- (باب قول الله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة:

٥٨ فقرة، ج ١٥ ص ٢٠٥

الصفحة ٢ من ٢

  1. ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (اسْتَوْصُوا) ، أَي: تواصوا أَيهَا الرِّجَال فِي حق النِّسَاء بِالْخَيرِ، وَيجوز أَن تكون الْبَاء للتعدية والاستفعال بِمَعْنى الإفعال، نَحْو الاستجابة، قَالَ تَعَالَى: {فليستجيبوا لي} (الْبَقَرَة: ٦٨١) . {ويستجيب الَّذين آمنُوا} (الشورى: ٦٢) . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: الإستيصاء: قبُول الْوَصِيَّة، أَي: أوصيكم بِهن خيرا فاقبلوا وصيتي فِيهِنَّ، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: السِّين للطلب مُبَالغَة أَي: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة من أَنفسكُم فِي حقهن بِخَير، وَقَالَ غَيره، استفعل على أَصله، وَهُوَ طلب الْفِعْل فَيكون مَعْنَاهُ: اطْلُبُوا الْوَصِيَّة من الْمَرِيض للنِّسَاء، لِأَن عَائِد الْمَرِيض يسْتَحبّ لَهُ أَن يحث الْمَرِيض على الْوَصِيَّة، وَخص النِّسَاء بِالذكر لضعفهن واحتياجهن إِلَى من يقوم بأمرهن، يَعْنِي: إقبلوا وصيتي فِيهِنَّ وَاعْمَلُوا بهَا واصبروا عَلَيْهِنَّ وارفقوا بِهن وأحسنوا إلَيْهِنَّ. قَوْله: (فَإِن الْمَرْأَة) إِلَى آخِره هَذَا تَعْلِيل لما قبله، وَفَائِدَته بَيَان أَنَّهَا خلقت من الضلع الأعوج هُوَ الَّذِي فِي أَعلَى الضلع، أَو بَيَان أَنَّهَا لَا تقبل الْإِقَامَة لِأَن الأَصْل فِي التَّقْوِيم هُوَ أَعلَى الضلع لَا أَسْفَله وَهُوَ فِي غَايَة الإعوجاج، والضلع، بِكَسْر الضَّاد وَفتح اللَّام: مُفْرد الضلوع، وتسكين اللَّام جَائِز. وَقَوله: (خلقت من ضلع) هُوَ أَن الله تَعَالَى لما أسكن آدم الْجنَّة أَقَامَ مُدَّة فاستوحش، فَشَكا إِلَى الله الْوحدَة، فَنَامَ فَرَأى فِي مَنَامه امْرَأَة حسناء ثمَّ انتبه فَوَجَدَهَا جالسة عِنْده، فَقَالَ من أَنْت؟ فَقَالَت: حَوَّاء خلقني الله لتسكن إِلَيّ وأسكن إِلَيْك. قَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: خلقت من ضلع آدم، وَيُقَال لَهَا: القصيري. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ الضلع الَّتِي يَلِي الشاكلة، وَيُسمى: الواهنة. وَقَالَ مُجَاهِد: إِنَّمَا سميت الْمَرْأَة مرأة لِأَنَّهَا خلقت من الْمَرْء وَهُوَ آدم. وَقَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: نَام آدم نومَة فِي الْجنَّة فخلقت حَوَّاء من قصيراه من شقَّه الْأَيْمن من غير أَن يتألم، وَلَو تألم لم يعْطف رجل على امْرَأَة أبدا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: لأم الله تَعَالَى مَوضِع الضلع لَحْمًا، وَلما رَآهَا آدم قَالَ: أثاثاً، بالثاء الْمُثَلَّثَة وَهُوَ بالسرانية وَتَفْسِير بِالْعَرَبِيَّةِ: مرأة. وَقَالَ الرّبيع بن أنس: حَوَّاء من طِينَة آدم وَاحْتج بقوله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلقكُم من طين} (الْأَنْعَام: ٠٢) . وَالْأول أصح لقَوْله تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة} (الْأَعْرَاف: ٩٨١) . قَوْله: (وَإِن ذهبت تُقِيمهُ كَسرته) ، قيل: هُوَ ضرب مثل للطَّلَاق، أَي: إِن أردْت مِنْهَا أَن تتْرك اعوجاجها أفْضى الْأَمر إِلَى طَلاقهَا، وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي رِوَايَة الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي

