مالك، عن محمد بن المنكدر
١٥٢ فقرة، ج ٨ ص ٦٥
الصفحة ٣ من ٤
- ج ٨ ص ٩٢
فإن قيلَ: إنَّ وكيعَ بن الجرّاح رَوَى عن سُفيانَ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ،
ج ٨ ص ٩٣عن إبراهيم بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أبيهِ وأُسامةَ بن زيدٍ وحُذيفةَ، قالوا: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ هذا الطّاعُونَ رِجزٌ ... " الحديث (١) .
-
قيلَ لقائل ذلك: هذا إسنادٌ آخرُ غيرُ إسنادِ عامرِ بن سعدٍ، وهذا الإسنادُ أيضًا الصَّحيحُ فيه: أنَّ الحديثَ لإبراهيمَ بن سعدٍ، عن أُسامةَ بن زيدٍ وحدهُ، كذلك رَوَى شُعبةُ، وأبو إسحاقَ الشَّيبانيُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ. وكذلك رواهُ جماعةٌ عن الثَّوريِّ، وقدِ اضْطَربَ فيه وكيعٌ، فمرَّةً رواهُ هكذا، ومرّةً جَعلهُ عن إبراهيمَ بن سعدٍ، عن أبيهِ وأُسامةَ وخُزَيمةَ (٢) بن ثابتٍ، مكانَ حُذيفةَ، وأصحابُ الثَّوريِّ يُخالِفُونهُ في ذلك، فسقَطَ الاحتِجاجُ برِوايتِهِ فيه.
-
وأمّا حديثُ شُعبَةَ، فحدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ الله بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا شُعتةُ، قال: حدَّثنا حبيبُ بن أبي ثابتٍ، قال: سَمِعتُ إبراهيمَ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ يقولُ: سَمِعتُ أُسامةَ بن زيدٍ يُحدِّثُ سعدًا، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: "إذا سَمِعتُمْ به بأرضٍ، فلا تدخُلُوها، وإذا وقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها، فلا تخرُجُوا منها" . قال حبيبٌ: قلتُ لإبراهيمَ بن سعدٍ: أنتَ سمِعتَ أُسامةَ يُحدِّثُ سعدًا وهُو جالِسٌ لا يُنكِرُهُ؟ قال: نعم (٣) .
- ج ٨ ص ٩٤
أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: أخبرنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن جامِع، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عَوْنٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن عبدِ الله، عن أبي إسحاقَ الشَّيبانيِّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن إبراهيمَ بن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، عن أُسامةَ، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ هذا الوَجَع رِجزٌ ... " وذكر الحديثَ (١) .
-
هذا ما يجيءُ على مَذْهبِ أهلِ الحديثِ في تهذيبِ إسنادِ هذا الخَبرِ، على أنَّهُ قد يُمكِنُ أن يكونَ سعدٌ قد سَمِعَ ما سمِعَ أُسامةُ منهُ، ولكنَّ الحُكْمَ ما ذكَرْنا، والله أعلمُ.
-
وأمّا قولُهُ في هذا الحديث: "الطّاعُون رِجزٌ" ، فالطّاعُونُ معلُومٌ، وقد مَضَى في تفسيرِ معناهُ في بابِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن عامرِ بن رَبِيعةَ، ما فيه كِفايةٌ، ومَضَت هُناك أخبارٌ في الطّاعُونِ حِسانٌ، لا مَعْنى لذِكرِ شيءٍ منها مُعادًا هاهُنا.
-
أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا عيسى بن (٢) دَلُّوية (٣) المعرُوفُ بزاغاث (٤) ، قال: حدَّثنا فَرْوةُ بن أبي المغراء (٥) ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسْهِر (٦) ، عن يوسُف بن (٧) مَيْمُونٍ، عن عَطاءِ بن أبي رَباح،
ج ٨ ص ٩٥عن ابن عُمرَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "فناءُ أُمَّتي بالطَّعنِ والطّاعُونِ" . قلتُ: الطَّعنُ قد عَرَفناهُ، فما الطّاعُونُ؟ قال: "غُدَّةٌ كغُدَّةِ البَعِيرِ، تخرُجُ في المراقِّ (١) والآباطِ، من ماتَ منهُ، مات شَهِيدًا" . وذكر تمامَ الخبر (٢) .
