مالك، عن محمد بن المنكدر

١٥٢ فقرة، ج ٨ ص ٦٥

الصفحة ٤ من ٤

  1. هذا أبينُ شيءٍ فيما قُلنا؛ لأنَّ هؤُلاءِ لمّا نَووُا الجِهادَ وأرادُوهُ، وحَبَسهُمُ العُذرُ، كانوا في الأجرِ كمَنْ قطَعَ الأوديةَ والشِّعاب، مُجاهِدًا بنَفسِهِ، وهذا أشبَهُ الأشْياءِ (٢) بالذي غَلَبهُ (٣) النَّومُ، فمَنَعهُ من صلاةٍ كان قد عزَمَ عليها، ونَوَى القيامَ إليها.

    ج ٨ ص ١٠٤
  2. وهذا الحديثُ لم يسمعهُ حُميدٌ من أنسٍ.

  3. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤) : حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن حُميدٍ، عن موسى بن أنَسٍ، عن أبيهِ أنَسِ بن مالكٍ، أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لقد تَركتُم بالمدينةِ أقْوامًا ما سِرتُم

    ج ٨ ص ١٠٥مَسِيرًا، ولا أنفقتُم من نَفَقةٍ، ولا قَطَعتُم من وادٍ، إلّا وهُمْ معكُم ". قالوا: يا رسُولَ الله، وكيفَ يكونُونَ معنا وهُم بالمدينةِ؟ قال: " حَبَسهُمُ العُذرُ ". وقال الله عزَّ وجلَّ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: ٩٥] .

  4. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكر، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ. قالا جميعًا: أخْبَرنا العوّامُ بن حَوْشبٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ الرَّحمنِ السَّكْسَكيُّ أبو إسماعيلَ، أنَّهُ سمِعَ أبا بُرْدةَ بن أَبي موسى، سمِعَ أبا موسى يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ غير مرَّةٍ ولا مرَّتينِ: "من كان لهُ عملٌ يَعْملُهُ، فشَغَلهُ عنهُ مرضٌ، أو سَفرٌ، فإنَّهُ يُكتَبُ لهُ كصالح ما كان يعملُ وهُو صحيحٌ مُقيمٌ " (١) . دخلَ حديثُ بعضِهِما في بعضٍ.

  5. وقد مَضَى في بابِ زيدِ بن أسلمَ، قولُهُ - صلى الله عليه وسلم - في المريضِ: "إنَّهُ يُكتَبُ لهُ أجرُ ما كان يعملُهُ في صِحَّتِهِ، ما دامَ في وثاقِ مَرضِهِ".

  6. وذكر سُنَيدٌ قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عاصِم، عن (٢) أبي رَزِين (٣) ، عن ابن عبّاسٍ في قولِهِ: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: ٥] قال: إلى أرذلِ العُمُرِ. {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٦] . قال: إذا كبِرَ ولم يُطِقِ العملَ، كُتِبَ لهُ ما كان يَعْملُ (٤) .

    ج ٨ ص ١٠٦قال: وحدَّثنا وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن حمّادٍ، عن إبراهيمَ، بمِثلِهِ، قال: إذا كبِرَ ولم يُطِقِ العملَ، كُتِبَ لهُ ما كان يعملُ في قوَّتِه (١) .

    قال: وحدَّثنا، حمّادٌ، عن داودَ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآيةِ، قال: إذا كبِرَ وعجَزَ، يُجرَى عليه أجرُ ما كان يعملُ في شَبِيبتِهِ غير ممنُون (٢) .

  7. فهذا يُوضِّحُ (٣) أيضًا ما قُلنا.

  8. وقد يَدْخُلُ مِمّا في "المُوطَّأ" في هذا البابِ، حديثُ مالك (٤) ، عن داود بن الحُصَينِ، عن الأعرج، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القارِيِّ (٥) ، عن عُمرَ، قال: من فاتهُ حِزبُهُ من اللَّيلِ، فقَرَأهُ حينَ تزُولُ الشَّمسُ، إلى صَلاةِ الظُّهرِ، فإنَّهُ لم يَفُتْهُ.

  9. وهذا وإن كان فيه عَملٌ، فمَعلُومٌ أنَّ صَلاةَ اللَّيلِ والقيامَ بالأسْحارِ (٦) أفضلُ من النّافِلةِ بالنَّهارِ.

  10. فعلى هذا المعنى يَدْخُلُ في هذا الحديث، ومِثلُهُ، قولُ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جَهَّزَ غازيًا، كان لهُ مِثلُ أجْرِهِ" (٧) .

