الفصل الأول: الطور الأول لكتب علوم الحديث

١٣٥ فقرة، ج ١ ص ١٨٣

الصفحة ٣ من ٤

  1. وهذا التقسيم واضحة فيه النزعة الأصولية، بل والأشعرية. وعلى كل حال؛ ففي مقدمة (دلائل النبوة) ، وأيضاً في مقدمة (معرفة السنن والآثار) (٤) للبيهقي = مباحث حديثية، يغلب عليها النقل عن الإمام الشافعي؛ وفيها ايضاً مباحث أصولية. وبعد البيهقي، لم نزل في القرن الخامس الهجري، لكن ننتقل إلى أقصى المغرب الإسلامي حينها!

    1. (٤)معرفة السنن والآثار للبيهقي (١/٩٨ـ ١٨٨) .
    ج ١ ص ١٩٩
  2. نقف مع الإمام أبي عمر ابن عبد البر الأندلسي (يوسف

    ج ١ ص ٢٠٠بن عبد الله محمد النمري، المتوفى سنة ٤٦٣هـ) ، حيث كتب مقدمةً حافةً لكتابه العظيم (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) ، خصها لعلوم الحديث وشرح مصطلحه.

    قال ابن عبد البر: ((باب: معرفة (المرسل) و (المسند) و (المنقطع) و (المتصل) و (الموقوف) و (معنى التدليلس) :

    هذه أسماء اصطلاحية، وألقاب اتفق الجميع عليها. وأنا ذاكر في هذا الباب معانيها، إن شاء الله.

    (ثم قال:) اعلم ـ وفقك الله ـ أني تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط (الصحيح) في النقل منهم ومن لم يشترطه ... ) (١) .

    وقال في موطن آخر: ((ومن الدليل على أن (عن) محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال، حتى يتبين الانقطاع فيها: ما حكاه أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل..)) (٢) .

    وقال في موطن آخر أيضاً: ((وأما التدليس: فمعناه عند جماعة أهل العلم بالحديث ... ) ) (٣) .

    1. (١)التمهيد (١/١٢) .
    2. (٢)التمهيد (١/١٣) .
    3. (٣)التمهيد (١/ ٢٧) .
  3. فمثل هذه المواطن، وكثرة نقوله عن أئمة الحديث، خاصة من أهل القرن الثالث فما قبله = تدل على أن ابن عبد البر كان سائراً على المنهج الصحيح في فهم مصطلح الحديث، وأنه كان يعلم من هم (أهل الاصطلاح) الذين يجب عليه أن يعرف معاني كلامهم وألقاب علمهم.

  4. وابن عبد البر مع ذلك عالم أثري، سلفي العقيدة، يبدع

    ج ١ ص ٢٠١أهل الكلام والأشعرية!

  5. يقول ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) : ((أجمع أهل الفقه والآثار، من جميع الأمصار: أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم) ) (١) .

    1. (١)جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٢ عقب رقم ١٧٩٩) .
  6. ويقول أيضاً: ((أهل الأهواء عند مالكٍ وسائر أصحابها: هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعرياً كان أو غير اشعري. ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويفجر، ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها) ) (٢) .

    1. (٢)بغية الملتمس للضبي ـ ترجمة أحمد بن محمد بن سعدى ـ (١/٢٠٠، الترجمة رقم ٣٤٢) .
  7. وعلى هذا، فلن يكون للمذاهب الكلامية أثر على ابن عبد البر، من جهة العقيدة.

  8. لكن ابن عبد البر ممن استبق جيلهم التأثر بأصول الفقه، وهو ابن جيله، فلا بد أن يكون لأصول الفقه أثر عليه.

  9. وأما الأدلة الواقعية من كلام ابن عبد البر على تأثره بالأصول، فمنها ما ذكره في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) من تقسيمه (العلم) إلى قسمين: (ضروري) و (مكتسب) (٣) . بل لقد صرح في باب تقسيم الحديث إلى متواتر ومقابله بأنه ناقل من كتب الأصول، حيث ذكر أقسام معرفة الدين، ثم قال: ((والقسم الثاني: معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه. وذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ... ، ومعرفة أصحابه ... ، ومعرفة الرجال الذين حملوا

    ج ١ ص ٢٠٢ذلك ... ، ومعرفة الخبر الذي يقطع العذر يقطع العذر لتواتره وظهوره. وقد وضع العلماء في (كتب الأصول) من تلخيص وجوه الأخبار، ومخارجها، ما يكفي الناظر فيه ويشفيه ... )) (١) .

