فصل في ردهم لحديث أبي هريرة

٨ فقرات، ج ٢ ص ٢١٩

  1. عليه بعضُ [أمر] (١) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    قال أبو عمر بن عبد البر (٢) : «وما أعلم أحدًا من الصحابة إلا وقد شذّ عنه من علم الخاصة، والوارد بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره، وذلك على مَن بعدهم أجْوَز، والإحاطة ممتنعة على كل أحد» .

    قالوا: ولو فرضنا أن ابن مسعود روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يرفع يديه إلا في أول مرة لم يَسُغْ ردّ رواية من روى عنه - صلى الله عليه وسلم - إثبات الرفع ولو رآه مرةً واحدة، إذ كان عدلًا صادقًا مصدَّقًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يسوغ ردّ ما شاهده وعاينه بكون غيره من الصحابة نفاه؛ لأن المُثْبِت مقدّم على النافي، فكيف وابن مسعود لم ينقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ترك الرفعَ هو، وغيرُه من الصحابة فَعَله ونَقَله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم.

    ج ٢ ص ٢١٩
  2. ثم من العجب ردّكم للأحاديث المتصلة المرفوعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمرسل المنقطع الموقوف على الصحابي.

  3. فصل

    * قالوا: وأما ردّكم لحديث أبي هريرة (٣) بأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، وهو من غير أهل بلده (٤) .

  4. فجوابه: أنا لم نعتمد على حديثه بمجرّده حتى يلزمنا ما ذكرتم، بل العمدة على الأساطين التي لا تُغْمَز قناتُها ولا تُفَلّ شَبَاتُها، وهب أن رواية إسماعيل بن عيّاش لم تفد شيئًا ألبتة، فإن ذلك لا يضرّ الأحاديث الصحيحة شيئًا، كيف وإسماعيل بن عيَّاش من ثقات [ق ٧٢] الشاميين والحُفَّاظ المكثرين الذين لكثرة روايتهم يقع الوهم في بعض حديثهم، ومثل هؤلاء إنما يُتَّقى من حديثهم ما انفردوا به أو خالفوا فيه الأثبات، فيورث ذلك توقُّفًا فيما تفرّدوا به أو خالفوا فيه من هو أثبت منهم، فإذا روى أحدُهم ما هو معروف غير منكر، وهو ثقة في نفسه، لم يَسُغ ردّ حديثه.

    ج ٢ ص ٢٢٠
  5. ولا ريب أن إسماعيل بن عيَّاش لم يردّ أحدٌ من المحدِّثين حديثه كلّه، ولم يقبله كلّه، فالواجب نقدُ حديثه واعتبارُه.

  6. والذي يُخاف من هذا الحديث أن يكون وَهِمَ في رفعه، فقد رواه محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: «أنه كان إذا كَبّر رفعَ يديه، وإذا ركع (١) ، وإذا رفع رأسَه من الرُّكوع»، رواه البخاري في كتاب «رفع اليدين» (٢) عن محمد بن الصلت، ثنا أبو شهاب عبدُ ربه، عن ابن إسحاق.

    قال البخاري (٣) : «وثنا سليمان بن حَرْب، ثنا يزيد بن إبراهيم، عن

    ج ٢ ص ٢٢١قيس بن سَعْد، عن عطاء قال: صليتُ مع أبي هريرة رضي الله عنه فكان يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع».

    قال البخاري (١) : «ويُروى عن عمر بن الخطاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن جابر بن عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن عُبيد بن عُمير، عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن ابن عبّاس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أبي موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يرفع يديه عند الركوع، وإذا رفع رأسه. قال البخاري: وفيما ذكرنا كفاية لمن يفهمه إن شاء الله تعالى» .

    قالوا: [وإن] حاكمناكم إلى قواعدكم في أن الرفع زيادة يجب قبولها من الثقة= وجبَ عليكم قبول هذه الزيادة، وهي رفع حديث أبي هريرة من إسماعيل بن عيّاش، فإنه ثقة غير مدافَع، وقد صرّح بالسماع من صالح بن كيسان، فانتفت عنه تهمة التدليس.

    قال البخاري (٢) : «ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا إسماعيل، ثنا صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه حَذْو منكبيه: حين يكبر يفتتح الصلاة، وحين يركع» .

  7. فإذا كان إسماعيل ثقة حافظًا وقد قال: «حدثنا» وجب قبول حديثه ما لم يمنع منه مانع.

    ج ٢ ص ٢٢٢قالوا: وإن حاكمناكم إلى قواعد المحدِّثين أيضًا حكموا لنا عليكم؛ فإن هذا الحديث قد رُوي من وجهين مختلفين عن أبي هريرة، من فعله وروايته، وأحدهما يصدِّق الآخر؛ لأنه رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعَمِل به، وروى عنه عبد الرحمن الأعرج الأمرين معًا، فحفظَ صالحُ بن كيسان المرفوع، وحفظ محمد بن إسحاق الموقوف، فالحديثان محفوظان، ولم يقم ما يوجب إبطال إحدى الروايتين بالأخرى.

    قالوا: ويدلّ على أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ: رواية الليث بن سعدٍ له [ق ٧٣] عن يحيى بن أيوب، عن ابن جُرَيج، عن الزّهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبَّر للصلاة جَعَل يديه حَذْو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، [وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك] وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك (١) .

  8. فهذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجّ بيحيى بن أيوب، وقد رواه عن الزهري جماعة (٢) .