-
وأمّا الرِّجزُ، فالعذابُ، لا يختلِفُ في ذلكَ أهلُ العِلم باللِّسانِ، من ذلك قولُهُ: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ} [الأعراف: ١٣٥] وهُو كثيرٌ.
-
وقد يكونُ الرِّجسُ والرِّجزُ سواءً.
-
والرِّجْسُ: النَّجاسةُ، والرُّجزُ: أيضًا عِبادَةُ الأوثانِ، دليلُ ذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: ٥] .
-
ولا وجهَ لذِكرِ الرِّجزِ في هذا الحديثِ، إلّا العذاب، وكلُّ ما ابتُلي به الإنسانُ من الأوْجاع والمِحَنِ بالسَّيفِ (٣) وغيرِ ذلك، فهُو من العذاب، وقد قيل في: {الْعَذَابِ الْأَدْنَى} [السجدة: ٢١] : يومُ بدرٍ. وقال: {وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} [الحشر: ٣] ، هذا كلُّهُ وما أشْبَههُ من العذابِ، والله أعلمُ.
-
وأمّا قولُهُ: "أُرسِلَ على بَني إسرائيلَ، أو على من كان قبلكُم" ، فالشَّكُّ من المُحدِّثِ، هل قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "علي بني إسرائيلَ" أو قال: "أُرسِلَ على من قبلكُم" ؟ والمعنى، واللهُ أعلمُ: أنَّ الطّاعُونَ - أوَّل ما نزلَ في الأرضِ - فعلى طائفةٍ من بَني إسرائيلَ قَبلَنا.
- ج ٨ ص ٩٦
وأمّا نَهْيُهُ عن القُدُوم عليه، وعنِ الفِرارِ منهُ، فلئلّا يلُومَ أحدُهُم بعد ذلكَ نفسهُ إن مرِضَ منهُ فماتَ، أو يقول غيرُهُ: لو لم يَقْدَم عليه أو فرَّ منهُ لنَجا، ونحو هذا، فيلُومُونَ أنفُسهُم، فيما لا لومَ عليهم فيه؛ لأنَّ الباقيَ والنّاهِضَ لا يتَجاوزُ أحدٌ منهُم أجلهُ، ولا يَسْتأخِرُ عنهُ.
-
وقد جاءَ النَّهيُ عن اللَّوة (١) مُطْلقًا، يعني قَوْلهُم: لو كان كذا، لم يَكُن كذا. ويُقالُ: إنَّهُ ما فرَّ أحدٌ من الطّاعُونِ، فنَجا.
-
حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن مسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجر، قال: حدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا داودُ بن أبي الفُراتِ، قال: أخبرنا عبدُ الله بن بُرَيدةَ، عن يحيى بن يَعْمَر، عن عائشةَ، حدَّثتهُ أنَّها سألت رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن الطّاعُونِ، فأخْبَرها نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّهُ كان عذابًا يبعَثهُ الله على من يَشاءُ، فجَعَلهُ الله رَحْمةً للمُؤمنينَ، فلَيْسَ من عَبْدٍ يَقعُ الطّاعُونُ بأرْضٍ، فيثبُتُ ولا يخرُجُ، ويعلَمُ أنَّهُ لن يُصيبهُ إلّا ما كتبَ الله لهُ، إلّا كان لهُ مِثلُ أجرِ شَهيدٍ" (٢) .
-
وقد ذكَرْنا أخبارًا في بابِ ابن شِهاب، عن عبدِ الله بن عامرٍ، في الفِرارِ عن الطّاعُونِ، لا وَجْهَ لتكريرِها هاهُنا.
-
وفيه عِندي، واللهُ أعلمُ: النَّهيُ عن رُكُوبِ الغَرَرِ، والمُخاطَرةِ بالنَّفسِ والمُهجة؛ لأنَّ الأغْلَبَ في الظّاهِرِ، أنَّ الأرضَ الوبيئَةَ، لا يكادُ يسلمُ صاحِبُها
ج ٨ ص ٩٧من الوَباءِ فيها إذا نَزَل بها (١) ، فنُهُوا عن هذا الظّاهِرِ، إذِ الآجالُ والآلامُ مستُورةٌ عنهُم.
