محمد بن يحيى بن حبان لمالك عنه أربعة أحاديث مسندة صحاح
١٣٠ فقرة، ج ٨ ص ١١٤
الصفحة ٢ من ٤
- ج ٨ ص ١٢٥
ومن الدَّليل على جَوازِ بيع الغائبِ، مع ما تقدَّمَ في هذا الباب: أنَّ السَّلَفَ كانوا يَتَبايَعُونهُ، ويُجيزُون بيعهُ.
-
فمِن ذلك: أنَّ عُثمانَ، وعبد الرَّحمنِ بن عَوْفٍ تبايَعا فرسًا غائبًا عنهُما (١) .
-
وتبايَعَ عُثمانُ أيضًا وطَلْحةُ دارًا لعُثمان بالكُوفةِ، ولم يَعْلمها (٢) عُثمانُ ولا طَلْحةُ، وقَضَى جُبيرُ بن مُطعِم لطَلْحةَ فيها بالخيارِ. وهُو المُبتاعُ (٣) .
-
فحَمَلهُ العِراقيُّونَ على خيارِ الرُّؤيةِ، وحَمَلهُ أصحابُ مالكٍ على أنَّهُ كان اشترطَ الخيار، فكأنَّ بيعَ الغائب (٤) إجماعٌ من الصَّحابةِ، إذ لا يُعلَمُ لهؤُلاءِ مُخالِفٌ منهُم.
-
ويدخل (٥) في معنَى المُلامَسةِ والغَررِ، أشياءُ بالاستِدلال يطُولُ ذِكرُها، إن ذكَرْناها خَرَجنا عن شَرْطِنا وعَمّا له قَصَدنا، وباللّه عِصْمتُنا وتوفيقُنا.
- ج ٨ ص ١٢٦
حديثٌ ثانٍ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "لا يخطُبُ أحَدُكُم على خِطْبةِ أخيهِ" .
قال أبو عُمر: هذا حديث صحيحٌ ثابتٌ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ورُوي عن أبي هُريرةَ من وُجُوهٍ، وروا أيضًا ابنُ عُمرَ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (٢) .
-
والمعنى فيه عِندَ أهل العِلم بالحديثِ، أنَّ الخاطِبَ إذا رُكِنَ إليه، وقَرُبَ أمر، ومالتِ النُّفُوسُ بعضُها إلى بعضٍ في ذلك، وذُكِرَ الصَّداقُ ونَحْوُ ذلكَ، لَمْ يَجُز لأحَدٍ حينئذٍ الخِطْبةُ على رجُلٍ قد تناهَتْ حالُهُ، وبلَغَتْ ما وصفنا.
-
والدَّليلُ على ذلكَ، أنَّ رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد خطَبَ لأُسامةَ بن زيدٍ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ، إذ أخْبَرتهُ أنَّ مُعاويةَ وأبا جَهْم خَطَباها (٣) . ولم يُنكِر أيضًا خِطْبةَ واحِدٍ منهُما، وخَطَبها على خِطْبتِهِما، إذ لَمْ يَكُن من فاطِمةَ رُكُونٌ ومَيْلٌ، واللّه أعلمُ.
-
وهذا البابُ يَجْري مَجْرَى قولهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يبِعْ بعضُكُم على بيع بعضٍ، ولا يَسُوم (٤) أحدكم (٥) على سَوْم أخيهِ" (٦) .
- ج ٨ ص ١٢٧
ألا تَرى أنَّهُ لو تُرِكَ البائعُ مع أوَّل مُساوِم، لأخذَ السِّلعةَ بما شاءَ، ولكان في ذلك ضَررٌ بيِّنٌ داخِلٌ على النّاسِ.
