- (باب في صلاة الليل)
١٠٢ فقرة، ج ٤ ص ١٤٩
الصفحة ١ من ٣
- ج ٤ ص ١٤٩
[١٣٣٤] (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ) فِي السُّبُلِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ لَا
ج ٤ ص ١٥٠قُعُودَ فِيهَا انْتَهَى
-
قُلْتُ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ (وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ) أَيْ رَكْعَةٍ (وَيَسْجُدُ سَجْدَتِي الْفَجْرِ) أَيْ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِهِ (فَذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَعَ تَغْلِيبِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوِ الصَّلَاةِ جَمِيعًا (ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ فَكَانَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَلَمَّا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَعَمَ الْبَعْضُ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الرِّوَايَاتُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ يُقَالُ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنِ الْأَغْلَبِ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنَافِيهِ مَا خَالَفَهُ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنِ النَّادِرِ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
-
[١٣٣٥] (كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) هِيَ أَكْثَرُ الْوِتْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِهَذَا الحديث ولقولها ما كان يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَلَا يَصِحُّ زِيَادَةٌ عَلَيْهَا فَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ
-
قال السبكي وأنا أقطع بحل الإيثار بِذَلِكَ
-
وَصِحَّتِهِ لَكِنِّي أُحِبُّ الِاقْتِصَارَ عَلَى إِحْدَى عشرة فأقل لأنه غالب أحواله (اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ
-
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حِكْمَتُهُ أَنْ لَا يَسْتَغْرِقَ فِي النَّوْمِ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي الْيَسَارِ فَفِي النَّوْمِ عَلَيْهِ رَاحَةٌ لَهُ فَيَسْتَغْرِقُ فِيهِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ
-
نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِإِرْشَادِ أُمَّتِهِ وَتَعْلِيمِهِمْ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
-
[١٣٣٦] (إِلَى أَنْ يَنْصَدِعَ) أَيْ يَنْشَقَّ (الْفَجْرُ) وَهُوَ بِظَاهِرِهِ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ بَعْدَ نَوْمٍ أَمْ لَا (وَيُوتِرُ
ج ٤ ص ١٥١بِوَاحِدَةٍ) فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ فَرْدَةٌ وَالتَّسْلِيمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَبِهِمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ (وَيَمْكُثُ فِي سُجُودِهِ) يَعْنِي يَمْكُثُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ سَجَدَاتِ تِلْكَ الرَّكَعَاتِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةٍ (فَإِذَا سَكَتَ) بِالتَّاءِ
-
(الْمُؤَذِّنُ) أَيْ فَرَغَ
-
قَالَ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ هَكَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَرَوَى سَكَبَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَمَعْنَاهُ صَبَّ الْأَذَانَ وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى
-
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ فِيهِ التَّاءُ الْمُثَنَّاةُ مِنْ فَوْقُ وَلَكِنْ قَيَّدُوهُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ كَذَا فِي الْفَائِقِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ وَالنِّهَايَةِ لِلْجَزْرِيِّ وقالا أردات عَائِشَةُ إِذَا أَذَّنَ فَاسْتَعَارَتِ السَّكْبَ لِلْإِفَاضَةِ فِي الْكَلَامِ كَمَا يُقَالُ أَفْرَغَ فِي أُذُنِي حَدِيثًا أَيْ أَلْقَى وَصَبَّ
-
وَقَالَ فِي الْفَائِقِ كَمَا يُقَالُ هَضَبَ فِي الْحَدِيثِ وَأَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ (بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ) أَيْ بِالنِّدَاءِ الْأُولَى وَهِيَ الْأَذَانُ وَالثَّانِيَةُ الْإِقَامَةُ (قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) هُمَا سُنَّةُ الْفَجْرِ (خَفِيفَتَيْنِ) يَقْرَأُ فِيهِمَا الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصَ (ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ) أَيْ لِلِاسْتِرَاحَةِ مِنْ تَعَبِ قِيَامِ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ فَرْضَهُ عَلَى نشاط
-
كذا قاله بن الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ
-