-
ومن هذا البابِ أيضًا قولُهُ: "لا يحِلُّ المُمْرضُ على المُصحِّ" (٢) . ثُمَّ قال: عِندَ حَقِيقةِ الأمْرِ: "فمَنْ أعْدَى الأوَّلَ؟ " (٣) .
-
وأمّا قولُ أبي النَّضرِ في هذا الحديثِ: "لا يُخرِجُكُم إلّا فِرارًا منهُ" . وكذا قال يحيى وغيرُهُ عن مالكٍ، عن (٤) أبي النَّضْر: "إلا فرارًا" أو "فرارٌ" .
قال أبو عُمر: كذا هو عندَ بعضِ شيوخنا، وعند بعضهم: "إلا فرارٌ منه" ، وهو أصوبُ، وسيأتي القولُ رواية أبي النَّضرِ إن شاءَ الله تعالى.
- ج ٨ ص ٩٨
حديثٌ رابعٌ لمحمدِ بن المُنكدِرِ
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن سَعيدِ بن جُبَيرٍ، عن رَجُلٍ عِندَهُ رضًا، أنَّهُ أخْبَرهُ، أنَّ عائشةَ أُمَّ المُؤمنينَ أخبرتهُ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما منِ امْرِئٍ تَكُونُ لهُ صَلاةٌ بليلٍ، يَغْلِبُهُ عليها نومٌ، إلّا كتَبَ الله لهُ أجرَ صَلاتِهِ، وكان نومُهُ عليه صَدَقةً" .
قال أبو عُمر: هكذا رَوَى هذا الحديث جماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ فيما علِمتُ (٢) .
-
والرَّجُلُ الرَّضا عِندَ سَعيدِ بن جُبَيرٍ، قيل: إنَّهُ الأسودُ بن يزيدَ، والله أعلمُ.
-
حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣) : حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا محمدُ بن سُليمان بن أبي داود - قال (٤) : كان يُقالُ لهُ: بُومةُ، ليسَ به بأُسٌّ، وأبوهُ ليسَ بثِقةٍ ولا مأمُونٍ - قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ الرّازيُّ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن الأسودِ بن يزيدَ،
ج ٨ ص ٩٩عن عائشةَ، قالت: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من فاتَتهُ صلاةٌ صلّاها من اللَّيلِ، فنامَ عنها، كان ذلكَ صَدَقةً تصدَّق الله عليه، وكتبَ لهُ أجْرَ صَلاتِهِ" .
-
وأمّا سعيدُ بن جُبيرٍ، فهُو مولًى لبني والِبةَ، من بني أسَدٍ، يُكْنَى أبا عَبدِ الله، كان شديدَ السُّمرةِ، وكتبَ لعبدِ الله بن عُتبةَ بن مَسْعُودٍ، ثُمَّ كتبَ لأبي بُرْدةَ، وهُو على القَضاءِ، وقد كان الحجّاجُ ولّاهُ قَضاءَ الكُوفةِ، فضَجَّ أهلُ الكُوفةِ وقالوا: لا يَصْلُحُ للقَضاءِ مولًى، ولا يَصلُحُ إلّا رجُلٌ عربيٌّ، فاسْتَقضَى الحجّاجُ حِينَئذٍ أبا بُرْدةَ، وأمرَهُ أن لا يقطَعَ أمرًا دُونَ سعيدِ بن جُبيرٍ، وكان أبو بُردةَ على القَضاءِ وبيتِ المالِ، وكان سعيدٌ يكتُبُ لهُ، ثُمَّ خرجَ مع ابن الأشْعَثِ، وكان يقولُ: والله ما خَرَجتُ على الحجّاج حتَّى كفَرَ، فلمّا انهزَمَ أصحابُ ابن الأشْعَثِ بديرِ الجماجِم، هربَ سعيدُ بن جُبَيرٍ إلى مكّةَ، فأخَذَهُ خالدُ بن عبدِ الله القَسْريُّ، وكان واليًا للوليدِ على مَكَّةَ، فبعَثَ به إلى الحجّاج فقَتَلهُ، وذلكَ في سنةِ أربع وتِسعينَ، وهُو ابنُ ثَمانٍ وأربعينَ سنةً، وماتَ الحجّاجُ بَعدهُ بيسيرٍ، قيل: شهرٍ، وقيل: شَهْرين، وقيل: سِتَّةِ أشهُرٍ، ولم يقتُل بَعدَهُ، فيما قال ضمرةُ، أحدًا.