-
وقد فسَّرَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو عُبيدٍ هذا الحديثَ، بمعنى ما ذَكَرْنا، ومعلُومٌ أنَّ الحالَ التي أجازَ فيها رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "الخِطْبةَ لأُسامةَ في الحديثِ المذكُورِ، غيرُ الحالِ التي نَهَى أن يخطُب فيها الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ، وإذا كان ذلكَ كذلكَ، فالوَجْهُ فيه ما وصفنا، إن شاءَ اللهُ تعالى.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حَدَّثَنَا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن شاذان، قال: حَدَّثَنَا المُعلَّى بن منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبيرِ قال: سألتُ عبد الحميدِ بن عبدِ الله بن أبي عَمرِو بن حَفْصٍ، عن طلاقِ جدِّهِ فاطِمةَ بنت قَيْسٍ، فقال عبدُ الحميد: طلَّقها البتَّة، ثُمَّ خرجَ إلى اليمنِ، وذكر الحديث، وفيه: فانْتَقَلتْ إلى ابن أُمِّ مكتُوم، حتَّى حلَّتْ، فخَطَبها مُعاويةُ بن أبي سُفيانَ، وأبو جَهْم بن حُذَيفةَ، فذَكَرتْ ذلكَ لرسُولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال: "أمّا مُعاويةُ، فغُلامٌ من غِلْمانِ قُرَيشٍ لا يملكُ شيئًا، وأمّا أبو جَهْم بن حُذَيفةَ، فإنِّي أخافُ عَليكِ عَصاهُ، ولكنْ إن شِئتِ دَلَلتُكِ على رَجُل: أُسامةَ بن زيدٍ". قالت: نعَمْ يا رسُولَ الله، فزوَّجها أُسامةَ بن زَيْد (١) .
-
ففي هذا الحديثِ أوضحُ الدَّلالةِ على معنَى النَّهي أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ، وأنَّ الوَجْهَ فيه ما ذكَرْنا، واللّه أعلمُ.
-
وذكَرَ ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرني مَخْرمةُ بن بُكَيرٍ، عن أبيهِ، عن عُبيدِ الله بن سعْدٍ، عن الحارِثِ بن أبي ذُباب: أنَّ جريرًا البَجَليَّ أمرهُ عُمرُ بن الخطّابِ أن يخطُبَ
ج ٨ ص ١٢٨امرَأةً من دَوْسٍ، ثُمَّ أمرهُ مَرْوانُ بن الحَكَم من بعدِ ذلك أن يخطُبها عليه (١) ، ثُمَّ أمَرهُ عبدُ الله بن عُمرَ (٢) فدخَلَ عليها فأخْبَرها بهم، الأوَّل فالأَوَّل، ثُمَّ خَطَبها لنَفْسِهِ (٣) معَهُم (٤) فقالت: واللّه ما أدري أَتَلْعبُ، أم أنتَ جادٌّ؟ قال: بل جادٌّ، فنكَحتهُ، وولدت (٥) لهُ وَلَدين (٦) .
-
وهذا يُبيِّنُ لك معنى قولهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يخطُبُ أحدُكُم على خِطبةِ أخيهِ" . أنَّهُ كما قال مالكٌ والشّافِعيُّ وجُمهُورُ الفُقهاء: أنَّ ذلك أن تَرْكَن إليه، ويتراضيا ويتَّفِقا على صداقٍ معلُوم، وهي تشترِطُ لنفسِها ونحوُ ذلك مِمّا تُعلَمُ به المُوافقةُ والرُّكُونُ، واللّه أعلمُ.
-
وذكَرَ إسماعيلُ بن (٧) أبي أُوَيسٍ، قال: سُئلَ مالكٌ عن رَجُلٍ خطَبَ امرَأةً ورَكَنْت إليه، واتَّفقا على صَداقٍ مَعرُوفٍ، حتَّى صارَتْ من اللواتي (٨) قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يخطُبِ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ" . قال: قال مالكٌ: إذا كان هكذا، فمَلَكها رجُلٌ آخَرُ ولم يدخُل بها، فإنَّهُ يُفرَّقُ بينهُما، وإن دخلَ بها، مَضَى النِّكاحُ، وبِئسَ ما صنَعَ، حينَ خطَبَ امرأةً نَهَى رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تُخطَبَ على تلك الحال.
قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: أكرهُ إذا بعثَ الرَّجُلُ رجُلَا يخطُبُ لهُ امرَأةً، أن يخطُبَ الرَّسولُ لنَفسِهِ، وأراها خِيانةً. قال (٩) : ولم أسمَعْ أحدًا أرْخَصَ في ذلك (١٠) .
ج ٨ ص ١٢٩قال أبو عُمر: ذلك (١) عِندِي على أنَّهُ لَمْ يذكُرِ الرَّجُل المُرسِلَ لهُ، ولو ذكَرهُ، وذكَرَ نفسهُ، لَمْ يكُن بذلكَ بأسٌ، على حديثِ عُمر المذكُورِ، واللّه أعلمُ.
