فصل من عدله سبحانه أنه لا يزيد أحدا في العذاب على القدر الذي يستحقه
٥٧ فقرة، ج ١ ص ٢٦٣
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١ ص ٢٧٥
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْجَنَّةَ يَبْقَى فِيهَا فَضْلٌ، فَيُنْشِئُ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا يُسْكِنُهُمْ إِيَّاهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ كَانَ مِنْهُمْ، مَحَبَّةً مِنْهُ لِلْجُودِ وَالْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِذَا كَانَ وُجُودُهُ وَرَحْمَتُهُ قَدِ اقْتَضَيَا أَنْ يَدْخُلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ تَقَدُّمِ عَمَلٍ مِنْهُمْ وَلَا مَعْرِفَةٍ وَلَا إِقْرَارٍ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ تُدْرِكَ رَحْمَتُهُ مَنْ قَدْ أَقَرَّ بِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَاعْتَرَفَ بِاللَّهِ رَبِّهِ وَمَالِكِهِ، وَاكْتَسَبَ مَا أَوْجَبَ غَضَبَهُ عَلَيْهِ، فَعَاقَبَهُ بِمَا اكْتَسَبَهُ، وَعَرَّفَهُ حَقِيقَةَ مَا اجْتَرَحَهُ وَأَشْهَدَهُ أَنَّهُ كَانَ كَاذِبًا مُبْطِلًا، وَأَنَّ رُسُلَهُ هُمُ الصَّادِقُونَ الْمُحِقُّونَ، فَشَهِدَ ذَلِكَ وَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ وَتَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ حَسْرَةً وَنَدَمًا، وَأَخْرَجَتِ النَّارُ مِنْهُ خَبَثَهُ كَمَا يُخْرِجُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.
-
وَلَا يُقَالُ: الْخَبَثُ لَا يُفَارِقُهُمْ وَالْإِصْرَارُ لَا يَزُولُ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: ٢٨] فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي حُكْمِ الطَّبِيعَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَلِهَذَا فِي الدُّنْيَا لَمَّا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ تَجِدُ عُقْدَةَ الْإِصْرَارِ قَدِ انْحَلَّتْ عَنْهُمْ وَانْكَسَرَتْ نَخْوَةُ الْبَاطِلِ وَلَكِنْ لَمْ تَظْهَرْ قُلُوبُهُمْ بِذَلِكَ وَحْدَهُ.
- ج ١ ص ٢٧٦
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: ٢٨] فَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ فَقَالُوا: {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] ، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا النَّارَ، وَقَبْلَ أَنْ تُذِيبَ لُحُومَهُمْ وَنُفُوسَهُمُ الَّتِي نَشَأَتْ عَلَى الْكُفْرِ، فَالْخَبَثُ بَعْدُ كَامِنٌ فِيهَا، فَلَوْ رُدُّوا وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ، وَالْحِكْمَةُ وَالرَّحْمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ النَّارَ تَأْكُلُ تِلْكَ اللُّحُومَ الَّتِي نَشَأَتْ مِنْ أَكْلِ الْحَرَامِ، وَتُنْضِجُ تِلْكَ الْجُلُودَ الَّتِي بَاشَرَتْ مَحَارِمَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ الَّتِي أَشْرَكَتْ بِهِ وَعَبَدَتْ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَتَسْلِيطُ النَّارِ عَلَى هَذِهِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ مِنْ غَايَةِ الْحِكْمَةِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْمَسْأَلَةُ حَقَّهَا وَأَخَذَتِ الْعُقُوبَةُ مِنْهُمْ مَأْخَذَهَا وَعَادُوا إِلَى مَا فُطِرُوا عَلَيْهِ، وَزَالَ ذَلِكَ الْخَبَثُ وَالشَّرُّ الطَّارِئُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ حِينَئِذٍ حَكَمٌ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ.
