آثار السلف في ذم الرأي والقياس الفاسد
٢٩ فقرة، ج ٢ ص ١١٦
- ج ٢ ص ١١٦
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العلم.
-
وروى عبد الرزاق، ثنا سفيان الثوري، ثنا عبد الأعلى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من قال في القرآن برأيه فليتبوَّأ مقعدَه من النار» (١) .
وقال عَبْدُ بن حُميد: ثنا أبو أسامة، عن نافع بن عمر الجُمَحي، عن بن أبي مُليكة، قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «أيّ أرضٍ تُقِلّني وأيُّ سماءٍ تُظِلّني إن قلتُ في آيةٍ من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم» (٢) .
- ج ٢ ص ١١٧
وذكر أبو عمر بن عبد البر (١) من حديث حمَّاد بن زيد، عن سعيد ابن أبي صدقة، عن ابن سيرين قال: لم يكن أحدٌ (٢) أهْيَب لما لا يعلم من أبي بكر الصديق [ق ٣٦] ، ولم يكن أحدٌ بعد أبي بكر أَهْيَب لما لا يعلم من عمر، وأن أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله تعالى منها أصلًا، ولا في السنة أثرًا، فاجتهد رأيه، ثم قال: «هذا رأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأً فمني، وأستغفر الله» .
قالوا: فهذا رأي صدِّيقيّ لم يخالف أثرًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يجوّز أن يكون خطأً، يُستغفرَ منه، فكيف برأيٍ غير صدِّيقيّ يخالف الأحاديث الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه؟!
وقال عمر رضي الله عنه: «أيها الناس، اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتُني وإني لأردّ أمرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيي، أجتهدُ ولا آلو، وذلك يوم أبي جندل والكتاب يُكْتب، فقال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، فقالوا: نكتب: باسمك اللهم، فرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبيتُ، فقال: يا عمر، تراني قد رضيتُ وتأبى؟» (٣) .
ج ٢ ص ١١٨وقال ابنُ وهب: ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري: أن عمر بن الخطاب قال ــ وهو على المنبر ــ: «يا أيها الناس إنما كان رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصيبًا؛ لأن الله عز وجل كان يُرِيه، وإنما هو مِنّا الظنُّ والتكلّف» (١) .
-
وذكر أبو عمر بن عبدالبر (٢) من حديث عَمرو بن حُريث، قال: قال عمر بن الخطاب: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السّنن، أعْيتهم الأحاديثُ أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضَلّوا.
وقال محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمر بن الخطاب: أصبح أصحاب الرأي أعداء السنن، أعْيتهم أن يعوها، وتفَلّتت أن يرووها فاشتقُّوها (٣) بالرأي (٤) .
وقال مسروق: كتبَ كاتبٌ لعمر بن الخطاب: هذا ما أرى اللهُ عمرَ، فقال: بئس ما قلت، قل: هذا ما رأى عمر. وفي رواية: هذا ما رأى اللهُ ورأى عمرُ، فقال: بئس ما قلت، إن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر (٥) .
ج ٢ ص ١١٩وقال ابن وهب: أخبرني ابنُ لهيعة، عن عبد الله (١) بن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب: السُّنة ما سَنَّه اللهُ ورسولُه، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة (٢) .
-
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة (٣) من حديث رفاعة بن رافع قال: بينا أنا عند عمر بن الخطاب، إذ دخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد ابن ثابت يفتي الناسَ في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: علَيَّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر قال: أي عُدَيّ (٤) نفسِه! قد بلغتَ أن تفتي الناسَ برأيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، والله ما فعلت، ولكن سمعت من أعمامي حديثًا حدَّثتُ به؛ من أبي أيوب، ومن أُبيّ بن كعب، ومن رِفاعة بن رافع. فأقبل عمر على رِفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصابَ أحدُكم من المرأة فأكْسَل لم يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك في عهد رسول [ق ٣٧] الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يأتنا فيه من الله تحريم، ولم يكن فيه من النبي - صلى الله عليه وسلم - نَهْي، فقال عمر: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم ذلك؟ قال: لا أدري، فأمر عمر بالمهاجرين والأنصار فجُمِعوا له فشاورهم، فأشار الناس أنْ لا غُسل
ج ٢ ص ١٢٠إلا ما كان من معاذٍ وعليٍّ، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجبَ الغُسْل، فقال عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافًا، فقال علي: يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أزواجه، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا عِلم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز (١) الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسْل، فقال عمر: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا.
