فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه
٥٧ فقرة، ج ١ ص ٢٦٣
الصفحة ١ من ٢
- ج ١ ص ٢٦٣
فَصْلٌ
وَمِنْ عَدْلِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَا يُزِيدُ أَحَدًا فِي الْعَذَابِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، وَهَذَا يَشْهَدُهُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ، وَمُدَّةُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ مُنْقَطِعَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْعَذَابُ عَلَى
ج ١ ص ٢٦٤الْمُنْقَطِعِ سَرْمَدًا أَبَدَ الْآبِدِينَ لَا انْقِطَاعَ لَهُ الْبَتَّةَ؟ بِخِلَافِ النِّعْمَةِ، فَإِنَّهُ مَحْضُ فَضْلِهِ، فَدَوَامُهُ لَا يُنَافِي الْحِكْمَةَ.
-
فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَلَوْ عَاشَ أَبَدًا كَانَ عِقَابُهُ مُوَافِقًا لِهَذِهِ النِّيَّةِ وَالْإِصْرَارِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْعُقُوبَةَ الدَّائِمَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُصَالَحَةً لِلْمُعَاقَبِ، أَوْ لِلْمُعَاقِبِ، أَوْ لَهُمَا، أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ لَا مَصْلَحَةَ فِيهَا الْبَتَّةَ، وَالْأَقْسَامُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ.
-
أَمَّا الْمُعَاقِبُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَكُونُ الْعُقُوبَةُ مَصْلَحَةً فِي حَقِّهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لِشِفَاءِ غَيْظِهِ وَإِطْفَاءِ نَارِ غَضَبِهِ الَّتِي يَتَأَذَّى بِبَقَائِهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَمْ يَبْلُغِ الْعِبَادُ ضُرَّهُ فَيَضُرُّوهُ، وَلَا نَفْعَهُ فَيَنْفَعُوهُ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَ خَلْقِهِ وَآخِرَهُمْ، وَإِنْسَهُمْ وَجِنَّهُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا ضَرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا نَقَصَهُ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئًا، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ لِلْمُعَاقِبِ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ فَظَاهِرٌ، فَتَعَيَّنَ الْقِسْمُ الْأَخِيرُ وَهُوَ أَنَّهُ مَصْلَحَةٌ فِيهَا، وَدُونَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَبَثٌ يَتَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ، سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْلُقَ بَاطِلًا أَوْ سُدًى أَوْ عَبَثًا أَوْ خَالِيًا عَنْ مَصْلَحَةٍ وَحِكْمَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا قِيلَ: وُضِعَتِ الْعُقُوبَةُ لِمَصْلَحَةٍ، وَتَقَدَّرَتْ بِقَدْرِهَا، فَإِذَا حَصَلَتِ الْحِكْمَةُ وَالْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهَا وَتَرَتَّبَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي قُصِدَتْ بِهَا عَادَ الْأَمْرُ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالْجُودِ.
-
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ الظَّالِمَةَ الْكَافِرَةَ لَهَا بِدَايَةٌ وَتَوَسُّطٌ وَنِهَايَةٌ، فَهِيَ فِي بِدَايَتِهَا قَابِلَةٌ لِلْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَلِهَذَا لَمْ يُعَذِّبْهَا اللَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِنْ عُلِمَ مِنْهَا أَنَّهَا تَخْتَارُ الْكُفْرَ، وَأَمَّا فِي حَالِ تَوَسُّطِهَا مِنْ حَيْثُ عَقِلَتْ وَقَامَتْ عَلَيْهَا الْحُجَّةُ فَإِنَّهَا اسْتَحَقَّتِ الْعَذَابَ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ مَعَ الْجِنَايَةِ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ تَأْخِيرَهَا إِلَى دَارِ الْجَزَاءِ لَعَلَّهَا أَنْ تُرَاجِعَ الْحَقَّ، فَضَرَبَ لَهَا مُدَّةَ الْحَيَاةِ أَجَلًا وَأَمَدًا تَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ وَاسْتِدْرَاكِ الْفَارِضِ، فَلَمَّا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ خَتَمَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إِنَّمَا اسْتَمَرَّتْ فِي مُدَّةِ الْحَيَاةِ عَلَى غَيِّهَا وَكُفْرِهَا لِقِيَامِ الْأَسْبَابِ الَّتِي زَيَّنَتْ لَهَا ذَلِكَ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْأَسْبَابُ لَآثَرَتْ رُشْدَهَا، فَإِنَّهُ مُقْتَضَى فِطْرَتِهَا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ تَبْطُلُ وَتَضْمَحِلُّ فِي الْآخِرَةِ وَلَا سِيَّمَا فِي دَارِ الْعَذَابِ، بَلْ إِنَّمَا وُضِعَتْ تِلْكَ الدَّارُ لِإِزَالَةِ تِلْكَ الشُّرُورِ، وَكَيْفَ تَدُومُ تِلْكَ الْأَسْبَابُ وَقَدْ ذَاقُوا عُقُوبَتَهَا وَأَلَمَهَا الشَّدِيدَ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهَا كَانَتْ أَضَرَّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ وَنَدِمُوا عَلَيْهَا أَعْظَمَ النَّدَمِ، وَلَيْسَ فِي الطَّبِيعَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْإِصْرَارُ عَلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَإِيثَارُهَا بَعْدَ طُولِ التَّأَلُّمِ الشَّدِيدِ بِهَا، نَعَمِ الْعَذَابُ بَاقٍ مَا بَقِيَتْ، فَإِذَا قُدِّرَ زَوَالُهَا وَتَبَدُّلُهَا وَإِقْرَارُ أَصْحَابِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا
ج ١ ص ٢٦٥عَذَّبَهُمْ بِعَدْلِهِ، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَصْلُحُ لَهُمْ غَيْرُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَأَنَّ حَمْدَهُ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَهُمْ تِلْكَ الدَّارَ، فَقَامَ بِقُلُوبِهِمْ حَمْدُهُ وَشُكْرُهُ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ فِي فِطَرِهِمْ أَوَّلًا، وَحَمِدُوهُ حَمْدَ مُحِبٍّ مُعْتَرِفٍ بِالْجِنَايَةِ، وَآثَرُوا رِضَاهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَلَوْ قَامَ هَذَا بِقُلُوبِهِمْ حَقِيقَةً وَعَلِمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ لَصَارَتِ النَّارُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَيْهِمْ.
