢) ، عن عِمرانَ بنِ حُصينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذَّاءُ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، عن أبي المهلبِ، عن عمرانَ بنِ حُصينٍ -واللَّفظُ لحديثِ مُسددٍ- قال: سلم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ثلاثِ رَكْعاتٍ من العصرِ، ثم دخَل، فقامَ إليه رجل يُقالُ له: الخِرْباقُ، وكان طويلَ اليدينِ، فقال: الصلاةَ يا رسولَ اللَّه - وفي حديثِ ابنِ عُلمةَ: فذكَر له الذي صنَع- فخرَج مُغضَبًا يَجُرُّ إزارَه، فقال: "أصدَقَ هذا؟ " قالوا: نعم. فصلَّى تلكَ الرَّكْعةَ ثم سلَّم، ثم سجَد سجدتينِ، ثم سلَّم.

    ج ١ ص ٦٢٦
  29. وأمَّا حديثُ ابنِ مَسْعَد، فروَاه عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريج، عن عُثمانَ بنِ أبي سُليمانَ، عن ابنِ مسعدةَ صاحبِ الجيوشِ، أنَّ النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى الظهرَ أو العصرَ فسلَّم في رَكْعتينِ، فقال له ذو اليدينِ: أخُفِّفَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللَّه أمْ نسِيتَ؟ فقال النبيُّ عليه السلامُ: "ما يقولُ ذو اليدين؟ " قالوا: صدَق يا رسولَ اللَّه.

  30. فأتمَّ بهم الرَّكْعتين، ثم سجَد سجدَتَي السَّهوِ وهو جالسٌ بعدَما سلَّم (١) .

    ج ١ ص ٦٢٧
  31. وابنُ مَسْعَدَةَ هذا اسمُه عبدُ اللَّه، معروفٌ في الصحابةِ؛ قد روَى عنِ النبيِّ عليه السلامُ أنَّه سمِعه يقولُ: "إتِّي قدْ بدَّنْتُ (٢) ، فمَن فاته رُكوعِي أدرَكه في بُطءِ قيامي" (٣) . وروَى عنه حديثَ ذي اليدين، وهو معدودٌ في المكِّيِّين (٤) .

  32. وحسبُكَ في هذا الحديثِ بحديثِ أبي هريرةَ، ثم حديثِ ابنِ عمرَ، وحديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ وغيرِهم، وهو من الأحاديثِ التي لا مَطْعَنَ فيها لأحدٍ وإنما اختلَفوا في تأويلِ شيءٍ منه.

    ج ١ ص ٦٢٨
  33. وأمَّا قولُهم: إنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ. فغيرُ صحيح، وإنما المقتولُ يومَ بدرٍ ذُو الشمالين، ولسْنا نُدافِعُهم أنَّ ذا الشمالين مقتولٌ ببدرٍ؛ لأنَّ ابنَ إسحاقَ (١) وغيرَه من أهلِ السِّيرِ ذكَرُوه فيمَنْ قُتِل يومَ بدرٍ.

  34. وقال حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب، قال: قُتِل يومَ بدرٍ خمسةُ رجالٍ من قريشٍ من المهاجرين؛ عُبيدةُ بنُ الحارثِ، وعامرُ بنُ أبي وقّاصٍ، وذُو الشمالين، وابنُ بَيْضَاءَ، ومِهْجَعٌ مولَى عمرَ بنِ الخطابِ (٢) .

    قال أبو عُمر: إنما قال سعيدُ بنُ المُسيِّب: إنَّهم من قريشٍ؛ لأنَّ الحليفَ والمولَى يُعَدُّ من القوم، فمِهجَعٌ مولَى عمرَ، وذُو الشمالين حليفُ بني زُهْرَةَ؛ قال ابنُ إسحاقَ (٣) : ذُو الشمالين هو عُميرُ بنُ عمرِو بنِ غُبْشَانَ بنِ سُليم بنِ مالكِ (٤) بنِ أفصىَ بنِ حارثةَ بنِ عمرِو بنِ عامرٍ، من خُزاعةَ، حليفٌ لبني زُهْرَةَ.

    قال أبو عُمر: فذُو اليدَيْنِ غيرُ ذي الشِّمالين المقتولِ ببدرٍ، بدليلِ ما في حديثِ أبي هريرةَ، ومن ذكَرْنا معه؛ من حُضورِهم تلك الصلاةَ، وأنَّ المتكلمَ بذلك الكلام إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجلٌ من بني سُليم، كذلك قال يحيَى بنُ أبي كثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، وقد تقدَّمَ ذكرُنا لذلك.

    ج ١ ص ٦٢٩وقال عِمْرانُ بنُ حُصينٍ: رجلٌ طويلُ اليدين يُقالُ له: الخِرْبَاقُ. وممكنٌ أن يكونَ رجُلانِ أو ثلاثةٌ يُقالُ لكلِّ واحدٍ منهم: ذو اليَدَيْن، وذو الشِّمالينِ. ولكنَّ المقتولَ يومَ بدرٍ غيرُ الذي تكلَّم في حديثِ أبي هريرةَ إلى النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ سَها فسلَّم من اثنتين، وهذا قولُ أهلِ الحِذْقِ والفهم من أهلِ الحديثِ والفقْهِ.

