مالك، عن أبي الزبير المكي

١٨٩ فقرة، ج ٨ ص ٥

الصفحة ٤ من ٥

  1. حديثٌ سابعٌ لأبي الزُّبيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبير (٢) ، عن أبي الطُّفيلِ عامرِ بن واثِلةَ، أنَّ مُعاذَ بن جَبَلٍ أخبرَهُ: أنَّهُم خَرجُوا مع رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في غَزْوةِ تبُوكَ، فكان رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ، والمغرِبِ والعِشاءِ، قال: فأخَّرَ الصَّلاةَ يومًا، ثُمَّ خرَجَ فصلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، ثُمَّ دخلَ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى المغرِبَ والعِشاءَ جميعًا، ثمَّ قال: "إنَّكُم ستأتُونَ غدًا إن شاءَ الله عينَ تبُوك، وإنَّكُم لن تأتُوها، حتّى يَضْحَى النَّهارُ، فمن جاءَها منكُم، فلا يَمسَّ من مائها شيئًا، حتّى آتي" . قال: فجِئناها وقد سَبَقنا إليها رَجُلانِ، والعينُ تبُضُّ بشيءٍ من ماءٍ، فسَألهُما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل مَسَستُما من مائها شيئًا؟ " فقالا: نعم، فسبَّهُما رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقال لهُما ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، ثُمَّ غَرفُوا بأيديهِم من العَيْنِ قليلًا قليلًا، حتّى اجتمَعَ في شيءٍ، ثُمَّ غسَلَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منهُ وَجْهَهُ ويَدَيهِ، ثُمَّ أعادَهُ فيها، فجَرَتِ العَيْنُ بماءٍ كثيرٍ، فاسْتَقَى النّاسُ، ثُمَّ قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "يُوشِكُ يا مُعاذُ إن طالَتْ بكَ حياةٌ، أن تَرى ما هاهُنا قد مُلِئَ جِنانًا" .

    قال أبو عُمر: هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، وأبو الطُّفيلِ من كِبارِ التّابِعين وجِلَّتِهِم وعُلَمائهِم، مِمَّن وُلِدَ على عَهدِ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكَرْناهُ في كِتابِنا في الصحابةِ (٣) على شَرْطِنا فيه، فأغْنَى عن ذِكْرِهِ هاهُنا، وقد ذكَرْنا مُعاذَ بنَ جَبَل (٤) هُناك ذِكرًا مُجوَّدًا إن شاءَ الله، وكان أبو الطُّفيل مُحِبًّا في عليٍّ، غيرَ مُتَنقِّصٍ لغيرِهِ من الصَّحابةِ، وجهِلَ أمرَهُ من جعلهُ من الشِّيعةِ الغاليةِ.

    ج ٨ ص ٤٣
  2. وفي هذا الحديثِ من الفِقه: غزوُ الإمام بنفسِهِ العدُوَّ مع عَسْكرِهِ.

    ج ٨ ص ٤٤
  3. وفيه: غزوُ الرُّوم؛ لأنَّ غزوةَ تبُوكَ كانت إلى الرُّوم بأرضِ الشّام، وهي غَزاةٌ لم يلقَ فيها رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كيدًا ولا قِتالًا وانصرَفَ، لما قد ذكرهُ أهلُ السِّيرِ، وقد قيل: إنَّ غَزْوَ الرُّوم وسائرِ أهلِ الكِتابِ أفَضَلُ من غيرِهِم.

  4. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١) : حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن سَلّام، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، عن فرج بن فَضالةَ، عن عبدِ الخبيرِ بن محمدِ بن ثابتِ بن قيسِ بن شمّاس، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، قال: جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُقالُ لها: أمُّ خلّادٍ، وهي مُنْتقِبةٌ تسألُ عن ابْنِها، وهُو مقتُولٌ، فقال لها بَعضُ أصحابِ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: تسألينَ عن ابنِكِ وأنتِ مُنْتقِبةٌ؟ فقالت: إن أُرْزَأ ابني، فلن أُرْزَأَ حَيائي. فقال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "ابنُكِ لهُ أجرُ شَهِيدينِ" ، قالت: ولمَ ذاكَ يا رسُولَ الله؟ قال: "لأنَّهُ قَتَلهُ أهلُ الكِتابِ" .