-
ولم يختلفِ العُلماءُ في أنَّهُ إذا لَمْ يكُنْ رُكُونٌ ولا رِضًى، أنَّ النِّكاحَ جائزٌ.
-
واختلفُوا إذا وقَعَ النِّكاحُ مع الثّاني، بعد الرُّكُونِ إلى الأوَّل والرِّضى به.
-
فقولُ مالكٍ ما ذكَرْنا، وقد رُوِيَ عنهُ: أنَّهُ يُفسَخُ على كلِّ حال. ورُوي عنهُ: أنَّهُ لا يُفسَخُ أصلًا. وهُو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ.
-
وقولُ الشّافِعيّ: أنَّهُ لا يُفسَخُ. واختُلِفَ عنهُ: هل هُو عاصٍ بفِعلهِ ذلكَ، أم لا؟
وقال داودُ: يُفسَخُ النِّكاحُ على كلِّ حال.
وقال ابنُ القاسم: إذا تزوَّجَ الرَّجُلُ المرأةَ، بعدَ أن ركَنَتْ إلى غيرِهِ، فدخَلَ بها، فإنَّهُ يتَحلَّلُ الذي خَطَبها عليه، ويعرِّفُهُ بما صنَعَ، فإن حلَّلهُ، وإلّا فلْيستغفِر (٢) الله من ذلك، وليسَ يَلْزمُهُ طلاقُها، وقد أثِمَ فيما قد فعَلَ (٣) .
وقال ابنُ وَهْب: إن لَمْ يجعلهُ الأوَّلُ في حِلٍّ مِمّا صنَعَ، فليُطلِّقها، فإن رغِبَ فيها الأوَّلُ وتَزوَّجها، فقد برِئَ (٤) هذا من الإثم، وإن كرِهَ تَزْويجها، فليُراجِعها الذي فارَقَها بنِكاح جديدٍ، وليسَ يُقْضَى عليه بالفِراقِ.
وقال ابنُ القاسم: إنَّما معنَى النَّهي - في أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ -: في رَجُلينِ صالحَينِ، وأمّا إذا كان الذي خَطَبها أوَّلًا، فرَكَنت إليه، رجُلَ سُوءٍ،
ج ٨ ص ١٣٠فإنَّهُ يَنْبغي للوليِّ أن يحُضَّها على تَزْويج الرَّجُل الصّالح، الذي يُعلِّمُها الخيرَ، ويُعينُها عليه.
قال أبو عُمر: تَحْصيلُ مَذْهبِ مالكٍ في نِكاح من خطَبَ على خِطْبةِ أخيهِ في الحالِ الذي لا يجُوزُ لهُ أن يخطُبَ فيها، أنَّهُ إن لَمْ يَكُن دخَلَ بها، فُرِّقَ بينهُما، وإن كان دخَلَ مَضَى النِّكاحُ، وبِئسَ ما صنَعَ.
وقال الشّافِعيُّ: هي مَعْصيةٌ، وليَسْتغفِرِ الله منها، والنِّكاحُ ثابتٌ، دخَلَ، أو لَمْ يدخُلْ، وهُو مع هذا مكرُوهٌ، لا يَنْبغي لأحدٍ أن يَفْعلهُ.
-
وبِمِثل ما قال الشّافِعيُّ في ذلك (١) يقولُ أبو حنيفةَ وأصحابُهُ وجَماعةٌ، وهُو القياسُ، لأنَّ النِّكاحَ لو كان فاسِدًا مُحرَّمًا، غير مُنعقِدٍ، لم يصِحَّ بالدُّخُول، وعلى أصلِ مالكٍ إنَّما يصِحُّ بالدُّخُول من النِّكاح ما كان فسادُهُ في الصَّداقِ، وأمّا ما كان فسادُهُ في العَقْدِ، فمُحالٌ أن يصِحَّ بالدُّخُول، والنِّكاحُ مُفتقِرٌ إلى صِحَّةِ العَقْدِ، وقد يَنْعقِدُ مع السُّكُوتِ عن الصَّداقِ فافهم.
-
وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديثِ أبي هُريرةَ هذا، في النَّهيِ عن (٢) أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخيهِ ألفاظٌ زائدةٌ، وهي في معنَى ما ذكَرْنا، لا تُخالفُهُ إن شاءَ الله.