  11. وهذا المعنى قد تَقصَّيناهُ أيضًا، عِندَ قولِهِ عليه السَّلامُ: "فإنَّهُ في صَلاةٍ، ما كان مُنتظِرًا للصَّلاةِ" (١) . وأتينا هُناكَ من البَيانِ فيه بما (٢) لا معنى لتكريرِهِ هاهُنا.

    ج ٨ ص ١٠٧
  12. وأمّا حديثُ مالكٍ، عن داود، عن الأعْرَج، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القاريِّ (٣) ، عن عُمرَ، فإنَّ قولهُ فيه: فقَرَأهُ حينَ تزُولُ الشَّمسُ، إلى صَلاةِ الظُّهرِ، وهمٌ عِندي، والله أعلمُ، ولا أدري أمنْ داود جاءَ، أم من غيرِهِ؟ لأنَّ المحفُوظَ فيه: عن عُمرَ، من حديثِ ابن شِهاب: من نامَ عن حِزْبِه، أو عن شيءٍ من حِزْبِه، فقَرَأهُ ما بينَ صَلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لهُ كأنَّما قَرأهُ. وقدِ اختُلِفَ في إسنادِهِ ورَفْعِهِ، عن ابن شِهاب.

  13. فرَوَى يُونُسُ بن يزيدَ، عن ابن شِهاب، عن السّائبِ بن يزيدَ وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدٍ القاريِّ (٤) ، عن عُمر بن الخطّابِ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ قال: "من نامَ عن حِزْبِهِ، أو عن (٥) شيءٍ من حِزْبِهِ، فقرأهُ ما بينَ صَلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظُّهرِ، كُتِب لهُ (٦) كأنَّما قَرَأهُ من اللَّيل" (٧) . هكَذا رواهُ ابنُ وَهْب، وأبو صَفْوانَ، عن يُونُسَ، عن الزُّهريِّ، بإسنادِهِ مرفوعًا.

  14. واسمُ أبي صَفْوانَ: عبدُ الله بن سعيدٍ، مكِّيٌّ ثِقةٌ، روى عنهُ الحُمَيديُّ، وكِبارُ النّاسِ.

    ج ٨ ص ١٠٨
  15. ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ القارِيِّ (١) ، عن عُمر بن الخطّابِ. موقوفًا عليه، قولُهُ (٢) .

  16. وقد ذكر الدّارقُطنيُّ هذا الحديث في "غرائبِ حديثِ مالكٍ" فقال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحسنِ بن محمدِ المُقرِئُ النَّقاشُ، من أصلِ كِتابِهِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن طاهرِ بن حَرْملةَ بن يحيى، قال: حدَّثنا جَدِّي حَرْملةُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرنا مالكُ بن أنَسٍ، عن ابن شِهاب، عن السّائبِ بن يزيدَ وعُبيدِ الله بن عبدِ الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ القارِيِّ (٣) ، عن عُمرَ بن الخطّابِ قال: قال رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نامَ عن حِزْبِه، أو عن شيءٍ منهُ، فقَرَأهُ ما بينَ صلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ الظُّهرِ، كُتِبَ لهُ كأنَّما قَرأهُ من اللَّيل" .

    قال أبو الحسنِ: لم يُكْتَب هذا الحديث (٤) من حَديثِ مالكٍ، إلّا من هذا الوَجْهِ، وهُو غريبٌ عن مالكٍ، ومحفُوظٌ من حَديثِ يُونُسَ وعُقَيل (٥) ، عن الزُّهريِّ. قال: وأحمدُ بن طاهرٍ ليسَ بالقويِّ.

    قال أبو عُمر: وهذا الوَقْتُ فيه من السَّعةِ ما ينُوبُ عن صَلاةِ اللَّيلِ، فيتَفضَّلُ الله برحمتِه على منِ استدركَ من ذلك ما فاتَهُ.

  17. وليسَ من زَوالِ الشَّمسِ إلى صَلاةِ الظُّهرِ ما يَسْتدرِكُ فيه كلُّ أحَدٍ حِزبهُ، وهذا بيِّنٌ، والله أعلمُ.

  18. حديثٌ خامِسٌ لمحمدِ بن المُنْكدِرِ

    مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - دُعِيَ إلى طعام (٢) فقُرِّبَ إليه خُبزٌ ولحمٌ، فأكلَ منهُ، ثُمَّ توضَّأ، ثُمَّ أُتي بفَضْلِ ذلك الطَّعام، فأكلَ منهُ، ثُمَّ صلَّى ولم يَتَوضَّأ.

    قال أبو عُمر: هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عِندَ جميع الرُّواةِ فيما عَلِمتُ مُرسلًا (٣) .