-
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّ أَبَدِيَّةَ النَّارِ كَأَبَدِيَّةِ الْجَنَّةِ، إِمَّا أَنْ يَتَلَقَّى الْقَوْلَ بِذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ مِنَ السُّنَّةِ أَوْ مِنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، أَوْ أَدِلَّةِ الْعُقُولِ أَوْ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى الْجَنَّةِ، وَالْجَمِيعُ مُنْتَفٍ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ غَيْرُ خَارِجِينَ مِنْهَا، فَمِنْ أَيْنَ يَدُلُّ عَلَى دَوَامِهَا وَبَقَاءِ أَبَدِيَّتِهَا؟ فَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ أَرَوْنَا ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ قَدْ دَلَّا عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِيدُ وَلَا تَفْنَى، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلَا إِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَجَعَلُوا الْقَوْلَ بِفَنَائِهَا مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ مَا فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَأَمَّا مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَكَاهُ بِمُوجَبِ عِلْمِهِ كَمَا يُحْكَى الْإِجْمَاعُ كَثِيرًا عَلَى مَا الْخِلَافُ فِيهِ مَشْهُورٌ غَيْرُ خَفِيٍّ، وَأَبْلَغُ مِنْ هَذِهِ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ كَثِيرًا عَلَى مَا الْإِجْمَاعُ الْقَدِيمُ عَلَى خِلَافِهِ، وَهَذَا كَثِيرٌ جِدًّا وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَلَوْ تَتَبَّعْنَاهُ لَزَادَ عَلَى مِائَتَيْ مَوْضِعٍ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ أَرَادَ أَنَّ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي ذَلِكَ، فَنَعَمِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ، فَلَمَّا قَالَ السَّلَفُ: إِنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ظَنَّ مَنْ تَلَقَّى مِنْهُمْ ذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ فِي الدَّارَيْنِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْدِرُ عَلَى إِبْقَائِهِمَا أَبَدًا، إِذْ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، قَالُوا: وَهَذَا مُمْتَنِعٌ كَمَا أَنَّ وُجُودَ حَوَادِثَ لَا بِدَايَةَ لَهَا
ج ١ ص ٢٧٧مُمْتَنِعٌ، فَيَفْنَيَانِ بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْنِيَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ سِوَى هَذِهِ الْفِرْقَةِ الضَّالَّةِ، أَوْ يَكُونُ حِكَايَتُهُمُ الْإِجْمَاعَ، عَلَى أَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا، فَهُوَ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُ مَحَالٍّ لِلْإِجْمَاعِ، وَلَكِنْ أَيْنَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ النَّارَ بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ؟ وَأَنَّ كِلَيْهِمَا فِي الْبَقَاءِ سَوَاءٌ؟ وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْعُقُولِ فَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهَا فَهِيَ فِي هَذَا الْجَانِبِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا قِيَاسُ النَّارِ عَلَى الْجَنَّةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وَكَيْفَ يُقَاسُ الْغَضَبُ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَالْعَدْلُ عَلَى الْفَضْلِ، وَالْمَقْصُودُ لِغَيْرِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ لِنَفْسِهِ.
-
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ أَبَدِيَّةِ النَّارِ إِلَّا اسْتِثْنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ بِمَشِيئَتِهِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ، أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: ١٢٨] فَـ " مَا " هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةٌ وَقْتِيَّةٌ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، وَهُوَ كَوْنُهَا مَثْوَاهُمْ بِوَصْفِ الْخُلُودِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مُخْرِجًا لِمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَهُوَ خُلُودُهُمْ فِيهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مُخَالِفًا لِذَلِكَ، إِذْ يَمْتَنِعُ تَمَاثُلُهُمَا وَتَسَاوِيهِمَا، وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُسْتَثْنَى وَاقِعٌ عَلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا عَلَى مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ مُدَّةُ لُبْثِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ، وَفِي الْبَرْرَخِ، وَفِي مَوَاقِفِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى هَاهُنَا، فَإِنَّ هَذَا قَدْ عَلِمَ انْتِفَاءَ الدُّخُولِ فِي وَقْتِهِ قَطْعًا، فَلَيْسَ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ فَائِدَةٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِيهَا أَبَدًا إِلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي كُنْتُمْ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ، فَضْلًا عَنْ كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
-
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ لِلْمَيِّتِ: أَنْتَ مُقِيمٌ فِي الْبَرْزَخِ إِلَّا مُدَّةَ بَقَائِكَ فِي الدُّنْيَا، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِهِ: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: ٥٦] فَإِنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ قُصِدَ بِهِ تَقْرِيرُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ عَامٌّ مَحْفُوظٌ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا بِاسْتِثْنَاءٍ فَيَعْدِلُ عَنْ ذِكْرِهِ إِلَى غَيْرِ جِنْسِهِ.