-
حَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن شاذانَ، قال: حَدَّثَنَا المُعلَّى بن منصورٍ، قال: حَدَّثَنَا المُغيرةُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي الزِّنادِ،
ج ٨ ص ١٣١عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يخطُبِ أحدُكم (١) على خِطبةِ أخيهِ، حتَّى ينكِحَ أو يترُكَ" (٢) .
-
وحَدَّثَنَا عبدُ الوارثِ، قال: حَدَّثَنَا قاسمٌ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وضّاح، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحيمٌ (٣) الدِّمشقيُّ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو كَثيرٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا هُريرةَ يقولُ: قال رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يَسْتامُ الرَّجُلُ على سَوْم أخيهِ، حتَّى يَشْتري أو يترُك، ولا يخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ، حتَّى ينكِحَ أو يترُكَ" (٤) .
-
وقد رُويَتْ أيضًا في حديثِ ابن عُمرَ في ذلك ألفاظٌ، سنذكُرُها في بابِ نافِع، من كِتابِنا هذا، إن شاءَ الله.
- ج ٨ ص ١٣٢
حديثٌ ثالثٌ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عن صيام يومَينِ: يوم الفِطْرِ، ويوم الأضْحَى.
قال أبو عُمر: قد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ، في بابِ ابن شِهاب، عن أبي عُبَيدٍ.
-
وصيامُ هَذينِ اليومينِ، لا خِلافَ بين العُلماء في (٢) أنَّهُ لا يجُوزُ على حالٍ من الأحْوال، لا لمُتطوِّع، ولا لناذِرٍ، ولا لقاضٍ فرضًا، ولا لمُتمتِّع لا يجِدُ هديًا، ولا لأحَدٍ من النّاسِ، كلِّهِم أن يُصومهُما، وهذا إجماعٌ لا تنازُعَ فيه، فارتفَعَ القولُ في ذلك، وهُما يومانِ حرامٌ صيامُهُما، فمَنْ نذَرَ صيامَ واحِدٍ منهُما، فقد نذرَ مَعْصيةً، وثبتَ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنَّهُ قال: "من نذَرَ أن يَعْصي الله، فلا يَعْصِهِ" (٣) .
-
ولو نذَرَ ناذِرٌ صيامَ يوم بعينِه، أو صيامًا بعَيْنِه (٤) ، مِثلَ صيام سَنة بعَيْنِها، وما كان مِثلَ ذلكَ، فوافقَ ذلك يومَ فِطرٍ أو أضحًى، فأجمعُوا أن لا يَصومهُما، واختَلفُوا في قَضائهِما، ففي أحَدِ قوليِ الشّافِعيِّ، وزُفَر بن الهُذيل، وجماعَة: ليسَ عليه قَضاؤُهُما. وهُو قولُ ابن كِنانةَ صاحِبِ مالك (٥) .
وقال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَقْضيهُما. وهُو قولُ الحسنِ بن حيٍّ، والأوزاعيِّ، وآخِرُ قولي الشَّافِعيِّ.
-
وقد رُوِيَ عن الأوزاعيّ: أنَّهُ يَقْضيهُما، إلّا أن ينوي أن لا يَقْضيَهُما، ولا يصُومَهُما.
- ج ٨ ص ١٣٣
واختلَفَ قولُ مالكٍ في ذلك على ثلاثةِ أوجُهٍ، أحدُها: أنَّهُ يقضيهُما. والآخرُ: أنَّهُ يَقْضيهُما، إلّا أن يكون نَوَى أن لا يقضيهُما. والثّالثُ: أنَّهُ لا يَقْضيهُما، إلّا أن يكونَ نَوَى أن يصُومهُما. روى الرِّوايةَ الأُولى عنهُ ابنُ وَهْب، والرِّوايتينِ الأُخريين (١) ابنُ القاسم (٢) .
قال ابنُ وَهْب: قال مالكٌ، فيمَنْ نذَرَ أن يصُومَ ذا الحِجَّة: فإنَّهُ يُفطِرُ يومَ النَّحرِ، ويومينِ بعدَه، ويقضي. وأمّا آخِرُ أيَّام التَّشريقِ، فإنَّهُ يصُومُهُ (٣) .
-
وروى ابنُ القاسم عن مالكٍ، فيمن نذرَ صيامَ سنةٍ بعَيْنِها: أنَّهُ يُفطِرُ يومَ الفِطرِ، وأيَّام النَّحرِ، ولا قَضاءَ عليه، إلّا أن يكونَ نَوَى أن يصُومَهُما (٤) .
