الفصل الأول في بيان الكلمات المقطوعة والموصولة والمختلف فيها بين القطع والوصل والتى ورد ذكرها في المقدمة الجزرية.
١٧٤ فقرة، ج ١ ص ٤١٧
الصفحة ٣ من ٥
- ج ١ ص ٤٣٣
وعليه: فيؤخذ من كلام المقنع أن "كل ما" التى في إبراهيم مقطوعة بالاتفاق وأن "كل ما" التي في النساء فيها الخلاف. وأن المواضع الثلاثة التي نسب ملا علي القاري فيها الخلاف إلى الداني هي عند الداني ضمن المواضع الأخرى الموصولة ويعلم هذا من السكوت عليها كما هو مقرر عند علماء الفن.
-
وعليه: فلا قصور عند الناظم بحال فإنه تبع في ذلك الحافظ أبا عمرو الداني الذي نص في المقنع على أن المقطوع بالاتفاق موضع إبراهيم والمختلف فيه موضع النساء فحسب كما تقدم نقل ذلك عنه. فإن قال أحد: "قد قدمتم قريباً أن الناظم أورد في النشر الخلاف في المواضع الثلاثة التي قال عنها ملا علي مع موضع النساء أيضاً فكيف نوفق بين اختلاف النص عنه في المقدمة الجزرية والنشر؟
-
فالجواب: أن ما ذهب إليه الناظم -رحمه الله- في المقدمة الجزرية فقد وافق فيه ما ذهب إليه الحافظ أبو عمرو الداني في المقنع.
-
وأما ما ذهب إليه في النشر فقد تبع فيه ما ذهب إليه الأمام الشاطبي رحمه الله في "العقيلة" فإنه ذكر القطع قولاً واحداً في موضع إبراهيم والخلاف في المواضع الأربعة التي هي موضع النساء والأعراف والمؤمنون والملك حيث قال
- رحمه الله في العقيلة:
-
وقُل أتاكُم من كلِّ ما قطعُوا ... والخلفُ في كلَّ ما ردُّوا فشا خبرا
وكُلَّما ما أُلْقي اسْمع كلَّ ما دخلتْ ... وكلما جاءَ عن خُلْف يلي وقُرَا اهـ
وبعد: فقد بان لك أيها القارئ الكريم أن الحافظ ابن الجزري -رحمه الله تعالى- لا اعتراض عليه ولا قصور عنده للكلام كما قال ملا علي القاري فقد اتبع فيما قاله في المقدمة الجزرية والنشر إمامين جليلين كل منهما له قوله واعتباره في فن الرسم والقراءات وغيرهما من العلوم عند الأمة.
-
ورحم الله شيخ شيوخنا شيخ الإسلام أبا يحيى زكريا الأنصاري والعلامة ابن يالوشة حيث ذكرا في شرحيهما على المقدمة الجزرية المواضع المختلف فيها التي لم يذكرها الناظم بدون تعليق ولا اعتراض منهما لأنهما يعرفان أن الناظم قد تبع في ذلك الحافظ الداني في المقنع وإنما ذكرا المواضع المختلف فيها لإفادة الطالب وحسب: فلربما لا يقف على المقنع ولا على العقيلة فيفوته تحصيل مثل هذه الفائدة.
-
وأما العلامة الشيخ خالد الأزهري رحمه الله فلم يتعرض إلى هذه المواضع الثلاثة المختلف فيها في شرحه لا من قريب ولا من بعيد ولا اعترض على الناظم لأنه يعرف أن الناظم في ذلك قد تبع ما جاء في المقنع وأن ما ذكره الناظم في المقدمة الجزرية فيه الكفاية بالنسبة للطالب المبتدئ فرحم الله الجميع ورحمنا معهم بفضله وكرمه آمين.
-
ثانياً: وأما قوله عن ابن المصنف -رحمهما الله تعالى "وعبارة الناظم لا
ج ١ ص ٤٣٥تفهم الخلاف إلى هذه الثلاثة. فهذا صحيح لأن والده ترك الكلام على هذه الثلاثة في هذا المقام متبعاً في ذلك الداني كما تقدم.
-
ثالثاً: وأما قوله - أي ملا علي - عن الرومي "ولعله سكت عنها - أي المواضع الثلاثة - اكتفاء بذكر واحد منها ولاشتهار ما عداه عندهم فهذا كلام محتمل متوجه أيضاً - لأن الناظم رحمه الله اكتفى بذكر واحد من مواضع الخلاف وترك باقيها وقد تقدم في النشر أن المشهور في المواضع الأربعة المختلف فيها الوصل وهو مذهبه. فاعتذار الرومي - رحمه الله - عن الناظم هو اعتذار حسن مقبول له وجه. وليس بالاعتذار البارد ولا هو عن خطور الفهم شارد كما قال ملا علي القاري سامحه الله تعالى وتجاوز عنا جميعاً وألهمنا الاشتغال بما يرضيه. ورزقنا التوفيق والهداية في البداية والنهاية ومن علينا جميعاً بالقبول إنه خير مأمول.
-
الكلمة الثانية عشرة: "بئس " مع " ما " وردت هذه الكلمة في تسعة مواضع وهي في القرآن الكريم على ثلاثة أقسام وإليك تفصيلها:
القسم الأول: مختلف فيه بين القطع والوصل وهو موضع واحد في التنزيل في قوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [الآية: ٩٣] بسورة البقرة في الموضع الثاني منها فرسم في بعض المصاحف مقطوعاً وفي بعضها موصولاً والمشهور الوصل وعليه العمل.