-
وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: مَا زَادَ إِلَّا نَقْصًا فَإِنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِعَدَمِ زِيَادَتِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ ثَمَّ تَغَيُّرٌ فَبِالنُّقْصَانِ، وَلَيْسَ هَذَا مَخْرَجَ قَوْلِهِ: {خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: ١٢٨] وَلَوْ أُرِيدَ هَذَا لَقِيلَ: لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَبَدًا مَقَامُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَهَذَا يَكُونُ وِزَانَ قَوْلِهِ: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان: ٥٦]
- ج ١ ص ٢٧٨
وَكَانَ يُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرُ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنْهَا، وَأَمَّا إِذَا قِيلَ: خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَخْلُدُونَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ أَنَّ لَهُمْ حَالَيْنِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذَا يُنْتَقَضُ عَلَيْكُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنَّ هَذَا وَارِدٌ فِيهِمْ بِعَيْنِهِ، قِيلَ: قَدِ اقْتَرَنَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي أَهْلِ الْجَنَّةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: ١٠٨] وَلِهَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، عَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءَ بِهَذَا رَفْعًا لِهَذَا التَّوَهُّمِ، وَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي أَهْلِ النَّارِ بِالْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، وَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِيمَا يُرِيدُ بِهِمْ مِنْ عَذَابٍ أَوْ إِخْرَاجٍ مِنْهُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ رَاجِعٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، كَمَا عَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: ٨٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَدْخَلَهُمُ النَّارَ بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُمْ سِوَاهَا وَلَهُ حِكْمَةٌ وَعِلْمٌ فِيهِمْ لَا يَبْلُغُهُ الْعِبَادُ، فَإِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَعِلْمُهُ فِيهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تَقْصُرْ عَنْهُ مَشِيئَتُهُ النَّافِذَةُ وَقُدْرَتُهُ التَّامَّةُ.
-
وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ فِي آيَةِ الْأَنْعَامِ خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ، إِمَّا فِي النَّارِ وَإِمَّا فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ مُدَّةَ الْخُلُودِ بِدَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: ١٢٨] فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ مُدَّةَ مُقَامِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ وَفِي مُدَّةِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ وَهُمْ فِي النَّارِ: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: ١٢٨] وَهُوَ يُرِيدُ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ فِي الْبَرْزَخِ وَفِي الْمَوْقِفِ، فَهَذَا أَمْرٌ قَدْ عَلِمُوهُ وَشَاهَدُوهُ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ حَصَلَتْ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ؟
- ج ١ ص ٢٧٩
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: وَإِذْ خَلَقَنِي فَلِمَ كَلَّفَنِي السُّجُودَ لِآدَمَ وَقَدْ عَلِمَ أَنِّي أَعْصِيهِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: كَفَى بِكَ جَهْلًا وَلُؤْمًا أَنْ سَمَّيْتَ أَمْرَهُ وَطَاعَتَهُ الَّتِي هِيَ قُرَّةُ الْعُيُونِ وَحَيَاةُ النُّفُوسِ تَكْلِيفًا، وَالتَّكْلِيفُ إِلْزَامُ الْغَيْرِ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَيَكْرَهُهُ وَلَا يُحِبُّهُ: كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: لَا أَفْعَلُ هَذَا إِلَّا تَكَلُّفًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ كَامِنًا فِي قَلْبِكَ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي امْتِنَاعِكَ مِنَ الطَّاعَةِ.
-
وَلَوْ عَلِمْتَ أَنَّ أَمْرَهُ سُبْحَانَهُ هُوَ غَايَةُ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ وَسَعَادَتِهِ، وَفَلَاحِهِ وَكَمَالِهِ لَمْ تَقُلْ: إِنَّهُ كَلَّفَكَ بِالسُّجُودِ، وَلَعَلِمْتَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَصْلَحَتَكَ وَرَحْمَتَكَ وَسَعَادَتَكَ الْأَبَدِيَّةَ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى أَوَامِرَهُ عُهُودًا وَوَصَايَا، وَرَحْمَةً وَشِفَاءً وَنُورًا وَهُدًى وَحَيَاةً، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: ٢٤] فَتَأَمَّلِ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا الْخِطَابِ وَبَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ إِنَّهُ دَعَاهُمْ بِأَمْرِهِ إِلَى تَكْلِيفِ مَا لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لَا لِحِكْمَةٍ وَلَا لِمَصْلَحَةٍ وَلَا لِصِفَةٍ حَسَنَةٍ فِي الْأَمْرِ تَقْتَضِي دُعَاءَهُمْ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْمُرْكَ حَاجَةً مِنْهُ إِلَيْكَ، وَلَا عَبَثًا وَلَا سُدًى، وَكَأَنَّكَ لَمْ تَعْرِفْ أَنَّ أَوَامِرَهُ رَحْمَةٌ وَنِعْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ، وَنَوَاهِيَهُ حِمَايَةٌ وَصِيَانَةٌ وَحِفْظٌ، وَهَلْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِأَمْرٍ يُنَفِّذُهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ، وَهَلَّا تَرَكْتَنِي وَلَمْ تَأْمُرْنِي؟ فَمَنْ أَضَلُّ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ سَبِيلًا؟ .