    ج ١٥ ص ٢١٣الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد مُسلم: إِن ذهبت تقيمها كسرتها وَكسرهَا طَلاقهَا. وَقيل: الحَدِيث لم يذكر فِيهِ النِّسَاء إلَاّ بالتمثيل بالضلع والاعوجاج الَّذِي فِي أخلاقهن مِنْهُ، لِأَن للضلع عوجا فَلَا يتهيأ الانفتاع بِهن إلَاّ بِالصبرِ على اعوجاجهن، وَقيل: الصَّوَاب فِي أَعْلَاهُ وَفِي تُقِيمهُ وَفِي كَسرته وَفِي تركته التَّأْنِيث لِأَن الضلع مُؤَنّثَة، وَكَذَا يُقَال: لم تزل عوجاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة مُسلم الْمَذْكُورَة بهاء التَّأْنِيث وَأجِيب بِأَن التَّذْكِير يجوز فِي الْمُؤَنَّث الَّذِي لَيْسَ بِزَوْج.

    ج ١٥ ص ٢١٢
  2. ٢٣٣٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا أبِي حدَّثنا الأعْمَشُ حَدَّثنا زَيْدُ بنُ وَهْبٍ حدَّثنا عَبْدُ الله حدَّثنا رَسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ إنَّ خَلْقَ أحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمَاً ثُمَّ يَكُونُ علَقَةً مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذالِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ الله إلَيْهِ مَلَكَاً بأربَعِ كلِمَاتٍ فيُكْتَبُ عَمَلُهُ وأجَلُهُ ورِزْقُهُ وشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلَاّ ذِرَاعٌ فيَسْبِقُ علَيْهِ الكِتابُ فيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فيَدْخُلُ الجَنَّةَ وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا إلَاّ ذِراعٌ فيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارُ.

  3. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن فِيهِ بَيَان كَيْفيَّة خلق بني آدم، وهم ذُريَّته. والترجمة فِي خلق آدم وَذريته، وَعمر بن حَفْص بن غياث، وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان، وَزيد بن وهب الْجُهَنِيّ هَاجر إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلم يُدْرِكهُ مَاتَ سنة سِتّ وَتِسْعين، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود.

  4. وَمن لطائف إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث أَن فِيهِ: صِيغَة التحديث بِالْجمعِ فِي الْكل حَتَّى قَالَ: حَدثنَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ.

  5. والْحَدِيث مضى فِي: بَاب ذكر الْمَلَائِكَة عَن قريب، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن الْحسن بن الرّبيع عَن أبي الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش ... إِلَى آخِره. وَقَالَ الْكرْمَانِي: والْحَدِيث مر فِي الْحيض قلت: لَيْسَ كَذَلِك، وَالَّذِي مر فِي الْحيض: عَن أنس بِغَيْر هَذَا الْوَجْه، والآن يَأْتِي، وَمر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ.

  6. ٣٣٣٣ - حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ حدَّثنا حمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ عُبَيْدِ الله بنِ أبِي بَكْرِ بنِ أنَسٍ عنْ أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إنَّ الله وكَّلَ بالرَّحِمِ ملَكَاً فَيقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ يَا رَبِّ عَلَقَة يَا رَبِّ مُضْغَة فإذَا أرادَ أنْ يَخْلُقَها قَالَ يَا رَبِّ أذَكَرٌ أمْ أُنْثَى يَا رَبِّ شَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ فَما الرِّزْقُ فَمَا الأجَلُ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أمِّهِ. (انْظُر الحَدِيث ٨١٣ وطرفه) .

  7. مطابقته للتَّرْجَمَة مثل مُطَابقَة الحَدِيث السَّابِق. وَأَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل السدُوسِي. والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْحيض فِي: بَاب (مخلقة وَغير مخلقة) فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن مُسَدّد عَن حَمَّاد بن زيد ... إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ. قَوْله: (يخلقها) أَي: يصورها وَلم يذكر فِي هَذِه الرِّوَايَة الْعَمَل لِأَنَّهُ يعلم التزاماً من ذكر السَّعَادَة والشقاوة قَوْله: (فَيكْتب كَذَلِك) الْكِتَابَة لإِظْهَار الله ذَلِك للْملك ولإنفاذ أمره، وَإِن كَانَ قَضَاء الله أزلياً لَا يحْتَاج إِلَى الْكِتَابَة.

