باب ذكر الفتن ودلائلها
١٧٦ فقرة، ج ١١ ص ٢٠٤
الصفحة ٤ من ٥
- ج ١١ ص ٢١٧
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ جُمْلَتُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَرَآهَا ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ جُزْءٌ جُزْءٌ مِنْهَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا كُلِّهَا فَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى التَّبْعِيضِ فِيهَا
-
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُلْكَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَكُونُ مُعْظَمَ امْتِدَادِهِ فِي جِهَتَيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهَكَذَا وَقَعَ وَأَمَّا فِي جِهَتَيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ فَقَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ انْتَهَى
-
(الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ) أَيِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ
-
وَفِي النِّهَايَةِ فَالْأَحْمَرُ مُلْكُ الشَّامِ وَالْأَبْيَضُ مُلْكُ فَارِسٍ وَإِنَّمَا قَالَ لِفَارِسٍ الْأَبْيَضَ لِبَيَاضِ أَلْوَانَهُمْ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَمْوَالِهِمُ الْفِضَّةُ كَمَا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَلْوَانِ أَهْلِ الشَّامِ الْحُمْرَةُ وَعَلَى أَمْوَالِهِمُ الذَّهَبُ انْتَهَى
-
قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالْكَنْزَيْنِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْمُرَادُ كَنْزُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ مَلِكَيِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ (أَنْ لَا يُهْلِكَهَا) أَيْ أَنْ لَا يُهْلِكَ اللَّهُ الْأُمَّةَ (بِسَنَةِ) قَحْطٍ (بِعَامَّةٍ) يَعُمُّ الْكُلَّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ (فَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ) أَيْ مُجْتَمَعَهُمْ وَمَوْضِعَ سُلْطَانِهِمْ وَمُسْتَقَرَّ دَعْوَتِهِمْ أَيْ يَجْعَلَهُمْ لَهُ مُبَاحًا لَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ فِيهِمْ وَيَسْبِيهِمْ وَيَنْهَبُهُمْ يُقَالُ أَبَاحَهُ يُبِيحُهُ وَاسْتَبَاحَهُ يَسْتَبِيحُهُ وَالْمُبَاحُ خِلَافُ الْمَحْذُورِ وَبَيْضَةُ الدَّارِ وَسَطُهَا وَمُعْظَمُهَا أَرَادَ عَدُوًّا يَسْتَأْصِلُهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ جَمِيعَهُمْ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الْقَضَاءَ (وَلَا أهلكهم بسنة بعامة) أي لأهلكهم بِقَحْطٍ يَعُمُّهُمْ بَلْ إِنْ وَقَعَ قَحْطٌ وَقَعَ فِي نَاحِيَةٍ يَسِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
ج ١١ ص ٢١٨(وَلَوِ اجْتَمَعَ) أَيِ الْعَدُوُّ (أَقْطَارِهَا) أَيْ نَوَاحِي الْأَرْضِ (الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ) أَيِ الدَّاعِينَ إِلَى الْبِدَعِ وَالْفِسْقِ وَالْفُجُورِ (فِي أُمَّتِي) أَيْ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ (لَمْ يُرْفَعِ) السَّيْفُ (عَنْهَا) أَيْ عَنِ الْأُمَّةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَلَدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَقَدِ ابتدىء فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَهَلُمَّ جَرًّا لَا يَخْلُو عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ
-
وَالْحَدِيثُ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بأس بعض (بالمشركين) منها ما وقع بعد وفاته فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (الْأَوْثَانَ) أَيِ الْأَصْنَامَ حَقِيقَةً وَلَعَلَّهُ يَكُونُ فِيمَا سَيَأْتِي أَوْ مَعْنًى وَمِنْهُ تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ (وَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (كَذَّابُونَ) أَيْ فِي دَعْوَتِهِمُ النُّبُوَّةَ (ثَلَاثُونَ) أَيْ هُمْ أَوْ عَدَدُهُمْ ثَلَاثُونَ (وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) بِكَسْرِ التَّاءِ وَفَتْحِهَا وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (لَا نَبِيَّ بَعْدِي) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ (عَلَى الْحَقِّ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ لَا تَزَالُ أَيْ ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا (ظَاهِرِينَ) أَيْ غَالِبِينَ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ وَلَوْ حُجَّةً
-
قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي ثَابِتِينَ أَيْ ثَابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ فِي حَالَةِ كَوْنِهِمْ غَالِبِينَ عَلَى الْعَدُوِّ (ثُمَّ اتَّفَقَا) أَيْ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى (مَنْ خَالَفَهُمْ) أَيْ لِثَبَاتِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا تَزَالُ