    ج ٨ ص ١٠٩
  19. ورواهُ عُمرُ بن إبراهيمَ الكُرْديُّ، وخالدُ بن يزيدَ العُمَريُّ، والقُداميُّ (٤) ، كلُّهُم، عن مالكٍ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله مُسندًا. وكلُّهُم ضعيفٌ لا يُحتجُّ برِوايتِهِ عن مالكٍ، ولا عن غيرِهِ، لضَعْفِهِم، والصوابُ فيه عن مالكٍ ما في "المُوطَّأ" مُرسلًا، وقد رواهُ ثِقاتٌ عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ مُسندًا، وسَنذكُرُ ما حضَرَنا ذِكرهُ من ذلك في هذا الكِتابِ إن شاءَ الله.

  20. وفيه من الفِقهِ: أن لا وُضُوءَ على من أكلَ مِمّا مسَّتهُ النّارُ.

  21. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فأكَلَ منهُ، ثُمَّ توضَّأ. فذلك، واللهُ أعلمُ، إنَّما كان لحدَثٍ عِندُهُ، أو للفَضْلِ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يَتَوضَّأُ في الأغلبِ من أمرِهِ لكلِّ صلاةٍ، ويدُلُّ ذلكَ على ما ذَكَرتُ لك، ما ذُكِرَ في هذا الحديثِ: أنَّهُ أُتي بفَضْلِ ذلكَ الطَّعام، فأكلَ منهُ، ثُمَّ صلَّى ولم يَتَوضَّأ. فلو كان وُضُوؤُهُ من أجْلِ الطَّعام أوَّلًا، لكان قد توضَّأ آخِرًا من بَقيَّةِ ذلكَ الطَّعام، إذِ الحُكمُ فيه واحِدٌ، هذا ما لا يَشُكُّ فيه ذُو لُبٍّ.

  22. وفيه أيضًا: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكُن يتَوضَّأُ أحيانًا لكلِّ صلاةٍ.

    ج ٨ ص ١١٠
  23. وفيه: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأكُلُ في اليَوم مرَّتينِ، ورُبَّما أكثرَ.

  24. وقد مَضَى القولُ والآثارُ، وما للعُلماءِ في هذا البابِ من التَّنازُع، وما رُوي فيه عن السَّلفِ مُستَوعَبًا، في بابِ زيدِ بن أسْلَمَ من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلكَ عن إعادتِهِ هاهُنا.

  25. وأمّا رِوايةُ من رَوَى هذا الحديث عن محمدِ بن المُنكدِرِ مُسندًا مُتَّصِلًا:

    فحدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن أحمدَ بن عيسى بن الحسنِ الورّاقُ، قال: حدَّثنا الخَضِرُ بن داود، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن هانئ الأثرمُ الوَرّاقُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ الله بن يُونُسَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي سلَمةَ، قال: أخبرنا محمدُ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: أُتي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بشيءٍ مِمّا مسَّتِ النّارُ، فأكَلَ وتَوضَّأ وصلَّى، ثُمَّ أكلَ بعد ذلك مِثلَ ذلكَ، فصلَّى ولم يتَوضَّأ (١) .

  26. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ المُؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبد الرزاق (٢) ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣) : حدَّثنا إبراهيمُ بن الحسنِ الخَثْعميُّ، قال: حدَّثنا حجّاجٌ، قال ابنُ جُرَيْج: أخبرني ابنُ المُنكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بن عبدِ الله يقولُ: قُرِّبَ لرسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - خُبزٌ ولحمٌ، فأكلَ منهُ، ثُمَّ دَعا بوَضُوءٍ، فتوضَّأ، ثُمَّ صلَّى الظُّهرَ، ثُمَّ دَعا بفَضْلِ طعامِهِ فأكلَ، ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ ولم يتَوضَّأ.

  27. وحَدَّثَنَا عبدُ الله، قال: حَدَّثَنَا محمدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو داود، قال (١) : حَدَّثَنَا موسى أبو (٢) عِمْرانَ الرَّمليُّ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيبُ بن أبي حمزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: كان آخِرَ الأمرينِ من رَسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تركُ الوُضُوءِ مِمّا غيَّرتِ النّارُ. قال أبو داود: وهذا اختِصارٌ من الحديثِ الأوَّلِ.

    ج ٨ ص ١١١
  28. وحَدَّثَنَا محمدُ بن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعيب، قال (٣) : أخبرني عَمرُو بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن عيّاشٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، وهُو ابنُ أبي حَمْزةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ قال: سَمِعتُ جابر بن عبدِ الله قال: كان آخِرَ الأمرَينِ من رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تركُ الوُضُوءَ مِمّا مسَّتِ (٤) النّارُ.