-
كَمَا فِي الْأَثَرِ الْمَرْفُوعِ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ " «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَا النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ تَعَالَى: أَخْرِجُوهُمَا فَأُخْرِجَا، فَقَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا، قَالَ: رَحْمَتِي بِكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَنْطَلِقَانِ فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ فِيهَا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَيْهِ، وَيَقُومُ الْآخَرُ فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ إِنِّي أَرْجُو أَلَّا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَمَا أَخْرَجْتَنِي، فَيَقُولُ الرَّبُّ: لَكَ رَجَاؤُكَ، فَيَدْخُلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ» .
-
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا حَدِيثًا آخَرَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( «يُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِ رَجُلَيْنِ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا أُخْرِجَا وَقَفَا، قَالَ اللَّهُ لَهُمَا: كَيْفَ وَجَدْتُمَا مَقِيلَكُمَا وَسُوءَ مَصِيرِكُمَا؟ فَيَقُولَانِ: شَرَّ مَقِيلٍ وَأَسْوَأَ مَصِيرٍ سَارَ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، فَيَقُولُ لَهُمَا: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمَا وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، قَالَ: فَيَأْمُرُ بِصَرْفِهِمَا إِلَى النَّارِ، قَالَ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَيَعْدُو فِي أَغْلَالِهِ وَسَلَاسِلِهِ حَتَّى يَقْتَحِمَهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَتَلَكَّأَ، فَيُؤْمَرُ بِرَدِّهِمَا، فَيَقُولُ لِلَّذِي عَدَا فِي أَغْلَالِهِ وَسَلَاسِلِهِ حَتَّى اقْتَحَمَهَا: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ وَقَدْ خُبِّرْتَهَا؟ فَيَقُولُ: إِنِّي قَدْ خُبِّرْتُ مِنْ وَبَالِ الْمَعْصِيَةِ مَا لَمْ أَكُنْ لِأَتَعَرَّضَ لِسُخْطِكَ ثَانِيَةً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِلثَّانِي: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: حُسْنُ ظَنِّي بِكَ حِينَ أَخْرَجْتَنِي أَنْ لَا تَرُدَّنِي إِلَيْهَا، فَرَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَرَ بِهِمَا إِلَى الْجَنَّةِ» ".
-
وَفِي رِوَايَةٍ: " إِنَّهُ يَقُولُ لِلْأَوَّلِ: «لَوْ حَذِرْتَنِي مِثْلَ حَذَرِكَ فِي الْآخِرَةِ لَمْ أُدْخِلْكَ النَّارَ» ، وَيَقُولُ لِلْآخَرِ: «لَوْ أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِي فِي الدُّنْيَا مِثْلَ حُسْنِ ظَنِّكَ بِيَ الْيَوْمَ مَا أَدْخَلْتُكَ النَّارَ» ".
- ج ١ ص ٢٦٦
وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ «الَّذِينَ يُدْلُونَ عَلَى اللَّهِ بِالْحُجَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْمَعْتُوهُ، وَالْأَصَمُّ وَالْمُتَوَفَّى فِي الْفَتْرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤَجِّجُ لَهُمْ نَارًا وَيَقُولُ: اقْتَحِمُوهَا، فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنِ امْتَنَعَ جُرَّ إِلَيْهَا» .
-
فَهَؤُلَاءِ لَمَّا آثَرُوا مَرْضَاتَهُ بِالْعَذَابِ عَلَى مَرْضَاةِ أَنْفُسِهِمْ وَقَامَ بِقُلُوبِهِمْ أَنَّ رِضَاهُ فِي تَعْذِيبِهِمْ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ رِضَاهُمْ فِي خِلَافِهِ اسْتَحَالَتِ النَّارُ فِي حَقِّهِمْ وَانْقَلَبَتْ بَرْدًا وَسَلَامًا وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِي الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهُوَ فِي اقْتِضَاءِ التَّوْبَةِ بِدَفْعِهَا فَإِنَّ الْمُذْنِبَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُهُ عَنَانَ السَّمَاءِ إِذْ أَلْقَى نَفْسَهُ بِفِنَاءِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ وَتَوَسَّدَ عَتَبَةَ بَابِهِ فَوَضَعَ خَدَّهُ عَلَيْهَا مُسْتَسْلِمًا مُسَلِّمًا نَفْسَهُ إِلَيْهِ لِيَقْضِيَ فِيهَا مَا أَرَادَ رَاضِيًا بِمَا يَقْضِيهِ فِيهِ حَامِدًا لَهُ عَلَيْهِ عَالِمًا أَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَقَدْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مَحَلَّ الْحَقِّ يَسْتَوْفِيهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَتَى فَعَلَ ذَلِكَ أَذْهَبَ مَا فِي قَلْبِ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَنَقِ وَالْغَيْظِ، وَعَادَ مَكَانَ الْغَضَبِ عَلَيْهِ رِقَّةٌ وَرَحْمَةٌ، هَذَا مَعَ حَاجَتِهِ وَبُلُوغِ أَذَاهُ، وَوُصُولِهِ إِلَيْهِ، وَقِلَّةِ صَبْرِهِ، وَضَعْفِ احْتِمَالِهِ، فَكَيْفَ بِالْغَنِيِّ الْحَمِيدِ الَّذِي لَنْ يَبْلُغَ الْعِبَادُ ضُرَّهُ وَلَا نَفْعَهُ، فَلَا تَزِيدُ عُقُوبَتُهُمْ فِي مُلْكِهِ شَيْئًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
-
فَهَذَا الْقَدْرُ مَنْ وَجَدَهُ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَدْخُلْ دَارَ الشَّقَاءِ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ وَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ هَذَا فِي الدُّنْيَا سَيَعْلَمُهُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ} [الملك: ١١] وَقَالَ: {فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ} [القصص: ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ} [غافر: ١١] .