-
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ أَيِ الرِّيحُ الَّذِي يُقْبَضُ عِنْدَهَا رُوحُ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ
-
وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عُمَرَ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ إِلَى قُرْبِ قِيَامِهَا لِأَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ انْتَهَى
-
قُلْتُ حَدِيثُ ثَوْبَانَ مُطَوَّلًا هُوَ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَلِّفِ فَأَخْرَجَهُ مُفَرَّقًا فِي الْمَوَاضِعِ فَحَدِيثُ إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا إِلَى قَوْلِهِ يَكُونُ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبو داود وبن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ كُلُّهُمْ فِي الْفِتَنِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حسن
ج ١١ ص ٢١٩صَحِيحٌ وَحَدِيثُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَخْرَجَهُ مسلم في الجهاد وبن مَاجَهْ فِي السُّنَّةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْفِتَنِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ وَقَالَ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْفِتَنِ ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَحَدِيثُ إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ
-
[٤٢٥٣] (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بْنُ عَيَّاشٍ (حَدَّثَنِي أَبِي) إِسْمَاعِيلُ بن عياش (قال بن عَوْفٍ) أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ الْحِمْصِيُّ (وَقَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ) أَيْ فِي كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ (قَالَ) إِسْمَاعِيلُ (حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ) بْنُ زُرْعَةَ (عَنْ شُرَيْحِ) بْنِ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ (عَنْ أَبِي مَالِكٍ يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ) قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ واختلف اسْمِهِ فَقِيلَ الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ وَقِيلَ عُبَيْدٌ وَقِيلَ عَمْرٌو وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ كَعْبٍ وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هَانِئٍ بْنِ كُلْثُومَ نَزَلَ الشَّامَ انْتَهَى
-
وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ روى بن عَوْفٍ أَوَّلًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ ضَمْضَمٍ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالتَّحْدِيثِ والسماع وروى بن عَوْفٍ ثَانِيًا عَالِيًا بِدَرْجَةٍ عَنْ كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ قال حدثني ضمضم فلا بن عَوْفٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ضَمْضَمٍ وَعَنْ كِتَابِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ ضَمْضَمٍ لَكِنْ قَالَ الْمُنَاوِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ
-
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ
-
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُوهُ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ فِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ وَلَهُ طُرُقٌ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ مَقَالٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَنَدُهُ حَسَنٌ فَإِنَّهُ مِنْ رواية بن عَيَّاشٍ عَنِ الشَّامِيِّينَ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ
-
وَقَالَ فِي تَخْرِيجِ الْمُخْتَصَرِ اخْتُلِفَ فِي أَبِي مَالِكٍ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ هُوَ فَإِنَّ فِي الصَّحْبِ ثَلَاثَةٌ يُقَالُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَحَدُهُمْ رَاوِي حَدِيثِ الْمَعَارِفِ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَفِي اسْمِهِ خِلَافٌ الثَّانِي الْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ مَشْهُورٌ بِاسْمِهِ أَكْثَرُ الثَّالِثُ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ مَشْهُورٌ بِاسْمِهِ دُونَ كُنْيَتِهِ
-
وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ الْأَوَّلِ وَذَكَرَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الثَّانِي
-
قَالَ الْحَافِظُ وَصَحَّ لِي أَنَّهُ الثَّالِثُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنَاوِيِّ
-
(إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ) حَمَاكُمْ وَمَنَعَكُمْ وَأَنْقَذَكُمْ (مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ) خِصَالٍ الْأُولَى (أَنْ لَا يَدْعُو