    1. (٣)جامع بيان العلم (٢/ ٧٨٨) .
    2. (١)جامع بيان العلم (٢/٧٩٦) .
  10. إذن فرجعنا إلى مسألة تقسيم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) وأنه حتى ابن عبد البر ممن تأثر بالأصول في هذا التقسيم، كما صرح هو نفسه بنقله لذلك من (كتب الأصول) .

  11. وقد تعرض ابن عبد البر لجانب من جوانب هذه المسألة في مقدمة (التمهيد) ، حيث تكلم عن حجية (خبر الواحد) . فنريد أن نقف أيضاً من رأيه في هذه المسألة، لنعلم درجة تأثره بالأصول

    فقال أولاً: ((أجمع أهل العلم، من أهل الفقه والأثر، في جميع الأمصار، فيما علمت: على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على هذا جميع الفقهاء في كل عصر، من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً) ) (٢) .

    1. (٢)التمهيد (١/ ٢) .
  12. وهذا كلام عليه نور الأثر، وأدب السنة مع السنة!

  13. لكنه قال في موطنٍ لا حقٍ: ((واختلف أصحابنا وغيرهم في خبر الواحد العدل: هل يوجب العلم والعمل جميعاً، أم يوجب العمل دون العلم؟

  14. والذي عليه أكثر أهل العلم منهم: أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر. ولا يوجب

    ج ١ ص ٢٠٣العلم عندهم إلا ما شهد به على الله، وقطع العذر بمجيئه قطعاً، ولا خلاف فيه.

    وقال قوم كثير من أهل الأثر، وبعض أهل النظر:

    إنه يوجب العلم الظاهر والعمل (١) جميعاً، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، وذكر، ابن خويزمنداد أن هذا القول يخرج عل مذهب مالك.

    1. (١)كذا، والظاهر أن الصواب: (والعلم الباطن) ، أو ما في معناها من العبارات.
  15. (قال ابن عبد البر:) والذي نقول به: إنه يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشاهدين والأربعة سواء. وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر ن وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعاً وديناً في معتقده، على ذلك جميع أهل السنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا)) (٢) .

    1. (٢)التمهيد لا بن عبد البر (١/ ٧- ٨) .
  16. هذا كلام ابن عبد البر، وهو من أفضل الأمثلة على من تأثر بأصول الفقه دون علم الكلام وعقيدة المتكلمين. فهو يقسم الأخبار إلى (متواتر) و (آحاد) ، ويحكم على (الآحاد) أنه يفيد (الظن الموجب للعمل دون العلم) ، وهذا كله من أثر أصول الفقه (٣)

    1. (٣)انظر (ص ٩١ـ ١٢٧) .
  17. لكنه بعد ذلك ينقل أن (خبر الآحاد) حجة في العقائد والأحكام بالإجماع، وهذا من أثر عقيدته السلفية!!

  18. أما التا ثر بالمنطق وصناعة المعرفات، فلم يظهر لها أثر على ابن عبد البر، في شرحه للمصطلحات وتفريها بها.

  19. فيقول في شرحه للاسناد المعنعن: ((والإسناد المعنعن:

    فلان عن فلان عن فلان عن فلان)) (١) .

    1. (١)التمهيد (١/١٢) .
    ج ١ ص ٢٠٤
  20. ويقول في تعريفه بالتدليس: ((أما التدليس: فهو أن يروي الرجل عن الرجل قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحديث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن ترضى حاله، أو لا ترضى على الأغلب في ذلك، إذ لو كانت حاله مرضية لذكره، وقد لا يكون، إلا أنه استصغره) ) (٢) .

    1. (٢)التمهيد لابن عبد البر (١/١٥) .
  21. ونحو هذه التعريفات البعيدة كل البعد عن صناعة المناطقة. وعلى هذا فمقدمة ابن لكتابه (التمهيد) تمتاز باتباعها المنهج السليم في فهم مصطلح الحديث، وبندرة الأثر الأصولي عليها.

  22. فإذا انتهينا من مقدمة ابن عبد البر، نذكر (تبعاً) قرينه أبا محمد ابن حزم (علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندليسي الظاهري، المتوفى سنة ٤٥٦هـ) . وإنما قلت تبعاً، لأنه في تعرضه لعلوم الحديث الذي نتحدث عنه، إنما تعرض لها في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) ، وهو كتاب في أصول الفقه، لا في علوم الحديث، ولا مقدمة لكتاب في الحديث.

  23. ويكفي في بيان منهج ابن حزم من علوم السنة في كتابه (الإحكم) ، أنه كتاب في أصول الفقه أصلاً!