قال: ثُمَّ سُئلَ بعد ذلك عمَّن أوجَبَ صيامَ ذي الحِجَّةِ، فقال: يَقْضي أيَّامَ الذَّبح، إلّا أن يكونَ نَوَى أن لا قَضاءَ لها.
قال ابنُ القاسم: قولُهُ الأوَّلُ أحبُّ إليَّ: أن لا قضاءَ عليه، إلّا أن يَنْوي أن يَقْضِيهُ، فأمّا آخِرُ أيَّام التَّشريقِ الذي ليسَ فيه ذبْحٌ (٥) فإنَّهُ يصُومُهُ، ولا يَدَعُهُ.
-
وقال اللَّيثُ بن سعدٍ، فيمَنْ جعَلَ على نفسِهِ صيامَ سنة: أنَّهُ يصُومُ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، لمكانِ رمضانَ، ويومينِ لمكانِ الفِطْرِ والأضْحَي، ويصومُ أيَّام التَّشريقِ. وقال: المرأةُ في ذلكَ مِثلُ الرَّجُل، وتَقْضي أيَّامَ الحَيْضِ.
-
ورُوِيَ عنهُ فيمن نذرَ صيامَ الاثْنَينِ والخميسِ، فوافَقَ (٦) ذلكَ الفِطْرَ والأضْحَى: أنَّهُ يُفطِرُ، ولا قضاءَ عليه (٧) .
- ج ٨ ص ١٣٤
وهذا خِلافُ الأوَّل، إلّا أنِّي أحسبُ أنَّهُ جعلَ الاثنينِ والخميسَ، كمن نذرَ صيامَ سَنةٍ بعَيْنِها. والجوابُ الأوَّلُ في سَنةٍ بغير عينِها (١) .
-
والقياسُ أن لا قَضاءَ في ذلكَ؛ لأنَّ من نذرَ صومَ يوم بعينِهِ أبدًا، لا يخلُو أن يدخُلَ يومُ الفِطْرِ والأضحى في نَذرِهِ، أو لا يدخُلَ، فإن دخلَ في نَذْرِهِ، فلا يَلْزمُهُ، لأنَّ من قصدَ إلى نَذرِ صَوْمِهِ، لم يلزمهُ (٢) ، ونَذْرُه (٣) ذلكَ باطِل، وإن لَمْ يدخُل في نَذْرِهِ، فهُو أبعدُ من أن يجِب عليه قَضاؤُهُ.
-
وعلى ما ذكَرْنا، يسقُطُ الاعتِكافُ عمَّن نذرَ يوم الفِطْرِ ويوم النَّحرِ، عِندَ من يقولُ: لا اعتِكافَ إلّا بصوم.
-
وقدِ اختُلِفَ عن مالكٍ في هذه المسألةِ، فرُوِيَ عنهُ: أنَّهُ إنِ اعتكفَ يُجزِئهُ.
-
ورُوي عنهُ: أنَّهُ لا يَعْتكِفه، ولا شيءَ عليه، لأنَّهُ لا اعتِكافَ إلّا بصوم. وهُو الصَّحيحُ على أصلهِ.
وقال الشّافِعيُّ (٤) : من نذَرَ اعتِكافَ يوم الفِطْرِ أو يوم النَّحرِ، اعتكفَهُ ولم يَصُمْ، وأجزأهُ. وهُو قولُ كلِّ من يَرى الاعتِكافَ جائزًا بغيرِ صَوْم.
وقال محمدُ بن الحسن: يَعْتكِفُ يومًا مكانهُ، إذا جعَلَ ذلك على نفسِهِ، ويُكفِّرُ مكانه عن يَمينِهِ، إن أراد يمينًا.
-
وقد مَضَى القولُ في حيام أيّام التَّشريقِ، في بابِ مُرسل ابن شِهاب، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للّه.
- ج ٨ ص ١٣٥
حديثٌ رابعٌ لمحمدِ بن يحيى بن حَبّان
مالكٌ (١) ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّانَ، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عن الصَّلاةِ بعد العَصْرِ حتَّى تغرُبَ الشَّمسُ، وعنِ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ.
قال أبو عُمر: هذا حديثٌ لا يُختلَفُ في ثُبُوتِهِ وصِحَّةِ إسناده، وقد رُوي من وُجُوهٍ كثيرةٍ عن النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.