  29. وحَدَّثَنَا (٥) أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بن أبي (٦) أُسامةَ، قال (٧) : حَدَّثَنَا العبّاسُ بن الفَضْلِ. وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن محمدٍ

    ج ٨ ص ١١٢البِرْتيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو مَعْمرٍ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا محمدُ بن المُنكدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ الله قال: دَخَلتُ مع النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على امْرَأةٍ من الأنْصارِ، فذَبَحتْ لهُ شاةً فأكلَ، ثُمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ. ودَخَلتُ على أبي بكرٍ بعد مَوْتِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: أينَ شاتُكُمُ الوالِدُ تُطبَخُ لنا؟ فأكلَ، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ. ودخلتُ على عُمرَ بعد مَوْتِ أبي بكرٍ، فأكلَ خُبزًا ولحمًا، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ.

    قال أبو عُمر: قد رَوَى هذا الحديث عن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عبدُ الله بن محمدِ بن عَقِيل (١) ، وعَطاءُ بن أبي رَباح (٢) ، وغيرُهُما (٣) ، وإنَّما ذكَرْنا في هذا البابِ حديث ابن المُنكدِرِ خاضَةً مُسندًا، توصيلَا لمُرسلاتِ مالكٍ، وتبيانًا لصِحَّتِها، وباللّه التَّوفيقُ.

  30. وأخبرنا عبدُ الله بن محمدِ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن يحيى بن عُمر، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن حربٍ الطّائيُّ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ بن عُيَينةَ، عن محمدِ بن المُنكدِرِ، عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكلَ لحمًا، فصلَّى ولم يَتَوضَّأ، وأنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ أكلَ كَتِفًا، فصلَّى ولم يتَوضَّأ، وأنَّ عُمرَ بن الخطّابِ أكلَ لحمًا، فصلَّى ولم يتَوضَّأ (٤) .

    قال أبو عُمر: فهذه السُّنّةُ الثّابِتةُ، وعَملُ الخُلفاءِ الرّاشِدينَ، فلا وجهَ عِندي لما خالَفَ ذلكَ من الآثارِ والأقوالِ، واللّه المُستعانُ.

  31. حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سفيانَ ويعيشُ بن سَعيدٍ، قالا: حَدَّثَنَا قاسمُ بن

    ج ٨ ص ١١٣أصبَغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن الهيثم أبو (١) الأحْوَصِ، قال: حَدَّثَنَا عَمرُو بن عُثمان بن كثيرِ بن دينارٍ الحِمْصيُّ، قال: حَدَّثَنَا عُقْبةُ بن عَلْقمةَ البَيْرُوتيُّ مُعافِريٌّ، عن الأوزاعيِّ قال: كان مكحول يتَوضَّأُ مِمّا مسَّتِ النّارُ، حتَّى لَقِيَ عطاءَ بن أبي رباح، فأخبَرهُ عن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ أبا بكرٍ أكلَ ذِراعًا أو كتِفًا، ثُمَّ صلَّى ولم يتَوضَّأ، فقيل لهُ: أترَكتَ الوُضُوءَ؟ فقال: لأنَّ يَقعَ أبو بكرٍ من السَّماءِ فيتقطَّعَ، أحبُّ إليه من أن يُخالِفَ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٢) .

    قال أبو عُمر: بعَملِ الخُلفاءِ بعدَ رسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا البابِ، يُوقَفُ على النّاسِخ والمنسُوخ (٣) ، وقد ذكرَ مالكٌ في "المُوطَّأ" عن أبي نُعيم وَهْبِ بن كَيْسان، عن جابرٍ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق (٤) . وعن ابن المُنكدِرِ، وصَفْوان بن سُلَيم، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن رَبِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ، عن عُمرَ بن الخطّاب (٥) . وعن ضَمْرةَ بن سَعيدٍ، عن أبانِ بن عُثمانَ، عن عُثمانَ (٦) . وعن يحيى بن سَعيدٍ، عن عبدِ الله بن عامرِ بن رَبِيعةَ، عن أبيهِ: أنَّهُم كانوا لا يتَوَضَّؤُونَ مِمّا مسَّتِ النّارُ (٧) . وبَلَغهُ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وعبدِ الله بن عبّاسٍ، مِثلُ ذلك (٨) .

  32. وقد ذكَرْنا في بابِ زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا ما يَشْفي النّاظِر ويَكْفي والحمدُ للّه (٩) .