  8. ٤٣٣٣ - حدَّثنا قَيْسُ بنُ حَفْصٍ حدَّثنا خالِدُ بنُ الحَارِثِ حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ عنْ أنَسٍ يَرْفَعُهُ أنَّ الله يَقُولُ لأِهْوَنِ أهْلِ النَّارِ عَذَابَاً لَوْ أنَّ لَكَ مَا فِي الأرْض مِنْ شَيْءٍ أكُنْتَ

    ج ١٥ ص ٢١٤تَفْتَدِي بِهِ قالَ نَعَمْ فَقَدْ سألْتُكَ مَا هُوَ أهْوَنُ مِنْ هذَا وأنْتَ فِي صُلْبِ آدَم أنْ لَا تُشْرِكَ بِي فأبَيْتَ إلَاّ الشِّرْكَ.

  9. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِيهِ من جملَة مَا يجْرِي على أهل النَّار، وهم من ذُرِّيَّة آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، وَقيس ابْن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الدَّارمِيّ الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وَهُوَ من أَفْرَاده، وخَالِد بن الْحَارِث بن سليم أَبُو عُثْمَان الهُجَيْمِي الْبَصْرِيّ. وَأَبُو عمرَان عبد الْملك بن حبيب الجرني، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الرَّاء وبالنون.

  10. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّار عَن بنْدَار. وَأخرجه مُسلم فِي التَّوْبَة عَن عبد الله بن معَاذ وَعَن بنْدَار.

  11. قَوْله: (يرفعهُ) أَي: يرفع أنس الحَدِيث إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهِي لَفْظَة يستعملها المحدثون فِي مَوضِع: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَنَحْو ذَلِك. قَوْله: (لأهون أهل النَّار عذَابا) ، أَي: لأيسر أَهلهَا من حَيْثُ الْعَذَاب، يُقَال: إِنَّه أَبُو طَالب. قَوْله: (أَكنت؟) الْهمزَة فِيهِ للاستفهام على سَبِيل الاستخبار. قَوْله: (تَفْتَدِي بِهِ) ، من الافتداء وَهُوَ خلاص نَفسه من الَّذِي وَقع فِيهِ بِدفع مَا يملكهُ. قَوْله: (مَا هُوَ أَهْون) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، وَالْوَاو فِي: وَأَنت، للْحَال. قَوْله: (فأبيت) ، أَي: امْتنعت إِلَّا الشّرك أتيت بِهِ.

  12. ٥٣٣٣ - حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفُصِ بنِ غِياثٍ حدَّثنا أبي حدَّثنا الأعْمَشُ قَالَ حدَّثني عَبْدُ الله بنُ مُرَّةَ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسُولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمَاً إلَاّ كانَ على ابنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لأِنَّهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ.

  13. مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن الْقَاتِل فِيهِ وَهُوَ قابيل، كَمَا نذكرهُ هُوَ ابْن آدم من صلبه، وَهُوَ دَاخل فِي لفظ الذُّرِّيَّة فِي التَّرْجَمَة. وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

  14. والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الدِّيات: عَن قبيصَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَفِي الِاعْتِصَام عَن الْحميدِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن نمير وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة وَعَن ابْن أبي عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْعلم عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن خشرم وَفِي الْمُحَاربَة عَن عَمْرو بن عَليّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الدِّيات عَن هِشَام بن عمار.