-
فَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ لَهُمْ فِي عَذَابِهِ مِنْ حَمْدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَمَحَبَّتِهِ عَلَى كَمَالِ عَدْلِهِ فِيهِمْ، وَقَوْلِهِمْ: إِنْ كَانَ هَذَا رِضَاكَ فَلَا نَطْلُبُ غَيْرَهُ، وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُمْ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَمَقْتُهُمْ لَهَا مُوَافَقَةً لِغَضَبِ رَبِّهِمْ وَمَوْلَاهُمْ، وَلَكِنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا تَسْمَحُ بِهِ النُّفُوسُ اللَّئِيمَةُ الْجَاهِلَةُ الظَّالِمَةُ اخْتِيَارًا فَإِذَا عُوقِبَتْ بِمَا تَسْتَحِقُّ وَبَلَغَ مِنْهَا الْعَذَابُ مَبْلَغَهُ وَكَسَرَهَا وَأَذَلَّهَا، فَإِنْ أَرَادَ بِهَا خَيْرًا أَشْهَدَهَا ذَلِكَ وَجَعَلَهُ حَاضِرًا
ج ١ ص ٢٦٧عِنْدَهَا، فَالرَّحْمَةُ حِينَئِذٍ أَدْنَى إِلَيْهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَالْعَفْوُ أَقْرَبُ إِلَيْهَا مِنَ الِانْتِقَامِ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا بَارِئُهَا وَفَاطِرُهَا أَنْ يَرْحَمَهَا أَلْهَمَهَا فَانْتَقَلَتْ بِهِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ فَإِنْ شَاءَ أَنْشَأَهَا بَعْدَ ذَلِكَ نَشْأَةً أُخْرَى، وَطَبَعَهَا عَلَى غَيْرِ طَبِيعَتِهَا الْأُولَى، فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، فَلَا يَظُنُّ بِهِ مَنْ سَاءَ فَهْمُهُ أَنَّ هَذَا يُنَاقِضُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ، وَكُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا، فَمَنْ رَدَّ كَذَلِكَ وَكَذَّبَهُ فَهُوَ كَافِرٌ جَاحِدٌ لِمَا عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِهِ، فَلَيْسَ فِي هَذَا نَظَرٌ وَلَا شَكٌّ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي كَوْنِ النَّارِ أَبَدِيَّةً كَالْجَنَّةِ لَا تَفْنَى أَبَدًا وَإِلَّا فَمَتَى دَامَتْ نَارًا فَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
-
فَصْلٌ
وَلْنَرْجِعْ إِلَى الْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: عَذَابُ الْكُفَّارِ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ وَرَحْمَةٌ لَهُمْ حَامُوا حَوْلَ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَمْ يَقْتَحِمُوا لُجَّتَهُ، وَإِلَّا فَأَيُّ مَصْلَحَةٍ لَهُمْ فِي عَذَابٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَهُوَ دَائِمٌ بِدُونِ الرَّبِّ تَعَالَى، فَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَجْهَ حَقَّ التَّأَمُّلِ وَأَعْطِهِ حَقَّهُ مِنَ النَّظَرِ، وَاجْمَعْ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ رَسُولِهِ، وَمَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلَا تُبَادِرْ إِلَى الْقَوْلِ بِلَا عِلْمٍ وَلَا إِلَى الْإِنْكَارِ، فَإِنْ أَسْفَرَ لَكَ صُبْحُ الصَّوَابِ، وَإِلَّا فَرُدَّ الْحُكْمَ إِلَى مَا رَدَّهُ اللَّهُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: ١٠٧] وَتَمَسَّكْ بِقَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ دُخُولَ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلِ النَّارِ النَّارَ، وَوَصَفَ حَالَهُمْ ثُمَّ قَالَ: " وَيَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَشَاءُ " .
-
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الَّذِي يَخْلُقُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَيُقَدِّرُهُ مِنَ الْأُمُورِ نَوْعَانِ: غَايَاتٌ وَوَسَائِلُ، وَقَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنَّ الْوَسَائِلَ تَضْمَحِلُّ وَتَبْطُلُ إِذَا حَصَلَتْ غَايَتُهَا كَمَا يَبْطُلُ السَّفَرُ عِنْدَ بُلُوغِ الْمَنْزِلِ، وَيَزُولُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عِنْدَ حُصُولِ الشِّبَعِ وَالرَّيِّ، وَالْخَيْرَاتُ وَالْمَنَافِعُ هِيَ الْغَايَاتُ الْمَقْصُودَةُ لِنَفْسِهَا.