  35. أخبَرنا عبدُ اللَّه بنُ محمّدٍ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: سمِعتُ مُسدَّدًا (٢) يقولُ: الذي قُتِلَ يومَ بدرٍ إنما هو ذُو الشِّمالين بنُ عبدِ عمرٍ وحليفٌ لبني زُهرةَ، وهذا ذو اليَدَيْنِ رجلٌ من العربِ كان يكونُ بالباديةِ، فيَجيءُ فيُصلِّي مع النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثني سُليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثني حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ذُكِرَ لأيوبَ البناءُ بعدَ الكلام، فقال: أليسَ قد تكلَّم النبيُّ عليه السلامُ يومَ ذي اليَدَيْنِ؟

    قال أبو عُمر: فإن قال قائلٌ: إنَّ حديثَ ذي اليَدَيْنِ مُضطربٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ يقولانِ: سلَّم من اثنَتينِ. وعمرانَ بنَ حُصينٍ يقولُ: من ثلاثِ ركعاتٍ. ومعاويةَ بنَ حُديج يقولُ: إنَّ المتكَلِّمَ طلحةُ بنُ عُبيدِ اللَّه؟ قيلَ له: ليس اختلافُهم في موضع السلام من الصلاةِ عندَ أحدٍ من أهلِ العلم بخلافٍ يَقدَحُ في حديثهم؛ لأنَّ المعنَى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلام، ولا فرقَ عندَ أهلِ العلم بينَ المسلِّمِ من ثلاثٍ أو من اثنتينِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لم يُكمِلْ صلاتَه.

  36. وأمَّا ما ذُكِرَ في حديثِ مُعاويةَ بنِ حُدَيْج من ذكرِ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللَّه، فمُمكنٌ أن يكونَ أيضًا طلحةُ كلَّمَه وغيرُه، وليس في أن يُكلِّمَه طلحةُ وغيرُه ما

    ج ١ ص ٦٣٠يَدفعُ أنَّ ذا اليدين كلَّمَه أيضًا، فأدَّى كُلٌّ ما سمِع على حسَبِ ما سمِع، وكلُّهم اتَّفقُوا في أنَّ المعنى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلام، لمن ظنَّ أنَّه قد أتمَّ.

  37. وأمَّا قولُ الزُّهْريِّ في هذا الحديثِ: إنَّه ذُو الشِّمالين، فلم يُتابَعْ عليه، وحمَله الزُّهريُّ على أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ، وقد اضْطُرِبَ على الزُّهريِّ في حديثِ ذي اليَدَين اضطرابًا أوجَب عندَ أهلِ العلم بالنقلِ تركَه من روايتِه خاصَّةً؛ لأنَّه مرةً يروِيه عن أبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: بلغني أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ركَع ركعَتَيْنِ. هكذا حدَّثَ به عنه مالكٌ (١) ، وحدَّثَ به مالكٌ (٢) أيضًا عنه، عن سعيدِ بنِ المُسيِّب وأبي سلمةَ بمثلِ حديثِه عن أبي بكر بنِ سليمانَ بنِ أبي حَثْمَة.

  38. وروَاه صالحُ بنُ كَيْسَانَ عنه؛ أنَّ أبا بكر بنَ سليمانَ بنِ أبي حثمةَ أخبَره أنَّه بلغَه أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلَّى رَكْعتين ثم سلَّم، وذكَر الحديثَ، وقال فيه: فأتَمَّ ما بَقِيَ من صلاتِه، ولم يَسجُدِ السَّجدتَيْنِ اللَّتينِ تُسجَدان إذا شكَّ الرجلُ في صلاتِه حينَ لَقَّنَه الرجلُ. قال صالحٌ: قال ابنُ شهابٍ: فأخبَرني هذا الخبرَ سعيدُ بنُ المُسيِّب عن أبي هريرةَ. قال: وأخبَرني به أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، وأبو بكر بنُ عبدِ الرَّحمن، وعبيدُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّه (٣) .

  39. وروَاه ابنُ إسحاقَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّب، وعروةَ بنِ الزبيرِ، وأبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ، قال: كُلٌّ قد حدَّثني بذلك، قالوا:

    ج ١ ص ٦٣١صلَّى رسولُ اللَّه بالناسِ الظهرَ، فسلَّم من ركعتين، وذكَر الحديثَ، وقال فيه الزُّهريُّ: ولم يُخبرني رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سجَد سجدتي السهوِ. فكان ابنُ شهابٍ يقولُ: إذا عرَف الرجلُ ما نَسِي من صلاتِه، فأتمَّها، فليس عليه سجدتا السهوِ، لهذا الحديث.

    وقال ابنُ جُريج: حدَّثني ابنُ شهابٍ، عن أبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمَةَ وأبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عمن يَقنَعانِ بحديثه، أنَّ النبيَّ عليه السلامُ صلَّى ركعتين في صلاةِ الظهرِ، أو العصرِ، فقال له ذو الشمالين بنُ عبدِ عمرٍو: يا رسولَ اللَّه، أقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نسِيتَ؟ وذكَر الحديث.

  40. وروَاه معمرٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، وأبي بكر بنِ سُليمانَ بنِ أبي حثمةَ، عن أبي هريرة (١) .