-
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمَّا كَانَ يَعْلَمُ مِنْكَ مِنَ الْخَبَثِ وَالشَّرِّ الْكَامِنِ فِي نَفْسِكَ مَا لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَكَانَ مُوجِبًا لِمَقْتِهِ لَكَ وَلَمْ يَكُنْ يَجْرِي عَلَيْكَ مَا تَسْتَحِقُّهُ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ السَّابِقِ قَبْلُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُظْهِرَ الْمَلَائِكَةُ مَا يُحْمَدُ بِهِ وَيُثْنَى عَلَيْهِ وَيُعْذَرُ بِهِ إِذَا طَرَدَكَ عَنْ قُرْبِهِ، وَأَخْرَجَكَ مِنْ جَنَّتِهِ، فَأَمَرَكَ بِأَمْرِهِ، فَخَرَجَ مِنْكَ الدَّاءُ الدَّفِينُ
ج ١ ص ٢٨٠بِمُقَابَلَتِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَمُنَازَعَتِهِ سُبْحَانَهُ رِدَاءَ الْكِبْرِيَاءِ، فَاسْتَخْرَجَ أَمْرُهُ مِنْكَ الْكُفْرَ الْخَفِيَّ وَالدَّاءَ الدَّوِيَّ، وَقَامَ عُذْرُهُ فِي نُفُوسِ أَوْلِيَائِهِ وَمَلَائِكَتِهِ بِمَا أَصَابَكَ مِنْ لَعْنَتِهِ وَجَرَى عَلَيْكَ مِنْ نَكَالِهِ وَعُقُوبَتِهِ، وَصِرْتَ فِي ذَلِكَ إِمَامًا لِمَنْ كَانَ حَالُهُ حَالَكَ، فَهَذَا مِنْ بَعْضِ حِكَمِهِ: فِي أَمْرِهِ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيعُهُ، فَإِنَّهُ لَوْ عَذَّبَهُ وَطَرَدَهُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُظْهِرَ غَيْرُهُ، لَوَجَدَ هُوَ وَغَيْرُهُ لِلْقَوْلِ سَبِيلًا، لَوْ أَمَرْتَنِي لَأَطَعْتُكَ، وَلَكِنْ عَذَّبْتَنِي قَبْلَ أَنْ تُجَرِّبَنِي، وَلَوْ جَرَّبْتَنِي لَوَجَدَتْنِي سَامِعًا مُطِيعًا، بَلْ مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُهُ بِمَعْصِيَتِهِ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتَّى إِذَا اسْتَحْكَمَ إِبَاؤُهُ وَمَعْصِيَتُهُ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ فِيهِ مَطْمَعٌ، وَلَا لِلْمَوْعِظَةِ فِيهِ تَأْثِيرٌ، وَأَيِسَ مِنْهُ، حَقَّ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، وَظَهَرَ عُذْرُ مَنْ عَذَّبَهُ لِلْخَلِيقَةِ، وَحَمْدُهُ وَكَمَالُهُ الْمُقَدَّسُ.
-
قَالَ مُخْتَصِرُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوْصِلِيِّ، عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَحْسَنُ مِنَ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَأَصْوَبُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
-
الْوَجْهُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: وَإِذْ أَبَيْتُ السُّجُودَ لَهُ فَلِمَ طَرَدْتَنِي وَذَنْبِي أَنِّي لَمْ أَرَ السُّجُودَ لِغَيْرِهِ.