  15. قَوْله: (لَا تقتل نفس) ، على صِيغَة الْمَجْهُول، وَالْمرَاد بِالنَّفسِ: نفس ابْن آدم، و: ظلما، نصب على التَّمْيِيز. قَوْله: (إلَاّ كَانَ على ابْن آدم الأول) المُرَاد من الابْن هُنَا هُوَ قابيل، وآدَم الأول هُوَ آدم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَبُو قابيل، وَقد قتل هُوَ أَخَاهُ هابيل وَكَانَ عمره عشْرين سنة وَعمر قابيل خَمْسَة وَعشْرين سنة، وَقَالَ الطَّبَرِيّ: وَأهل الْعلم مُخْتَلفُونَ فِي اسْم الْقَاتِل، فبعضهم يَقُول: هُوَ قين بن آدم، وَبَعْضهمْ يَقُول هُوَ: قاين بن آدم، وَبَعْضهمْ يَقُول: هُوَ قابيل، وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي سَبَب قَتله هابيل، فَقَالَ عبد الله بن عَمْرو: إِن الله تَعَالَى أَمر بني آدم أَن يقربا قرباناً، وَأَن صَاحب الْغنم قرب أكْرم غنمه، وَصَاحب الْحَرْث قرب شَرّ حرثه، فَقبل الله قرْبَان الأول، وَقَالَ ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: كَانَ من شَأْنهمَا أَنه لم يكن مِسْكين يتَصَدَّق عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ القربان يقربهُ الرجل، فَبَيْنَمَا هما قاعدان إِذْ قَالَا: لَو قربنا؟ فقربا قرباناً فَتقبل من أَحدهمَا. قلت: حكى السّديّ عَن أشياخه عَن مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير وَعَطَاء وَغَيرهم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالُوا: كَانَت حَوَّاء تَلد توأماً فِي كل بطن غُلَاما وَجَارِيَة إلَاّ شيثاً فَإِنَّهَا وَلدته مُفردا، فَلَمَّا كَانَ بعد مائَة سنة من هبوط آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، إِلَى الدُّنْيَا ولدت قابيل وتوأمته أقليما، ثمَّ هابيل وتوأمته ليوذا، وَكَانَ ابْن آدم يُزَوّج ابْنه أُخْته الَّتِي لم تكن توأمته، فَلَمَّا بلغ قابيل وهابيل، أَمر الله تَعَالَى آدم، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، أَن يُزَوّج قابيل ليوذا أُخْت هابيل، ويزوج هابيل إقليما أُخْت قابيل، وَكَانَت من أجمل النِّسَاء قامة وأجملهن وأحسنهن صُورَة، فَلم يرضَ قابيل. وَقَالَ: أَنا أَحَق بأختي أَنا وأختي من أَوْلَاد الْجنَّة وهابيل وَأُخْته من أَوْلَاد الدُّنْيَا، فَقَالَ آدم: قربا قرباناً، وَكَانَ قابيل صَاحب زرع وهابيل صَاحب غنم، فَقرب قابيل صبرَة من طَعَام من أردى زرعه، وأضمر فِي نَفسه. وَقَالَ: مَا أُبَالِي أتقبل مني أم لَا بعد أَن يتَزَوَّج هابيل أُخْتِي، وَقرب هابيل كَبْشًا سميناً من خِيَار غنمه ولبناً وزبداً وأضمر فِي نَفسه الرِّضَا بِاللَّه تَعَالَى، وَكَانَ القربان إِذا قبل تنزل من السَّمَاء نَار بَيْضَاء.