ج ١١ ص ٢٢٠عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ) كَمَا دَعَا نُوحٌ عَلَى قَوْمِهِ (فَتَهْلِكُوا) بِكَسْرِ اللَّامِ (جَمِيعًا) أَيْ بَلْ كَانَ النبي كثير الدعاء لأمته الثَّانِيَةُ (أَنْ لَا يَظْهَرَ) أَيْ لَا يَغْلِبَ (أَهْلُ) دِينِ (الْبَاطِلِ) وَهُوَ الْكُفْرُ (عَلَى) دِينِ (أهل الحق) وهو الإسلام بحيث يمحقه ويطفىء نوره الثَّالِثَةُ (أَنْ لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ) وَفِيهِ أَنَّ إِجْمَاعَ أُمَّتِهِ حُجَّةٌ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِمْ
-
وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ وَكَلَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ
-
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
-
[٤٢٥٤] (تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ بِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِ مَعْنَى دَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ اسْتِقَامَةُ أَمْرِ الدِّينِ وَاسْتِمْرَارِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ وَهَذَا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ وَالْبَغَوِيِّ
-
قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ وَشَرْحِ الْمَصَابِيحِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ الْمُرَادُ بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ اسْتِمْرَارُ أَمْرِ النُّبُوَّةِ وَالْخِلَافَةِ وَاسْتِقَامَةِ أَمْرِ الْوُلَاةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ فُتُورٍ وَلَا فُطُورٍ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الهجرة بدليل قوله فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مِمَّا مَضَى
-
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَالشَّيْخُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْمُرَادُ بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ الْحَرْبُ وَالْقِتَالُ وَشَبَّهَهَا بِالرَّحَى الدَّوَّارَةِ بِالْحَبِّ لِمَا فِيهَا مِنْ تَلَفِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ انْتَهَى
-
فَإِنْ قُلْتَ إِرَادَةُ الْحَرْبِ مِنْ دَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنْ إِرَادَةِ اسْتِقَامَةِ أَمْرِ الدِّينِ وَاسْتِمْرَارِهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ يُكَنُّونَ عَنِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى
-
قَالَ الشَّاعِرُ فَدَارَتْ رَحَانَا وَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمُ فَكَيْفَ اخْتَارَ الْأَكْثَرُونَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي
-
قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ الْعَرَبَ يُكَنُّونَ عَنِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى لَكِنْ إِذَا كَانَ فِي الْكَلَامِ ذِكْرُ الْحَرْبِ صَرَاحَةً أَوْ إِشَارَةً وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْحَرْبِ أَصْلًا
-
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّهُمْ يُكَنُّونَ عَنِ اشْتِدَادِ الْحَرْبِ بِدَوَرَانِ الرَّحَى وَيَقُولُونَ دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ أَيِ اسْتَتَبَّ أَمْرُهَا وَلَمْ تَجِدْهُمُ اسْتَعْمَلُوا دَوَرَانَ الرَّحَى فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ ذِكْرِهَا أَوِ الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرِ الْحَرْبَ وَإِنَّمَا قَالَ رَحَى الْإِسْلَامِ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَسْتَتِبُّ أَمْرُهُ وَيَدُومُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ
ج ١١ ص ٢٢١وَيَصِحُّ أَنْ يُسْتَعَارَ دَوَرَانُ الرَّحَى فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَقُومُ لِصَاحِبِهِ وَيَسْتَمِرُّ لَهُ فَإِنَّ الرَّحَى تُوجَدُ عَلَى نَعْتِ الْكَمَالِ مَا دَامَتْ دَائِرَةً مُسْتَمِرَّةً وَيُقَالُ فُلَانٌ صَاحِبُ دَارَتِهِمْ إِذَا كَانَ أَمْرُهُمْ يَدُورُ عَلَيْهِ وَرَحَى الْغَيْثِ مُعْظَمُهُ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ الْحَرْبِيُّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَزُولُ رَحَى الْإِسْلَامِ مَكَانَ تَدُورُ ثُمَّ قَالَ كَأَنَّ تَزُولُ أَقْرَبُ لِأَنَّهَا تَزُولُ عَنْ ثُبُوتِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا
-
وَكَلَامُ التُّورْبَشْتِيِّ هَذَا ذَكَرَهُ القارىء في المرقاة
-