-
فَيُقَالُ لِعَدُوِّ اللَّهِ: هَذَا تَلْبِيسٌ إِنَّمَا يَرُوجُ عَلَى أَشْبَاهِ الْأَنْعَامِ مِنْ أَتْبَاعِكَ، حَيْثُ أَوْهَمْتَهُمْ أَنَّكَ تَرَكْتَ السُّجُودَ لِآدَمَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَتَوْحِيدًا لَهُ، وَصِيَانَةً لِعِزَّتِهِ أَنْ تَسْجُدَ لِغَيْرِهِ، فَجَازَاكَ عَلَى هَذَا الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ بِغَايَةِ الْإِهَانَةِ وَالطَّرْدِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِكَ، وَلَمْ تَعْتَذِرْ بِهِ إِلَى رَبِّكَ، إِنَّمَا كَانَ الْحَامِلُ لَكَ عَلَى تَرْكِ السُّجُودِ الْكِبْرَ وَالْكُفْرَ وَالنَّخْوَةَ الْإِبْلِيسِيَّةَ، وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِكَ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ لِلَّهِ وَحِفْظُ جَانِبِ التَّوْحِيدِ لَحَمَلَكَ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى طَاعَتِهِ.
-
وَهَلِ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ إِلَّا فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ؟ وَقَدْ قَامَ لَكَ مِنْ إِخْوَانِكَ أَصْحَابٌ يُحَامُونَ عَنْكَ وَيُخَاصِمُونَ رَبَّهُمْ فِيكَ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْكَ اعْتِذَارًا عَنْكَ وَتَظْلِيمًا مِنْ رَبِّكَ، كَمَا فَعَلَ صَاحِبُ تَفْلِيسِ إِبْلِيسَ فِي كِتَابِهِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِيهِ مَا تَرْعَدُ مِنْهُ قُلُوبُ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَرَقًا وَتَعْظِيمًا لِلَّهِ مِنَ الِاعْتِذَارِ عَنْكَ، وَأَنَّ مَا فَعَلْتَهُ هُوَ وَجْهُ الصَّوَابِ، إِذْ غِرْتَ عَلَى التَّوْحِيدِ أَنْ يَحْمِلَكَ عَلَى السُّجُودِ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّكَ لَمْ تَزَلْ رَأْسَ الْمُحِبِّينَ قَائِدَ الْمُطِيعِينَ وَلَكِنْ:
إِذْ كَانَ الْمُحِبُّ قَلِيلَ حَظٍّ فَمَا حَسَنَاتُهُ إِلَّا ذُنُوبُ وَيَا لَلَّهِ، لَقَدْ قَالَ هَذَا الْخَلِيفَةُ مِنْكَ وَالْوَلِيُّ لَكَ مَا لَمْ تَسْتَحْسِنْ أَنْ تَقُولَهُ لِرَبِّكَ وَلَا تَظُنَّهُ فِيهِ.
-
الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: وَإِذْ قَدْ أَبْعَدَنِي وَطَرَدَنِي فَلِمَ سَلَّطَنِي عَلَى آدَمَ حَتَّى
ج ١ ص ٢٨١دَخَلْتُ إِلَيْهِ وَأَغْوَيْتُهُ فِيهَا؟ فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا تَلْبِيسٌ مِنْكَ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِكَيْفِيَّةِ قِصَّتِكَ، خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ وَقَدْ عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ خَلَقَهُ لِيَجْعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ وَيَسْتَخْلِفَ أَوْلَادَهُ إِلَى أَنْ يَرِثَهَا وَمَنْ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ سُبْحَانَهُ لِيُنْزِلَهُ إِلَى الْأَرْضِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَإِنَّهُ الْحَكِيمُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَيُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ، فَأَبَاحَ لِآدَمَ جَمِيعَ مَا فِي الْجَنَّةِ، وَحَمَى عَنْهُ شَجَرَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَشَرِ قَرِينًا مِنَ الشَّيَاطِينِ لِتَمَامِ حِكْمَتِهِ الَّتِي لِأَجْلِهَا خُلِقَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ، وَكُنْتَ أَنْتَ قَرِينَ الْأَبِ لِتَمَامِ الِابْتِلَاءِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَبْتَلِيَ بِكَ الْأَبَوَيْنِ لِسَعَادَتِهِمَا وَتَمَامِ شِقْوَتِكَ، فَخَلَّى بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْوَسْوَسَةِ لَهُمَا لِنَفْذِ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ السَّابِقِ فِيكَ وَفِيهِمَا وَفِي الذُّرِّيَّةِ، وَإِذَا كَانَ أَجْرَى ذُرِّيَّتَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَجْرَى الدَّمِ امْتِحَانًا لَهُمْ، فَهَكَذَا امْتَحَنَ بِكَ الْأَبَوَيْنِ فَلَمْ تَكُنْ لِتُفَارِقَهُمَا إِلَّا بِالْمَوْتِ كَحَالِ ذُرِّيَّتِكَ مَعَ ذُرِّيَّتِهِمَا.