-
وقال حمّاد بن سَلَمة، عن حُميد، عن أبي رجاء العُطاردي، أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال: من كان عنده عِلم فليعلّمه الناس، وإن لم يعلم فلا يقولنّ ما ليس له به علم، فيكون من المُتكلّفين ويمرق من الدّين (٢) .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لو كان الدّين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه (٣) .
وقال البخاري (٤) : ثنا موسى بن إسماعيل، أنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: قال سهل بن حُنيف: أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، لقد
ج ٢ ص ١٢١رأيتُني يومَ أبي جندل، ولو أستطيع أن أردّ أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته.
وقال ابن وهب: حدثني بِشْر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن ابن عباس قال: من أحْدَث رأيًا ليس في كتاب الله، ولم تمضِ به سنةُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يدرِ على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل (١) .
-
وقد سئل ابنُ مسعود عن المُفوِّضة شهرًا يُخْتَلَفُ فيها إليه، فقال بعد ذلك: سأقول (٢) فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله وحده، وإن كان خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريء (٣) .
-
فلم يجزم برأيه أنه صواب يجب اتباعه، فضلًا عن أن يقدم على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل جوَّز أن يكون خطأً، والله بريء منه ورسوله، هذا وهو رأي حَبْر الأمة وعالمها.
وقال يحيى بن سعيد: ثنا مُجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قال ابن مسعود: يذهب العلماء ويبقى قوم يفتون برأيهم (٤) .
-
وذكر حماد بن سلمة، عن أيوب السّخْتياني، عن أبي قلابة، عن يزيد
ج ٢ ص ١٢٢ابن عَميرة (١) ، عن معاذ بن جبل قال: تكون فتنٌ يكثر فيها المال ويُفتح فيها القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والمؤمن والمنافق، فيقرؤه [ق ٣٨] الرجل فلا يُتَّبع، فيقول: والله لأقرأنَّه علانيةً، فيقرؤه علانية فلا يُتّبع، فيتخذ مسجدًا أو يبتدع كلامًا ليس في كتاب الله ولا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإياكم وإياه فإنه بدعة وضلالة. قاله معاذ ثلاث مرات (٢) .
-
وما أحسن ما قال سفيان بن عيينة: اجتهاد الرأي مشاورة أهل العلم، لا أن يقول برأيه. حكاه إسحاقُ بن راهويه عنه (٣) .
-
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: إنه لا رأي لأحد مع سُنةٍ سنَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٤) .
وقال ابن وضَّاح: ثنا يوسف بن عدي، ثنا عَبيدة (٥) بن حميد، عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خُثَيم: إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا، أو نهى عنه، فيقول الله عز وجل: كذبت لم أحرّمه، ولم أنْه
ج ٢ ص ١٢٣عنه، أو يقول: إن الله عز وجل أحل هذا أو أمر به (١) ، فيقول الله عز وجل: كذبتَ لم أحلّه ولم آمر به (٢) .
وقال أبو نضرة: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول للحسن البصري: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفْتِ إلا أن تكون سنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كتابًا منزّلًا (٣) .
وقال شقيق بن سلمة: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت (٤) .
وقال الزهري: دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي (٥) .
وقال عروة بن الزبير: ما زال أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى نشأ فيهم المولّدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم (٦) .