-
وَالشُّرُورُ وَالْآلَامُ إِنَّمَا تُقْصَدُ قَصْدَ الْوَسَائِلِ، لِإِفْضَائِهَا إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمَنَافِعِ، وَمَا كَانَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ فَإِنَّ بَقَاءَهُ وَدَوَامَهُ هُوَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَقْصُودًا لِغَيْرِهِ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِي دَوَامِهِ وَبَقَائِهِ حِكْمَةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ النَّارَ سَوْطًا يَسُوقُ بِهَا عِبَادَهُ إِلَى رَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، وَيُخَوِّفُهُمْ بِهَا مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَيُطَهِّرُ بِهَا مَنِ اكْتَسَبَ مِنْ عِبَادِهِ خَبَثًا وَنَجَاسَةً، وَلَا
ج ١ ص ٢٦٨يَصْلُحُ إِلَّا بِهَا لِمُسَاكَنَتِهِ فِي جَنَّتِهِ، وَعُقُوبَتُهُ يُعَاقِبُ بِهَا أَعْدَاءَهُ عَلَى مَقَادِيرِ جَرَائِمِهِمْ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا مُفْضِيَةٌ إِلَى مَصَالِحَ مَقْصُودَةٍ لِنَفْسِهَا.
-
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الشَّدَائِدَ وَالْآلَامَ وَالشُّرُورَ فِي هَذِهِ الدَّارِ بَتْرَاءَ لَا دَوَامَ لَهَا، وَجَعَلَ الشِّدَّةَ بَيْنَ فَرَجَيْنِ، فَرَجٍ قَبْلَهَا وَفَرَجٍ بَعْدَهَا، وَالْعُسْرَ بَيْنَ يُسْرَيْنِ، وَالْبَلَاءَ بَيْنَ عَافِيَتَيْنِ، فَلَيْسَ عِنْدَهُ شِدَّةٌ دَائِمَةٌ وَلَا بَلَاءٌ دَائِمٌ وَلَا كَرْبٌ دَائِمٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ دَارُ ظُلْمٍ وَبَلَاءٍ وَخَيْرَاتُهَا مَمْزُوجَةٌ بِشُرُورِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْآلَامَ وَالشَّدَائِدَ شُرُورٌ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَى اللَّهِ بِخِلَافِ الْخَيْرَاتِ وَالنِّعَمِ، فَإِنَّهَا مِنْ مُقْتَضَى صِفَاتِهِ، فَهِيَ دَائِمَةٌ بِدَوَامِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّارَ الَّتِي هِيَ حَقٌّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الدَّوَامُ لِخَيْرَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَمَسَرَّاتِهَا، وَأَنْ تَكُونَ شُرُورُهَا إِلَى اضْمِحْلَالٍ وَزَوَالٍ.
-
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الْقَضَاءَ الْإِلَهِيَّ خَيْرٌ كُلُّهُ، فَإِنَّ مَصْدَرَهُ عِلْمُ اللَّهِ وَحِكْمَتُهُ وَكَمَالُهُ الْمُقَدَّسُ، فَهُوَ خَيْرٌ كُلُّهُ وَمَصْلَحَةٌ وَحِكْمَةٌ وَعَدْلٌ وَرَحْمَةٌ، وَدُخُولُ الشَّرِّ فِيهِ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ كَالشَّرِّ الْعَارِضِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْمَطَرِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْأَعْمَالِ النَّافِعَةِ، وَمَا الْعَرَضُ لَا يُقْصَدُ لِذَاتِهِ فَلَا يَجِبُ دَوَامُهُ كَدَوَامِ مَا يُقْصَدُ لِذَاتِهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْمَنَافِعِ.
-
الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَنَّكَ إِذَا اعْتَبَرْتَ هَذِهِ الْآلَامَ وَالشَّدَائِدَ، وَالنِّعْمَةُ وَالرَّحْمَةُ حَشْوُهَا فَظَاهِرُهَا نِقْمَةٌ وَبَاطِنُهَا نِعْمَةٌ فَكَمْ نِقْمَةٍ جَلَبَتْ نِعْمَةً، وَكَمْ مِنْ بَلَاءٍ جَلَبَ عَافِيَةً، وَكَمْ مِنْ ذُلٍّ جَلَبَ عِزًّا، وَكَسْرٍ جَلَبَ جَبْرًا، إِذَا اعْتَبَرْتَ أَكْثَرَ الْخَيْرَاتِ وَالْمَسَرَّاتِ وَاللَّذَّاتِ وَجَدْتَهَا إِنَّمَا تَرَتَّبَتْ عَلَى الْآلَامِ وَالْمَشَاقِّ، وَأَعْظَمُ اللَّذَّةِ وَأَجَلُّهَا مَا كَانَ سَبَبُهُ أَعْظَمَهُ أَلَمًا وَمَشَقَّةً، وَهَذِهِ مَشَاهِدُ فِي هَذِهِ الدَّارِ بِالْعَيَانِ، وَلَمَّا كَانَتْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ أَهْلَ الْجِهَادِ كَانَ أَشَقَّ شَيْءٍ عَلَى النُّفُوسِ وَأَكْرَهَهُ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: ٢١٦] وَلِهَذَا قِيلَ:
وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إِلَى مَحْبُوبِهَا سَبَبًا مَا مِثْلُهُ سَبَبُ
فَلَا يُوصَلُ إِلَى الرَّاحَةِ وَاللَّذَّةِ إِلَّا عَلَى جِسْرِ التَّعَبِ وَالْأَلَمِ، وَهَذَا يُرِيكَ أَنَّ الْمَصَائِبَ وَالْآلَامَ حَشْوُهَا نِعَمٌ وَلَذَّاتٌ وَمَسَرَّاتٌ، وَهَذَا لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لَهَا السَّبْقُ وَالْغَلَبَةُ فَمَا فِي طَيِّ النِّقَمِ وَالْعُقُوبَاتِ مِنَ الرَّحْمَةِ أَسْبَقُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَهِيَ الْغَايَةُ لِلْغَضَبِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ أَثَرُهَا أَثَرَ الْغَضَبِ، كَمَا غَلَبَتِ الصِّفَةُ لِلصِّفَةِ.