    قال أبو عُمر: فلفَضلِ غَزْوِ الرُّوم، واللهُ أعلمُ، غَزاهُم رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    قال أبو عُمر: قال أهلُ السِّيرِ: إنَّ غَزْوةَ تبُوكَ إلى الرُّوم كانت في رَجَبٍ، من سنةِ تِسع.

  5. وفيه: الجمعُ بين صَلاتي النَّهارِ، وبين صلاتي اللَّيلِ للمُسافِرِ، وإن لم يَجِدَّ به السَّيرُ.

  6. وفي قولِهِ في هذا الحديثِ: فأخَّر الصَّلاةَ يومًا، ثُمَّ خرج فصلَّى الظُّهر والعصرَ جميعًا، ثُمَّ دخلَ، ثُمَّ خرجَ فصلَّى المغرِبَ والعشاءَ جميعًا، دليل على أنَّهُ

    ج ٨ ص ٤٥جمَعَ بين الصَّلاتينِ وهُو نازِلٌ غيرُ سائرٍ، ماكِثٌ في خِبائهِ وفُسْطاطِهِ، يخرُجُ فيُقيمُ الصَّلاةَ، ثُمَّ ينصرِفُ إلى خِبائهِ، ثُمَّ يخرُجُ فيُقيمُها ويجمعُ بين الصَّلاتينِ من غيرِ أن يجِدَّ به السَّيرُ.

  7. وفى هذا الحديثِ أوضحُ الدَّلائلِ، وأقوى الحُجَج، في الرَّدِّ على من قال: لا يجمعُ المُسافِرُ بين الصَّلاتينِ، إلّا إذا جدَّ به السَّيرُ.

  8. واختلفَ الفُقهاءُ في ذلكَ (١) ، فرَوَى ابنُ القاسم، عن مالكٍ، وهُو رأيُهُ، قال: لا يجمعُ المُسافِرُ في حَجٍّ أو عُمرةٍ إلّا أن يجِدَّ به السَّيرُ، ويخافَ فَواتَ أمرٍ، فيَجْمع في آخِرِ وقتِ الظُّهرِ، وأوَّلِ وقتِ العَصْرِ، وكذلكَ في المغرِبِ والعشاءِ، إلّا أن يَرْتحِل عِندَ الزَّوالِ، فليَجْمعْ حينئذٍ في المرحلةِ بين الظُّهرِ والعصرِ. ولم يذكُر في العِشاءَينِ الجمعَ عِند الرَّحيلِ أوَّل الوقتِ، قال سحنُونٌ: وهُما كالظُّهرِ والعصر (٢) .

  9. وذكر أبو الفَرَج عن مالكٍ، قال: ومن أرادَ الجمعَ بين الصَّلاتينِ، جمعَ بينهُما إن شاءَ في آخِرِ وقتِ الأُولى منهُما، وإن شاءَ في وقتِ الآخِرةِ منهُما، وإن شاءَ أخَّرَ الأُولى فصَلّاها في آخِرِ وَقْتِها، وصلَّى الثّانيةَ في أوَّلِ وَقْتِها. قال: وذلكَ كجَوازِ الجمع بين الظُّهرِ والعصرِ بعَرَفةَ، وبين المغرِبِ والعِشاءِ بالمُزدلِفةِ.

    قال أبو الفرج: وأصلُ هذا البابِ الجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ بعَرَفةَ، والمغرِبِ والعشاءِ بالمُزدلِفةِ؛ لأنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سافَرَ فقَصَرَ وجمع بينهُما كذلك، والجمعُ أيسرُ خطبًا من التَّقصيرِ، فوجَبَ الجمعُ بينهُما في الوقتِ الذي جمَعَ بينهُما فيه رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -.

    ج ٨ ص ٤٦قال سحنُونُ (١) : وفي سَماع ابن القاسم (٢) : وأحَبُّ ما فيه إليَّ، والذي سمِعتُ من مالكٍ: أن يجمعَ المُسافِرُ في آخِرِ وقتِ الظُّهرِ، وأوَّلِ وقتِ العصرِ، وإن جمَعَ بعد الزَّوال بينَهُما، أجْزأَ ذلكَ عنهُ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعلهُ.

    قال ابنُ حبيب: وللمُسافِرِ أن يجمعَ ليَقْطعَ سَفَرَهُ، وإن لم يَخَفْ شيئًا، ولم يُبادِرْهُ.

    وقال اللَّيثُ بن سعد: لا يجمعُ إلّا من جَدَّ به السَّيرُ.

