جوابهم عن حديث أبي حميد الساعدي
٨ فقرات، ج ٢ ص ١٦٠
- ج ٢ ص ١٦٠
ورواه النّضْر بن شُميل، عن إسرائيل، عن يونس، عن يزيد كذلك، ورواه سفيان بن عُيينة كذلك، وابن عيينة لم يشهد على يزيد بإقراره أنه تلقّن، وإنما ظنّ ظنًّا. ويزيد خرّج له مسلم، فكيف يُرَدُّ قوله بالظن ويُنْسَب إلى أنه زاد في الحديث زيادةً من عنده؟!
قالوا: ولو فرضنا أنه حدَّث به أولًا من غير ذكر: «ثم لا يعود» كما ذكر ابنُ عُيينة، فما المانع من قبول الزيادة من الثقة؟ فإنه يجوز أن يحدِّث الراوي ببعض الحديث ثم يكمله، ويجوز أن يكون قد نسي الزيادة أولًا ثم ذَكَرها فحذفها لمَّا نسيها، وحدَّث بها لما ذكرها، فلا يسوغ تضعيفه بالظن المجرَّد. كيف وقد تابعه على هذه الزيادة غيره؟! كما قال ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١) : حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم وعيسى، عن ابن أبي ليلى، عن البراء: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يرفعهما حتى يفرغ.
-
ورواه أبو داود (٢) من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن الحكم.
-
وبالجملة: فيزيد ثقة، ولم يثبت تضعيفه بما يوجب ردَّ حديثه.
-
فصل
* وأما حديث أبي حُميد الساعدي في عشرةٍ من أصحاب النبي
ج ٢ ص ١٦١- صلى الله عليه وسلم - (١) ، فهو وإن كان قد رواه البخاريُّ وغيره من أصحاب الصحيح والسنن والمسانِد، فهو حديث له علة عجيبة دقيقة لا يَفْطن إليها إلا فرسان هذا الشأن، ونحن نذكر علَّته ليُعْلَم حاله.
قال ابن القطان (٢) : «هذا الحديث من رواية عبدالحميد بن جعفر، عن محمد بن عَمرو، صدوقٌ (٣) ، وثَّقه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، [ق ٥١] وأخرج له مسلم، وضعَّفه يحيى بن سعيد في روايةٍ عنه، وكان الثوري يحمل عليه من أجل القَدَر (٤) ، فيجب التثبُّت فيما روى من قوله: «فيهم (٥) أبو قتادة»، فإن أبا قتادة توفي في زمن علي، وصلى عليه عليٌّ، وهو ممن قُتِل معه، وسِنّ محمد بن عَمرو مقصّرة عن إدراك ذلك. وقيل في وفاة أبي قتادة غير ذلك؛ أنه توفي سنة أربع وخمسين، وليس بصحيح، بل الصحيحُ ما ذكرناه. وقُتِل عليٌّ سنة أربعين، ذكر هذا التعليل
ج ٢ ص ١٦٢أبو جعفر الطحاوي (١) .
قال الطحاوي: والذي زاده محمد بن عَمرو غير معروف ولا متصل؛ لأنَّ في حديثه أنه حضر أبا حُميد وأبا قتادة، ووفاة أبي قتادة قبل ذلك بدهر طويل؛ لأنه قُتِل مع عليّ، وصلى عليه، فأين سِنّ محمد بن عَمرو من هذا؟!
قال الطحاوي: وعبدالحميد بن جعفر ضعيف (٢) .
قال ابن القطان: ويزيد هذا المعنى تأكيدًا أن عطَّاف بن خالد روى هذا الحديث فقال: ثنا محمد بن عَمرو بن عطاء، ثنا رجل: أنه وجد عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلوسًا ... فذكر نحو حديث أبي عاصم.
-
وعطَّاف بن خالد هذا مدنيٌّ ليس بدون عبدالحميد بن جعفر، وإن كان البخاريّ حكى أن مالكًا لم يَحْمَده، وذلك لا يضرّه؛ لأن ذلك غير مُفسَّر من مالك بأمر يجب لأجله ترك روايته.
قال: وقد اعترض الطبريُّ في ذلك على مالك بما ذكرناه من عدم تفسير الجَرح [و] (٣) بأمرٍ آخر لا نراه صوابًا , وهو أن قال: وحتى لو كان مالك قد فسَّر لم يجب أن نترك بتجريحه رواية عطَّاف, حتى يكون معه مُجرِّحٌ آخر.
قال ابن القطان: وإنما لم نره صوابًا لوجهين:
أحدهما: أن هذا المذهب ليس بصحيح، بل إذا جَرَّح واحدٌ بما هو
ج ٢ ص ١٦٣جُرحة قُبِل، فإنه نَقْلٌ منه لحالٍ سيئةٍ تسقطُ بها العدالة، ولا يحتاج في النقل إلى تعدُّد الرواة.
-
والوجه الثاني: أن ابن مهدي أيضًا لم يرض عطافًا، لكن لم يفسِّر بماذا لم يرضه، فلو قبلنا قوله فيه قلَّدناه في رأيٍ لا في رواية، وغير مالك وابن مهدي يوثِّقه.
قال أبو طالب عن أحمد: هو من أهل المدينة، ثقة صحيح الحديث، روى نحو مائة حديث.
وقال ابن معين: صالح الحديث ليس به بأس. وقد قال ابن معين: من قلت: ليس به بأس، فهو عندي ثقة.
وقال أبو زرعة: ليس به بأس.
وقال أبو حاتم: ليس بذاك (١) .
قال ابن القطان: ولعله أحسن حالًا من عبدالحميد بن جعفر.
-
وهو قد بَيَّن أن بَيْن محمد بن عَمرو وبين أولئك الصحابة رجلًا. قال: ولو كان هذا عندي محتاجًا إليه في هذا الحديث للقضاء بانقطاعه لكتبته في المَدْرك الذي قد فرغت منه، ولكنه غير محتاج إليه للمتقرِّر من تاريخ (٢) وفاة أبي قتادة، وتقاصُر سنّ محمد بن عَمرو عن إدراك حياته
ج ٢ ص ١٦٤رجلًا، فإنما جاءت رواية عطَّاف عاضدةً لما قد صحَّ وفرغ منه.
قال: وقد رواه عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عمرو فقال فيه: عن عيَّاش أو عباس بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلس فيه أبوه (١) ، وأبو هريرة، وأبو أُسيد، وأبو حُميد، ولم يذكر فيه من الفرق بين الجلوسين (٢) [ق ٥٢] ما ذكره عبدالحميد بن جعفر. ذكره أبو داود (٣) .
-
وقد رواه البخاري في «صحيحه» (٤) : حدثنا يحيى بن بُكَير، ثنا الليث، سمع يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد، سمع (٥) محمد بن عَمرو بن حَلْحَلة، سمع محمد بن عَمرو بن عطاء: أنه كان جالسًا في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكروا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو حميد: أنا كنت أحفظكم لصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، رأيته إذا كبر ... فذكر الحديث. ولا ذِكْر فيه لأبي قتادة، ولكن ليس فيه ذِكْرٌ لسماعه من أبي حميد، وإن كان ذلك ظاهره». هذا آخر كلامه.