-
ورواه ابن ماجه في كتاب «السنن» (٧) مرفوعًا فقال: ثنا سويد بن
ج ٢ ص ١٢٤سعيد، ثنا ابن أبي الرِّجال، عن الأوزاعي, عن عَبْدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم المولّدون، وأبناء سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا» .
-
ورواه محمد بن إسحاق الصغاني، عن المُسَيَّبي، عن عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما هلكت بنو إسرائيل حتى كثر فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا في دينهم بالمقاييس فهلكوا وأهلكوا» (١) .
-
وذكر ابن وهب، عن ابن شهاب أنه ذكر ما وقع الناسُ فيه من الرأي، وتركهم السنن، فقال: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم، حين (٢) اشتقّوا الرأي وأخذوا فيه (٣) .
وقال الأوزاعي: عليك بآثار من مضى وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول (٤) .
- ج ٢ ص ١٢٥
وقال ابن أبي عمران شيخُ الطحاوي وأستاذُه، عن أبي يوسف والحسن [ق ٣٩] بن زياد قالا: قال أبو حنيفة: عِلْمُنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه (١) .
-
وذكر أبو عمر بن عبدالبر (٢) عن معن بن عيسى قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلما وافق القرآن والسنة فخذوا به، وما لم يوافق [الكتاب و] السنة فاتركوه.
-
ولقد أصاب القائل بأنا نناشدهم الله واحدًا واحدًا، هل يفعلون هكذا؟ فوالله لئن قالوا: نعم؛ ليعلمنَّ اللهُ تعالى وأنفسُهم أنهم كاذبون، وإن قالوا: لا، أو سكتوا؛ فقد خالفوا ما يدّعون اتباعَه، وبالله التوفيق.
وقال القعنبي: دخلتُ على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلّمت ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت: يا أبا عبد الله، ما الذي يُبْكيك؟ فقال لي: يا ابن قَعْنب، وما لي لا أبكي ومن أحقّ بالبكاء منّي! والله لوَدِدت أني ضُرِبْتُ بكلّ مسألة أفتيتُ فيها برأيي سوطًا سوطًا، وقد كانت لي سَعَة فيما سُبِقْت إليه وليتني لم أُفْتِ بالرأي (٣) .
- ج ٢ ص ١٢٦
وذكر أبو عمر (١) عن محمد بن خليفة، عن الآجُرِّي، عن أبي بكر بن أبي داود، عن أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: مَثَلُ الذي ينظر في الرأي ثم يتوب، كَمَثَل المجنون الذي عولج حتى برئ، فأعْقَلُ ما يكون قد هاج به.
وقال الإمام أحمد: لا تكاد ترى أحدًا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل (٢) .
-
وذكر أبو عمربن عبدالبر (٣) ، عن عبد الرحمن بن يحيى، عن أبي علي الأسيوطي، عن محمد بن جعفر الأنباري (٤) ، عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه:
دينُ النبيّ محمدٍ أخبارُ ... نِعْم المَطيّة للفتى الآثارُ
لا ترغبنّ عن الحديثِ وأهلِه ... فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ
ولربما جَهِل الفتى طرق الهدى ... والشمسُ طالعة لها أنوارُ
ج ٢ ص ١٢٧دع عنك آراءَ الرجال فما لها ... حدٌّ تحيطُ به ولا مِقدارُ
وهذا البيت الأخير لغير أحمد من المتأخرين.
-
وذكر عبد الله بن المبارك، ثنا عيسى بن يونس بن (١) أبي إسحاق السبيعي، عن حَريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تفرّقت أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمُها فتنةً على أمتي: قومٌ يقيسون الأمور برأيهم فيُحِلُّون الحرام ويحرِّمون الحلال» (٢) .
ج ٢ ص ١٢٨وقال ابن وهب: بلغني عن ابن مسعود أنه قال: ليس عام إلا والذي بعده شرٌّ منه، لا أقول: عام أَمْطر من عام، ولا عام أَخْصب من عام، ولا أمير خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيُهْدَم الإسلامُ وينثلم (١) .