  10. وكان الأوزاعيُّ يقولُ: لا يُجمَعُ بين الصَّلاتينِ إلّا من عُذِر؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا جدَّ به السَّيرُ جمَعَ (٣) .

  11. وعنِ الثَّوريِّ نحوُ هذا، وعنهُ أيضًا ما يدُلُّ على إجازَةِ جَمْع الصَّلاتينِ في وَقْتِ إحداهُما للمُسافِرِ، وإن لم يجِدَّ به السَّير.

    وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: لا يَجمعُ أحدٌ بين الصَّلاتينِ في سفرٍ، ولا حَضَرٍ، لا صحيحٌ، ولا مريضٌ، في صَحْوٍ ولا في مطرٍ، إلّا أنَّ للمُسافِرِ أن يُؤَخِّرَ الظُّهر إلى آخِرِ وقتِها، ثُمَّ ينزِلَ فيُصلِّيَها في آخِرِ وقتِها، ثُمَّ يَمْكُثَ قليلًا ويُصلِّيَ العصرَ في أوَّلِ وقتِها، وكذلك المريضُ. قالوا: فأمّا أن يُصلِّيَ صلاةً في وقتِ أُخرى فلا، إلّا بعرفةَ والمُزدلِفة لا غيرُ (٤) .

  12. وحُجَّتُهُم ما رواهُ الأعمشُ، عن عُمارةَ بن عُمَير، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيد، قال: قال عبدُ الله بن مَسْعُودٍ: والذي لا إلهَ غيرُهُ، ما صلَّى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -

    ج ٨ ص ٤٧صَلاةً قطُّ إلّا لوَقتِها، إلّا صلاتينِ: جمَعَ بين الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفةَ، وجمَعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ بجَمْع (١) .

    قال أبو عُمر: ليسَ في (٢) هذا حُجَّةٌ؛ لأنَّ غيرَ ابن مسعُودٍ حَفِظَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ جمعَ بين الصَّلاتينِ في السَّفرِ، بغيرِ عرَفةَ والمُزدلِفةِ، ومن حفِظَ حُجَّةٌ على من لم يَحْفظْ ولم يَشْهدْ.

    وقال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ: من كان لهُ أن يَقْصُرَ، فلهُ أن يجمعَ بين الصَّلاتينِ في وقتِ إحداهُما، إن شاءَ في وَقْتِ الأُولى، وإن شاءَ في وقتِ الآخِرة (٣) . وهُو قولُ عطاءِ بن أبي رباح (٤) ، وسالم بن عبدِ الله بن عُمرَ (٥) ، وجُمهُورِ عُلماءِ المدينةِ.

  13. حدَّثنا أحمدُ بن سعيدِ بن بشرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ ومحمدُ بن أبي دُلَيم، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن ذَكْوان ومحمدُ بن عَمرٍو وإبراهيمُ بن أيُّوب وغيرُ واحِدٍ، قالوا: حدَّثنا ضَمْرةَ (٦) ، قال: حدَّثنا سليمانُ بن عبدِ العزيزِ ابنُ أخي رُزَيقِ بن حكيم، قال: مرَّ بنا بأيْلَةَ رَبِيعةُ، وأبو الزِّنادِ،

    ج ٨ ص ٤٨ومحمدُ بن المُنكدِرِ، وصَفْوانُ بن سلَيم، في أشْياخ من أهلِ المدينةِ، أرسلَ إليهِمُ الوليدُ بن يزيد ليَسْألهُم عن يمينٍ كان حلفَ بها، قال: فأتيناهُم في مَنْزِلهِم، وقد أخذُوا في الرَّحيلِ، فصلَّوُا الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، حينَ زالتِ الشَّمسُ ثم ركِبُوا (١) ، ثُمَّ أتينا المَسْجِد، فإذا رُزيقُ بن حَكيم يُصلِّي للنّاسِ الظُّهرَ (٢) .