وقال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ إِذَا قَامَتْ عَلَى سَاقِهَا وَأَصْلُ الرَّحَى الَّتِي يُطْحَنُ بِهَا وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَمْتَدُّ قِيَامُ أَمْرِهِ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِحْدَاثَاتِ الظَّلَمَةِ إِلَى تَقَضِّي هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي هِيَ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ انْتَهَى
-
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ لِخَمْسٍ لِلْوَقْتِ أَوْ بِمَعْنَى إِلَى
-
قَالَ الْأَرْدَبِيلِيُّ وَاللَّامُ فِي لِخَمْسٍ لِلْوَقْتِ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لِرَمَضَانَ أَيْ وَقْتِهُ
-
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وَقِيلَ بِمَعْنَى إِلَى لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَارَّةِ يُوضَعُ بَعْضُهَا مَوْضِعَ بَعْضٍ انْتَهَى
-
قُلْتُ كَوْنُ اللَّامِ فِي لِخَمْسٍ بِمَعْنَى إِلَى هُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى
-
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْتِهَاءَ مُدَّةِ دَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْتِدَاءَ مُدَّتِهِ فَمِنْ أَيِّ وَقْتٍ يُرَادُ الِابْتِدَاءُ
-
قُلْتُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الِابْتِدَاءُ مِنَ الْهِجْرَةِ أَوْ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي بَقِيَتْ فيه من عمره خَمْسُ سِنِينَ أَوْ سِتُّ سِنِينَ
-
قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ قِيلَ إِنَّ الْإِسْلَامَ عِنْدَ قِيَامِ أَمْرِهِ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِحْدَاثَاتِ الظَّلَمَةِ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ مُدَّةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَوَجْهُهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَهُ وَقَدْ بقيت من عمره خَمْسُ سِنِينَ أَوْ سِتٌّ فَإِذَا انْضَمَّتْ إِلَى مُدَّةِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَهِيَ ثَلَاثُونَ سَنَةٍ كَانَتْ بَالِغَةً ذَلِكَ الْمَبْلَغَ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ فَفِيهَا خَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ وَحَصَرُوا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ وَإِنْ كَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الصِّفِّينِ انْتَهَى
-
(فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا) اعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِدَوَرَانِ رَحَى الْإِسْلَامِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ اخْتَلَفُوا فِي بَيَانِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ أَيْضًا عَلَى قَوْلَيْنِ فَتَفْسِيرُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ هَكَذَا فَقَوْلُهُ فَإِنْ
ج ١١ ص ٢٢٢يَهْلِكُوا يَعْنِي بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَبِالْمَعَاصِي وَالْمَظَالِمِ وَتَرْكِ الْحُدُودِ وَإِقَامَتِهَا وَقَوْلُهُ فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ أَيْ فَسَبِيلُهُمْ فِي الْهَلَاكِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْوَهْنِ فِي الدِّينِ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ فِي الْهَلَاكِ بِالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْوَهْنِ فِي الدِّينِ وَقَوْلُهُ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ أَيْ لِعَدَمِ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ وَالْوَهْنِ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا
-
وَعَلَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ وَالشَّيْخِ مَعْنَاهُ فَإِنْ يَهْلِكُوا بِتَرْكِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ بِذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ بِإِقَامَةِ الْحَرْبِ وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا
-
هَكَذَا قَرَّرَ الْأَرْدَبِيلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَيْسَ الْهَلَاكُ فِيهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ بَلْ سَمَّى أَسْبَابَ الْهَلَاكِ وَالِاشْتِغَالَ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ هَلَاكًا
-
فَإِنْ قُلْتَ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَوْعِدَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُمْ إِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُهُمْ سَبِيلُ مَنْ هَلَكَ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ إِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا وَهَذَانِ الْمَوْعِدَانِ لَا يُوجَدَانِ مَعًا بَلْ إِنْ وُجِدَ الْأَوَّلُ لَا يُوجَدُ الثَّانِي وَإِنْ وُجِدَ الثَّانِي لَا يُوجَدُ الْأَوَّلُ فَأَيٌّ مِنْ هَذَيْنِ الْمَوْعِدَيْنِ وُجِدَ ووقع