- ج ١ ص ٢٦٩
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتْ إِلَى هَذَا الْمُعَاقَبِ وَظَهَرَ أَثَرُهَا فِيهِ فَوُجِدَ بِهَا وَعَاشَ وَسَمِعَ وَأَبْصَرَ بِهَا، وَبَطَشَ بِهَا وَمَشَى وَتَحَرَّكَ بِهَا، وَإِلَّا لَوْلَا أَنَّهَا سَبَقَتْ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيَامٌ وَلَا حَيَاةٌ، بَلْ إِنَّمَا اسْتَظْهَرَ عَلَى مَعَاصِي الرَّبِّ وَمُخَالَفَتِهِ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي سَبَقَتْ إِلَيْهِ وَوَسِعَتْهُ فَغَلَبَتْ أَسْبَابَ هَلَاكِهِ وَتَلَفِهِ، فَلَمَّا تَمَكَّنَتْ أَسْبَابُ التَّلَفِ وَالْهَلَاكِ وَاقْتَضَتِ الرَّحْمَةُ أَنْ جُعِلَ لَهَا أَسْبَابٌ فِي مُقَابَلَتِهَا، مِنْ مُوجِبِهَا وَمُقْتَضَاهَا تَنْزِيلُهَا وَمَحْوُ أَثَرِهَا؛ لِيَخْلُصَ مُوجِبُ الرَّحْمَةِ فَيَظْهَرَ أَثَرُهُ، وَدَوَامُ الْعَذَابِ بِدَوَامِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ، فَلَوْ زَالَتْ لَزَالَ الْعَذَابُ.
-
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ التَّاسِعُ: أَنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ فِيهَا مَا يَقْتَضِي الرَّحْمَةَ مِنْ إِقْرَارِهَا بِفَاطِرِهَا وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَتَعْظِيمِهِ وَإِجْلَالِهِ وَسُؤَالِهِ، وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي الْغَضَبَ وَالْعُقُوبَةَ كَالشِّرْكِ بِهِ وَإِيثَارِ هَوَاهَا عَلَى طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى الْعُقُوبَةِ فِيهَا أَقْوَى كَانَ الْحُكْمُ لَهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعُقُوبَةَ إِنْ لَمْ تَذْهَبِ الْأَسْبَابُ الْمُقْتَضِيَةُ لَهَا وَلَمْ تُزِلْهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنَّهَا تُخَفِّفُهَا وَتُضْعِفُهَا، فَإِمَّا أَنْ تُقَاوِمَ أَسْبَابًا وَإِمَّا أَنْ تَتَرَجَّحَ عَلَيْهَا وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَبْطُلُ أَثَرُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: ٢٥] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
-
فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَرْضَ وَمَنْ فِيهَا لَهُ، وَأَنَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَأَنَّ بِيَدِهِ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَفَزِعُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا نَعْبُدُ مِنْ دُونِهِ هَذِهِ الْآلِهَةَ لِتُقَرِّبَنَا إِلَيْهِ وَتَشْفَعَ لَنَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَنَوَاصِيهَا بِيَدِهِ، وَيُحِبُّونَهُ وَيَقْصِدُونَ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا وَضَعَهُ فِيهِمْ بِرَحْمَتِهِ وَنِعْمَتِهِ، فَعَلِمَ فِيهِمْ مَا يَقْتَضِي رَحْمَتَهُ وَنِعْمَتَهُ وَلَكِنْ لَمَّا غَلَبَتْ أَسْبَابُ النِّقْمَةِ كَانَ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ، ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ اقْتِضَاءَ الْمَغْلُوبِ أَثَرُهُ وَتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ.
-
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً أَوْ بُرَّةً، وَأَنَّهَا تُخْرِجُ مِنْهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ،
ج ١ ص ٢٧٠فَانْظُرْ هَذَا الْجُزْءَ اللَّطِيفَ جِدًّا كَيْفَ غَلَبَ تِلْكَ الْأَسْبَابَ الْكَثِيرَةَ الْقَوِيَّةَ وَأَبْطَلَهَا وَعَادَ الْحُكْمُ لَهُ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " «أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ» " .
-
وَلَكِنَّ هَذَا إِخْرَاجٌ مِنْهَا وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَنَارِيَّتِهَا، فَأُخْرِجَ مِنْهَا بِهَذَا الْجُزْءِ الْيَسِيرِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَعْدَاءَهُ الْمُشْرِكِينَ لَنْ تَخْلُوَ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: ١٠٦] فَأَثْبَتَ لَهُمْ إِيمَانًا مَعَ الشِّرْكِ، وَهَذَا الْإِيمَانُ وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي إِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ، كَمَا أَثَّرَ إِيمَانُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، بَلْ كَانُوا مَعَهُ خَالِدِينَ فِيهَا بِشِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، فَإِنَّ النَّارَ إِنَّمَا سَعَّرَهَا عَلَيْهِمُ الشِّرْكُ وَالظُّلْمُ، فَلَا يَمْتَنِعُ فِي الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ أَنْ يُطْفِئَهَا وَيُذْهِبَهَا بَعْدَ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُمْ، فَيَجْتَمِعُ ضَعْفُ أَسْبَابِ تَسْعِيرِهَا وَقُوَّةُ أَسْبَابِ زَوَالِهَا، فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنَعٍ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَمْ يُخْبِرِ الرَّسُولُ بِامْتِنَاعِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
-
وَلَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ نَقْلٌ وَلَا عَقْلٌ، بَلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ وَالْإِجْمَاعُ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِخَارِجِينَ مِنْهَا، وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي أَمْرٍ آخَرَ.