  14. وذكرَ الحسنُ بن عليٍّ الحُلْوانيُّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن زبّان (٣) الأيليُّ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن سعدٍ الأيليُّ، عن يُونُس بن يزيد الأيليِّ، قال: مرَّ بنا: القَعْقاعُ بن حَكِيم ومحمدُ بن المُنكدِرِ وزيدُ بن أسْلَمَ وأبو حازِم وأبو الزِّنادِ ورَبِيعةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، خارِجين إلى الرَّباطِ، فنَزلُوا، وأتَيْناهُم نُسَلِّمُ (٤) عليهم، فوَجَدناهُم قد شَدُّوا محَامِلَهُم، وسوَّوا وِطاءَهُم، فصلَّوا الظُّهرَ والعصرَ، ثُمَّ ركِبُوا، ومَشَينا مَعهُم إلى خَلْفِ بُستانِ ابن وَهْب، ثُمَّ ودَّعناهُم وانْصَرفنا، وأتينا المسجِدَ ورُزيقُ بن حكيم يُصلِّي للنّاسِ الظُّهرَ. قال أبو محمدٍ الحسنُ بن عليٍّ: قلتُ لعُمر: إلى أيِّ رباطٍ ذهبُوا؟ قال: إلى عَسْقلانَ.

    قال: وحدَّثنا عُمرُ بن زبّانَ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن يزيدَ، قال: صحِبتُ ابنَ شِهاب إلى مَكّةَ ثمانيَ سِنينَ، فكان يُصلِّي الظُّهرَ والعصَرَ جميعًا، والمغرِبَ والعشاءَ جميعًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وإسحاقُ بن راهُويةِ، وداودُ.

    وقال الشّافِعيُّ وداودُ: ليسَ للمُسافِرِ أن يجمَعَ بين الصَّلاتينِ، ولا يُؤَخِّر صَلاةً عن وَقْتِها، إلّا بنيَّةِ الجَمْع.

    ج ٨ ص ٤٩وقال الطَّبريُّ: للمُسافِرِ أن يَجْمعَ بين الظُّهرِ والعَصْرِ، ما بينَ الزَّوالِ، إلى أن تَغِيبَ الشَّمسُ، وبين المغرِبِ والعشاءِ، ما بين مَغيبِ الشَّمسِ، إلى طُلُوع الفجرِ. قال: والجمعُ في المَطرِ كذلك (١) .

    وقال أحمدُ بن حَنْبل: وجهُ الجمع، أن يُؤَخِّر الظُّهرَ حتّى يدخُلَ وقتُ العَصرِ، ثُمَّ ينزِلَ فيَجْمعَ بينَهُما، ويُؤَخِّرَ المغرِبَ حتّى يغيبَ الشَّفقُ، ثمَّ يجمعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ. قال: فإن قدَّمَ العصرَ إلى الظُّهرِ، والعشاءَ إلى المغرِبِ، فأرجُو أن لا يكون به بأسٌ. قال إسحاقُ: لا بأسَ بذلك بلا رجاء (٢) .

    قال أبو عُمر: في حديثِ مُعاذٍ المذكُورِ في هذا البابِ، ما يَقْطعُ الالتِباسَ في أنَّ للمُسافِرِ أن يجمعَ بينَ الصَّلاتينِ، وإن لم يجِدَّ به السَّيرُ، وليسَ فيما رُوِيَ من الآثار (٣) عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ كان إذا جدَّ به السَّيرُ، جمعَ بين المغرِب والعشاءِ، ما يُعارِضُ حديثَ مُعاذِ بن جبل؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا كان لهُ في السُّنَّةَ أن يجمعَ بينَ الصلاتينِ، نازِلًا غيرَ سائرٍ، فالذي يجِدُّ به السَّيرُ أحْرَى بذلك، وليسَ في واحِدٍ من الحديثينِ ما يَعْترِضُ على الثّاني به، وهُما حالانِ، وإنَّما كانا يكونانِ مُتعارِضَيْنِ لو كان في أحَدِهما أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يَجمعُ المُسافِرُ بين الصَّلاتينِ، إلّا أن يجِدَّ به السَّيرُ. وفي الآخرِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جمعَ بين الصَّلاتينِ في سَفرِهِ إلى تبُوكَ، نازِلًا غيرَ سائرٍ. فأمّا أن يجمعَ، وقد جدَّ به السَّيرُ، ويجمعَ وهُو نازِلٌ لم يجِدَّ به السَّيرُ، فليسَ هذا بمُتعارِضٍ عِندَ أحدٍ لهُ فهمٌ، وبالله التَّوفيقُ.

  15. فإنِ احتجَّ مُحتجٌّ بحديثِ فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ اسْتُصْرِخَ على صفيَّةَ في مَسِيرِهِ من مكّةَ إلى المدينةِ، فأخَّرَ المغرِبَ عن وَقْتِها الذي

    ج ٨ ص ٥٠كان يُصَلِّيها فيه كلَّ ليلةٍ، حتّى كادَ الشَّفقُ أن يَغِيبَ، ثُمَّ نزلَ فصلّاها وغابَ الشَّفقُ، وصلَّى العِشاءَ، وأخبرَ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، كذلك كان يفعلُ إذا جَدَّ به السَّيرُ (١) .