وَقَالَ النَّوَوِيُّ يُسْتَحَبُّ الِاضْطِجَاعُ بَعْدَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ انْتَهَى (حَتَّى يَأْتِيَهِ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ يَسْتَأْذِنَهُ لِلْإِقَامَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجة
-
[١٣٣٨] (ثلاث عشرة ركعة) قال بن الملك ثمان ركعات منها بتسليمتين وقال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ بِأَرْبَعِ تَسْلِيمَاتٍ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ وَأَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْقَضِيَّتَيْنِ وَإِحَاطَةً بالفضيلتين كذا
ج ٤ ص ١٥٢فِي الْمِرْقَاةِ (يُوتِرُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ (بِخَمْسٍ) أَيْ يُصَلِّي خَمْسَ رَكَعَاتٍ بِنِيَّةِ الْوِتْرِ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ أَيْ لِلتَّشَهُّدِ حَتَّى يَجْلِسَ فِي الْآخِرَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الإيثار بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بتعيين الثلاث (رواه بن نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ) فَوُهَيْبٌ لَيْسَ بِمُتَفَرِّدٍ فِي هذه الرواية عن هشام بل تابعه بن نُمَيْرٍ وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَتَابَعَهُ أَيْضًا وَكِيعٌ وَأَبُو أُسَامَةَ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ [١٣٣٩] (يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) مِنْهَا الرَّكْعَتَانِ الْخَفِيفَتَانِ اللَّتَانِ يَفْتَتِحُ بِهِمَا صَلَاتَهُ (ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ) سُنَّةً (رَكْعَتَيْنِ خفيفتين) يقرأ بقل ياأيها الكافرون وقل هو الله أحد رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وما أنزل علينا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ رَبَّنَا آمَنَّا بما أنزلت واتبعنا الرسول قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ
-
[١٣٤٠] (كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً) قال بن الْمَلَكِ إِنَّمَا أَعَدْتُ الْوِتْرَ وَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِالتَّهَجُّدِ لأن الظاهر أنه كَانَ يُصَلِّي الْوِتْرَ آخِرَ اللَّيْلِ وَيَبْقَى مُسْتَيْقِظًا إِلَى الْفَجْرِ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ أَيْ سُنَّةَ الْفَجْرِ مُتَّصِلًا بِتَهَجُّدِهِ وَوِتْرِهِ
-
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
-
قَالَ السِّنْدِيُّ ظَاهِرُ هَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَعَ سُنَّةِ الْفَجْرِ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنسائي
ج ٤ ص ١٥٣[١٣٤١] (كيف كانت صلاة رسول الله فِي) لَيَالِي (رَمَضَانَ فَقَالَتْ مَا كَانَ رَسُولُ الله يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً) أَيْ غَيْرَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وأما ما رواه بن أبي شيبة عن بن عباس كان رسول الله يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَعَ كَوْنِهَا أَعْلَمُ بِحَالِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلًا مِنْ غَيْرِهَا (يُصَلِّي أَرْبَعًا) أَيْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ
-
وَأَمَّا مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى ثُمَّ وَاحِدَةً فَمَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ فَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ (فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ) لِأَنَّهُنَّ فِي نِهَايَةٍ مِنْ كَمَالِ الْحُسْنِ وَالطُّولِ مُسْتَغْنِيَاتٌ لِظُهُورِ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ عَنِ السُّؤَالِ عَنْهُ وَالْوَصْفِ (فَقُلْتُ) بِفَاءِ الْعَطْفِ على السابق (يارسول اللَّهِ أَتَنَامُ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ الِاسْتِخْبَارِيِّ (وَلَا يَنَامُ قَلْبِي) وَلَا يُعَارِضُ بِنَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْوَادِي لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ لَا بِالْقَلْبِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ النَّوْمِ قَبْلَ الْوِتْرِ لِاسْتِفْهَامِ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ عِنْدَهَا منع ذلك فأجابها بأنه لَيْسَ هُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
-
[١٣٤٢] (لِأَبِيعَ عَقَارًا) عَلَى وَزْنِ سَلَامٍ كُلُّ مِلْكٍ ثَابِتٍ لَهُ أَصْلٌ كَالدَّارِ وَالنَّخْلِ
-
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ رُبَّمَا أُطْلِقَ عَلَى الْمَتَاعِ (فَأَشْتَرِي بِهِ) أَيْ بِثَمَنِ الْعَقَارِ (مِنَّا سِتَّةً) بَدَلٌ مِنْ نَفَرٍ (أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ) أَيْ تَطْلِيقَ النِّسَاءِ وَبَيْعَ الْمَتَاعِ لِإِرَادَةِ الْغَزْوِ (وَقَالَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ لَقِيتُ بِهِمْ (أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) أَيِ اقْتِدَاءٌ وَمُتَابَعَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ (فَقَالَ أَدُلُّكُ عَلَى أَعْلَمِ النَّاسِ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ
