محمد بن يحيى بن حبان لمالك عنه أربعة أحاديث مسندة صحاح
١٣٠ فقرة، ج ٨ ص ١١٤
الصفحة ٤ من ٤
- ج ٨ ص ١٥٠
وفي قولهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - "من نامَ عن الصَّلاةِ، أو نَسِيها، فليُصلِّها إذا ذَكَرها" (٤) . وفي قولهِ عليه السَّلامُ: "من أدرَكَ رَكْعةً من الصُّبح قبلَ أن تطلُع الشَّمسُ، فقد أدْرَكَ الصُّبحَ، ومن أدْرَكَ رَكْعةً من العَصْرِ قبلَ أن تغرُبَ الشَّمسُ، فقد أدركَ العَصْرَ" (٥) . دليلٌ على أنَّ نَهْيهُ عن الصَّلاةِ بعد الصُّبح، والعَصِر، ليسَ على الفَرائضِ الفوائتِ (٦) ، واللّه أعلمُ.
-
ومَنْ تدبَّر ما أوْرَدنا في ذلك البابِ، اكتفى، وباللّه التَّوفيقُ والهُدى.
وقال أبو ثَوْر: لا يُصلِّي أحَدٌ تطوُّعًا بعد الفَجْرِ إلى أن تطلُع الشَّمسُ، ولا
ج ٨ ص ١٥١إذا قامَتِ الشَّمسُ، إلى أن تزُولَ الشَّمسُ، ولا بعدَ العَصْرِ حتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، إلّا صَلاةً فائتةً، أو على جِنازَةٍ، أو على إثرِ تَطَوّفٍ (١) ، أو صَلاةً لبعضِ الآياتِ، أو ما يَلْزمُ من الصَّلوات (٢) .
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ هذا المَذْهبَ، حديثُ عَمرِو بن عَبَسةَ (٣) ، وحديثُ كعبِ بن مُرَّةَ، وحديثُ الصُّنابِحيِّ، عن النَّبيِّ عليه السَّلامُ، بمِثلِ هذا المَعْنَى. ويخُصُّها ببعضِ ما ذكَرْنا من الآثارِ، وقد ذكَرْنا حديث عَمرِو بن عَبَسةَ، وما كان مِثْلَهُ في بابِ حديث زيدِ بن أسلَمَ من كِتابِنا هذا، في حديثِ الصُّنابِحيِّ، فأغْنَى عن ذِكْرِ هاهُنا.
-
ومِمّا يخُصُّ به أيضًا هذه الآثار، وما كان مِثْلَها على مَذْهبِ أبي ثورٍ، ومن قالَ بقَوله، قولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "يا بني عَبْدِ مَنافٍ، لا تَمْنعُوا أحدًا طافَ بهذا البيتِ وصَلَّي، أيَّ ساعةٍ شاءَ" .
-
حَدَّثَنَاهُ محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤) : أخبرنا محمدُ بن منصُورٍ، قال: حَدَّثَنَا سُفيانُ، قال: سمِعتُ من أبي (٥) الزُّبيرِ، قال: سمِعتُ عبد الله بن
ج ٨ ص ١٥٢باباه (١) يُحدِّثُ عن جُبيرِ بن مُطعِم، أنَّ النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: "يا بني عَبْدِ مَنافٍ، لا تمنعُوا أحَدًا طافَ بهذا البيتِ، وصلَّى أي ساعَةٍ شاءَ، من ليلٍ أو نَهارٍ" .
-
وذكر الشّافِعيُّ، عن عبدِ الله بن المُؤَمَّل، عن حُميدٍ مولَى عَفْراءَ، عن قَيْسِ بن سَعدٍ، عن مُجاهِدٍ، عن أبي ذرّ: أنَّهُ أخذَ بحَلْقةِ بابِ الكعبةِ فقال: أَتَعْرِفُونني؟ من عَرَفني، فأنا الذي عَرَفني، ومن لَمْ يَعْرِفني فأنا أبو ذرٍّ صاحِبُ رسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، سَمِعَتْ أُذُناي رسُولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقولُ: "لا صَلاةَ بعد الصُّبح حتَّى تطلُع الشَّمسُ، ولا بعد العَصْرِ حتَّى تغرُب الشَّمسُ، إلّا بمَكَّةَ، إلّا بمَكَّةَ، إلّا بمكَّةَ" (٢) .
-
وهذا حديثٌ، وإن لَمْ يَكُن بالقويِّ، لضَعْفِ حُميدٍ مولى عَفْراءَ، ولأنَّ مُجاهِدًا لَمْ يَسْمع من أبي ذرٍّ (٣) ، ففي حديثِ جُبَيرِ بن مُطعِم ما يُقوِّيهِ، مع قولِ جُمهُورِ عُلماءِ المُسلمين به؛ وذلكَ أنَّ ابن عبّاس، وابن عُمرَ، وابن الزُّبيرِ، والحَسَنَ، والحُسينَ، وعَطاءً، وطاوُوسًا، ومُجاهِدًا، والقاسمَ بن محمدٍ، وعُرْوةَ بن الزُّبيرِ، كانوا يطُوفُونَ بعد العَصْرِ، وبعضُهُم بعد الصُّبح أيضًا، ويُصلُّونَ بإثْرِ فَراغِهِم من طَوافِهِم رَكْعتينِ في ذلك الوَقْت (٤) .
- ج ٨ ص ١٥٣
وبه قال الشَّافِعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ (١) ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ بن عليٍّ.
وقال مالكُ بن أنس: من طافَ بالبيتِ بعد العَصْرِ، أخَّر رَكْعتيِ الطَّوافِ حتَّى تَغرُب الشَّمسُ. وكذلك من طافَ بعد الصُّبح، لَمْ يَرْكعهُما حتَّى تطلُع الشَّمسُ وتَرْتفِع (٢) .
وقال أبو حنيفةَ: يَرْكعُهُما، إلّا عِندَ غُرُوبِ الشَّمسِ وطُلُوعِها واسْتِوائها.
-
وبعضُ أصْحابِ مالكٍ يَرى الرُّكُوع للطَّوافِ بعد الصُّبح، ولا يراهُ بعدَ العصرِ.
-
وهذا لا وَجْهَ لهُ في النَّظرِ، لأنَّ الفرقَ بين ذلكَ لا دليلَ عليه من خَبَرٍ ثابتٍ، ولا قياسٍ صَحيح، واللّه أعلمُ.
-
وحُكمُ سُجُودِ التِّلاوةِ بعد الصُّبح، والعَصرِ، كحُكم الصَّلاةِ عِندَ العُلماءِ على أُصُولهِمُ التي ذكَرْنا، وباللّه توفيقُنا.
قال أبو عُمر: روى الوليدُ بن مُسلم (٣) عن مالكٍ، عن محمدِ بن يحيى بن حَبّان، عن عبدِ الرَّحمنِ الأعْرَج، عن أبي هُريرةَ قال: نَهَى رسُولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن لُبْسَتينِ، اشْتِمالِ الصَّمّاء (٤) ، والاحْتِباءِ في ثوبٍ واحِدٍ، كاشِفًا عن فَرْجِه (٥) . وهذا حديثٌ غريبٌ من حديثِ مالكٍ، لَمْ يَروِهِ عنهُ بهذا الإسْنادِ إلّا الوليدُ بن مُسلم، فيما عَلِمتُ، واللّه أعلمُ.