  16. قيلَ لهُ: قد رَوَى حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافِع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ اسْتُصرِخَ (٢) على صَفيَّةَ، فسارَ حتّى غابتِ الشَّمسُ، وبَدَتِ النُّجُومُ، وقال: إنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا عجِلَ به السَّيرُ في سَفرِهِ، جَمعَ بين هاتينِ الصَّلاتينِ، فسارَ حتّى غابَ الشَّفقُ، ثُمَّ نزلَ فجمَعَ بينهُما (٣) .

  17. وهذا الإسنادُ أصحُّ (٤) ، ومعناهُ على ما ذكَرْنا أوضحُ، ولو صحّا جميعًا، كانا دليلًا على جَوازِ الجمع كيف شاءَ المُسافِرُ من الوَجْهينِ جميعًا.

  18. وقد أجمَعَ المُسلمُونَ قديمًا وحديثًا، على أنَّ الجمعَ بين الصَّلاتينِ بعَرَفةَ: الظُّهرِ والعصرِ، في أوَّلِ وقتِ الظُّهرِ، والمغرِبِ والعشاءِ بالمُزدلِفةِ، في وقتِ العشاءِ. وذلك سفرٌ مُجتمعٌ عليه، وعلى ما ذَكَرنا فيه، فكلُّ ما اختُلِفَ فيه من مِثلِهِ، فمردُودٌ إليهِ.

  19. روى مالكٌ (٥) ، عن ابن شِهاب، أنَّهُ قال: سألتُ سالم بن عبدِ الله: هل يُجمعُ بين الظُّهرِ والعَصْرِ في السَّفرِ؟ فقال: نعم، لا بأسَ بذلك، ألم ترَ إلى صَلاةِ النّاسِ بعَرَفةَ؟

  20. فهذا سالمٌ قد نزَعَ بما ذكَرْنا، وهُو أصلٌ صحيحٌ لمن أُلْهِمَ رُشْدَهُ ولم تَمِلْ به العَصبيَّةُ إلى المُعاندةِ.

    ج ٨ ص ٥١
  21. ومعلُومٌ أنَّ الجمعَ بين الصَّلاتينِ للمُسافِرِ رُخصةٌ وتَوْسِعةٌ، ولو كان الجمعُ على ما قال ابنُ القاسم والعِراقيُّونَ، من مُراعاةِ آخرِ وقتِ الظُّهرِ وأوَّلِ وقتِ العصرِ، لكان ذلكَ أشدَّ ضيقًا، وأكثر حَرَجًا، من الإتيانِ بكلِّ صلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ وقتَ كلِّ صلاةٍ أوسعُ، ومُراعاتهُ أمكنُ، من مُراعاةِ طَرَفي الوَقْتينِ، ومن تدبَّر هذا وجَدهُ، كما وصَفْنا، وبالله توفيقُنا.

  22. ولو كان الجمعُ بين الصَّلاتينِ في السَّفرِ، على ما ذهَبَ إليه هؤُلاءِ أيضًا، لجازَ الجمعُ بين العصرِ والمغرِبِ على ذلك المَذْهبِ، وبين العِشاءِ والفجرِ، وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ السُّنَّةَ، إنَّما وردت في الجَمْع بين صلاتي النَّهارِ: الظُّهرِ والعصرِ، وبين صلاتي اللَّيل: المغرِبِ والعشاءِ، للرُّخصةِ في اشْتِراكِ وَقْتيهِما في السَّفرِ، لأنَّهُ عُذرٌ، وكذلك عُذرُ المطرِ، وليسَ ما قالهُ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ في كَيْفيَّةِ الجمع جمعًا (١) إذا كانت كلُّ واحِدةٍ من الصَّلاتينِ يُؤتَى بها في وقتِها.

  23. وقد ثبتَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديثِ وغيرِهِ، أنَّهُ كان يجمعُ بينَهما (٢) مُسافِرًا في وَقْتِ إحداهُما.