ج ٤ ص ١٥٤لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَيَعْرِفُ أَنَّ غَيْرَهُ أَعْلَمُ مِنْهُ بِهِ أَنْ يُرْشِدَ السَّائِلَ إِلَيْهِ فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ وَيَتَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ الْإِنْصَافَ وَالِاعْتِرَافَ بِالْفَضْلِ لِأَهْلِهِ وَالتَّوَاضُعَ (فَاسْتَتْبَعْتُ) أَيِ اسْتَصْحَبْتُ وَطَلَبْتُ مِنْهُ الْمُصَاحَبَةَ وَسَأَلْتُ مِنْهُ أَنْ يَتَّبِعَنِي فِي الذَّهَابِ إِلَى عَائِشَةَ (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَاللَّامِ وَيُسَكَّنُ أَيْ أَخْلَاقِهِ وَشَمَائِلِهِ (كَانَ الْقُرْآنُ) أَيْ كَانَ خُلُقُهُ جَمِيعُ مَا فُصِّلَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَكَارِمِ الأخلاق فإن النبي كَانَ مُتَحَلِّيًا بِهِ
-
وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ الْعَمَلُ بِهِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِهِ والتَّأْدِيبُ بِآدَابِهِ وَالِاعْتِبَارُ بِأَمْثَالِهِ وَقَصَصِهِ وَتَدَبُّرُهُ وَحُسْنُ تِلَاوَتِهِ (فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صار تطوعا في حق رسول الله وَالْأُمَّةِ فَأَمَّا الْأُمَّةُ فَهُوَ تَطَوُّعٌ فِي حَقِّهِمْ بالإجماع وأما النبي فَاخْتَلَفُوا فِي نَسْخِهِ فِي حَقِّهِ وَالْأَصَحُّ نَسْخُهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي التَّاسِعَةِ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِيتَارِ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ مُتَّصِلَةٍ لَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي آخِرِهَا وَيَقْعُدُ فِي الثَّامِنَةِ وَلَا يُسَلِّمُ (فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَ اللَّحْمَ) أَيْ كَبِرَ عُمْرُهُ وَبَدُنَ (أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ لَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَقْعُدُ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ فَرِوَايَةُ الْمُؤَلِّفِ تَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُعُودِ فِي السَّادِسَةِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ تَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ النَّفْيِ لِلْقُعُودِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَلَى الْقُعُودِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ التسليم
ج ٤ ص ١٥٥وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النبي مَا كَانَ يُوتِرُ بِدُونِ سَبْعِ رَكَعَاتٍ وَقَالَ بن حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى إِنَّ الْوِتْرَ وَتَهَجُّدَ اللَّيْلِ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا أَيُّهَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ ثُمَّ ذَكَرَهَا وَاسْتَدَلَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ وَأَحَبُّهَا إِلَيْنَا وَأَفْضَلُهَا أَنْ يُصَلِّيَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً وَاحِدَةً وَيُسَلِّمُ انْتَهَى
-
(ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبَاحَا رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا وَأَنْكَرَهُ مَالِكٌ قَالَ النَّوَوِيُّ الصَّوَابُ أَنَّ فِعْلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَى ذَلِكَ بَلْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ قَلِيلَةً وَلَفْظُ كَانَ لَا يُلَازِمُ مِنْهَا الدَّوَامَ وَلَا التَّكْرَارَ
-
قَالَ وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَا حَدِيثَ الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةَ في الصحيحين بأن آخر صلاته فِي اللَّيْلِ كَانَتْ وِتْرًا
-
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَحَادِيثُ كثيرة مشهورة بالأمر بجعل آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وِتْرًا فَكَيْفَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُدَاوِمُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ رَدِّ رِوَايَةِ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ إِذَا صَحَّتْ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا تَعَيَّنَ انْتَهَى مُلَخَّصًا
-