  24. نعم، لابن حزم مذهب خاص، وهو ظاهريته.

  25. ونعم، لابن حزم منهج خاص في كتابه، بكثرة استدلاله

    ج ١ ص ٢٠٥بأدلة الكتاب والسنة، وبالرد على المتكلمين (وهو منهم!!) .

  26. لكن كتابه لم يزل من كتب أصول الفقه!!

  27. ويضيق صدري أحياناً من ظاهريته في تقرير قواعد علم الحديث، مما يدل على أنه ليس بفقيه في علله!

  28. انظر إليه وهو يقول: ((وقد غلط أيضاً قوم آخرون منهم، فقالوا: فلان أعدل من فلان، وراموا بذلك ترجيح خبر الأعدل على من هو دونه في العدالة) ) (١) .

    1. (١)الإحكام لابن حزم (١/١٤٣) .
  29. القوم الآخرون هؤلاء هم كافة نقاد الحديث، الذي رتبوا المقبولين على مراتب، ورتبوا أصحاب المرتبة الواحدة في الشيخ الواحد على مراتب أيضاً. ولهم في ذلك نفائس الأقوال، وصنفوا في ذلك غرر الفوائد!!!

  30. وتعجب منه وهو يقول أيضاً: ((وقد علل قوم احاديث: بأن رواها ناقلها عن رجل مرة وعن رجلٍ مرة أخرى.

  31. وهذا قوة للحديث ن وزيادة في دلائل صحته، ودليل على جهل من جرح الحديث بذلك)) (٢) .

    1. (٢)الإحكام لابن حزم (١/١٤٩) .
  32. كذا بإطالاق؟ !! قاتل الله ظاهرية كهذه!!!

  33. وله مثلها في حكم زيادة الثقة (٣) !

    1. (٣)الإحكام لابن حزم (٢/٩٠- ٩٦) .
  34. والكتاب بعد ذلك على هذه الشاكلة، يمثل قواعد ابن حزم ومصطلحه، لا قواعد الحديث ومصطلحه عند أهله.

  35. ولا أحسب أنني هنا في حاجةٍ على تنبيه القارىء الكريم:

    ج ١ ص ٢٠٦إلى عظيم إجلالي للعلماء، وجليل إعظامي لهم. وإلى شدة محبتي ـ والله ـ لهم، وتعلقي بسيرهم وأخبارهم وحالهم. وإلى إيماني بأن علمهم يجل عن الوزن، ولا يجوز فيه القياس، من مثلي وأشباهي. ولولا ذلك، لما استفدت فائدة، ولا عرفت الحق (بحمد الله تعالى) ، ولا بدأت سلوك مسالك طلبة العلم.

  36. فلست في حاجةٍ بعد هذا التنبيه، إلى تكرير ديباجةٍ طويلة ثقيلة، عند كل نقد علمي موضوعي بناء (ولو كان هذا النقد خطأًَ في حقيقته) . تلك الديباجة التي تثقل البحوث: باملدائح الرنانة في المنتقد، وبالأيمان المغلظة على حسن النوايا. إلى درجة الغو في الممدوح، والإزراء من الناقد لنفسه، وإلى حد الإسفاف (أحياناً) والبعد عن أدب العلم وإنصاف الموضوعية، اللذين إنما قدم بتلك الديباجة الثقية لهما!! وكأن الأصل في الباحث الكذب وسوء الطوية، والأصل في القارىء الشك وسوء النية!!!

  37. (فلماذا نخاف من النقد؟!) .

  38. لننتقل بعد هذا، إلى عالمٍ مغربي آخر، لكنه من القرن الخامس الهجري، هو القاضي عياض بن موصى بن عياض السبتي المالكي (ت ٥٤٤هـ) .

  39. ولهذا الإمام تعرض واسع لأبوابٍ من علوم الحديث، في كتابين له، هما: ((الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) ، ومقدمة كتابه (إكمال المعلم بفوائد مسلم، للمازري) .

  40. إلا أن كتابه الأول (الإلماع) كتاب مختص: بأصول الرواية (طرق التحمل وحجيتها) ، وتقييد السماع (كألفاظ الأداء) ، وما يتعلق بذلك، وبعض الآداب وما شابهها. فليس في الكتاب

    ج ١ ص ٢٠٧اهتمام بالمصطلحات الحديثية لأقسام الحديث، التي هي مدار حديثنا. لذلك فلن أتكلم عن (الإلماع) ، بغير هذا الذي ذكرته به، وإن كان حقيقاً بغير ذلك في غير هذا الموضع!