-
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَنَّ أَسْبَابَ الْعَذَابِ مِنَ النَّفْسِ وَغَايَاتِهَا اتِّبَاعُ أَهْوَائِهَا، وَأَمَّا أَسْبَابُ الْخَيْرِ فَمِنْ رَبِّهَا وَفَاطِرِهَا، وَهُوَ الْغَايَةُ وَالْمَقْصُودُ بِهَا، فَهِيَ بِهِ وَلَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: ٧٩] فَالْحَسَنَاتُ مَصْدَرُهَا مِنَ اللَّهِ وَغَايَتُهَا مُنْتَهِيَةٌ إِلَيْهِ، وَالسَّيِّئَاتُ مِنَ النَّفْسِ وَهِيَ غَايَتُهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: ٥٣] فَلَيْسَ لِلْحَسَنَاتِ سَبَبٌ إِلَّا مُجَرَّدَ فَضْلِ اللَّهِ وَمِنَّتِهِ، وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَسْبَابَ النِّعَمِ وَالْخَيْرَاتِ فَمَنْ وَفَّقَهُ لَهَا وَأَعَانَهُ عَلَيْهَا وَشَاءَهَا لَهُ سِوَاهُ؟ فَالنِّعَمُ وَأَسْبَابُهَا مِنَ اللَّهِ، وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ الَّتِي أَسْلَفَهَا الْعَبْدُ فَمِنْ نَفْسِهِ، وَسَبَبُهَا جَهْلُهُ وَظُلْمُهُ، فَإِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهَا سَيِّئَاتُ الْجَزَاءِ كَانَ السَّبَبُ وَالْمُسَبِّبُ مِنْ نَفْسِهِ،
ج ١ ص ٢٧١فَلَيْسَ لِلْجَزَاءِ السَّيِّئِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ سَبَبٌ إِلَّا ذُنُوبَ الْعَبْدِ الَّتِي مِنْ نَفْسِهِ، فَالشَّرُّ كُلُّهُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ مِنْ رَبِّهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُ لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ مَدْخَلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: " لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إِلَّا رَبَّهُ وَلَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَهُ " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: ٧٩] فَخَصَّ بِالْخِطَابِ تَنْبِيهًا عَلَى الْأَدْنَى، وَلَمْ يُخْرِجْهُ فِي صُورَةِ الْعُمُومِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، فَكَانَ ذِكْرُ الْخَاصِّ أَبْلَغَ فِي الْعُمُومِ وَقَصْدِهِ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ، فَتَأَوَّلَهُ فَإِنَّهُ عَجِيبٌ فِي الْقُرْآنِ.
-
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ سَبَبَ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ، وَهُوَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ فِعْلِهَا بِدَوَامِ سَبَبِهَا، وَأَمَّا السَّيِّئَاتُ فَسَبَبُهَا وَغَايَتُهَا مُنْقَطِعٌ هَالِكٌ فَلَا يَجِبُ دَوَامُهَا، فَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَجْهَ فَإِنَّهُ مَنْ أَلْطَفِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ الْأَسْبَابَ تَضْمَحِلُّ بِاضْمِحْلَالِ غَايَاتِهَا وَتَبْطُلُ بِبُطْلَانِهَا، وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ عَمَلٍ بَاطِلًا إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، فَإِنَّ جَزَاءَهُ وَثَوَابَهُ يَدُومُ بِدَوَامِهِ، مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَأُرِيدَ بِهِ مَا يَضْمَحِلُّ وَيَفْنَى، فَإِنَّهُ يَفْنَى بِفَنَائِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: ٢٣] ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَعْمَالُ الَّتِي كَانَتْ لِغَيْرِهِ، فَكَمَا أَنَّ مَا لَا يَكُونُ بِهِ لَا يَكُونُ، فَمَا كَانَ لِغَيْرِهِ لَا يَدُومُ، وَلِهَذَا كَانَ لِبَعْضِ حِكَمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَخْرِيبِ هَذَا الْعَالِمِ أَنْ يَشْهَدَ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا غَيْرَهُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْعِبَادَةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَيَشْهَدَ الْعَابِدُ حَالَ مَعْبُودِهِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النِّعَمَ تَدُومُ بِدَوَامِ سَبَبِهَا وَغَايَتِهَا، وَأَنَّ الشُّرُورَ وَالْآلَامَ تَبْطُلُ وَتَضْمَحِلُّ بِاضْمِحْلَالِ سَبَبِهَا.
-
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَغَيْرُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ الْحِكْمَةَ وَالْمَصْلَحَةَ فِي خَلْقِ النَّارِ تَقْتَضِي بَقَاءَهَا بِبَقَاءِ السَّبَبِ وَالْحِكْمَةِ الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ، فَإِذَا زَالَ السَّبَبُ وَحَصَلَتِ الْحِكْمَةُ عَادَ الْأَمْرُ إِلَى السَّابِقَةِ الْغَالِبَةِ الْوَاسِعَةِ.