-
وأمّا الأسودُ بن يزيد النَّخعيُّ، فيُكْنَى أبا عبدِ الرَّحمنِ، بابنِهِ عبدِ الرَّحمنِ، مات سنةَ خمسٍ وسبعينَ، وكان فاضِلًا عابِدًا مجُتهِدًا، حجَّ من بينِ حجَّةٍ وعُمرةٍ سِتِّينَ، وقيل: ثمانينَ.
-
وروى سُفيانُ، عن أبي إسحاقَ، قال: قالت عائشةُ أُمُّ المُؤمنينَ: ما بالعِراقِ أحدٌ أعجَبَ إليَّ من الأسود (١) .
- ج ٨ ص ١٠٠
وقد جاءَ عن أبي الدَّرداءِ مرفُوعًا وموقوفًا مِثلُ حديثِ عائشةَ هذا.
-
رَوَى حبيبُ بن أبي ثابتٍ، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عن أبي الدَّرداءِ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من أتَى فِراشهُ وهُو يَنْوي أن يقومَ يُصلِّي من اللَّيلِ، فغَلَبتهُ عينُهُ حتَّى يُصبِحَ، كَتَبَ الله لهُ ما نَوَى، وكان نومُهُ صَدَقةً عليه من ربِّهِ" (١) .
-
وذَكَرَ البزّارُ، قال (٢) : حدَّثنا حُميدُ بن الرَّبيع، قال: حدَّثنا حُسَينُ بن عليٍّ،
ج ٨ ص ١٠١قال: حدَّثنا زائدةُ، عن سُليمانَ الأعمشِ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ (١) ، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عن أبي الدَّرداءِ، يبلُغُ به النَّبيَّ عليه السَّلامُ، قال: "من أتَى فِراشَهُ وهُو يَنْوي أن يقومَ يُصلِّي من اللَّيلِ، فغَلَبتهُ عَيْنُهُ حتَّى يُصبِحَ، كتبَ الله لهُ ما نَوَى، وكان نومُهُ صَدَقةً" .
-
رواه (٢) الثَّوريُّ (٣) ، وابنُ عُيَينةَ (٤) ، عن عَبْدةَ بن أبي لُبابةُ، عن سُويدِ بن غَفَلةَ، عن أبي ذرٍّ وأبي الدَّرداءِ، جميعًا موقوفًا.
-
وفي هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ المرءَ يُجازَى على ما نَوَى من الخيرِ، وإن لم يَعْملْهُ، كما لو أنَّهُ عَمِلهُ، وأنَّ النِّيَّةَ يُعطَى عليها، كالذي يُعطَى على العَملِ، إذا حِيلَ بينهُ وبينَ ذلك العملِ وكانت نيَّتُهُ أن يَعْملَهُ ولم تَنْصرِف نيَّتُهُ عنه (٥) حتَّى غُلِبَ عليه بنَوم أو نِسيانٍ أو غيرِ ذلك من وُجُوهِ الموانِعِ، فإذا كان ذلك، كُتِبَ لهُ أجرُ ذلك العملِ وإن لم يَعْملهُ، فَضْلًا من الله ورحمةً، جازَى على العَملِ، ثُمَّ على النِّيَّةِ إن حالَ دُون العَملِ حائلٌ.
-
وفي مِثلِ هذا الحديثِ - واللهُ أعلمُ - جاءَ الحديثُ: "نيَّةُ المُؤمنِ، خيرٌ من عَملِهِ" (٦) .
- ج ٨ ص ١٠٢
حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو طالبٍ العبّاسُ بن أحمدَ بن سعيدِ بن مُقاتِلِ بن صالح مولى عبدِ الله بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ بن موسى بن جعفرِ بن محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ عليِّ بن حُسينٍ، عن أبيهِ، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "نيَّةُ المُؤمنِ خَيْرٌ من عَملِهِ، ونيَّةُ الفاجِرِ شَرٌّ من عَملِهِ، وكلٌّ يَعْملُ على نيَّتِه" .