-
[ق ٤٠] وذكر أبو بكر بن أبي شيبة، عن مجاهد قال: نهى عمر بن الخطاب عن المكايلة. قال مجاهد: هي المقايسة (٢) .
ج ٢ ص ١٢٩وقال سعيد بن منصور: ثنا سفيان ــ هو ابن عُيينة ــ عن مُجالِد، عن مسروق (١) قال: قال عبد الله بن مسعود: إياكم وأرأيتَ أرأيتَ، و (٢) إنما هلك من قبلكم بأرأيت وأرأيت، ولا تقيسوا شيئًا فتزلّ قدمٌ بعد ثبوتها، وإذا سُئل أحدُكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، فإنه ثلث العلم (٣) .
-
وذكر البخاريّ (٤) عن جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر، فقال: يا جابر، إنك من فقهاء البصرة تُسْتفتى فلا تُفْتِ إلا بكتابٍ ناطق أو سنةٍ ماضية.
-
وذكر مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: العلم ثلاثة (٥) : كتاب الله الناطق، وسنة ماضية، ولا أدري (٦) .
- ج ٢ ص ١٣٠
وذكر ابنُ وهب عن مَسْلمة بن عُلَيّ: أن شُريحًا القاضي قال: السنة سبقت قياسَكم (١) .
-
وذكر ابن عبدالبر (٢) ، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء، قلت: لِمَهْ؟ قال: أخاف أن تزلّ رجلي. وفي رواية عنه: إني أخاف أن تزلّ قدمي بعد ثبوتها (٣) .
-
وذكر أبو عمر (٤) أيضًا عن الشعبي: إيَّاكم والمقايسة، فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة، لتحلّنّ الحرام ولتحرّمنّ الحلال، ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحفظوه.
- ج ٢ ص ١٣١
وذكر سعيدُ بن منصور، عن الشعبي: السنة لم توضع بالقياس (١) .
وقال يحيى بن سعيد القطان: ثنا [صالح] (٢) بن مسلم قال: قال لي الشعبي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار، وأخذتم بالمقاييس، لقد بَغّض إليّ هذا المسجد ــ فلهو أبغض إليّ من كُناسة أهلي ــ هؤلاء الصَّعافقة (٣) .
قال بعض أهل العلم: «الصعافقة» الذين يتخذون تجارةً غير محمودة، ويقحمون في المضايق بلا رَوِيّة (٤) .
وقال عطاء وغيره في قوله عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (٥) [النساء/٥٩] : إلى كتاب الله وسنة رسوله (٦) .
وقال ميمون بن مِهران: يُرَدُّ إلى الرسول ما دام حيًّا، فإذا قُبِض فإلى
ج ٢ ص ١٣٢سنته (١) .
-
وذكر أبو زرعة الدمشقي (٢) ، ثنا يزيد بن عبدربه قال: سمعت وكيع ابن الجرَّاح يقول ليحيى بن صالح الوُحاظي: احذر الرأي، فإني سمعتُ أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم.
-
وذكر الطحاوي، ثنا الحسن بن غُلَيب، ثنا عمران بن أبي عِمران، ثنا يحيى بن سُلَيم (٣) الطائفي، حدثني داود بن أبي هند قال: سمعت محمد ابن سيرين يقول: القياس شؤم، وأول من قاس إبليس، وإنما عُبِدت الشمسُ والقمر بالقياس (٤) .
قالوا: والآثار في هذا أضعاف [ق ٤١] أضعاف (٥) ما ذكرناه، ولا ريب أن هذا الذمّ يتناول القياس الباطل المتضمّن خلاف السنن الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي يقدمه أصحابه عليها ويردونها به.
قالوا: ولا ريبَ أن السنة الصحيحة الصريحة جاءت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفع في موضع، وتركه في موضع، والقياس الصحيح إنما يكون على