-
يَزِيدُ وُضُوحًا الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ الرَّبَّ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا رَحِيمًا، فَرَحْمَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلِهَذَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَلَمْ يَكْتُبْ عَلَى نَفْسِهِ الْغَضَبَ، فَهُوَ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ رَحِيمًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ غَضْبَانَ، وَلَا أَنَّ غَضَبَهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَلَا أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُقُوبَةَ وَالْغَضَبَ، وَلَا أَنَّ غَضَبَهُ يَغْلِبُ رَحْمَتَهُ وَيَسْبِقُهَا
ج ١ ص ٢٧٢وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: " «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» " فَإِذَا كَانَ ذَاتُ الْغَضَبِ الشَّدِيدِ لَا يَدُومُ وَلَا يَسْتَمِرُّ بَلْ يَزُولُ، وَهُوَ الَّذِي سَعَّرَ النَّارَ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا سُعِّرَتْ بِغَضَبِ الْجَبَّارِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَإِذَا زَالَ السَّبَبُ الَّذِي سَعَّرَهَا، فَكَيْفَ لَا تُطْفَأُ، وَقَدْ طَفِئَ غَضَبُ الرَّبِّ وَزَالَ.
-
وَهَذَا بِخِلَافِ رِضَاهُ فَإِنَّهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ دَائِمٌ بِدَوَامِهَا، وَلِهَذَا دَامَ نَعِيمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالرِّضَا، كَمَا يَقُولُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ: " «إِنِّي أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَدًا» " فَكَيْفَ يُسَاوَى بَيْنَ مُوجِبِ رِضَاهُ وَمُوجِبِ سُخْطِهِ فِي الدَّوَامِ، وَلَمْ يَسْتَوِ الْمُوجِبَانِ.
-
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّهُ كَمَا قَيَّدَ الْغَضَبَ الشَّدِيدَ بِذَلِكَ الْيَوْمِ قَيَّدَ الْعَذَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [الزخرف: ٦٥] وَقَوْلِهِ: {وَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [مريم: ٣٧] فَجَعَلَ الْعَذَابَ وَالْمَشْهَدَ وَاقِعَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ، بَلْ جَعَلَ الْعَذَابَ يَوْمَ الْعَذَابِ أَبَدًا.
-
وَلَا يُقَالُ فِي الشَّيْءِ الْأَبَدِيِّ الَّذِي لَا يَفْنَى وَلَا يَبِيدُ: إِنَّهُ عَمَلُ يَوْمٍ، وَطَعَامُ يَوْمٍ، وَعَذَابُ يَوْمٍ، وَلَمْ يُنْتَقَصْ هَذَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ} [القمر: ٣٨] وَلَا بِقَوْلِهِ: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر: ١٩] فَإِنَّ اسْتِقْرَارَهُ وَاسْتِمْرَارَهُ لَا يَقْتَضِي أَبَدِيَّتَهُ لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا عَقْلًا، وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ بَطْنِ الْأُمِّ أَنَّهُ مُسْتَقَرُّ الْجَنِينِ بِقَوْلِهِ: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ} [الحج: ٥] وَقَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: ٩٨] سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَقَرُّ صُلْبَ الْأَبِ وَالْمُسْتَوْدَعُ بَطْنَ الْأُمِّ أَوْ عَكْسَ ذَلِكَ، أَوْ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْبَرْزَخِ، كَمَا هِيَ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْآيَةِ، فَالْمُسْتَقَرُّ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَبَدِيٌّ، وَكَذَلِكَ الْمُسْتَمِرُّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَبَدِيَّةِ.
-
فَاسْتِقْرَارُ كُلِّ شَيْءٍ وَاسْتِمْرَارُهُ وَدَوَامُهُ وَخُلُودُهُ وَثَبَاتُهُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْبَقَاءِ وَالْإِقَامَةِ، وَقَالَ تَعَالَى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} [النبأ: ٢٣] وَهَذَا لَا يُقَالُ فِي لُبْثٍ لَا انْتِهَاءَ لَهُ، وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عِنْدَ مَنْ
ج ١ ص ٢٧٣تَأَوَّلَهَا أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، أَيْ لَا يَذُوقُونَ فِي تِلْكَ الْأَحْقَابِ بَرْدًا وَلَا شَرَابًا: لَا يُفِيدُهُمْ شَيْئًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى تَأْوِيلِهِ أَنَّهُمْ يَذُوقُونَ الْبَرْدَ وَالشَّرَابَ بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ الْأَحْقَابِ، وَمَتَى ذَاقُوا الْبَرْدَ وَالشَّرَابَ انْقَطَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ.
-
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَذْكُرُ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَصِفُهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، وَأَنَّهُ مَا مِنْ نَفَادٍ، يَذْكُرُ عِقَابَ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ يُخْبِرُ مَعَهُ أَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ أَوْ يُطْلِقُهُ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: {فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ - خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ - وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: ١٠٦ - ١٠٨] وَأَمَّا الثَّانِي فَقَوْلُهُ: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ - جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ - مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ - وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ - هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ - إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ - هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ - جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} [ص: ٤٩ - ٥٦] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ} [ص: ٦٤] وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مَا قَالَهُ فِي النَّعِيمِ.
-
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَذْكُرُ خُلُودَ أَهْلِ النَّعِيمِ فِيهِ، فَيُقَيِّدُهُ بِالتَّأْبِيدِ، وَيَذْكُرُ مَعَهُ خُلُودَ أَهْلِ الْعَذَابِ، فَلَا يُقَيِّدُهُ بِالتَّأْبِيدِ، بَلْ يُطْلِقُهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ - إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: ٦ - ٨] .
-
وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: ٢٣] فَإِنَّ تَأْبِيدَ الْخُلُودِ فِيهَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَبَدِيَّتَهَا وَدَوَامَ بَقَائِهَا، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا مَا دَامَتْ كَذَلِكَ، فَالْأَبَدُ اسْتِمْرَارُهُمْ فِيهَا مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ: إِنَّهَا بَاقِيَةٌ أَبَدًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَتَأَمَّلْهُ.
-
عَلَى أَنَّ التَّأْبِيدَ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِيمَا هُوَ مُنْقَطِعٌ، كَقَوْلِهِ عَنِ الْيَهُودِ: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: ٩٥]
- ج ١ ص ٢٧٤
وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ أَبَدٌ مُدَّةَ حَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِلَّا فَهُمْ فِي النَّارِ يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ حِينَ يَقُولُونَ {يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: ٧٧] وَقَوْلُ الْعَرَبِ: لَا أَفْعَلُ هَذَا أَبَدًا، وَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ شَوَاهِدُهُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ مُدَّةً مُنْقَطِعَةً، وَهِيَ أَبَدُ الْحَيَاةِ وَمُدَّةُ عُمُرِهِمْ، فَهَكَذَا الْأَبَدُ فِي الْعَذَابِ هُوَ أَبَدٌ مُدَّةَ بَقَاءِ النَّارِ وَدَوَامِهَا.
-
الْوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ دَارُ الشَّقَاءِ دَائِمَةً دَوَامَ دَارِ النَّعِيمِ، وَعَذَابُ أَهْلِهَا فِيهَا مُسَاوِيًا لِنَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِدَوَامِهِ لَمْ تَكُنِ الرَّحْمَةُ غَالِبَةً لِلْغَضَبِ بَلْ يَكُونُ الْغَضَبُ قَدْ غَلَبَ الرَّحْمَةَ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَلْزُومِهِ، وَالشَّأْنُ فِي بَيَانِ الْمُلَازَمَةِ، وَأَمَّا انْتِفَاءُ اللَّازِمِ فَظَاهِرٌ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " «لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ» " وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُعَذَّبِينَ فِي دَارِ الشَّقَاءِ أَضْعَافُ أَهْلِ النَّعِيمِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَبْعَثَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، فَيَقُولُ: رَبِّي، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ " فَقَالَ الصَّحَابَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ فَقَالَ: " إِنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا مَعَ شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ: يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» .
-
فَعَلَى هَذَا أَهْلُ الْجَنَّةِ عُشْرُ عُشْرِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا بِالْغَضَبِ، فَلَوْ دَامَ هَذَا الْعَذَابُ دَوَامَ النَّعِيمِ وَسَاوَاهُ فِي وُجُودِهِ لَكَانَتِ الْغَلَبَةُ لِلْغَضَبِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ هِيَ الْغَالِبَةَ فَإِنَّ غَلَبَتَهَا تَقْتَضِي نُقْصَانَ عَدَدِ الْمُعَذَّبِينَ أَوْ مُدَّتِهِمْ.
-
يُوَضِّحُهُ الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الدُّنْيَا مِثَالًا وَأُنْمُوذَجًا وَعِبْرَةً لِمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَجَعَلَ آلَامَهَا وَلَذَّاتِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَمَا فِيهَا مِنَ الثِّمَارِ وَالْحَرِيرِ، وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنَّارِ تَذْكِرَةً وَمِثَالًا وَعِبْرَةً، لِيَسْتَدِلَّ الْعِبَادُ بِمَا شَاهَدُوهُ عَلَى مَا أُخْبِرُوا بِهِ، وَقَدْ أَنْزَلَ فِي هَذِهِ الدَّارِ رَحْمَتَهُ وَغَضَبَهُ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ آثَارَ الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ، وَيَسَّرَ لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ أَسْبَابَ الرَّحْمَةِ، وَلِأَهْلِ الْغَضَبِ أَسْبَابَ الْغَضَبِ، ثُمَّ
ج ١ ص ٢٧٥جَعَلَ سُبْحَانَهُ الْغَلَبَةَ وَالْعَافِيَةَ لِمَا كَانَ عَنْ رَحْمَتِهِ، وَجَعَلَ الِاضْمِحْلَالَ وَالزَّوَالَ لِمَا كَانَ عَنْ غَضَبِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ حِينِ قَامَتِ الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يَرِثَهَا اللَّهُ وَمَنْ عَلَيْهَا أَنْ تَغْلِبَ آثَارَ غَضَبِهِ وَلَوْ فِي الْعَاقِبَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ الرَّخَاءُ الشِّدَّةَ، وَالْعَافِيَةُ الْبَلَاءَ، وَالْخَيْرُ وَأَهْلُهُ الشَّرَّ وَأَهْلَهُ، وَإِنْ أُدِيلُوا أَحْيَانًا فَإِنَّ الْغَلَبَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ الثَّابِتَةَ لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ، وَآخِرُ أَمْرِ الْمُبْطِلِينَ الظَّالِمِينَ إِلَى زَوَالٍ وَهَلَاكٍ، فَمَا قَامَ لِلشَّرِّ وَالْبَاطِلِ جَيْشٌ إِلَّا أَقَامَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْحَقِّ جَيْشًا يَظْفَرُ بِهِ وَيَكُونُ لَهُ الْعُلُوُّ وَالْغَلَبَةُ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] فَكَمَا غَلَبَتِ الرَّحْمَةُ غَلَبَتْ جُنُودُنَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا مُقْتَضَى حَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَهَكَذَا فِي دَارِ الْحَقِّ الْمَحْضِ تَكُونُ الْغَلَبَةُ لِمَا خَلَقَ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَقَاءِ لَهَا.
-
وَسِرُّ هَذَا الْوَجْهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ أَنَّ الْخَيْرَ هُوَ الْغَالِبُ لِلشَّرِّ، وَهُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، الَّذِي لَوْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلَ خَلْفَهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ وَيُغَيِّرَهُ، وَإِذَا كَانَتْ لِلشَّرِّ دَوْلَةٌ وَصَوْلَةٌ لِحِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِغَيْرِهَا قَصْدَ الْوَسَائِلِ، فَالْخَيْرُ مَقْصُودٌ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ قَصْدَ الْغَايَاتِ.