-
ومعنى هذا الحديثِ، واللهُ أعلمُ، أنَّ النِّيَّةَ بغَيرِ عَملٍ، خيرٌ من العَمل بلا نيَّةٍ، وتفسيرُ ذلكَ، أنَّ العملَ بلا نيَّةٍ، لا يُرفَعُ ولا يُصعَدُ، فالنِّيَّةُ بغَيرِ عملٍ، خيرٌ من العَملِ بغيرِ نيَّةٍ؛ لأنَّ النِّيَّة تنفعُ بلا عَملٍ، والعملُ بلا نيَّةٍ، لا مَنْفعةَ فيه.
-
ويحتملُ أن يكونَ المعنى فيه: نيَّةَ المُؤمنِ في الأعمالِ الصالحِةِ، أكثرُ مِمّا يَقْوَى عليه منها، ونيَّةَ الفاجِرِ في الأعمالِ السَّيِّئَةِ، أكثرُ مِمّا يَعْملُهُ منها، ولو أنَّهُ يعملُ ما نَوَى من (١) الشَّرِّ، أهلَكَ الحرثَ، والنَّسلَ، ونحوَ هذا، والله أعلمُ.
-
ويدُلُّ هذا الحديثُ، على أنَّ المُؤمنَ قد يقعُ منهُ عَملٌ بغيرِ نيَّةٍ، فيكونُ لغوًا، وهُو مع ذلك مُؤمنٌ.
-
ويدُلُّ أيضًا على أنَّ المُؤمنَ قد يَنْوي من الأعْمالِ ما لا يُعانُ عليه، وأنَّ الفاجِرَ قد يَنْوي من الأعمالِ ما يُعصَمُ عنهُ، ولا يصِلُ إليهِ.
-
وقد رَوَى أبو هُريرةَ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ما يُعارِضُ ظاهِرُهُ هذا الحديثَ، وليسَ بمُعارِضٍ لهُ إذا حُمِل على ما وَصَفنا، والله أعلمُ.
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا أبو (٢) كُريب، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن هشام بن حسّان،
ج ٨ ص ١٠٣عن ابن سيرينَ، عن أبي هُريرةَ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ همَّ بحَسَنةٍ فلم يَعْمَلْها، كُتِبت لهُ حَسَنةً، ومن همَّ بحَسَنةٍ فعَمِلها، كُتِبت لهُ عَشْرًا، إلى سبع مئةٍ، ومن همَّ بسيِّئةٍ فلم يَعْملها لم تُكتَبْ عليه، فإن عَمِلها كُتِبتْ" (١) .
-
حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ الدِّيْنَوَرِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن ذَكْوانَ، عن أبي رَجاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: "مَنْ هَمَّ بحَسَنةٍ فلم يَعْملها، كُتِبت لهُ حَسَنةً واحِدةً، وإن عَمِلها كُتِبت لهُ عَشْرًا، وإن هَمَّ بسيِّئةٍ فلم يَعْملها كُتِبت لهُ حَسَنةً" . قال: قلتُ: أنتَ سمِعتَ ابن عبّاسٍ يقولُ: "إذا لم يَعْمَلها، كُتِبتْ لهُ حَسَنةً؟ " قال: نَعَم (٢) .
قال أبو عُمر: حديثُ ابن عبّاسٍ مُخالِفٌ لحديثِ أبي هُريرةَ في هذا الموضِع، ويحتملُ أن يكونَ ذلك فيمَنْ همَّ بسيِّئَةٍ، فتَرَكها خوفَ الله، فقد رُوِيَ عن ابن عبّاسٍ ومُجاهِدٍ وإبراهيمَ، في قولِ الله عزَّ وجلَّ: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: ٤٦] ، هُو الرَّجُلُ يَهُمُّ بالمعصيةِ، ثُمَّ يترُكُها لخوفِ المقام بينَ يَدَي الله عزَّ وجلَّ (٣) .
- ج ٨ ص ١٠٤
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ البزّارُ، قال: حدَّثنا محبُوبُ بن موسى، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن حُميدٍ الطَّويلِ، عن أنَسِ بن مالكٍ، قال: لمّا انصرفَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من غَزْوةِ تبُوكَ حينَ دَنا من المدينةِ قال: "إنَّ بالمدينةِ أقوامًا، ما سِرتُم مَسِيرًا، ولا قَطَعتُم واديًا، إلّا كانوا معكُم" ، قالوا: وهُم بالمدينةِ؟ قال: "نعم، حَبَسهُمُ العُذرُ" (١) .