  16. فتأكله، فَنزلت نَار فَأكلت قرْبَان هابيل وَلم تَأْكُل من قرْبَان قابيل شَيْئا، فَأخذ قابيل فِي نَفسه حَتَّى قتل هابيل. وَعَن ابْن عَبَّاس: لم يزل الْكَبْش يرْعَى فِي الْجنَّة حَتَّى فدى بِهِ إِسْمَاعِيل، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَاخْتلفُوا فِي أَي مَوضِع كَانَ القربان؟ فعامة الْعلمَاء على أَنه كَانَ بِالْهِنْدِ. وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي كَيْفيَّة قَتله؟ فَقَالَ ابْن جريج: إِنَّه أَتَاهُ وَهُوَ نَائِم فَلم يدر كَيفَ يقْتله، فَأَتَاهُ الشَّيْطَان متمثلاً فَأخذ طيراً فَوضع رَأسه على حجر ثمَّ شدخ رَأسه بِحجر آخر، وقابيل ينظر إِلَيْهِ، فَفعل بهابيل كَذَلِك. وَعَن ابْن عَبَّاس: رَمَاه بِحجر فَقتله. وروى مُجَاهِد عَنهُ: أَنه رضخ رَأسه بصخرة، وَعَن الرّبيع: أَنه اغتاله فَقتله، وَقيل: خنقه، وَقيل: ضربه بحديدة فَقتله. وَاخْتلفُوا أَيْضا فِي مَوضِع مصرعه؟ فَعَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: على جبل ثَوْر، وَعَن جَعْفَر الصَّادِق: بِالْبَصْرَةِ مَكَان الْجَامِع، وَعَن الطَّبَرِيّ: على عقبَة حراء، وَعَن المَسْعُودِيّ: قَتله بِدِمَشْق، وَكَذَا قَالَه الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي (تَارِيخ دمشق) ، فَقَالَ: كَانَ قابيل يسكن خَارج بَاب الْجَابِيَة وَأَنه قتل أَخَاهُ على جبل قاسيون عِنْد مغارة الدَّم، وَقَالَ كَعْب: الدَّم الَّذِي على قاسيون هُوَ دم ابْن آدم. وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ: وَالْعجب من هَذِه الْأَقْوَال، وَقد اتّفق أَرْبَاب السّير أَن الْوَاقِعَة كَانَت بِالْهِنْدِ، وَأَن قابيل اغتنم غيبَة أَبِيه بِمَكَّة، فَمَا الَّذِي أَتَى بِهِ إِلَى جبل ثَوْر وحراء وهما بِمَكَّة؟ وَمَا الَّذِي أَتَى بِهِ إِلَى الْبَصْرَة وَلم تكن أسست؟ وَأَيْنَ الْهِنْد ودمشق والجابية؟ وَهل وضعت التواريخ إلَاّ ليتميز الصَّحِيح والسقيم والسالم والسليم؟ أللهم غفراً. قلت: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس: أَنه قَتله على جبل نوذ بِالْهِنْدِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَحكى الثَّعْلَبِيّ عَن مُعَاوِيَة بن عمار: سَأَلت الصَّادِق أَكَانَ آدم يُزَوّج ابْنَته من ابْنه؟ فَقَالَ: معَاذ الله، وَإِنَّمَا هُوَ لما أهبط إِلَى الأَرْض ولدت حَوَّاء، عَلَيْهَا الصَّلَاة وَالسَّلَام، بِنْتا فسماها عنَاقًا، وَهِي أول من بغى على وَجه الأَرْض، فَسلط الله عَلَيْهَا من قَتلهَا. فولد لَهُ على إثْرهَا قابيل، فَلَمَّا أدْرك أظهر الله لَهُ جنية يُقَال لَهَا: حمامة، فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن زَوجهَا مِنْهُ، فَلَمَّا أدْرك هابيل أهبط الله إِلَيْهِ من الْجنَّة حوراء اسْمهَا: بذلة، فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن زَوجهَا مِنْهُ، فأعتب قابيل على أَبِيه، وَقَالَ: أَنا أسن مِنْهُ وَكنت أَحَق بهَا. قَالَ: يَا بني إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَيّ بذلك، فقربا قرباناً. قَوْله: (كفل) ، بِكَسْر الْكَاف وَإِسْكَان الْفَاء: وَهُوَ النَّصِيب والجزء، وَقَالَ الْخَلِيل: الكفل من الْأجر وَالْإِثْم هُوَ الضعْف. وَفِي التَّنْزِيل: {من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع شَفَاعَة سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا} (النِّسَاء: ٥٨) . وَأما قَوْله تَعَالَى: {يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته} (الْحَدِيد: ٨٢) . فَلَعَلَّهُ من تَغْلِيب الْخَيْر. قَوْله: (لِأَنَّهُ) ، أَي: لِأَن ابْن آدم الأول أول من سنّ الْقَتْل، أَي على وَجه الأَرْض من بني آدم، فَإِن قيل: قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى} (الْأَنْعَام: ٤٦١، الْإِسْرَاء: ٥١، فاطر: ٨١، الزمر: ٧، النَّجْم: ٨٣) . أُجِيب: بِأَن هَذَا جَزَاء تأسيس فَهُوَ فعل سنة، وَالله أعلم.