  24. أخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا يزيدُ بن خالدٍ الرَّمليُّ، قال: حدَّثنا المُفضَّلُ بن فَضالةَ

    ج ٨ ص ٥٢واللَّيثُ (١) بن سعدٍ، عن هشام بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن أبي الطُّفيلِ، عن مُعاذِ بن جبل: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان في غَزْوةِ تبُوكَ إذا زاغتِ الشَّمسُ قبلَ أن يَرْتحِلَ، جمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ، وإن تَرَحَّل (٢) قبلَ أن تَزِيغَ الشَّمسُ، أخَّر الظُّهرَ حتّى ينزِلَ للعَصْرِ، وفي المغرِبِ مثلَ ذلكَ، إن غابتِ الشَّمسُ قبلَ أن يرتحِلَ، جمعَ بين المغرِبِ والعِشاءِ، وإن تَرَحَّلَ (٣) قبلَ أن تَغِيبَ الشَّمسُ، أخَّر المغرِبَ حتّى ينزِلَ للعِشاءِ، ثُمَّ يجمعَ بينَهُما.

    قال أبو داود: رواهُ ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن هشام بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، بإسنادِهِ، هذا على (٤) معنى حَديثِ مالكٍ.

    قال: ورَوَى هشامُ بن عُروةَ، عن حُسَينِ بن عبدِ الله، عن كُرَيبٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - نحوَ حديثِ المُفضَّلِ.

  25. وحدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥) : حدَّثنا قُتَيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن

    ج ٨ ص ٥٣أبي الطُّفَيلِ عامرِ بن واثِلةَ، عن مُعاذِ بن جَبَل: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان في غَزْوةِ تبُوكَ، إذا ارْتَحلَ قبلَ أن تَزِيغَ الشَّمسُ، أخَّر الظُّهرَ حتّى يَجْمَعها إلى العَصْرِ، فيُصَلِّيَهُما جميعًا، وإذا ارْتَحلَ بعد زَيْغ الشَّمسِ، صلَّى الظُّهرَ والعَصْرَ جميعًا، ثُمَّ سارَ، وكذلك إذا ارْتَحلَ قبلَ المغرِبِ، أخَّر المغرِبَ حتّى يُصلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحلَ بعد المغرِبِ، عَجَّلَ العِشاءَ فصلّاها مع المغرِبِ.

  26. ولمالكٍ رحِمهُ الله، عن أبي الزُّبيرِ، حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، ليسَ في "المُوطَّأ" عِندَ أحدٍ من رُواتِهِ، فيما علِمتُ، والله أعلمُ، وهُو حديثٌ يدخُلُ في هذا البابِ.

  27. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو يحيى عبدُ الله بن أبي مَسرَّةَ، قال: حدَّثنا يحيى بن محمدٍ الجارِيُّ (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراورديُّ، عن مالكِ بن أنسٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غَرَبتْ لهُ الشَّمسُ بمَكّةَ، فجمعَ بينهُما. يعني: المغرِبَ والعِشاءَ بسَرِف (٢) .

    وقال الدّارقُطنيُّ: تابَعهُ على هذا الحديثِ عن مالكٍ، قُدامةُ بن شِهاب.

  28. حدَّثناهُ الحسنُ بن إسماعيلَ المحامِليُّ القاضي، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن شَبِيب، قال: حدَّثنا قُدامةُ بن شِهاب، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - غَرَبت لهُ الشَّمسُ بمكّةَ، فصلّاها بسَرِفٍ، وذلك تِسعةٌ أميال.

  29. وفي هذا الحديثِ أيضًا: تقدُّمُ الإمام إلى أهلِ العَسْكرِ بالنَّهي عمّا يُريدُ، وإن خالَفهُ مُخالِفٌ، كان لهُ مُعاقبتهُ بما يكونُ تأديبًا لمِثلِهِ، وردعًا عن مِثلِ فِعلِهِ، ألا

    ج ٨ ص ٥٤تَرى أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - مع حِلْمِهِ وما كان عليه من الخُلُقِ العظيم، كيف سبَّ الرَّجُلينِ، فقال لهُما ما شاءَ اللهُ أن يقولَ، إذ خالفاهُ، وأتيا ما نَهَى عنهُ؟

  30. وفيه: عَلَمٌ عظيمٌ من أعلام نُبُوَّتِهِ، إذ غسَلَ وجهَهُ ويَدَيهِ بقليلِ ماءِ تلك العَيْنِ، ثُمَّ صبَّهُ فيها، فجَرتِ العينُ بماءٍ كثيرٍ عَمَّهُم وفضَلَ عنهُم، وتمادَى إلى الآنِ، ويَتَمادَى إلى قيام السّاعةِ إن شاءَ الله، وهكذا النُّبُوَّةُ. وأمّا السِّحرُ فلا يَبْقَى بعد مُفارقةِ عينِ صاحِبِهِ ألبتَّةَ، وهذا ما لا يَدْفعُهُ مُسلمٌ.