-
القسم الثاني: موصول باتفاق أي وصل "بئس " بـ " ما " وذلك في موضعين اثنين:
أولهما قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: ٩٠] وهو الموضع الأول من سورة البقرة.
-
وثانيهما: قوله تعالى: {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي} [الآية: ١٥٠] بسورة الأعراف.
-
القسم الثالث: مقطوع باتفاق -أي اتفقت المصاحف على قطع "بئس " عن "
- ج ١ ص ٤٣٦
ما " وذلك في ستة مواضع في التنزيل وهي الباقية من هذه الكلمة.
-
الموضع الأول: قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: ١٠٢] وهو الموضع الثالث في سورة البقرة.
-
الموضع الثاني: قوله تعالى: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [الآية: ١٨٧] بسورة آل عمران.
-
والمواضع الأربعة الباقية كلها بسورة المائدة وهي قوله تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} ، {لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} ، {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} [الآيات: ٦٢، ٦٣، ٧٩، ٨٠] .
-
وما ذكره صاحب "العميد " من الخلاف في " بئس ما " في قوله سبحانه: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: ١٠٢] وهو الموضع الثالث بالبقرة والراجح فيه القطع فسهو منه رحمه الله إذ أن هذا الموضع من المواضع الستة المتفق على قطعها كما تقدم فتنبه.
-
وأما قول ملا علي القاري عن عدد مواضع كلمة "بئس ما " المقطوعة باتفاق في كتابه " شرح المقدمة الجزرية فالمجموع سبعة لا ستة كما توهم المصري" أهـ منه بلفظه فمما يستدرك عليه ويعد من أوهامه فإنه ذهب يعدد هذه المواضع فنسب لسورة آل عمران موضعين. وليس بها إلا موضع واحد لا ثاني له وهو قوله تعالى: {فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [الآية: ١٨٧] فعاد التحقيق إلى صحة ما ذكره العلامة المصري وإلى خطأ ما ذكره الملا علي القاري لكون هذه المواضع ستة لا سبعة فتأمل منصفاً.
- ج ١ ص ٤٣٧
رحم الله الجميع. ورحمنا معهم بمنه وكرمه آمين.
-
الكلمة الثالثة عشرة: "في" الجارة مع "ما" الموصولة. اختلف كتاب المصاحف في هذه الكلمة وينحصر اختلافهم هذا في أربعة أقوال وإليك بيانها:
- القول الأول: وفيه ثلاثة أقسام:
-
القسم الأول: مقطوع باتفاق أي قطع "في" عن "ما" وذلك في موضع واحد وهو قوله تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ} [الآية: ١٤٦] بسورة الشعراء.
-
القسم الثاني: مختلف فيه بين القطع والوصل فرسم في بعض المصاحف مقطوعاً وفي بعضها موصولاً، والأشهر القطع وعليه العمل وذلك في عشرة مواضع:
الأول: قوله تعالى: {فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ} [الآية: ٢٤٠] وهو الموضع الثاني بسورة البقرة.
-
الثاني: قوله تعالى: {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} [الآية: ٤٨] بسورة المائدة.
-
الثالث: قوله سبحانه: {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} [الآية: ١٦٥] آخر سورة الأنعام.
-
الرابع: قوله عز شأنه: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} [الآية: ١٤٥] بسورة الأنعام أيضاً.
-
الخامس: قوله عز من قائل: {وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الآية: ١٠٢] بسورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
-
السادس: قوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ} [الآية: ١٤] بسورة النور.
-
السابع: قوله تعالى: {شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ} [الآية: ٢٨] بسورة الروم.
- ج ١ ص ٤٣٨
الثامن والتاسع: قوله تعالى: {فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الآية: ٣] وقوله سبحانه: {فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الآية: ٤٦] الموضعان بسورة الزمر.
-
العاشر: قوله تعالى: {على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الآية: ٦١] بسورة الواقعة.
-
القسم الثالث: موصول باتفاق عموم المصاحف أي وصل "في" بـ "ما" وذلك في غير موضع القطع المتفق عليه والمواضع العشرة المختلف فيها بين القطع والوصل وذلك نحو قوله تعالى: {فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف} [الآية: ٢٣٤] الموضع الأول من سورة البقرة، وقوله تعالى: {فِيمَا طعموا} [الآية: ٩٣] بسورة المائدة، وقوله تعالى: {فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الآية: ٩١] بسورة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام وما إلى ذلك. وذكر هذا القول جل علماء التجويد وشراح المقدمة الجزرية وغيرهم.
-
هذا: ولم يتعرض الحافظ ابن الجزري في المقدمة الجزرية إلى الخلاف الذي في المواضع العشرة بل ذكر فيها القطع ولعله اقتصر عليه لشهرته ولكن تعرض له في النشر وشهر فيه القطع كما تعرض له غيره كما سيأتي:
- القول الثاني: وهو قسمان:
-
القسم الأول: مختلف فيه بين القطع والوصول وذلك في المواضع الأحد عشر المتقدمة كلها أي العشر المختلف فيها والموضع المتفق على قطعه في سورة الشعراء في القول الأول.
-
القسم الثاني: الوصل قولاً واحداً في المواضع العشرة والقطع في الحادي عشر وهو موضع الشعراء. ذكر هذا القول الحافظ أبو عمرو الداني في المقنع.
-
القول الثالث: وهو قسمان أيضاً.
-
أولها: القطع في المواضع الأحد عشر المتقدم ذكرها.