    ج ١٥ ص ٢١٥
  17. (قَالَ وَقَالَ اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت سَمِعت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول الْأَرْوَاح جنود مجندة فَمَا تعارف مِنْهَا ائتلف وَمَا تناكر مِنْهَا اخْتلف) مطابقته للتَّرْجَمَة من جِهَة أَن التَّرْجَمَة جُزْء مِنْهُ أَي قَالَ البُخَارِيّ وَقَالَ اللَّيْث بن سعد عَن يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ عَن عمْرَة بنت عبد الرَّحْمَن هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد عَن عبد الله بن صَالح عَن اللَّيْث وَوَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب وَفِي الحَدِيث قصَّة ذكرهَا أَبُو يعلى وَغَيره وَهِي أَن عمْرَة قَالَت كَانَت بِمَكَّة امْرَأَة مزاحة فَنزلت على امْرَأَة مثلهَا فَبلغ ذَلِك عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا فَقَالَت صدق حِين سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُول " الْأَرْوَاح جنود مجندة " الحَدِيث والْحَدِيث رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَقَالَ حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد حَدثنَا عبد الْعَزِيز يَعْنِي ابْن مُحَمَّد عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ " الْأَرْوَاح جنود مجندة " إِلَى آخِره نَحوه قَوْله " الْأَرْوَاح " جمع روح وَهُوَ الَّذِي يقوم بِهِ الْجَسَد وَيكون بِهِ الْحَيَاة قَوْله " جنود مجندة " أَي جموع مجتمعة وأنواع مُخْتَلفَة وَقيل أَجنَاس مجنسة وَفِي هَذَا دَلِيل على أَن الْأَرْوَاح لَيست بأعراض فَإِنَّهَا كَانَت

    ج ١٥ ص ٢١٦مَوْجُودَة قبل الأجساد وَإِنَّهَا تبقى بعد فنَاء الأجساد وَيُؤَيِّدهُ " أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طير خضر " قَوْله " فَمَا تعارف مِنْهَا " تعارفها مُوَافقَة صفاتها الَّتِي خلقهَا الله عَلَيْهَا وتناسبها فِي أخلاقها وَقيل لِأَنَّهَا خلقت مجتمعة ثمَّ فرقت فِي أجسادها فَمن وَافق قسيمه أَلفه وَمن باعده نافره وَقَالَ الْخطابِيّ فِيهِ وَجْهَان. أَحدهمَا أَن يكون إِشَارَة إِلَى معنى التشاكل فِي الْخَيْر وَالشَّر وَإِن الْخَيْر من النَّاس يحن إِلَى شكله والشرير يمِيل إِلَى نَظِيره والأرواح إِنَّمَا تتعارف بضرائب طباعها الَّتِي جبلت عَلَيْهَا من الْخَيْر وَالشَّر فَإِذا اتّفقت الأشكال تعارفت وتألفت وَإِذا اخْتلفت تنافرت وتناكرت. وَالْآخر أَنه رُوِيَ أَن الله تَعَالَى خلق الْأَرْوَاح قبل الأجساد وَكَانَت تلتقي فَلَمَّا التسبت بالأجساد تعارفت بِالذكر الأول فَصَارَ كل وَاحِد مِنْهَا إِنَّمَا يعرف وينكر على مَا سبق لَهُ من الْعَهْد الْمُتَقَدّم وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ إِذا وجد أحد من نَفسه نفرة مِمَّن لَهُ فَضِيلَة أَو صَلَاح يفتش عَن الْمُوجب لَهَا فَإِنَّهُ ينْكَشف لَهُ فَيتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يسْعَى فِي إِزَالَة ذَلِك حَتَّى يتَخَلَّص من ذَلِك الْوَصْف المذموم وَكَذَلِكَ القَوْل إِذا وجد فِي نَفسه ميلًا إِلَى من فِيهِ شَرّ وشبهة وشاع فِي كَلَام النَّاس قَوْلهم الْمُنَاسبَة تؤلف بَين الْأَشْخَاص والشخص يؤلف بَين شكله وَلما نزل عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْكُوفَة قَالَ يَا أهل الْكُوفَة قد علمنَا خَيركُمْ من شريركم فَقَالُوا لم ذَلِك قَالَ كَانَ مَعنا نَاس من الأخيار فنزلوا عِنْد نَاس فَعلمنَا أَنهم من الأخيار وَكَانَ مَعنا نَاس من الأشرار فنزلوا عِنْد نَاس فَعلمنَا أَنهم من الأشرار وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر

    (عَن الْمَرْء لَا تسل وسل عَن قرينه ... فَكل قرين بالمقارن يَقْتَدِي)

  18. (وَقَالَ يحيى بن أَيُّوب حَدثنِي يحيى بن سعيد بِهَذَا) يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ وَيحيى بن سعيد هُوَ الَّذِي مضى عَن قريب قَوْله " مثله " أَي مثل الَّذِي قبله وَقد وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق سعيد بن أبي مَرْيَم عَن يحيى بن أَيُّوب بِهِ -