  31. وحدَّثني أحمدُ بن محمدٍ وسعيدُ بن نَصرٍ وأحمدُ بن قاسم، قالوا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: أنا رأيتُ ذلكَ المَوْضِعَ كلَّهُ حَوالَيْ تلكَ العينِ جِنانًا خَضِرةً نَضِرةً.

  32. وفيه: إخبارُهُ - صلى الله عليه وسلم - بغَيْبٍ كان بعدهُ، وهذا غيرُ عجِيبٍ منهُ، ولا مجهُولٍ من شأنِهِ صلّى اللهُ عليه وسلَّم وعلا (١) ذِكرُهُ.

  33. وأمّا قولُهُ في الحديثِ: "والعينُ تبِضُّ بشيءٍ من ماءٍ" فمعناهُ أنَّها كانت تَسيلُ بشيءٍ من ماءٍ ضَعِيفٍ. قال حُميدُ بن ثور (٢) :

    مُنعَّمةٌ لو يُصبِحُ الذَّرُّ ساريًا ... على جِلدِها بضَّت مَدارِجُهُ دما

    وتقولُ العَرَبُ للموضِع حين يَنْدَى: قد بضَّ، وتقولُ: ماءٌ بَضَّ بقَطْرةٍ.

  34. وهذه الرِّوايةُ الصحيحةُ المشهُورةُ في "المُوطَّأ" : تَبِضُّ، بالضّادِ المنقوطةِ، ومن رواهُ بالصادِ، وضمِّ الباءِ، فمعناهُ أنَّهُ كان يُضيءُ فيها شيءٌ من الماءِ ويَبْرُقُ، ويُرَى لهُ بَصِيصٌ، أو شيءٌ من بَصِيصٍ، وعلى هذهِ الرّوايةِ الأُولى النّاسُ.

  35. حديثٌ ثامنٌ لأبي الزُّبَيرِ

    مالكٌ (١) ، عن أبي الزُّبيرِ المكِّيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنَّهُ قال: صلَّى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، والمغرِبَ والعشاءَ جميعًا، في غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ. قال مالكٌ: أرَى ذلك كان في مَطَرٍ.

    ج ٨ ص ٥٥
  36. أمّا سعيدُ بن جُبيرٍ، فأحدُ العُلماءِ الفُضَلاءِ من التّابِعين، قَتَلهُ الحجّاجُ صبرًا سنةَ أربَع وتِسعينَ وهُو ابنُ تِسع وأربعينَ سنةً، وهُو مولى لبَني أسدٍ، ولهُ أخبارٌ يطُولُ ذِكرُها، وكان فقيهًا فاضِلًا، شديدًا على السُّلطانِ في تَغييرِ المُنكِرِ.

  37. وهذا (٢) حديثٌ صحيحٌ إسنادُهُ ثابتٌ، رواهُ جماعةٌ عن أبي الزُّبيرِ، كما رواهُ مالكٌ، منهُم: حمّادُ بن سَلَمةَ (٣) وغيرُهُ، ولم يتأوَّلُوا فيه المطر.

  38. ورواهُ قُرَّةُ بن خالدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، فقال فيه: في سَفْرةٍ سافَرَها إلى تبُوكَ (٤) . ذكر أبو داود (٥) .

  39. وقد تقدَّمَ القولُ في جمع الصَّلاتينِ في السَّفرِ. وأمّا في الحَضَرِ، فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّهُ لا يجُوزُ الجَمْعُ بين الصَّلاتينِ في الحَضَرِ لغيرِ عُذرٍ على حالٍ البتَّةَ، إلّا طائفةً شذَّتْ، سنُورِدُ ما إليه ذَهَبت إن شاءَ الله.

  40. ورَوَينا عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، من حديثِ ابن عبّاسٍ أنَّهُ قال: "الجمعُ بين الصَّلاتينِ في الحَضَرِ لغيرِ عُذرٍ، من الكَبائرِ" (١) . وهُو حديثٌ ضعيفٌ (٢) .

    ج ٨ ص ٥٦