(وَلَمْ يَقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ) أَيْ كَامِلًا بِتَمَامِهِ (وَكَانَ إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْأَوْرَادِ وَأَنَّهَا إِذَا فَاتَتْ تُقْضَى (وَاللَّهِ هُوَ الْحَدِيثُ) الَّذِي أُرِيدُهُ (أُكَلِّمُهَا) أَيْ عَائِشَةَ (حَتَّى أُشَافِهَهَا بِهِ) أَيْ بِالْحَدِيثِ (مُشَافَهَةً) أَيْ أَسْمَعُ مِنْهَا مُوَاجَهَةً وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ تَرَكُ الْكَلَامِ مَعَهَا لِأَجْلِ الْمُنَازَعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَبَيْنَهَا أَوْ لأمر آخر لكن هذا فعل بن عَبَّاسٍ لَيْسَ بِهِ حُجَّةٌ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِلنُّصُوصِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (مَا حَدَّثْتُكَ) أَيْ لِتَذْهَبَ إِلَيْهَا لِلْحَدِيثِ فَتُكَلِّمَهَا أَوِ الْمُرَادُ أَنَّكَ لَا تُكَلِّمُهَا فَإِنْ عَلِمْتُ هَذَا قَبْلَ ذَلِكَ مَا حَدَّثْتُكَ حَدِيثَهَا أَيْضًا
-
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والنسائي
ج ٤ ص ١٥٦[١٣٤٣] (يُسْمِعُنَا) مِنَ الْإِسْمَاعِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ بِالتَّسْلِيمِ فَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ صَلَاتِهِ مُغَايِرٌ لِمَا تقدم فيه أنه صلى ثمان رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً فَهَذِهِ رِوَايَةُ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ وَالَّتِي تَقَدَّمَتْ هِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ زُرَارَةَ
-
[١٣٤٦] (حَتَّى بَدَّنَ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنَ التَّبْدِينِ وَهُوَ الْكِبَرُ وَالضَّعْفُ أَيْ مَسَّهُ الْكِبَرُ (فَنَقَصَ مِنَ التِّسْعِ) الَّذِي كَانَ يُصَلِّي مُتَّصِلًا بِتَشَهُّدٍ أَوْ تَشَهُّدَيْنِ (ثِنْتَيْنِ) مَفْعُولُ نَقَصَ (فَجَعَلَهَا) أَيِ الصَّلَاةَ
ج ٤ ص ١٥٧التي نقصت من التسع (إلى ست) فَجَعَلَهَا إِلَى سِتِّ رَكَعَاتٍ بِغَيْرِ الْوِتْرِ (وَالسَّبْعِ) أَيْ إِلَى السَّبْعِ رَكَعَاتٍ مَعَ الْوِتْرِ (وَرَكْعَتَيْهِ) أَيْ إِلَى السِّتِّ وَرَكْعَتَيْهِ وَإِلَى السَّبْعِ وَرَكْعَتَيْهِ
-
فَالسِّتُّ وَالسَّبْعُ بِاعْتِبَارِ ضَمِّ الْوِتْرِ وَحَذْفِهِ
-
[١٣٤٩] (وَلَيْسَ) هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ بَهْزٌ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدٍ (فِي تَمَامِ حَدِيثِهِمْ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَيْ مِنْ جَيِّدِ أَحَادِيثِهِمْ مِنْ جهة الإسناد لأن بن أَبِي عَدِيٍّ وَيَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَمَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كُلَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِحَذْفِ وَاسِطَةِ سَعْدٍ وَأَمَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ فَقَالَ عَنْ بَهْزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَهَذَا الْبَحْثُ فِي حَدِيثِ بَهْزٍ دُونَ قَتَادَةَ لَكِنْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ
ج ٤ ص ١٥٨لَيْسَ فِي تَمَامِ حَدِيثِهِمْ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
-
وَرِوَايَةُ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ عَائِشَةَ هِيَ الْمَحْفُوظَةُ وَعِنْدِي فِي سَمَاعِ زُرَارَةَ مِنْ عَائِشَةَ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا حَاتِمٍ الرَّازِيَّ قَالَ قَدْ سَمِعَ زُرَارَةُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَمِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنِ بن عَبَّاسٍ
-
قُلْتُ أَيْضًا قَالَ هَذَا مَا صَحَّ لَهُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدَهُ مِنْ عَائِشَةَ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
-
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ سعد بن هشام قيام النبي بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ وَحَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ مِنْهُنَّ الْوِتْرُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَمِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَعَنْهَا كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَثَلَاثًا وَعَنْهَا كَانَ يُصَلِّي ثلاث عشرة ثانيا ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَقَدْ فَسَّرْتُهَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ هَذِهِ رِوَايَاتُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ
-
وَعَنْهَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ سَبْعٌ وَتِسْعٌ
-
وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ بن عباس أن صلاته مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ سُنَّةَ الصُّبْحِ وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خالد أنه صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ طَوِيلَتَيْنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ
-
قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِخْبَارُ كُلِّ وَاحِدٍ من بن عَبَّاسٍ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ بِمَا شَاهَدَ